كيف أثر فيروس كورونا على الشعب المصري؟

وسط التوتر الحاصل في مصر بين رئيس الوزراء مصطفى مدبولي الذي صرّح أن زيادة عدد وفيات فيروس كورونا المستجد في مصر سببه "عدم انتظام وتغيُّب بعض الأطباء بالمستشفيات" (1) وبين نقابة الأطباء التي رفضت تصريحات رئيس الوزراء وقالت إنه يتجاهل الأسباب الحقيقية لزيادة أعداد المصابين والوفيات، والتي حذّرت من "انهيار تام للنظام الصحي في مصر"، واتهمت وزارة الصحة الحكومة بالتقاعس عن حماية العاملين في مجال الرعاية الصحية، موضِّحة أن الوباء قد تسبّب في وفاة 19 طبيبا مصريا وإصابة أكثر من 350 من العاملين في القطاع الصحي (2)، قرّرت الحكومة المصرية رفع الحظر الصحي بالكامل، وإعادة فتح المطاعم والمقاهي والنوادي الرياضية ودور العبادة، مع تأكيد إجراءات التباعد الاجتماعي.

جاء هذا القرار وسط زيادة انتشار فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19" بمصر، فقد سجّلت مصر حتى تاريخ الثامن من شهر يوليو/تموز 2020 نحو 77279 مصابا و3500 حالة وفاة، بينما يتّجه منحنى انتشار الوباء لأعلى(3)، الأمر الذي يُثير علامات استفهام حول قرار الحكومة المصرية.

غير أن قرار الحكومة المصرية يبدو أنه قد صدر بناء على نظرة مختلفة للواقع المصري، فحسب دراسة إحصائية صدرت عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء التابع للحكومة المصرية، سبّب وباء كورونا المستجد تأثيرات عميقة على الأسر المصرية، حيث تُبيِّن الدراسة الحالة الاقتصادية والعملية للأفراد العاملين بسوق العمل داخل الأسر المصرية قبل وبعد انتشار الوباء، وكيف تأثرت الحالة الاقتصادية لهؤلاء الأفراد وأُسرهم وأسباب تلك التغيرات، وكيف تأثرت أنماط استهلاك الأسر المصرية من السلع كافة سواء غذائية أو غير غذائية، ثم كيف تعاملت الأسر المصرية مع تلك التغيرات، وما التدابير الاقتصادية التي اتخذتها لتلبية احتياجات أفراد الأسرة خلال تلك التغيرات، الأمر الذي يوضّح مدى المعاناة التي تمر بها الأسرة المصرية بسبب وباء كورونا المستجد، وكيف أثر هذا الوباء اقتصاديا على الأسر المصرية خاصة في ظل وضع اقتصادي هش تمر به مصر تحت حكم الجنرال عبد الفتاح السيسي.

 

وعي المصريين الذي سخر منه كثيرا رواد مواقع التواصل الاجتماعي عندما تظهر صور تجمعات المصريين في الشوارع على موقع "فيسبوك" يبدو مختلفا تماما في البيانات الإحصائية، حيث توضّح البيانات أن كل الأسر المصرية قد سمعت عن الفيروس من خلال المجتمع المحيط أو عن طريق وسائل الإعلام المرئي والمسموع بالإضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعي بنسبة 99.9% بيّنوا أنهم علموا عن الفيروس وعن مدى خطورته.

 

كما بيّنت الإحصاءات أن الأسر المصرية لديها معلومات واضحة عن أعراض الفيروس الجديد، فقد ذكر 95.6% منهم أن ارتفاع درجة الحرارة من أهم أعراض الإصابة، ويليه احتقان الحلق بنسبة 76% ثم الإسهال 35.4%، ويوضّح الرسم البياني التالي معرفة الأسر المصرية بالأعراض:

لكن إذا كانت الأسر المصرية لديها معلومات واضحة عن الفيروس وأعراضه، فلماذا يُبدي المصريون كل هذا الاستهتار في النزول للشارع وارتداء الكمامات وإجراءات التباعد الاجتماعي، ثم التكدس أمام أبواب المصالح الحكومية والمستشفيات، هل الأمر متعلق بالمصدر الذي يستمد منه المصريون معلوماتهم وسلوكياتهم؟

تجيب البيانات بشكل قاطع أن الأسر المصرية تعتمد بشكل أساسي على التلفزيون المصري كمصدر أساسي لمتابعة آخر المستجدات حول الفيروس بنسبة 54.8%، والقنوات الفضائية بنسبة 26.5%، أي إن التلفزيون وحده يحتل الوعي لدى الأسر المصرية بنسبة 81%. فإذا وضعنا تلك البيانات بجانب مقاطع من البرامج التي تُذاع على الفضائيات المصرية، والتي هوّنت بشكل كبير من خطورة الفيروس ودعت لتناول الفول النابت و"الشلولو" وشرب الشاي الساخن وغيرها من معلومات مغلوطة وتضليلية، نستنتج كيف كان الإعلام المصري سببا رئيسيا في زيادة عدد المصابين والوفيات.

وإذا كان للتلفزيون كل ذلك الدور في وعي المصريين، فما نسب معرفة المصريين بإجراءات الحكومة، وكم تحتل تلك الإجراءات الاحترازية في وعي المصريين؟ تجيب البيانات أن نحو 65%من الأسر تقوم بالذهاب لأقرب مستشفى/طبيب في حالة الاشتباه بأحد أعراض الإصابة بالفيروس.

أما الخط الساخن الذي وفرته وزارة الصحة فقد بيّنت البيانات أن ثلثي الأسر على معرفة به.

كما وضّحت البيانات أن أكثر من نصف الأسر قد ذكروا أن الإجراء الأكثر أهمية للتقليل من مخاطر انتشار الفيروس هو حظر التجوال! وهذا يُوضِّح بشكل جلي أن المسؤولية الأكبر في انتشار الفيروس وزيادة عدد المصابين والوفيات هو مدى جدية الحكومة في تطبيق الإجراءات الاحترازية وليس وعي المصريين.

 

سعال مزمن وحمى شديدة، وشعور بالألم وفقدان الطاقة في كل أجزاء الجسد، هذا ما يشعر به المصاب بمرض كورونا المستجد، بجانب صعوبة في التنفس وشعور بالاختناق وانسداد في مجرى التنفس، فضلا عن الشعور بالعزلة والوحدة بعد أن يدخل المريض العزل الصحي، بجانب الشعور باقتراب الأجل ودنو الموت.

 

لكن رغم صعوبة هذه الأعراض وتلك المشاعر، لا تبدو هذه الأعراض خطيرة إذا كانت فردية وبعيدة نسبيا، بينما يبدو الفقر والجوع وآلام العوز والاحتياج قريبة وحادة، وهي الأعراض التي تُمثِّل الجانب الآخر من الوباء، فقد وضّحت البيانات أن نحو ثلثي الأسر المصرية قد تأثرت حالتهم العملية والاقتصادية بسبب الوباء، نصفهم تقريبا تركوا عملهم نهائيا أو بشكل مؤقت بسبب الوباء.

كما توضّح البيانات أن أعلى نسبة للأفراد المشتغلين تأثُّرا بالتغيّر في الحالة العملية منذ ظهور فيروس كورونا المستجد كانت للفئة العمرية (25-34) حيث بلغت 67.5%، كما كانت أكبر نسبة تأثرا في فئة المتعلمين.

فإذا كان ثلثا الأفراد قد تأثروا اقتصاديا بالوباء، فما تفاصيل ذلك التأثير؟ توضّح البيانات أن أغلبية الأفراد 73% قد أفادو بأن دخلهم قد انخفض منذ ظهور الفيروس، ويتضح كذلك من البيانات أن أكبر نسبة تأثرت هي الفئة العمرية (15-24) سنة، وأنه كلما ارتفع عمر الفرد، كان تأثره الاقتصادي أقل.

كما توضّح البيانات أن أكثر من نصف الأفراد المشتغلين أصبحوا يعملون أيام عمل أقل أو ساعات عمل أقل من المعتاد لهم، ونحو ربع الأفراد قد تعطلوا، أي أصبحوا لا يعملون، كما ارتفعت نسبة مَن يعملون عملا متقطعا بين الذكور والإناث، وقد تزايدت نسبة من انخفضت ساعات عملهم بارتفاع العمر.

أما الأسباب التي أدّت إلى هذا التغير الكبير في حالة المشتغلين في سوق العمل المصري منذ ظهور الفيروس، فقد وضّحت البيانات أن السبب الأول يعود للإجراءات الاحترازية الصحية التي قلّلت من النشاط التجاري والاقتصادي، ثم التعطل الذي أصاب عددا من الأنشطة التجارية، ثم يأتي انخفاض الطلب وتقليل الأجر وتوقف المشروع مؤقتا بعد ذلك.

 

يترتّب على انخفاض الدخل بالضرورة تغيّر نمط استهلاك الأسر المصرية للمواد الغذائية وغير الغذائية، وهذا ما توضّحه البيانات بشكل جلي، حيث توضّح انخفاض قيم استهلاك البروتينات من لحوم وطيور بنسب تصل إلى الربع عما كان قبل ظهور الفيروس، وارتفاع استهلاك الأسر للمنظفات بنسب تزيد على 65%.

أما أسباب نقص استهلاك الأسر المصرية لبعض السلع خاصة السلع الغذائية مثل اللحوم والطيور، فتوضّح البيانات أن زيادة أسعار السلع وانخفاض دخل الأسر هي الأسباب الرئيسية في انخفاض استهلاك الأسر لتلك السلع، أما بالنسبة للإنفاق على مصاريف المدارس والدروس الخصوصية ومصاريف النقل والمواصلات فكان سبب الانخفاض في الغالب يرجع إلى أسباب متعلقة بالإجراءات الاحترازية مثل إغلاق المدارس والمطاعم والمقاهي وساعات الحظر.

كما أفاد 85% من الأسر أن أهم سبب لارتفاع استهلاك السلع الغذائية مثل الأرز وزيت الطعام هو زيادة الكمية المستهلكة منهم، حيث تعد هذه السلع بديلا غذائيا للحوم والطيور والفاكهة والسلع مرتفعة السعر.

 

في ظل انخفاض الدخل وتعطل الأعمال وقلة فرص العمل مع زيادة الأعباء الاقتصادية على كاهل الأسرة المصرية، كان يلزم على أغلب تلك الأسر المتضررة أن تتخذ كثيرا من التدابير الاقتصادية والقرارات الصعبة لتلبية احتياجات أفرادها من الطعام والشراب والملابس فضلا عن الاحتياجات الأخرى مثل فواتير الكهرباء والماء والإنترنت لمواصلة الحياة.

 

توضّح البيانات جزءا من تلك التدابير التي اتخذتها الأسر المصرية في ظل أزمة فيروس كورونا المستجد، والأهم أنها توضّح تصور الأسر المصرية لوضعها الاقتصادي في المستقبل، فقد توقع نحو نصف الأسر المصرية أن وضعها الاقتصادي سيتدهور وتقل دخولها في الأشهر الثلاثة القادمة، وقد تناسبت تلك التوقعات مع عدد أفراد الأسرة، فكلما ارتفع عدد أفراد الأسرة توقّعت الأسوأ.

وتحمل تلك التوقعات التي أفادت بها الأسر المصرية عدة أسباب، توضّح البيانات أن في مقدمة تلك الأسباب التي تراها الأسر عاملا رئيسيا في تغيّر أحوالها الاقتصادية: الإجراءات الاحترازية، ثم انتهاء أزمة الوباء، ثم تأتي الإجراءات الاقتصادية التي قامت بها الدولة.

 

أما بالنسبة لمستوى دخل الأُسر المصرية، فتوضّح البيانات أن نحو ثلث الأسر عانت من عدم كفاية الدخل للوفاء بالاحتياجات الاساسية لأفراد الأسرة مع بداية ظهور الوباء، كما وضّحت البيانات أنه كلما ارتفع عدد أفراد الأسرة قلّت إمكانياتها للوفاء باحتياجات أفرادها.

أما كيف واجهت الأسر المصرية تلك التغيرات الاقتصادية، وما التدابير الاقتصادية التي اتخذتها، فتُظهِر البيانات أن نحو نصف الأسر قد أفادت أنها قامت بالاقتراض من الغير، أما أقل نسبة فتظهر في فئة الأسر التي استفادت من منحة العمالة غير المنتظمة التي وفرتها الحكومة المصرية، وهو ما يُبيّن بشكل جلي أن دور الحكومة قد غاب تماما في مساعدة تلك الأسر في ظل الأزمة.

كما أتخذت الأسر المصرية بعض التدابير الأخرى بخصوص أنماط استهلاك السلع الغذائية لتغطية احتياجات أفراد الأسرة، فتوضّح البيانات أن أعلى نسبة ذُكِرت لمحاولة تغطية احتياجات الأسرة هي الاعتماد على أنواع أرخص من الغذاء، ويليها تخفيض نسب استهلاك اللحوم والطيور والأسماك، ثم الاعتماد على المساعدات من الأصدقاء والأقارب، وأخيرا تقليل كميات الطعام في الوجبات الأسرية.

أخيرا، توضّح البيانات والخرائط البيانية السابقة أن نحو 62% من إجمالي الأفراد المشتغلين بالسوق المصري تغيرت حالتهم العملية، وقد قلّ دخل أغلبية الأفراد بنسبة 73%، وهو ما أثّر بشكل ملحوظ على سلوكيات تلك الأسر وأنماط استهلاكهم للسلع الغذائية، فقلّ استهلاكهم للسلع الغذائية عالية القيمة مثل اللحوم والطيور والأسماك والفاكهة، واستبدلوها بسلع غذائية أقل قيمة مثل الأرز والبقوليات.

 

كما توضّح البيانات أن نحو نصف الأسر قد اعتمدت على شبكات الأمان الاجتماعي مثل الأصدقاء والأقارب في الاقتراض لتلبية احتياجاتها الأساسية، وأن نسبة ضئيلة جدا تقترب من 5% قد لجأت إلى منحة الحكومة المصرية للعمالة غير المنتظمة، وهو ما يُنذر بفقدان ثقة تلك الأسر في تدابير الحكومة وخططها الاقتصادية وبالتالي مصداقيتها أمام الشعب المصري.

______________________________________________________-

المصادر

  1.  "تؤجج الغضب".. بيان من نقابة الأطباء بشأن تصريحات رئيس الوزراء.
  2.  نقابة الأطباء المصريين تحذر من "انهيار" تام للنظام الصحي في البلاد.
  3. Egypt Coronavirus Cases.
  4. كل البيانات مستمدة من تقارير الجهاز المركزي المصري للتعبئة والإحصاء.

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة