شرطة حماية الأخلاق.. لماذا يحاول النظام المصري لعب دور حامي الفضيلة؟

"الواقع إن إحنا ولادنا خرجوا عن السيطرة، يعني سيطرة توجهاتنا إلى توجيه آخر، هو توجيه مواقع التواصل، وبقى النهارده ده خرج عن السيطرة، وبالمناسبة كان لازم تعترف بكده، ولازم تعترف بكده، وتعتبره تطور من التطور اللي حاصل للإنسانية".

(عبد الفتاح السيسي)

 

في شهر نوفمبر/تشرين الثاني، انتشرت على مواقع التواصل في مصر صور من جلسة تصوير لعارضة أزياء مصرية ترتدي ملابس فرعونية مكشوفة نسبيا أمام أهرامات "سقارة"، أحد أهم الآثار الفرعونية في مصر. ردود الأفعال على الصور تراوحت بين السخرية والاستهجان واللا مبالاة. لم تمر أيام على تلك الحادثة حتى أعلنت السلطات في مصر القبض على عارضة الأزياء نفسها، والمصور، وتوجيه تهم قضائية تتعلق بمخالفة الأخلاق العامة، والتعدي على قيم الأسرة المصرية، وخلاف ذلك من تهم باتت معتادة في الآونة الأخيرة في مصر (1).

 

في وقت سابق، وتحديدا في منتصف هذا العام، قامت السلطات الأمنية بالقبض على عدد من الفتيات في مراحل عمرية تتراوح بين المراهقة حتى أوائل العشرينيات، فيما عُرِف إعلاميا بـ "قضية فتيات التيك توك" (2)، حيث وُجِّهت قائمة التهم السابقة نفسها مع إضافة تهمة جديدة، وهي: نشر الفسق والفجور. بدأت القضية تحديدا مع بداية أزمة فيروس "كوفيد-19" وتعميم سياسات الحظر والحجر الصحي، حينها بدأ العديد من المصريين، كما العديد حول العالم، في متابعة مواقع التواصل بشكل مكثف، لتمرير الوقت الطويل في ظل الحظر والحجر الصحي والتباعد الاجتماعي، هنا اكتشف الجميع، كما يبدو، التطبيق الجديد "TikTok".

فتيات التيك توك "مودة الأدهم" و "حنين حسام"

بدا العالم هناك منفصلا، بشكل كبير، عن فيسبوك وتويتر، إذ هو عالم له مشاهيره وقواعده وممارساته التي تبدو متشابهة إلى حدٍّ بعيد في أغلبية بلدان العالم، من رقص ومقاطع ترفيهية ورياضية وغير ذلك، وسرعان ما بدأت تظهر ردود أفعال غاضبة على منصات التواصل الاجتماعي حول "ممارسات تحررية" للفتيات المراهقات على التطبيق. لم تتأخر السلطة في مصر عن مواكبة الحدث، وقامت بالقبض على الفتيات أصحاب العدد الأكبر من المتابعين على التطبيق الجديد.

 

في سياق غير بعيد، أثناء فعاليات مهرجان الجونة السينمائي، اندلعت ردود أفعال "محافظة" تجاه ملابس الممثلة المصرية "رانيا يوسف" أثناء إحدى فعاليات المهرجان، لتصدر أوامر النيابة العامة المصرية باستدعائها وخضوعها للتحقيق، لكن دون تهمة قانونية هذه المرة، لتخرج الفنانة بعد انتهاء التحقيق مُعتذرة للمجتمع المصري، تبدو هذه القصص كلها للوهلة الأولى غير مترابطة ولا تدل على شيء ملموس، لكن هذه القصص هي الأكثر شهرة فقط وتم تغطيتها إعلاميا بشكل جيد.

 

قبل أكثر من عام، انتشر على مواقع التواصل مقطع مصور في إحدى الجامعات المصرية لشاب يتقدم لخطبة فتاة وسط الجامعة في حضور جمع من أصدقاء الطرفين، ويظهر عدد من ردود الأفعال على مواقع التواصل التي تستنكر جرأة الشاب والفتاة بعد إعلان ارتباطهما على مواقع التواصل. يتطور الأمر ويُحوَّلان للتحقيق بواسطة حرس الجامعة، وهي مؤسسة شرطية تابعة لوزارة الداخلية.

 

مع كل هذه القصص، وغيرها أيضا، مثل واقعة صورة محمد رمضان مع المغني الإسرائيلي، التي استُدعي على إثرها للتحقيق مباشرة، وصورة الممثلة الشابة "رحمة حسن" على أحد الشواطئ، جميعها تشترك في رابط أساسي هو التأثر الواضح للسلطة القانونية في مصر بالاتجاهات السائدة على مواقع التواصل، ورصدها ثم التصرف على أساسها بوصفها سلطة قانونية وقضائية وقبل ذلك أخلاقية ومحافظة.

 

بحسب الباحث والمحلل السياسي تامر وجيه (3)، يحاول نظام السيسي بوصفه نظاما للثورة المضادة إرجاع المجتمع إلى ما كان عليه قبل عام 2011 وكل ما تلاها من حراك سياسي واجتماعي وثقافي. يُضيف وجيه أن المفارقة التي لا يُدركها النظام أنه في غمرة ثورته المضادة وتحطيمه لكل التيارات التي شاركت في الثورة، وضع نفسه في المأزق الذي يعاني منه الآن، فبعد تحطيم الثورة وتحطيم التيارات المشاركة في الثورة، وعلى رأسها حركات الإسلام السياسي، لم يعد ممكنا أبدا الحديث عن مجتمع ما قبل الثورة.

 

في هذا السياق، يتفق عدد غير قليل من الباحثين المصريين مع أطروحة تامر وجيه (3) أن مجتمع ما قبل الثورة الذي يحلم به النظام، الذي اتسم بالمحافظة الاجتماعية واحترام المشاعر الدينية، وعدم خروج قضايا من قبيل حقوق المثليين والإجهاض والعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج للعلن، ساهم في وجود هذه الحالة واستمرارها بشكل أساسي ما يُعرف بـ "الصحوة الإسلامية المصرية" التي انطلقت منذ السبعينيات، التي عزَّزت عبر حركيتها الاجتماعية الضخمة وشبكاتها الخدمية ورموزها الدعوية روح التديُّن والمحافظة الاجتماعية، التي شكَّلت السمت العام للمجتمع المصري والطبقة الوسطى بشكل أساسي طيلة عقود سبقت الثورة المصرية.

 

وفق هذا الواقع، يذهب الباحث الشاب والمحلل السياسي بلال علاء (4) إلى أن جوهر الأزمة التي يعاني منها النظام أنه بعد حربه الشرسة مع الإسلاميين وجماعة الإخوان المسلمين تحديدا، وإقصائهم التام من الحياة العامة في مصر، بدا النظام يستشعر حجم الفراغ الذي خلّفه غياب الإخوان عن المجال العام، مُعلقا: "جاء الجيش للحكم، إذن، في وسط مجال عام، أصبح غير متحكم به من قِبَل الإسلاميين، وأقل انضباطا، وأكثر جرأة في مخالفة القواعد الموجودة منذ الصحوة الإسلامية، سواء كانت تلك القواعد تتعلق بسلوكيات مجتمعية، أو بكيفية مناقشة الأفكار المتعلقة بالدين والجنس. بالتالي، وجد الجيش نفسه في مفترق طرق"، هنا تحديدا تكمن أزمة النظام بحسب بلال علاء، أي محاولة ملء الفراغ الذي خلقه النظام بنفسه عبر إقصاء الإسلاميين من الحياة العامة.

لكن على خلاف الصحوة الإسلامية والحراك الإسلامي بعمومه، باعتبارهما تمثيلا لحراك اجتماعي خرج من قلب المجتمع، تحاول السلطة ملء هذا الفراغ الثقافي والاجتماعي بواسطة الأجهزة الأمنية، دون تشكيل حالة من الزخم التي ولّدت الحراك الاجتماعي والثقافي الذي عزّز القيم المحافظة والمقدسات الدينية داخل المجتمع بصورة عفوية وغير سلطوية، لذا تتحرك السلطة من دون مدونة أخلاقية حقيقية تستطيع أن تحتكم إليها، ما يخلق حالة من الهشاشة الرمزية والثقافية تجعلها تتغذى على الاتجاهات العامة على مواقع التواصل وردود أفعال الحشود على الفضاء الافتراضي المصري، كي تحافظ على صورتها بوصفها سلطة أخلاقية محافظة ترعى أخلاق المجتمع المصري وقيمه، حتى لو عبر الشرطة والأجهزة الأمنية فقط.

—————————————————————————

المصادر

  1. سلمى الشيمي: إحالة "فتاة الزي الفرعوني" للنيابة العامة في مصر … فما القصة؟
  2. فتيات التيك توك في مصر: السجن مقابل "خدش الحياء"
  3. سلطة الدولة الأخلاقية: نبيع الوهم للجماهير، مدى مصر
  4. كيف تحاول السلطة المصرية ملء فراغ الإسلاميين؟، بلال علاء
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تشهد مواقع التواصل الاجتماعي الكثير من الاستقطابات الثقافية. لكن لماذا بالآونة الأخيرة في مصر، بكل تلك التعقيدات السياسية والاقتصادية التي تمر بها، تتجدد الصراعات الثقافية والهوياتية بشكل مستمر؟

26/7/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة