أداة لتوزيع الثروة أم ترسيخ للتمييز.. لماذا تفشل الضرائب في مصر في تحقيق العدالة؟

أصدرت مصلحة الضرائب المصرية القرار رقم (195) لسنة 2021 بإلزام الشركات المسجلة كافة بإصدار فواتير ضريبية إلكترونية لما تبيعه من سلع أو تؤديه من خدمات، وذلك اعتبارا من 15 سبتمبر/أيلول 2021. وجاء هذا القرار في إطار إجراءات التحوُّل الرقمي الذي يجريه الرئيس عبد الفتاح السيسي بالحكومة المصرية، وخاصة بالقطاع الاقتصادي والمالي والضريبي، إذ تأتي منظومة الفاتورة الإلكترونية بوصفها أحد مشروعات تطوير القطاع الضريبي بهدف دمج السوق غير الرسمي بمنظومة الاقتصاد الرسمي، ومحاربة التهرُّب الضريبي، واسترداد "مستحقات الدولة". (1)

في الوقت نفسه، يعتمد النظام المصري على نظام "الضريبة التنازلية"، وهي تثقل كاهل الشرائح الأدنى منزلة وتصُب بصورة غير مباشرة في صالح الأثرياء. ففي عام 2017، بلغت نسبة الإيرادات الضريبية المُستمَدَّة من الضريبة على القيمة المُضافة والضريبة على السلع والخدمات 44%، وتُفرَض كلتا الضريبتَين على الاستهلاك، ما يعني أنهما تنازليتان. في حين أن متوسط إيرادات الضريبة التنازلية في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) هو 33%. (2)

وقد وافق مجلس النواب المصري على قانون جديد لضريبة الدخل في 22 إبريل/نيسان 2020، يفرض ضريبة بنسبة 25% على المصريين الأكثر ثراء ممَّن يكسبون 400 ألف جنيه مصري سنويا، أي ما يوازي 25000 دولار أميركي، وهو معدل ضريبي متواضع نسبيا وفقا للمعايير الإقليمية والدولية، حيث تحتل مصر سابع أدنى مرتبة في أفريقيا من حيث معدل الضريبة على الأكثر ثراء. علاوة على ذلك، يُسجِّل معدل الضريبة على الشركات 22.5%، وهو خامس أدنى معدل في أفريقيا. (2)

في هذا السياق، تبدو إجراءات التحوُّل الرقمي الضريبي في جوهرها محض توسُّع في جمع الضرائب، ومحاولة لاستيعاب الاقتصاد غير الرسمي، في حين يبدو أن فلسفة النظام الضريبي في مصر تحتاج إلى إصلاح جذري، فلم تَعُد الضرائب أداة لتوزيع الثورة كما هو الهدف من وجودها، بل باتت أداة تُعزِّز مراكمة الثروة بيد فئة ضيقة من المنتفعين.

الضرائب وظهورها في مصر

ظهرت فكرة الضرائب أول ما ظهرت في الدول الحديثة بوصفها أداة لسد عجز الموازنة العامة وزيادة إيرادات الدولة، خاصة في أوقات الحروب والكوارث والأزمات، وكانت بريطانيا من أوائل الدول التي طرحت فكرة الضرائب وجمعتها، إذ اقتضت الضرائب بداية أن يكون غالبية المواطنين إما من العُمَّال الأُجَراء الذين يبيعون قوة عملهم في مقابل الدخل النقدي حتى تستطيع الدولة أن تقتطع من هذه الدخول ضرائب المرتبات، وإما من أصحاب رأس المال ممَّن يبيعون الإنتاج السلعي ويحصلون في مقابله على النقد. وثمة سبب آخر تُشير إليه أستاذة الاقتصاد السياسي "مارجريت لِفي" لظهور الضرائب في بريطانيا والنجاح في تطبيقها، وهو التطور المؤسسي الذي تميَّزت به بريطانيا عبر تطبيق الإصلاحات البيروقراطية والمالية أثناء القرن الثامن عشر، ففي عام 1875 أُعيدت هيكلة وبناء إدارة الضرائب، إذ أصبحت تنقسم إلى مكتبين؛ واحد للجمارك، وآخر لكل الضرائب الأخرى.

في مصر، بدأت ضرائب الدخل سنة 1939، أي بعد ما يقرب من مئة عام على ظهورها في إنجلترا. فرغم أن بداية تأسيس الدولة الحديثة في مصر ترجع إلى عهد محمد علي، فإن النهضة العلوية لم تكن بيئة مُهيَّأة لنشأة نظام ضريبي حديث، أي نظام للضرائب على الدخول، وذلك لأن "الصناعة الوليدة كانت تابعة للدولة وحكرا عليها، فقد أخذت الدولة بنظام الاحتكار الذي قضى على طبقة الحرفيين، تلك الطبقة التي كان بإمكانها في ظروف طبيعية أن تتحوَّل إلى برجوازية تجارية وصناعية كما حدث في أوروبا". (3)

رغم ذلك، وضع محمد علي المجتمع المصري على طريق التحوُّل الرأسمالي، وبدأ عدة إجراءات اقتصادية أحدثت تغيرات اجتماعية وطبقية غيَّرت وجه مصر لعقود طويلة. فقد ألغى محمد علي نظام الالتزام، وهو النظام السائد قبل حُكمه، حيث كان المماليك يدفعون مقابلا ماليا للدولة العثمانية نظير جمع الضرائب من الفلاحين القائمين على زراعتها، وهي فئة سُمِّيت بـ"الملتزمين"، كما أمَّم الأراضي الزراعية وأعاد توزيعها باعتبارها حق انتفاع على الفلاحين وعلى حاشيته، وبذلك آلت له حقوق الملتزمين وسُلطتهم. (3)

بجانب إعادة توزيع الأراضي الزراعية، مَثَّلت الأزمة المالية في عهد الخديوي إسماعيل الخطوة الأهم في نشأة طبقة المُلاك الزراعيين في مصر، فقد اضطرت الدولة تحت وطأة الديون المتفاقمة إلى إصدار قانون المقابلة سنة 1871، وبمقتضاه أمكن أن تُدفع ضرائب الأراضي مضاعفة عن ست سنوات مقابل الإعفاء من نصف ضريبة الأطيان إلى أجل غير مُسمى ومنح ملكية الأرض. بيد أن أحدا لم يتمكَّن من دفع ضريبة السنوات الستة سوى كبار المُلاك، الذين شكَّلوا نواة الإقطاع في مصر والنواة الرئيسية للاستثمار الصناعي فيما بعد.

وفي محاولة أخرى لإنقاذ الخزينة المصرية، فرض إسماعيل عددا كبيرا من الضرائب لتوفير أكبر قدر ممكن من الإيرادات، لكنها لم تشمل ضريبة دخل. ولم تُنتِج هذه المحاولات البائسة وفرة مالية، بل على العكس، تفاقمت مشكلة الديون أثناء القرن التاسع عشر، واتجهت العوائد الضريبية بالأساس إلى خدمة مصالح الدائنين، بل إن عائدات الضرائب صارت ضمانة تستخدمها السلطة في كثير من الأحيان للحصول على ديون جديدة. (3)

تأسيس النظام الضريبي في مصر


بعد معاهدة الاستقلال مع بريطانيا عام 1936، حصلت مصر على تعهُّد من بريطانيا بالمساعدة على إلغاء الامتيازات الأجنبية، تلك الامتيازات التي شلَّت يد الحكومة المصرية عن فرض الضرائب على المصريين، إذ إن الضرائب عادة ما قوبلت بضغوط سياسية واجتماعية كبيرة نتيجة التفرقة الفجة في المعاملة الضريبية بين المصريين والأجانب. (4)

ونتيجة لذلك، كان أول قرارات وزير المالية بعد معاهدة 1936 هي زيادة الضرائب، وقال الوزير آنذاك إن الحكومة "ستكون في حاجة إلى المال لمواجهة زيادة النفقات على الدفاع، وإن الأموال اللازمة لمقابلة زيادة النفقات ستُجمع بالضرورة عن طريق فرض الضرائب". وفي هذا السياق كانت زيادة الضرائب دون ريب واحدة من النتائج المُجملة للمعاهدة الإنجليزية المصرية، رغم أن الحكومة أكَّدت أنه من الصعب أن تُحدِّد الآن "الشكل الذي ستتخذه الضرائب الجديدة، وهل ستكون ضرائب مباشرة جديدة أم زيادة في الضرائب المُقرَّرة". (5)

رغم غموض خطاب وزير المالية، لم يمر إلا نصف عام حتى بدأت الماكينة الحكومية تعمل على قدم وساق لتحديث النظام الضريبي في مصر. فقد أصدرت وزارة المالية المصرية قرارا بتشكيل لجنة لإعادة النظر في النظام الضريبي بأكمله في نوفمبر/تشرين الثاني 1937، وترأس اللجنة "حبيب بك المصري"، المسؤول حينئذ عن "مراجعة إيرادات الحكومة ومصروفاتها"، واشتملت اللجنة على كوادر من الجهاز الضريبي المصري، تحديدا من الجهاز الجمركي، ومن وزارة المالية ومصلحة الإحصاء واتحاد الصناعات، مع خبراء من الأكاديميات المصرية في مجالَيْ الحقوق والتجارة. وقد ألغت اللجنة الأشكال السابقة للضرائب، وشرعت في وضع قانون جديد للضريبة على الأرباح التجارية والصناعية، وكانت هذه الضرائب نواة أول قانون مصري لفرض ضريبة على الدخل سنة 1939، أو بمعنى آخر، مَثَّلت لحظة الخروج من عالم الضرائب القديم والولوج إلى عالمه الحديث. (5)


مع بداية الأربعينيات، بزغ فجر ضرائب الدخل في مصر، وراحت شمس عصر ضرائب الأطيان ترنو إلى الأُفول، وقد هدفت "فكرة الضريبة على الإيراد ببساطة لإخضاع الدخول الشخصية الخاصة بالأفراد إلى ضرائب استثنائية تتناسب مع مستوى دخولهم"، وهو ما نعرفه اليوم بـ"الضرائب التصاعدية"، وهي فكرة مشابهة لضريبة في أوروبا عُرفت باسم "Super tax". (5)

كان ذلك تحوُّلا كبيرا بكل المقاييس. فحتى بدايات القرن العشرين، كان العالم يُدار "بلا ضريبة تقريبا"، كما يقول الاقتصادي الفرنسي "توماس بيكتي"، "فحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى لم يوجد في معظم البلاد أي ضريبة على الدخول التي يُولِّدها رأس المال أو على أرباح الشركات، وفي الحالات النادرة التي وُجدت فيها مثل تلك الضرائب كانت معدلاتها منخفضة جدا"، لكن سرعان ما تبدَّل الحال أثناء العقود الأولى من القرن العشرين، لتتحوَّل الضريبة في الغرب من مجرد إجراء مالي إلى أمر يتعلَّق أولا وأخيرا بالعدالة الاجتماعية، وهي المحطة التي بلغتها مصر متأخرة أيضا عام 1949.

في هذا السياق العالمي من تصاعد الضرائب وصولا إلى حدها الأعلى في الغرب أثناء الأربعينيات (90%)، أقرَّ البرلمان المصري الضريبة العامة على الإيراد سنة 1949، ووصل أعلى مستوى للضريبة إلى 50%. بيد أن مسيرة زيادة الضرائب العامة على الإيراد لم تتوقَّف عند هذه النقطة، ففي عام 1951 ارتفع الحد الأقصى إلى 70%، وبعد أقل من شهر على حركة الضباط في يوليو/تموز 1952، صدر قانون جديد يرفع النسبة إلى 80%. وتحت حكم النظام الناصري عُدِّل نظام ضريبة الإيراد لكي يخضع متوسطو الثراء للأسعار العليا للضريبة مثلهم مثل الأكثر ثراء، فارتفعت النسبة الأعلى للضريبة سنة 1961 إلى 90% ثم إلى 95% سنة 1965، وهو العام الذي انقلب فيه النظام الضريبي بمصر رأسا على عقب.

اشتراكية الضرائب.. من توزيع الثروة إلى مُصادرة الدخل

تكشف الصورة الكلية للتشريعات الضريبية في مصر بين الأربعينيات والستينيات عن توجُّه فلسفة القانون تدريجيا إلى إعادة توزيع الدخول في المجتمع. وفي نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، بدأ النظام الناصري العمل على "تفتيت الملكيات الكبيرة"، فلم تَعُد الرسوم والضرائب تهدف إلى زيادة إيرادات الدولة فحسب، بل أيضا إلى إعادة تشكيل الثروة وتوزيعها داخل المجتمع إلى حد إزالة طبقات كاملة.

كانت الصورة التي روَّجتها بروباغندا دولة يوليو الوليدة عن نفسها هي صورة النظام الموالي للفقراء والمُعادي للإقطاع والرجعية، وهي الصورة التي اكتسب منها النظام الناصري شرعيته الجماهيرية، لكنها غطَّت على خلل كبير بالنظام الضريبي وتشريعاته، وهو خلل جعل نظام الضرائب في مصر غير واقعي وغير فعَّال.

فرغم أن الضرائب كانت إجراء "ليبراليا صرفا" منتشرا في الدول الرأسمالية، ورغم أن الدولة المصرية الجديدة كانت اشتراكية الطابع أمَّمت المؤسسات والشركات الكبرى واستولت عليها، فإن الجميع ردَّد ما قالته الحكومة مهما بدا متناقضا. وقد أوضح "فريد نجيب" ضمن الرسالة التي أعدَّها لنيل درجة الدكتوراه بجامعة القاهرة في السبعينيات، وهي بعنوان "الضرائب في المجتمع الاشتراكي العربي"، الخلل الذي خلقه هذا التناقض، فيقول:

"كثر الجدل في مصر حول هذا الموضوع، لا سيما غداة إعلان القوانين الاشتراكية في يوليو/تموز سنة 1961، والأساس المنطقي للخلاف هو أنه ما دامت الدولة تملك أغلب وسائل الإنتاج وتقوم هي بنفسها بالعملية الإنتاجية، وتسيطر على النواحي الاقتصادية والاجتماعية بوضع الخطط المختلفة، كما أنها تسعى إلى إذابة الفوارق بين الطبقات أو على الأقل لتقليل التفاوت بين الدخول، فلماذا تحتفظ بالضرائب سواء المباشرة أو غير المباشرة؟ ذلك لأن الأرباح التي تُحقِّقها المشروعات العامة تؤول إلى خزانة الدولة في صورة فائض، فإن أخضعت هذه المشروعات للضرائب لا تجني الدولة من ذلك إلا أعباء إدارية ومالية، بينما المورد المالي مُحقَّق لا محالة. وأما إذا كانت تبغي من فرض الضرائب توجيها اقتصاديا أو اجتماعيا معينا، فلديها الأسعار تُحدِّدها كما تشاء وفقا للخطة الموضوعة".

ويُعلِّق الباحث الاقتصادي "محمد جاد" قائلا: "إن دولة يوليو في الستينيات كان أمامها طريقان للتعامل مع رأس المال، الأول هو التأميم، والثاني هو الضرائب. وما يبدو لنا من تحليل التطبيق العملي للسياسات الضريبية في عهد عبد الناصر هو أن الدولة ركَّزت على التأميم بوصفه طريقة عملية لإعادة توزيع الثروة، أما الضرائب فقد واجهت عقبات عدة في التنفيذ، وأدَّى الفشل في تطبيقها إلى تحويل بعض سياسات الضرائب الطموحة إلى محض دعاية سياسية".

أوقفت الحكومة النمو الطبيعي لضريبة الأطيان الذي يعتمد على مسح تقسيم الأراضي كل عشر سنوات، لكن مصر ظلَّت تعتمد ضريبة الأطيان حسب التقسيم المعمول به في سنة 1966 حتى سنة 1975. أما الضريبة العقارية (على المباني)، فساهمت الدولة كذلك في الحد من نموها لتجعلها أداة تحد من السكن الفاخر، بدلا من أن تكون نسبة ثابتة تُقتطع من القيمة الإيجارية للمسكن. وكانت النتيجة هي الحد من إيرادات السكن الفاخر، وتعطل تطور قوانين الإيجار الذي خلق فيما بعد مشكلة الإيجار القديم المستمرة حتى الآن في مصر. وفي الوقت نفسه، لم تحل مشاريع الإسكان الاجتماعي مشكلة الإسكان، ورغم الشروع في بناء مدن عمرانية جديدة، ظلَّ نطاق تطبيق الضريبة العقارية محدودا قياسا بالتوسُّعات العمرانية.

أما بالنسبة لضريبة الدخل، ركَّزت مصلحة الضرائب على الأرباح التجارية والصناعية، فزادت مساهمة ضرائب الأرباح التجارية والصناعية في مجمل حصيلة الضرائب من 4.7% عام 1959 إلى 8% عام 1964، غير أن هذه الضرائب في الحقيقة لم تكن إلا تحويلا على ورق لجزء من الفوائض التي حقَّقتها الشركات التي استولت عليها الدولة من البداية. وقد مَثَّلت ضريبة الإيراد 1% فقط من إجمالي الضرائب المباشرة، ورغم المعدلات التي وصلتها هذه الضريبة في نهاية الحقبة الناصرية (95%)، فإنها لم تستطع مناطحة ضرائب الأرباح التجارية والصناعية بنسبها المحدودة التي مَثَّلت 34% من حصيلة الضرائب المباشرة. (5)

ما يعنيه كل ذلك هو فشل الدولة الجديدة والنظام الناصري في تحقيق العدالة الاجتماعية المُستهدَفة من النظام الضريبي، بل إن النظام الضريبي كله وقف فوق مستنقع من التهرُّب الضريبي والفساد والتربُّح في ظل قطاع عام مُتضخِّم وغير مُنتِج، وهذا ما ذهب إليه اقتصاديون كُثُر مثل "محمود عبد الفضيل" الذي قال: "رغم تصاعد المعدلات الحدية للضريبة العامة على الدخل منذ عام 1961، فقد ظل هذا التصاعد نظريا فقط دون فاعلية حقيقية في التطبيق، إذ لم تمتد الضريبة فعلا إلى فئة كبار الممولين ذوي الدخول والثروات الكبيرة التي تولَّدت منذ أواخر الستينيات في نشاطات تجارية ومهنية وطفيلية واسعة النطاق، وذلك بسبب اتساع نطاق انتشار التهرُّب الضريبي". (5) وقد جعل ذلك في الأخير من عجز الموازنة أزمة مستمرة في دولاب نظام يوليو الذي لجأ مضطرا إلى الضرائب غير المباشرة، مثل القيمة المُضافة.

عصر القيمة المُضافة وأُفول العدالة الاجتماعية

عبد الناصر وزكريا محي الدين

في أكتوبر/تشرين الأول 1965، استدعى عبد الناصر رفيقه بالأيام الخوالي "زكريا محيي الدين" لرئاسة الوزراء، وكان هذا العام مهما للغاية بالنسبة للنظام الناصري، فهي السنة الفاصلة بين الخطة الخمسية الأولى وتلك الثانية التي لم تأتِ أبدا. وفي هذا السياق، طُرحت معضلة توفير التمويل على حكومة زكريا محيي الدين، واتخذت اللجنة العليا للاتحاد الاشتراكي حينها قرارا بفرض ضريبة تحمل اسم "فروق الأسعار" عبر زيادة أسعار بعض السلع وتحويل حصتها إلى خزانة الدولة، مع السماح للحكومة باللجوء إلى هذا المورد مستقبلا حتى تستطيع زيادة مواردها دون الحاجة إلى الحصول على موافقة السلطة التشريعية. (5)

على غرار ما يُردِّده السيسي دوما في خطاباته، نقلت الأهرام عن محيي الدين حديثا مُفصَّلا يشرح فيه خطاب الدولة بشأن زيادة الأسعار، وقال فيه إن هذه الإجراءات جاءت على خلفية "زيادة كبيرة في أعداد السكان، وفي الوقت نفسه زيادة في الأجور أدَّت إلى زيادة الاستهلاك بنسبة تفوق الزيادة في معدلات الإنتاج". ومنذ ذلك التوقيت، توسَّعت الدولة في فرض ضرائب فروق الأسعار حتى باتت في فترة قصيرة مصدرا رئيسيا من مصادر الحصيلة الضريبية، لكن ضريبة فروق الأسعار لم تكن الضريبة غير المباشرة الوحيدة، فقد كانت هناك ضرائب الإنتاج التي فرضتها الدولة على المنتجات المحلية، وضرائب الاستهلاك التي فُرضت على المنتجات المستوردة المنافسة للمنتجات الوطنية الخاضعة بدورها لضرائب الإنتاج، وكذلك ضرائب الرسوم الجمركية. (5)

برحيل عبد الناصر عن الحُكم والحياة، تُرِك المجال وراءه مُهيَّأ ليسير به السادات إلى مصيره المحتوم دون الحاجة إلى الغطاء الإعلامي المُتعلِّق بالاشتراكية ومناصرة الفقراء. فقد اختمرت بالفعل آنذاك الطبقات الجديدة التي استطاعت أن تُكوِّن ثروات عبر علاقتها بالدولة، ومجموعات المنتفعين من القطاع العام، مع الطبقة التي استفادت من تعاملات السوق الموازية، وانتظرت قرارات الانفتاح الاقتصادي والتعديلات الضريبية على أحرّ من الجمر.

انقلبت المنظومة الضريبية في مصر بنهاية عصر السادات رأسا على عقب، ولم تَعُد أداة للعدالة الاجتماعية، كما أن العبء الضريبي بدأ يتخذ شكله التنازلي الموجود الآن

جاءت تعديلات عام 1978 لتُخفِّض الضريبة على الإيراد إلى 80% على الدخول التي تتجاوز مئة ألف جنيه، بجانب حصر النشاطات الاقتصادية الجديدة وإدخالها تحت مظلة الضرائب، لكن التهرُّب الضريبي وإجراءات تطبيق ضريبة الدخل والإيراد وتقديم الإقرارات الضريبية مَثَّلت معضلة جعلت مصلحة الضرائب عاجزة عن القيام بدورها بفعالية.

مع استمرار عجز الموازنة، أصدر السادات سنة 1981 قانونا جديدا للضرائب ألغى بمقتضاه منظومة تشريعات الأربعينيات كلها (1939 لضرائب الدخل و1949 لضريبة الإيراد)، وبدلا من مواجهة العجز المرتفع بدور أكبر للضريبة، اعتبر أن ارتفاع أسعار الضريبة يُسبِّب التهرُّب الضريبي، ومن ثمَّ عمل على تخفيض الضريبة العامة على الدخل لتكون أعلى نسبة لها 50% على الأجور التي تتجاوز 75 ألف جنيه.

مع التوسُّع في الاقتراض وفرض الضرائب غير المباشرة على السلع وما صاحب ذلك من زيادة في الأسعار، انقلبت المنظومة الضريبية في مصر بنهاية عصر السادات رأسا على عقب، ولم تَعُد أداة للعدالة الاجتماعية، كما أن العبء الضريبي بدأ يتخذ شكله التنازلي الموجود الآن، على النقيض من نظام الضرائب التصاعدية المعمول به في الدول الغربية.

من مبارك إلى السيسي.. الضرائب "تصب في مصلحتك أولا"

"تعدَّدت الضرائب وانفردت بغرابتها، فإلى جانب خراج الأرض وعوائد المباني والرسوم الجمركية ورسم الدمغة، كانت توجد ضريبة النخيل، وضريبة الفردة على الرؤوس، وضريبة المهن، وضريبة الملح، وضريبة على تربية الماعز والخراف، والرسوم الدخولية التي تُفرض على انتقال البضائع والمواشي من منطقة إلى أخرى، ورسوم المرور التي تدفعها المراكب التي تمر تحت الكباري، والرسوم على معاصر الزيت وأفران الحمص، ورسوم الوقوف بالطريق العام، وغيرها من الضرائب الفريدة من نوعها".

(محمود درويش، دين مصر العام، 1860-1929، مصر المعاصرة)

في بداية عصر مبارك، رُفعت ضريبة الشركات إلى 40%، لكن استُثني منها أرباح الشركات الصناعية الناتجة عن نشاطها الصناعي، والأرباح الناتجة عن نشاط التصدير، بحيث تخضع لنسبة 32% فقط، وفي الوقت نفسه، رفع أعلى سعر للضريبة العامة على الدخل إلى 65% على الدخل الذي يتجاوز 200 ألف جنيه سنويا. (5)

وفي عام 1993، أدخل مبارك تعديلا تشريعيا واسعا على قانون سنة 1981، مُستهدِفا في المقام الأول استكمال عملية التحوُّل من نظام الضرائب النوعية إلى الضرائب الموحَّدة، وبمقتضى ذلك توحَّدت مختلف الضرائب النوعية التي فُرِضَت على الأفراد تحت ضريبة موحَّدة على مختلف أرباح الأشخاص الطبيعيين، ونتيجة لذلك أُلغيت الضرائب النوعية القديمة كافة ومعها الضريبة العامة على الدخل. (5) وقد مَثَّل إلغاء ضريبة الدخل المسمار الأخير في نعش العدالة الضريبية، وإعلانا مباشرا عن التحوُّل من استخدام جمع الضرائب لزيادة إيرادات خزينة الدولة إلى استخدام "الإعفاء الضريبي" الذي قد يسمح بعملية التراكم الرأسمالي ويجذب المستثمرين.

على الجانب الآخر، لعبت الإعفاءات الضريبية دورا بارزا في منح مساحة للنظام السياسي للتفاوض على قيمة العبء الضريبي الموقَّع على كل شركة، ما أمكن استغلاله في تعزيز مكانة الأطراف الداعمة للنظام. وهكذا، تكوَّنت نُخَب رجال الأعمال المرتبطين بالحزب الوطني الحاكم، كما استطاع السياسيون المرتبطون بالنظام التأثير على صنع القرار بشأن أي قطاعات تحظى بالإعفاءات في المناطق الاقتصادية الخاصة. بعبارة أخرى، شجَّعت السياسة الضريبية العامة لنظام مبارك على انكماش دور الدولة الضريبي عبر سياسة الإعفاءات، في ظل رغبة الدولة في استمرار أسعار معتدلة للضريبة، وحاجة النظام إلى تجميد منظومة الضرائب على الثروة في مواجهة المقاومة المجتمعية لأصحاب الأصول والحاجة إلى تأييدهم السياسي. (5) وفي مقابل الانكماش الضريبي، اندفعت الدولة بقوة نحو الحد من الإنفاق العام عبر سياسات مثل الخصخصة وكبح الدعم. لكن الدولة واجهت في المقابل تحديات مالية كبيرة عكستها مستويات العجز التي بلغت نحو 10% من الناتج القومي في السنوات الأولى من الألفية الجديدة، وهو أحد المُسبِّبات القوية لانفجار الأوضاع السياسية.

أما نظام السيسي فقد جمع خصالا عديدة من كل هذا التاريخ الطويل للسياسات الضريبية في مصر، فلم يكتفِ بالتوسُّع الشديد في الاستدانة من الخارج، بل قرَّر استنزاف أكبر قدر من الأموال من جيوب المواطنين، فكما وصف درويش تعدُّد الضرائب وتفرُّدها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى العقد الثاني من القرن العشرين، أصدر السيسي عدة قرارات مُماثلة في إثارتها للدهشة، منها: خصم 1% من مرتبات الموظفين، و0.5% من أصحاب المعاشات بداية من شهر يوليو/تموز 2020 لمدة عام قابلة للزيادة، لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناتجة عن انتشار الأوبئة.

بالتزامن، أُقِرَّت تعديلات على قانون "رسم تنمية الموارد المالية للدولة" بعد تصديق السيسي عليه، وتضمَّنت زيادة عدد من الرسوم، مثل رسوم استخراج المحررات الرسمية من مصلحة الشهر العقاري التي ارتفعت من جنيه واحد إلى 5 جنيهات، فضلا عن فرض رسوم جديدة على تراخيص الشركات الرياضية وأجهزة المحمول والإكسسوارات بنسبة 5%، وخدمات الإنترنت المُقدَّمة للشركات والمنشآت بواقع 2.5% من قيمة الفاتورة، كما أقرَّت زيادة "ضريبة الإذاعة" في يوليو/تموز 2020 من 140 قرشا إلى 100 جنيه عن السنة الواحدة في أي سيارة مُجهَّزة لاستخدام الراديو حتى لو لم يعمل بداخلها، وهو قرار يُتوقَّع أن يجلب دخلا يتراوح بين 700 مليون جنيه إلى مليار جنيه سنويا.

أما الهاتف المحمول، فأُعلن عن زيادة ضريبة الدمغة على استخدامه لتصبح 67 قرشا بدلا من 51 قرشا لعملاء الكارت المدفوع مقدما، علاوة على رفع قيمة الضريبة لعملاء الفاتورة إلى 8 جنيهات بدلا من 6.10 جنيهات، وهو ما يدر مبالغ ضخمة مع وجود أكثر من 96 مليون اشتراك بخطوط الهاتف المحمول حسب شركة فودافون.

في الوقت نفسه، خفَّضت الحكومة المصرية الإنفاق الاجتماعي والدعم الحكومي، عبر تقليص الدعم عن الخبز، وزيادة سعر تذكرة المترو بالقاهرة، وزيادة أسعار المحروقات والطاقة. وقد أعاد نظام السيسي هيكلة ضريبة الدخل في 22 إبريل/نيسان 2020، بحيث تُفرض ضريبة بنسبة 25% على المصريين الأكثر ثراء ممَّن يكسبون 400 ألف جنيه مصري سنويا. هذا وتتمتع الشركات التابعة للمؤسسة العسكرية بإعفاءات ضريبية هائلة، وتُستثنى من الموجبات والتنظيمات الخاصة بالمشتريات التي تُفرَض على الشركات المدنية. ومن الأمثلة البارزة على ذلك إعفاء الشركات المملوكة للجيش من الضريبة على القيمة المُضافة عام 2016، وكذلك يُعفى الجيش من ضرائب الأرباح التي يجنيها من الفنادق المملوكة له ومن مبيعات المواد الغذائية الأساسية، ويُعفى من الرسوم الجمركية. (7)

في ظل هذا النظام الضريبي المُشوَّه، الذي تُستمد فيه 44% من الإيرادات الضريبية من الضرائب غير المباشرة (القيمة المُضافة والضريبة على السلع والخدمات)، أي من الاستهلاك، تصبح الضرائب تنازلية أكثر من ذي قبل، أي إنها لا تأخذ في الاعتبار الفوارق الشاسعة في الأرباح والأجور. لا تبدو الضرائب الإلكترونية في هذا السياق، المنفصم عن الأهداف الجوهرية للضرائب مثل العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة، إلا مجرد رقمنة للحصار الضريبي غير المتكافئ المفروض على المصريين، فيما يبقى نظام الإعفاءات الضريبية المعمول به دون تغيير يُذكَر.

_________________________________________________________

المصادر والهوامش:

  1. الضرائب تلزم المسجلين بإصدار فواتير ضريبية إلكترونية.
  2. حرب السيسي على الفقراء. 
  3. الضرائب.. مصلحة من؟ قراءة في الاقتصاد السياسي للضرائب بمصر، دار المرايا.
  4. مثال على ذلك ما جرى في حالة ضريبة "الباتنتا"، وهي ضريبة مباشرة فُرِضَت على الشركات المساهمة العاملة في المجالات المالية والتجارية والصناعية، حيث "احتج المصريون على فرض الضريبة عليهم وحدهم" مما أجبر الدولة على تعميم إلغاء الضريبة.
  5. الضرائب.. مصلحة من؟ قراءة في الاقتصاد السياسي للضرائب بمصر، دار المرايا.
  6. السطو على جيوب المواطنين.
  7. حرب السيسي على الفقراء. 
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يبدو الفقر أمرا طبيعيا بمسيرة التاريخ الإنساني، وهو نتيجة حتمية لسوء توزيع الثروات، أو بسبب الكوارث الاقتصادية التي لا تنفك عن المجتمعات.. فكيف عاش فقراء مصر قبل سبعة قرون؟

Published On 8/3/2021

حوَّل نجيب بقلمه العربجي إلى شاهد على عصره، ولسان صدق على التحولات الغريبة واللافتة التي طرأت على المجتمع المصري، التي لا يزال بعضها صالحا لوصف مجتمعنا اليوم رغم مرور مئة عام على كتابة “مذكرات عربجي”.

Published On 25/4/2021

مصر والسودان، علاقة متجذّرة، تتراوح تجاذباتها بين التحالفات والصراعات، إلا أن قصة مساعي الوحدة بين القُطرين، ومن ثم فشلها، شكلت محطّة فارقة بصفحات التاريخ.. حكاية سنوات الخداع من البداية بهذا التقرير.

Published On 10/8/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة