بين الأغنياء والفقراء في مصر.. لماذا كل هذا الجدل حول إعلان مدينتي؟

ميدان – إعلان مدينتي.. هكذا يرى الأغنياء والفقراء بعضهما بعضا في مصر

في إحدى غُرف أحد الفنادق الفارهة بالعاصمة المصرية، وقفت باسنت. م، الفتاة الثلاثينية المصرية، اسم مُستعار، في شرفة الغرفة، اختارت باسنت أن توفر قليلا في الكلفة المادية للغرفة، فوجدت أن الشرفة لا تطل على حمام السباحة أو على حديقة الفندق، كانت الشرفة تطل على شارع جانبي به منازل مُتواضعة وشُرفات مُتهدمة وأكوام من القمامة تلوح دون استحياء!

  

نظرت باسنت إلى الغرفة والستائر والأثاث، كل شيء يبدو جيدا بل على أفضل ما يُرام، هي ستظل هنا يوما واحدا على أي حال، فقد استأجرت هذه الغرفة لاستقبال الكوافير والميكب أرتست اللذين سيتولّيان تجهيزها لليلة العمر، فبعد حفل زفافها الذي سيُقام في الفندق نفسه ستُسافر مع زوجها لقضاء شهر العسل خارج القاهرة.

  

باسنت من أسرة ثريّة تقطن في واحدة من فيلات مدينة أكتوبر، كانت المشاهد التي تراها من شرفة غرفتها بالفندق تُثير خيالها، هل يعيش أحد حقا في هذه المنازل؟ لا يبدو أحد في الشرفات! ولكن خيالها ظل يعمل، لو أطلّ عليها الآن أحد ماذا يمكن أن يقول لها؟ كيف ينظر إلى حجرتها الفاخرة في الفندق الفاره؟ ماذا سيقول لها إذا عرف أن كلفة ليلتها هذه فقط قد تصل إلى مبلغ مالي لم ولن يُنفقه في عمره بأكمله!

  

إعلان يُثير غضب عارم مُغطى بالسخرية

    

بعد عامين من وقفة باسنت هذه وتساؤلاتها تلك، حصلت على الإجابات، وجدت باسنت إجابات أسئلتها من خلال إعلان تلفزيوني أُذيع في شهر رمضان الحالي، الإعلان يُروّج لواحدة من المُدن الجديدة التي يقوم ببنائها وإدارتها واحد من رجال الأعمال المصريين المشهورين، يصف الإعلان كمَّ الترف الذي يحصل عليه سكان المدينة، يُخبرون الآخرين الذين يمكثون أمام شاشات التلفاز أنهم يتمتعون هنا بالأمان والخصوصية والنظافة والراحة، وأنهم قد يمكثون داخل المدينة عاما كاملا دون أن يضطروا أن يخرجوا منها، لأن كل الخدمات والأماكن الترفيهية والمطاعم ودور العرض والبنوك وحتى الهيئات الحكومية التي قد يحتاجون إلى إنهاء بعض أوراقهم الرسمية بها لها فروع داخل مدينتهم، مما يجعلها في مُتناول يدهم.(1)

  

يستعرض الإعلان سعادة سكان المدينة بـ "عزلتهم" عن أولئك الذين لا "يُشبهونهم"، ورضاهم البالغ بأن كل مَن حولهم يُشبهونهم، لذلك فهم مُطمئنون على أنفسهم وسعداء في تعاملاتهم مع بعضهم بعضا، وكانت ردود الأفعال التي أثارها الإعلان هي إجابات كافية للغاية عن أسئلة باسنت السابق ذكرها.  

  

    

على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، وعلى مدار أيام طويلة، ظل رواد الموقع يسخرون من محتوى الإعلان، "ماما هما دول فقرا؟!"، "إنتم إزاي مش عايشين هنا؟!"، "اللي مش بيتعالج في مستشفياتنا بيفضل عيان!"، "إحنا عندنا شجرة فلوس في الجنينة لازم نسقيها كل يوم الصبح"، عشرات من الدعابات التي انتشرت على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، والتي تُعبِّر بسخرية مريرة عن ضيق الكثيرين من الإعلان، فقام البعض باستبدال صوت أبطال الإعلان ليُجري على ألسنتهم الجمل السابقة، ليُعبِّر عن الشكل الذي استقبل به الإعلان.(2)

  

على الموقع نفسه انتشرت أيضا مقاطع فيديو ساخرة تُوضِّح شكل الحياة في الأحياء الشعبية، وتعمّد القائمون على هذه المقاطع أن تكون مادتهم المُصورة على شاكلة الإعلان نفسها الذي استفزهم، وبشكل ساخر وضّحوا كمَّ الصعوبات التي يتعرّضون لها في حياتهم المُزدحمة والتي رغما عنهم بها قدر كبير من العشوائية وانعدام الخصوصية.

      

  

يُعلنون لنا كم هو جميل ما حُرمنا منه!

من ردود الأفعال الغاضبة للغاية، والتي اعتبرت أن الإعلان بمنزلة إهانة لها، كان محمد. ع، اسم مُستعار، الشاب الثلاثيني، الذي يقول لـ "ميدان": "أنا لا امتلك ما يكفي من المال للحصول على هذه الخدمات السكنية عالية الجودة، وبما أنني لا أمتلك هذا المال الكافي فأنا لا أستحق هذا القدر من الأمان والخصوصية والنظافة في الخدمات الصحية والترفيهية، لذا أنا مُضطر عندما أمرض أو يمرض أحد من عائلتي أن نُعالَج في المُستشفيات الحكومية من تلك التي لا يستطيع سكان المدينة الجديدة أن يخطوا خطوة واحدة داخلها من رائحتها وسوء النظافة بها والتي يمكنك أن تجد بها بسهولة الذباب مُنتشرا بين الغُرف والقطط تتجول في الممرات".

    

ويُضيف محمد قائلا: "وليس لدينا بالطبع الحق في الخصوصية، لأننا لا نملك المال، فلا ينبغي أن نعرف أساسا ما الخصوصية، فما يفصلني عن جاري نصف جدار، لذلك فإننا نعيش كأسرة واحدة، نسمع جميع أحداث حياتهم وإن لم نقصد ذلك، ويسمعون جميع أسرارنا وإن لم يتعمدوا، هذا للأسف بحكم تصميم الأبنية التي نعيش فيها".

  

يعمل محمد في ثلاث وظائف من السادسة صباحا وحتى الثانية عشرة ليلا، واضطر خلال فترة الحجر الصحي الأخيرة أن يُخفض عدد ساعات عمله ليصبح في منزله قبل وقت حظر التجوال، بالكاد يحصل محمد على الدخل الذي يُمكّنه من الإنفاق على والديه وإخوته الذين يعتمدون عليه بالكامل بعد إحالة والده إلى المعاش، وبالكاد استطاع أن يدّخر ثمن شبكة بسيطة تُمكّنه من اتخاذ خطوة رسمية تجاه الفتاة التي يرتبط بها منذ أربع سنوات.

    

تقول هيام لـ"ميدان": "شعور الأمان الذي يتحدثن عنه هذا هو أكثر ما آلمني في إعلان مدينتي، لا يحب أحدنا أن يقف في وجهه أحد ليُحدثه كم هو جميل هذا الشيء الذي حُرم منه
   

أما هيام. ع فهي فتاة عشرينية تعمل بائعة بأحد محلات بيع الملابس، قبل الحجر الصحي وإعلان الحظر بسبب انتشار جائحة "كوفيد-19″، كانت هيام تُنهي دوامها في الثانية عشرة مساء، وتعود إلى بيتها بالحي الشعبي البسيط في العاصمة المصرية في الواحدة بعد منتصف الليل، تنظر هيام إلى الإعلان الذي تُعلن ضيفاته بأنهن يتمتعن في محل سكنهن بأقصى قدر من الأمان، هذا القدر الذي يُمكّنهن من النزول للتمشية في الواحدة صباحا دون خوف أو قلق من التعرض لأي مُضايقات، تسمع هذا وتمرّ أمام عينيها سلسلة طويلة من المُضايقات والتعليقات السخيفة التي تعرّضت لها أثناء العودة من عملها.

  

تقول هيام لـ "ميدان": "شعور الأمان الذي يتحدثن عنه هذا هو أكثر ما آلمني في الإعلان، لا يحب أحدنا بالتأكيد أن يقف في وجهه أحد ليُحدثه كم هو جميل هذا الشيء الذي حُرم منه، فإذا كان لديك أطفال لا تقف في وجه مَن حُرم منهم لتُخبره أن وجودهم هو أفضل ما في الحياة! هذا ما جعل الإعلان صعبا للغاية عليّ وعلى غيري، أنا أفتقد الأمان في عودتي من عملي، أتمنى ألا أمشي في الشارع مُسرعة لاهثة مُتلفتة حولي باحثة عن أي مصدر تحرش مُحتمل لأتمكّن من حماية نفسي في الوقت المُناسب قبل أن يُباغتني أحد بما أكره".

  

تُكرِّر هيام قائلة: "ما أوجعنا أنهم يصفون لنا كم هي ممتعة الأشياء التي نُدرك أننا محرومون منها، ويُصارحوننا في وجوهنا بأننا لا نحيا حتى الحد الأدنى من الحياة المحترمة".

  

نجوى.. "دعونا نكن مُنصفين"

نجوى. س، ربّة منزل ثلاثينية، حاولت أن تكون مُحايدة في رد فعلها تجاه الإعلان، فتقول لـ "ميدان": "أسكن وابنتي وزوجي في أحد الأحياء الشعبية، ابنتي لم تتجاوز الثالثة من عُمرها بعد، وهذا السكن هو ما استطاعت يدنا أن تصل إليه، لم يُضايقني الإعلان كما الكثيرين، أنا أشعر في النهاية أنها إمكانيات، وإذا زادت إمكانيات أسرتي سنحب بالطبع أن ننتقل إلى مكان كهذا الذي يُعلنون عنه، دعونا نكن مُنصفين، فيه ناس تعبت واجتهدت ومن حقها تعيش مرتاحة، وفي ناس إمكانياتها تجعلها لا تستطيع أن تصل إلى هذا القدر من الراحة، لكن ما نُسلم به ألا أحد سيرفض فرصة تحسين حياته والانتقال إلى حي أفضل".

    

  

وتُضيف نجوى قائلة: "بالطبع نحن لا نُصدق ما تنقله لنا الدراما حول أخلاقيات الحارة المصرية وبساطة الحياة الفقيرة، ببساطة لأن الفقر ليس شيئا ممتعا، بخلاف كوننا نعيش في هذه الحارة فنعرف تفاصيل حياتها بشكل أفضل مما تصفه وتنقله الدراما، فتصلنا أصوات مُعاقري الخمور والمخدرات في الشارع طوال الليل ونحن في منازلنا، ويكفي أن أقول إنه منذ يومين فقط ونحن في شهر مُعظم، قفز أحد جيراننا الشباب ليصل لشقة جارتنا وزوجها في العمل ليقوم بسرقة هاتفها، ما زال هناك جدعنة وونس صحيح في حياة الحارة المصرية، لكن هل هذا الوضع في عمومه هو ما ينبغي لنا الاستمتاع به ومُحاربة مَن لا يحياه مثلنا؟!".

  

على شاكلة الشعور بالعدالة الذي تمكّنت نجوى من إيجاده، حاول ماجد. ج، الشاب العشريني، اسم مُستعار، أن يخلق شعورا بالرضا، يعمل ماجد عاملا بأحد المصانع الخاصة، يحاول ماجد أن يتفهّم أن الأمر كله "حظوظ" وتوزيع أرزاق بشكل قدري تماما، فيقول لـ "ميدان": "ما الشيء الجيد الذي فعله الشاب الذي في مثل سني ويحيا في هذه المدينة محل الإعلان، ليولد ويجد أن والده من الأثرياء ومعه ملايين الجنيهات؟! وماذا جنيت أنا ليكون والدي سائقا على سيارة أجرة يمتلكها غيره، ويكون عليّ أن أعمل 12 ساعة يوميا فقط لأغطي مصاريف دراستي و أتمكن من إنهاء تعليمي، وأساعد أحيانا قليلة في نفقات منزل أسرتي".

  

يُضيف ماجد قائلا: "ليس هذا الشاب عبقريا ولا ملاكا، ولست شيطانا ولا هالكا، لكنها حظوظ موزعة وعلينا الرضا بالنصيب، دون أن يشعر هذا الشاب أنه أفضل مني ودون أن أشعر أنا بالحقد والحنق عليه، الدنيا كلها امتحانات، وكل واحد له امتحان على مقاسه، جدي كان يقول هذا دوما".

  

الأمر يتحوّل إلى ما هو أسوأ من السخرية!

  

ليست السخرية فقط هي ما تحكّم في إدارة المشهد، فلقد انتشرت أيضا صورة على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تنقل حدوث حريق من داخل إحدى الوحدات السكنية بالمدينة محل الإعلان، لتأتي التعليقات شامتة وسعيدة بحدوث الحريق، ومُعلنة أنها ترى أن سبب حدوث هذا هو إيلام سكان المدينة للبسطاء والفقراء بالإعلان الذي قاموا به.

  

مُعلقا على هذه التعليقات، يكتب الطبيب النفسي دكتور محمد طه على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك: "فيه أي حد من صناع الإعلان فكر محتوى الإعلان ده ممكن يحرك إيه في الناس؟ فيه حد منهم توقع آثاره على الجمهور هتبقى عاملة إزاي؟ فيه حد حط نفسه مكان الشخص العادى اللي هيتفرج على الإعلان ده؟ انت بالإعلان ده بتقسم الناس نصين، بتعمل splitting بلغة علم النفس، ناس شبه بعض، المُفترض سكان المدينة، وناس مش شبههم، طيب ده هايحرك إيه جوه الناس اللي انت وصّلتلهم إنهم مختلفين عن قاطني هذا المكان، اللي الحياة فيه حلوة ومافيهوش تلوث وشوارعه واسعة وبه مساحات خضراء وأمان وخصوصية؟!

  

لما حضرتك تقسم الناس مجموعتين، وتوري مجموعة فيهم قد إيه المجموعة الأولى مبسوطة ومرفهة ومرتاحة، ومش شبه الناس بتوع المجموعة التانية، إيه رد الفعل الطبيعي اللي هايحصل عندهم؟ غير الغيرة.. اللي هتتحول لغل.. اللي هيتحول لحقد.. اللي هيتحول لحسد.. اللي هيوصل بعد شوية لرغبة هائلة في التدمير؟".

    

  

تركيبة المجتمع اختلفت عما كانت عليه في الثلاثين عاما السابقة

تحاول نسرين. ع، الباحثة الاجتماعية، أن ترصد تحليلها الاجتماعي للمشهد القائم فتقول لـ "ميدان": "الدنيا طول عمرها فيها الغني والفقير، لكن المشهد الذي نقف أمامه الآن هو أن الفريقين يقفون أمام بعضهما بعضا ويُعبّر كلٌّ منهما عن مكنون نفسه تجاه الآخر، الغني سعيد أنه تمكّن من إيجاد مكان مُنعزل يحيا فيه بعيدا عن حياة محدودي الدخل والفقراء العشوائية غير الآمنة بهوائها المُلوث، وينتقل إلى مكان آخر مُغلق عليه يتمتع فيه بالأمان والخصوصية والشوارع المُتسعة والأماكن الخضراء، لكن من ناحية أخرى ماذا سيفعل مَن ليس بيده فعل شيء ليحيا هذه الحياة، هو ليس فقط لا يملك تكلفتها، بل هو أيضا لا يعرف طريقا واحدا يُمكّنه من إيجاد هذه الكُلفة، بالطبع سيشتعل داخله غضب عارم لن يجد مَن/ما يُطفئه".

  

تُضيف نسرين قائلة: "الفكرة هنا التي رُبما لا يُدركها الكثيرون تتمثّل في أن تركيبة المجتمع اختلفت اختلافا جذريا عما كانت عليه في الثلاثين عاما السابقة، فلم تعد مُعتقدات مثل القسمة والنصيب والرضا بالمقسوم عبادة وغيرها تُسيطر على القلوب والعقول بالقوة نفسها التي كانت عليها في العقود السابقة، نحن الآن أمام أجيال النسبة الكبيرة منها تُريد أن تحيا هنا والآن، أجيال انكشفت لها حياة الآخرين دون مواربة فلم يستطيعوا أن يغضوا بصرهم، رأوا على مواقع التواصل الاجتماعي كيف يعيش الآخرون، ورأوا أصحاب المال يُطلّون عليهم من شاشات التلفاز ويصفون لهم كم هو مُريح وآمن وسعيد امتلاك المال الذي يُحقق الراحة والسعادة، ولأننا شعوب تحترف الضحك جاء رد فعلنا الغاضب الحانق ساخرا، لكن لا ينبغي أن ندفن رؤوسنا في الرمال ولا نعترف أن هذه السخرية تُخفي وراءها ألما وغضبا ومرارة يصعب احتمالها، هذا الاعتراف يجعلنا نتفهّم ما يدور إذا حدث انفجار حقيقي".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة