هل يستطيع النظام الطبي في مصر التصدي لفيروس (كوفيد-19)؟.. خرائط تشرح لك

الأربعاء 25 مارس/آذار 2020 هو اليوم الأول لتطبيق حظر التجول الذي أعلنت عنه الحكومة المصرية ضمن إجراءات مواجهة انتشار عدوى فيروس كورونا، وفي اليوم نفسه أعلنت وزارة الصحة والسكان المصرية عن ارتفاع عدد الحالات التي تحوَّلت نتائج تحاليلها معمليا من إيجابية إلى سلبية لفيروس كورونا المستجد "كوفيد-19" إلى 113 حالة، ليصبح إجمالي عدد المصابين في مصر بفيروس كورونا المستجد حتى الأربعاء 25 مارس/آذار هو 456 حالة، من بينهم 95 حالة شُفيت، و21 حالة وفاة (1). ثم ليصل عدد المصابين في 20 أبريل 2020 إلى 3490 مصاب و264 حالة وفاة.

  

لكن هذا العدد الذي أعلنت عنه وزارة الصحة المصرية لا يكشف عن جميع المصابين بالفيروس، فقد صرّحت وزيرة الصحة نفسها في مؤتمرها الصحفي أن عدد مَن كُشِف عليهم هم 25000 شخص، أي نسبة لا تتعدى 0.025% من عدد سكان مصر، ثم وصل عدد التحاليل التي أجرتها الحكومة المصرية إلى 55000 تحليل في شهر أبريل، وسط توقعات بزيادة حالات المصابين وتزايد انتشار العدوى في مصر نتيجة لتأخر إجراءات منع السفر وفرض حظر التجول، بجانب استمرار تكدس الناس في الشوارع والمواصلات العامة وغيرها من تجمعات بشرية، مما يُنذر بكارثة صحية وشيكة في مصر، وتزايد الضغط على المستشفيات والمنظومة الطبية، فهل يستطيع النظام الطبي في مصر مواجهة تلك الأعداد، في حالة تزايد انتشار عدوى فيروس الكورونا وزيادة الحالات التي تحتاج إلى رعاية طبية مركزة، بجانب تزايد حالات الوفاة مثلما حدث في إيطاليا وإسبانيا وأميركا؟

  

معدل انتشار العدوى في العالم و الأعداد الحقيقية للمصابين في مصر

حسب موقع worldometer العالمي، فعدد المصابين بفيروس كورونا الجديد حول العالم يوم 22 أبريل  2020 هو 2,572,807 بعدد وفيات بلغ 178,551 شخصا حول العالم، وتُعبِّر المنحنيات التالية عن معدل تزايد حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد حول العالم:

     

  

أما عدد الوفيات فيُعبِّر عنها المنحنى التالي، والذي يُشير إلى تزايد عدد الوفيات حول العالم نتيجة للإصابة بفيروس كورونا المستجد، رغم أن منظمة الصحة العالمية تقول إن نسبة الوفاة بالفيروس تتراوح بين 2-4% من عدد المصابين:

     

  

أما معدل انتشار الفيروس فقد عبّر عنه المنحنى التالي، حيث يتراوح معامل انتشار الفيروس عالميا بين 0.5 إلى 2 تقريبا:

   

       

   

لكن ما معامل انتشار الفيروس؟ وماذا نستفيد من معرفته؟

يستخدم علماء الإحصاء والأحياء معادلة تُسمى معادلة النمو الأُسي، وهي معادلة تتوقع زيادة عدد الكائنات حولنا أو زيادة عدد السكان في مدينة أو دولة محددة، عبر ملاحظة الزيادة في عدد السكان أو الأحياء ثم طرح العدد الأصلي منه ثم قسمته على العدد الأصلي، لنحصل على معدل الزيادة الذي يُعبِّر عن نسبة الزيادة، فإذا كان لدينا -على سبيل المثال- حظيرة بها 10أرانب يزيدون كل يوم 5 أرانب بينما يموت أرنبان، فسيكون معدل الزيادة اليومية هو 0.3 أي 30%، هذا الرقم يستخدمه علماء الإحصاء في معادلة النمو الأُسي التي تحسب عدد السكان كل فترة زمنية محددة (2)، وصيغتها هي:

  

   

   

حيث "t" يُمثِّل الزمن أو عدد الأيام، بينما يُمثِّل "r" معدل الزيادة، لكن هذه المعادلة تستمر في حساب الزيادة السكانية دون أي احتساب للاعتبارات البيئية والجغرافية والثقافية في عملية توقع الزيادة السكانية، بالتالي يلجأ علماء الإحصاء إلى صيغة أدق، حيث يُوضع فيها معامل النمو وهو نفسه معامل انتشار الفيروس الذي يساعد خبراء الأحياء والإحصاء في توقع تزايد انتشار العدوى، وصيغتها هي:

  

 

   

حيث يُمثِّل الرمز "E.P" معدل انتشار الفيروس، وبناء على تلك المعادلة رسمت منظمة الصحة العالمية منحنى انتشار الفيروس في الصين وخارج الصين، حيث يُمثِّل المنحنى التالي توقع الخبراء لتزايد انتشار الفيروس حول العالم:

    

  

فإذا طبّقنا المعادلة نفسها على مصر، عن طريق استنتاج معدل تزايد الإصابات بفيروس كورونا في مصر من خلال الأرقام التي أعلنتها وزارة الصحة المصرية بين يومَيْ 6 مارس/آذار وحتى 24 مارس/آذار، فسنجد أن معدل انتشار الفيروس في مصر هو 0.136، وهو أقل من المعدل العالمي الذي يقترب من 1.15، لكننا سنعتمد على المعدل الذي أعلنته الحكومة المصرية، ومن خلال تطبيق معادلة النمو الأسي سنجد أن منحنى زيادة العدوى في مصر كالتالي:

   

  

حيث يقول المنحنى إنه خلال الأيام العشرة القادمة سيصل عدد المصابين بفيروس كورونا المستجد في مصر إلى 850 ألف تقريبا، وهو رقم مرعب وغالبا ما يعيقه كثير من المعوقات البيئية والبشرية إلا أنه يبقى مؤشر مبدأي شديد الخطورة، ويُنذر بحدوث  كارثة صحية وشيكة في مصر، فهل النظام الطبي في مصر قادر على التصدي لهذه الأعداد؟

 

المنظومة الطبية المتهالكة في مصر

وسط انتشار وباء "كورونا المستجد" في مصر، ظهرت بعض التحذيرات على منصات التواصل الاجتماعي من احتمال انهيار المنظومة الطبية بسبب انتشار العدوى وازدياد الضغط على الوحدات الصحية، وهو ما حدث بالفعل في إيطاليا إلى حد أن الأطباء أصبح عليهم أن يختاروا من بين المصابين مَن يستحق الرعاية وهناك أمل من شفائه ومَن ليس له أولوية العلاج فيُترك ليموت.

  

لذلك دعت منظمة الصحة العالمية والحكومات إلى محاولة تقعير منحنى الإصابة بالفيروس عبر إستراتيجية التباعد الاجتماعي، تجنُّبا لتصاعد عدد الإصابات والوفيات بشكل لا تتحمّله النظم الطبية في الدول.

  

  

حيث يُمثِّل الخط الأفقي الحد الأقصى الذي يتحمّله النظام الطبي في كل بلد، غير أن ارتفاع هذا الخط يختلف من بلد إلى آخر، فبينما تتمتع بعض البلاد مثل ألمانيا وإنجلترا بنظام طبي مُتقدِّم وعدد كبير من المستشفيات وأسِرّة الرعاية الطبية المركزة وأقنعة التنفس، لا تمتلك دول أخرى حتى رفاهية الاختيار بين مَن يستحق الرعاية الصحية ومَن لا يستحق، ومن تلك البلاد مصر، فالمنظومة الطبية في مصر لا تسمح إلا بالحد الأدنى، بل الأدنى من الأدنى من الرعاية الصحية، الأمر الذي يجعل 100 مليون مصري في خطر صحي كبير.

     

    

تكشف الرسومات والخرائط البيانية التالية بعض الإجابات عن سؤال محتمل ومتداول: هل يستطيع النظام الطبي في مصر أن يصمد أمام وباء كورونا الجديد؟

تكشف بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء الصادرة في 2019 أن إجمالي عدد الأطباء البشريين في مصر هو 120606 طبيب بشري، وإجمالي عدد هيئة التمريض هو 219452 ممرض وممرضة، وعدد الصيادلة في مصر هو 52692، وعدد سيارات الإسعاف هو 2,912 سيارة، وعدد مراكز الإسعاف هو 1,464 مركز في كل محافظات مصر، وعدد المستشفيات في مصر هو 1,848 بالإضافة إلى 89 مستشفى جامعيا يتبع وزارة التعليم العالي لا الصحة.

 

  

لا تُشير الأرقام هنا إلى مؤشرات محددة، لكن بتحليل الأرقام يبدو الأمر مختلفا، الرسم البياني التالي يوضح عدة مؤشرات مهمة، حيث يُبيِّن أن هناك طبيبا بشريا واحدا لكل 805 مواطن مصري، وهناك ممرض واحد لكل 443 مواطنا مصريا، والأكثر رعبا أن هناك سريرا واحدا لكل 736 مصريا، بينما هناك مستشفى واحد لكل 52569 مصريا.

  

 

الرسوم السابقة تُعبِّر عن الوضع الصحي في مصر بشكل عام، لكن وزارة الصحة المصرية منذ بداية شهر مارس/آذار قد خصّصت مستشفى للعزل الصحي في كل محافظة من محافظات مصر، فهل هذه المستشفيات مزودة بالمساحة والأسِرّة اللازمة لاستقبال المشتبه بإصابتهم بفيروس كورونا؟

  

مستشفيات العزل الطبي في مصر وعدد الأسِرّة بالمستشفيات

خصّصت وزارة الصحة مستشفى للعزل الطبي في كل محافظة من محافظات مصر، تُوضِّح الخريطة التالية توزيع مستشفيات العزل في جميع محافظات مصر:

     

  
يُوضِّح الرسم التالي عدد الأسِرّة في كل مشفى من مشافي الحجر الصحي في محافظات مصر:

   

   

يكشف الرسم البياني السابق عن عدد الأسِرّة في مستشفيات العزل الصحي، فمثلا نجد أن مستشفى 15 مايو المخصص للعزل الصحي في القاهرة، العاصمة الكبرى، لا يحتوي إلا على 100 سرير للإقامة و20 سريرا للرعاية المركزة، بينما لا يحتوي على أي سرير للرعاية المركزة للأطفال، أما الإسكندرية، المدينة الثانية في مصر، فنجد بمشفى العجمي المخصص للعزل الصحي 110 سرير للإقامة و20 سريرا للرعاية المركزة، أما أكبر مشفى عزل صحي يحتوي على عدد أسرة فهو مشفى زفتى بالغربية حيث يحتوي على 195 سريرا للإقامة و4 أسِرّة فقط للرعاية المركزة، وأعلى مشفى به أسِرّة رعاية مركزة هو مشفى بني سويف التخصصي وعدد أسِرّة الرعاية المركزة به 38 سريرا!

 

غير أن العجز في عدد الأسِرّة لا يوجد فقط بمشافي الحجر الصحي، بل يشمل كل مستشفيات مصر، ويُوضِّح الرسم البياني التالي عدد الأسِرّة في جميع مستشفيات مصر سواء كانت قطاعا حكوميا أو قطاعا خاصا بجميع محافظات مصر:

   

        

أما خريطة مستشفيات القطاع الخاص، فنجد في الرسم البياني التالي توزيعها بين الريف والحضر بمحافظات مصر:

   

  

أما عن عدد الأسِرّة المخصصة لكل تخصص طبي بكل محافظة في مصر فنجد توزيعه في الرسم البياني التالي:

     

     

أما إذا أردنا معرفة توزيع الأسِرّة لتخصص الحميات والصدر وحدهما، بما أن أخطر ما يُهاجمه فيروس كورونا هو الجهاز التنفسي في المريض ورئتاه، فالرسم البياني التالي يُوضِّح توزيع الأسِرّة الخاصة بتخصصَيْ الحميات والصدر بمحافظات مصر كلها:

   

      

  

لكن حتى بوجود عجز في أعداد الأسِرّة، ألا تستطيع وزارة الصحة أن تُوفِّر أسِرّة جميع المستشفيات وجميع التخصصات لمواجهة وباء عالمي مثل كورونا المستجد؟ الحقيقة أن الإجابة يُقدِّمها الرسم البياني التالي الذي يُبيّن نسبة الإشغال في جميع الأسِرّة بجميع مستشفيات مصر:

    

   

يُوضِّح الرسم السابق أن نسبة إشغال الأسِرّة في مستشفيات مصر تتراوح بين 16% وحتى 75%، بينما تتراوح مُدَد الإقامة ما بين يومين إلى ثلاثة أيام، أي إنه إذا حاولت وزارة الصحة استخدام جميع الأسِرّة لضحايا فيروس كورونا، فستتسبّب في مصيبة صحية لباقي المرضى الموجودين بالفعل على معظم أسِرّة المستشفيات في جميع محافظات مصر.

  

أطباء مصر.. ماذا تبقى منهم؟

إذا كان هذا هو حال عدد المستشفيات والأسِرّة في مصر، فما عدد الأطباء في مصر، خاصة أن السنوات الماضية شهدت حالة من الهرب الكبير لأطباء مصر من جميع التخصصات بسبب سوء الأحوال المادية والصحية والتعسف ضد الأطباء الفترة الماضية؟

   

يُوضِّح الرسم البياني التالي إجمالي أعداد الأطباء والصيادلة وهيئة التمريض، سواء كانوا ذكورا أم إناثا، في وزارة الصحة والهيئات العامة الأخرى مثل الجامعات والسجون والشرطة والتأمين الصحي وغيرها:

   

  

بيد أن المستشفيات هي في الأساس مؤسسات متكاملة، لا تحتوي على أطباء وصيادلة ومسعفين فقط، بل هناك موظفون إداريون وعُمّال وفنيون من جميع التخصصات، وكل هؤلاء معرّضون للإصابة بالعدوى، خاصة مع نقص المستلزمات الطبية والوقائية في جميع مستشفيات مصر.

        

الرسم البياني التالي يُوضِّح إجمالي أعداد العاملين في القطاع الصحي في مصر بجميع التخصصات والمحافظات:

   

  

حيث يتضح أن فئة هيئة التمريض من الإناث وفنيي التمريض من الإناث هما أعلى فئتين بالقطاع الصحي، لذلك يُبيِّن الرسم البياني التالي تفاصيلهما:

   

   

حيث يبلغ عدد العاملين بالقطاع الصحي في مصر في جميع محافظات مصر عدد 412842، بالإضافة إلى إجمالي عدد الأطباء البشريين في مصر وهو 121 ألف تقريبا، أي إن عدد العاملين في القطاع الصحي في مصر يبلغ نصف مليون فرد تقريبا، نسبة كبيرة منهم معرّضون للإصابة بالعدوى في ظل الحالة الآنية من نقص المستلزمات الطبية في المستشفيات، وسط عجز عام في الجهاز الطبي وأقنعة التنفس وعدد الأطباء، وهذه الأرقام والخرائط والرسوم البيانية تدق ناقوس الخطر حول النظام الطبي في مصر الذي قد ينهار في أي لحظة إذا تحقق سيناريو تزايد المصابين بفيروس كورونا كما حدث في إيطاليا وإسبانيا، وما إيران عنا ببعيدة.

———————————————

ملاحظة:

جميع الأرقام الواردة في التقرير مستقاة من الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر، وهو مركز إحصائي معتمد من الحكومة المصرية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة