تأشيرات جديدة للإقامة والعمل والدراسة.. هل حان الوقت للهجرة إلى اليابان؟

الشيخوخة المتزايدة في النسيج السكاني ليست تهديدا يواجه أوروبا وحدها، فاليابان أيضا تعاني من ارتفاع نسبة المسنين بحيث باتوا يُشكّلون نحو ثلث سكّان البلاد. الأسباب كثيرة، وأبرزها بالطبع مخاوف الإنجاب والثقافة الفردية المفرطة في البلدان المتقدمة. هذه العوامل جعلت اليابان تعاني نقصا هائلا في الموظفين والعمّال على حدٍّ سواء. وفي هذا التقرير من مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، نتعرف عن كثب على التحسينات التي جلبتها جائحة "كوفيد-19" إلى بنية الوظيفة اليابانية والتأشيرات التي أوجبتها الحاجة الماسّة إلى اليد العاملة في جمهورية الشمس.

عندما تنتهي جائحة "كوفيد-19″، سيعود الناس إلى الطرقات، يجوبون الأرض بحثا عن فرص جديدة للمسار المهني والدراسة والأنماط الحياتية الأفضل. لكن الأماكن والوجهات التي تؤدي إليها هذه الطرقات لربما تكون تغيرت للأبد، فالحياة في بعض البلدان، بما فيها الولايات المتحدة، ستفقد بعضا من ألقها الذي كان قبل الجائحة. ذلك أن طبيعة الأزمة الأخيرة قد تدفع المهاجرين لتفضيل الأمان والاستقرار وقابلية الحفاظ على الروابط العائلية.

 

والولايات المتحدة مُعرَّضة لفقدان المهاجرين بعد أن كشفت استجابتها للفيروس عن مدى انقسامها وتخبُّطها، غير أن دولا أخرى ستظفر بهم، وبما يأتي معهم من تنوع وديناميّة ومواهب جديدة. وقليلة هي الدول التي ستستفيد أكثر من اليابان، البلد الآمن والمستقر نسبيا، حيث تنخفض معدلات البطالة ويرتفع الطلب على اليد العاملة، والذي يُعرف بجامعاته المتفوقة التي يُمكن أن تُثير إعجاب الطلبة المترددين ربّما بشأن الدراسة المكلفة في البلدان الغربية.

لطالما عُدَّت اليابان بلدا متجانسا إلى حدٍّ ما، لكن من المتوقع للبلاد أن تكتسب مزيدا من التنوع وتصبح أكثر اتصالا بالعالم الخارجي بعد الجائحة. وهذا التحول الذي سيُعيد تشكيل المجتمع الياباني ويتحدى فهمنا التقليدي لهويته القومية ضروري إن كانت اليابان ترغب بالبقاء قوة لها كلمتها في الشأن العالمي.

 

على عكس العديد من الدول الصناعية الثرية الأخرى، تمتلك اليابان شريحة محدودة إلى حدٍّ ما من المهاجرين، إذ يُشكِّل المقيمون من نسبة المواطنين البالغ تعدادهم 126 مليون نسمة ما يربو على 2% فقط، ومنذ العام 1980، تحوّل نحو 440.000 مهاجر فقط إما إلى مواطنين مجنّسين أو مقيمين في البلاد. بينما أدّت أزمة فيروس كورونا باليابان إلى فرض مزيد من القيود على الهجرة، بما فيها منع الأجانب المقيمين لمدة طويلة من معاودة الدخول إلى البلاد، وقد توحي إجراءات من هذا النوع بأن البلاد معادية للهجرة بطبيعتها.

 

لكن اليابان عازمة على تحسين سمعتها في هذا الشأن، فقد أصدرت الحكومة اليابانية في السنوات الأخيرة فئات جديدة من التأشيرات، ووسعت معايير التأشيرات الحالية بهدف جذب وجلب مزيد من العاملين والطلبة الأجانب. وفي السنوات الخمس التي سبقت الجائحة، تزايد عدد المقيمين الأجانب في اليابان بنسبة 31%. وفي البلاد من المزايا ما يؤهّلها لجذب مزيد من المهاجرين بعد الجائحة، كالآفاق الوظيفية الجديدة، والتعليم العالي الميسور نسبيا من ناحية التكلفة، والبيئة الاجتماعية الآمنة والمستقرة. لقد كانت اليابان تعمل على هذه المزايا التنافسية منذ مدة طويلة، لكن تبعات الأزمة الصحية العالمية سلّطت عليها مزيدا من الأضواء.

لقد حافظ سوق العمل الياباني على قوته رغم الكساد الاقتصادي والبطالة المتفاقمة عالميا، إذ بلغت نسبة البطالة في البلاد مع انتهاء مايو/أيار 2.9%، بارتفاع بسيط عن الأشهر الماضية لكنه أبعد ما يكون عن ذلك الذي نراه في العديد من الاقتصادات الصناعية الأخرى، مثل فرنسا (8.1%)، والولايات المتحدة (13.3%). أما متوسط الوظائف الشاغرة خلال الشهر نفسه فقد بلغ 1.2، ما يعني أن 1.2 وظيفة أُتيحت لكل باحث عن وظيفة. لكنه أقل من متوسط العام الماضي الذي بلغ 1.6 وظيفة شاغرة، ومن المتوقع له أن يواصل انخفاضه مع استمرار الجائحة، لكنه رغم ذلك يُشير إلى وجود وظائف غير مشغولة بعد في اليابان.

 

ومعدلات التوظيف العالية هذه تُشير في الحقيقة إلى مشكلة جوهرية، وهي الأزمة الديموغرافية التي ولّدت نقصا تشغيليا حادا في اليابان. وبدأ تراجع الكثافة السكانية في عام 2005 ثم أخذ ينكمش بلا هوادة حتى عام 2011، حتى إن انكماش قوة العمل بدأ قبل انكماش الكثافة السكانية ككل. ففي عام 2019، كانت أعمار أكثر من 28% من سكان البلاد تزيد على 65 عاما، وكان نحو 60% من المقيمين اليابانيين في الفئة العمرية بين 15-64 عاما. كما أن نقص اليد العاملة في اليابان هو الأعلى بين بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ويتوقع المسؤولون نقصا بمقدار 6.4 مليون عامل بحلول عام 2030.

 

وقد ساهم القطاع الخاص الياباني في الانخفاض الواضح لوتيرة البطالة. فمع الكساد الكبير في عام 2008، رأت الشركات اليابانية توفير قروشها البيضاء لأيامها السوداء بدلا من مكافأة المستثمرين وزيادة رواتب المواظفين. وبحلول نهاية مارس/آذار، أفادت الشركات اليابانية بإجمالي احتياطات نقدية يصل حتى 283 تريليون ين ياباني، ما يعادل نحو 2.56$ تريليون دولار أميركي. وبعد انتشار الجائحة، تمكّنت الشركات من اللجوء إلى الاحتياطات لاستعادة موظفيها. بالتأكيد هذه الاحتياطات ليست محصنة ضد النفاد، ففي حال استمرار الأزمة مدة طويلة وانكماش الاقتصاد، ستفرّغ الشركات اليابانية جيوبها، لكن هذا التحفظ الغريزي لليابانيين قد أعان البلاد في الفترات الصعبة.

 

بالإضافة إلى زيادة الاعتماد على المهاجرين الباحثين عن عمل مقارنة بالسابق، فاليابان تتحوّل بشكل متزايد إلى وجهة مفضلة للطلبة الأجانب، لا سيما أولئك الآتين من الصين وبلدان آسيوية أخرى. لقد كانت اليابان وجهة للطلبة الأجانب منذ ثمانينيات القرن الماضي، لكن الهيمنة العالمية للغة الإنجليزية رجّحت كفة الجامعات في أوروبا وأميركا الشمالية. ويُفضِّل معظم الطلبة الصينيين، على سبيل المثال، الدراسة في بريطانيا أو الولايات المتحدة بدلا من الدراسة في اليابان، لكن فيروس كورونا سيُعرقل هذا الاتجاه.

 

وتأتي أعداد متزايدة من الطلبة الأجانب في جامعات الولايات المتحدة من الصين عن أي مكان آخر، غير أن من المرجح لهذه الأعداد أن تتراجع قريبا، حيث تنبأ الخبراء سابقا بتراجع في أعداد الطلبة الصينيين تُسبِّبه قيود سياسات الهجرة والحرب التجارية التي تشنّها إدارة ترمب ضد بكين. وحاليا، من الممكن لأزمة "كوفيد-19" أن تُثني مزيدا من الطلاب الصينيين عن الاتجاه غربا، وقد أصبح الأهالي والطلبة أكثر ترددا حيال دفع رسوم التعليم الباهظة مع اتجاه كثير من الكليات والجامعات للتدريس عبر الإنترنت. كما أن ارتفاع موجة الهجمات ضد الآسيويين في الولايات المتحدة وبلدان غربية أخرى مؤخرا أثارت مخاوفهم أيضا، فالأميركيون والبريطانيون يعانون من أجل السيطرة على الجائحة، كما أن الاضطراب الاجتماعي المتفشي في الولايات المتحدة قد أثار قلق هؤلاء الطلاب أكثر من ذي قبل. وفي أعقاب الأزمة العالمية، ستفكّر مزيد من العائلات في المسافة الجغرافية كعامل له أهمية أكبر عند اتخاذ قرار إرسال أبنائهم للتعلُّم في الخارج من عدمه.

 

وتُقدِّم اليابان بديلا مميزا للطلبة الصينيين والآسيويين الآخرين الساعين للدراسة في الخارج، حيث تتوفر في البلاد عدة جامعات هي من بين الأفضل في العالم. وتعتبر الرسوم الدراسية في اليابان غيضا من فيض الرسوم التي تٌدفع لجامعات الولايات المتحدة وبريطانيا. كما أن العديد من الجامعات اليابانية تعرض مساقاتها باللغة الإنجليزية.

إن الآفاق الوظيفية الواسعة تمنح مزيدا من الأحقية للتعليم الياباني، حيث تُقدِّم اليابان لخريجي الجامعات إجراءات توظيف مؤسساتية منظمة للغاية، كما أنها ملتزمة بزيادة أعداد الخريجين الأجانب ضمن قوتها التشغيلية. وفي السنوات الخمس الممتدة بين عامي 2015-2019، تزايد عدد الطلبة الأجانب في اليابان بنسبة 40% لينتقل من أقل من 250.000 إلى 350.000 طالب. وفي الفترة الممتدة بين إبريل/نيسان 2018 ومارس/آذار 2019، وجد 35% من خريجي الجامعات اليابانية الأجانب وظائف في اليابان، بينما واصل 30% منهم الدراسة هناك.

 

ومنذ أن بدأت الجائحة، تلقّت بعض الجامعات اليابانية أرقاما قياسية من طلبات الالتحاق الصينية. ويأتي تزايد الاهتمام هذا ضمن اتجاه حاصل سلفا، حيث جاء العديد من الطلبة الصينيين إلى اليابان في السنوات الأخيرة سعيا وراء التعليم الجامعي بعد الدراسة في أستراليا أو بريطانيا أو الولايات المتحدة الأميركية. وعند سؤالهم عن أسباب قدومهم إلى اليابان، أشار معظم الطلبة إلى فرص التوظيف والأمان النسبي في البلاد والقرب الجغرافي من الديار.

 

منذ بداية الجائحة، اتخذت الأعمال التجارية اليابانية خطوة يُفترض أنها ستكون أكثر أريحية للعاملين المهاجرين. وكان هذا النوع من الإصلاحات مطلوبا، بالأخص وأن بنية الشركات اليابانية شكّلت مصدر إحباط لطموحات النساء والموظفين الأجانب لوقت طويل، حيث تعيّن الشركات موظفيها كأعضاء يتم تدويرهم في مراكز ومواقع مختلفة وفقا لاحتياجات الشركة، وبالتبعية فإن التقدم المهني يكون بطيئا. يُقلِّل أسلوب التوظيف هذا، والذي هو أقرب لأسلوب العضوية، من أهمية المواصفات المحددة للوظيفة، ويؤزّم العمل الجماعي، ويطالب بالالتزام والتضحية (عادة ما يتم إثباتها بالعمل لساعات طويلة). وقد أنتج هذا النظام شخصية نمطية لموظف مكتبيّ يموت كدحا ويُفرط في الشرب، وهي شخصية تنطبق على أي ذكر ياباني، لكنه صعّب على الآخرين النجاح بسبب قيوده. كما أن نظام ساعات العمل المطولة والتدوير يؤدّيان إلى أن تكون تربية الأبناء، وهي مهمة غالبا ما تقع على عاتق النساء، أمرا صعبا.

وقد أدخل "كوفيد-19" تغييراته على النظام القائم، لأنه سيكون من الصعب الاستمرار في هذا النوع من أنماط العمل، التي تضمحل فيها المسؤوليات الواضحة المحددة للوظيفة وتشترط الإشراف والتنسيق المستمرّين، بعد أن أصبحت المكاتب تُدار عن بُعد. نتيجة لذلك، أُرغِم الموظفون اليابانيون على إعادة النظر في ممارساتهم الوظيفية والإدارية. وفي أماكن العمل عن بُعد، باتت الشركات ترى أن معيار توظيف الأفراد هو تأدية وظائف محددة واضحة. وحاليا، تُخطِّط بعض الشركات لإدخال هذه التغييرات بشكل دائم. ومع المزيد من الإصلاحات، ستتمكّن الشركات اليابانية من جذب العمالة الأجنبية المؤهلة المتخصصة والحفاظ عليها.

 

لا تزال هناك عقبات في طريق تحوُّل اليابان إلى قوة أكثر عالمية وتنوُّعا، إذ تسبّبت الجائحة في مزيد من قيود الدخول إلى البلاد، كما أن معدلات البطالة ستواصل ارتفاعها في حال استمرار الجائحة. كما أن الشركات اليابانية مطالبة بإدخال إصلاحات إن كانت تريد هي والمجتمع الأوسع مزيدا من الانفتاح العالمي. لكن مزايا اليابان كوجهة للهجرة والدراسة واضحة تماما، فيما الجائحة تُدمِّر الاقتصادات وتسلب الجامعات الغربية جاذبيتها وإمكانيات الدراسة فيها مقارنة بالسابق. لقد اندمجت الشركات اليابانية في نسيج الاقتصاد العالمي منذ زمن طويل. وقريبا، سيفعل المجتمع الياباني الشيء نفسه أيضا.

——————————————————————————————–

هذا التقرير مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة