أطباء مصر يستغيثون.. كيف يضحّي نظام السيسي بالأطباء والشعب معا؟!

ميدان – أطباء مصر يستغيثون.. كيف يُضحّي نظام السيسي بالأطباء والشعب معا؟!
اضغط للاستماع

   

في الساعة 7:30 صباحا من يوم 10 (مارس/آذار) 2020، ارتدت منى عادل معطفها الأبيض واستعدّت لبدء أول يوم لها في مستشفى الحميات بالإسكندرية المخصص لاستقبال حالات الاشتباه بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، حيث انتُدِبت منى عادل طبيبةً في قسم مكافحة العدوى بالمستشفى، لترتكز مهمتها على ضبط الإجراءات الوقائية والصحية في المستشفى لمنع انتقال فيروس كورونا إلى العاملين في الطاقم الطبي أو إلى المرضى الزائرين والمحجوزين في المستشفى.

 

بدأت عادل مشوارها في المستشفى بالتنقل بين أروقة الأقسام المختلفة، فلاحظت أن قسم الاستقبال هو أكثر الأقسام ازدحاما، حيث يستقبل ما يقرُب من 600 حالة يوميا، كلهم يعانون من أعراض متقاربة: ارتفاع في درجة الحرارة، سعال، وأحيانا صعوبة في التنفس، ويطلبون إجراء تحليل الـ "PCR" للتأكد من إصابتهم بالفيروس من عدمه. قبل ظهور وباء فيروس كورونا، كان المستشفى يستقبل نحو 100 حالة يوميا فقط، فكيف يتعامل المستشفى مع هذا العدد حاليا في ظل أزمة كورونا؟ وما طبيعة الوضع الطبي في مصر بعيدا عن أعين الكاميرات الرسمية والبيانات الحكومية؟

    

    

الاستقبال: تكدُّس غير آدمي ووقاية معدومة

تصف منى عادل لموقع "ميدان" مشهد الاستقبال قائلة: "يتجمع المرضى في غرفة الاستقبال دون أي تنظيم يُذكر، وأحيانا في وقت الذروة يجلس المرضى في غرفة الاستقبال، البالغ مساحتها 15*15 مترا، معا، بواقع 250 مريضا في الوقت نفسه في الغرفة ذاتها، كلهم يُصنَّفون "مشتبه به". وفي ظل هذا الازدحام الشديد، لا أدري كيف أقوم بعملي في مكافحة العدوى ومراقبة اتباع إجراءات السلامة، إن احتمالية نقل العدوى وسط هذا الازدحام الكثيف عالية جدا".

  

اشتكت منى عادل كمثيلاتها من الأطباء والممرضين من هذا التكدُّس غير الصحي على الإطلاق، وظلّت أياما وأسابيع تواصل شكواها مع زملائها، حتى استجابت الحكومة في نهاية الأمر إلى مطلب الأطباء وقامت بتحويل الكشف والعيادات الخارجية إلى الوحدات الصحية ومراكز الرعاية ابتداء من 26 مارس/آذار 2020. قد يكون هذا الحل فعّالا لأول وهلة، لكن الطبيبة منى عادل تؤكد أن "كل ما فعله القرار هو أنه قام بنقل الازدحام من المستشفيات إلى الوحدات الصحية، التي يتكدَّس فيها البشر بسعة تصل إلى 400 فرد أحيانا. فما الجديد في هذا الإجراء؟".

   

قرار وقف الزيارات الداخلية ونقل العيادات إلى الوحدات الصحية (مواقع التواصل)

     

باسم عطية، طبيب آخر عمله الحكومي أو تكليفه -كما يُطلق عليه الأطباء في مصر- في وحدة صحية بالإسكندرية، ينقل لـ "ميدان" صورة تُوضِّح لنا جاهزية الوحدات الصحية لاستقبال هذا التكدُّس البشري، فيقول: "في خضم وباء كورونا العالمي والاحتياطات الدولية غير مسبوقة النظير، بدأت حملة السيسي للتطعيم ضد الحصبة بدءا من 8-3-2020 إلى 26-3-2020 والتي يحرص النظام على تلميع صورته أمام الجماهير بواسطتها. رأيت بعيني في وحدتي التي أعمل بها كيف يتكدَّس يوميا أكثر من 500 أم وطفل انتظارا لدورهم في التطعيم، دون أي إجراءات وقائية أو معايير صحية متبعة تمنع انتقال عدوى كورونا. الوضع هنا كارثي".

     

نموذج من التكدُّس البشري الذي يُمثِّل بيئة خصبة لتفشي كورونا خلال حملة الحصبة بمحافظة الغربية. (مواقع التواصل)

     

تحاول منى عادل أن تتحامل على دهشتها من سوء التنظيم، وتتجه لمراقبة الأداء اليومي للمستشفى، وتُدرك على الفور أن السعة السريرية للمستشفى لا تسمح بعزل كل المشتبه بهم حتى تظهر نتائج اختباراتهم، فلا يوجد في المستشفى إلا ما يقارب 20 سريرا، ويستغرق تحليل الـ "PCR" ما يقارب 48 ساعة يجب على المستشفى خلالهم أن يحجز المشتبه به في هذه الفترة بأكملها(1). فكيف يتعامل المستشفى إزاء هذا الوضع المتأزم؟

    

الحل الذي يتّبعه المستشفى هو رفض إجراء تحليل الـ "PCR" إلا لـ 6 حالات فقط من وسط 600 حالة، أي إن 99% من الحالات المشتبه بها يرفض المستشفى إجراء التحليل لها، فيُحيلها إلى أقسام أخرى أو يطلب منهم ببساطة الرجوع إلى بيوتهم. أما السيناريو المتوقع إذا كان واحد فقط من هؤلاء مصابا بكورونا، فسيكون سيناريو كارثيا لا يُطمئن أحدا. لكن ما المعايير التي يُحدَّد على أساسها مَن يخضع للاختبار ومَن يذهب إلى بيته؟

   

البروتوكول يقتل المرضى!

"الحكومة المصرية تُضحِّي بنا في المستشفيات!"

أحمد كامل، طبيب

   

يحكي الطبيب فؤاد محمد، الطبيب المعاون لمنى عادل، لموقع "ميدان" كيفية اختيار مَن يخضع للاختبار ومَن يُستَبعد. ويقول إن الأمر "لا يمكن أن يُوصَف إلا بالعشوائية"، ثم يذكر: "ففي أحد الأيام، استقبل المستشفى سيدة مريضة بأعراض فيروس كورونا وتبلغ 45 عاما، فرفض المستشفى إجراء تحليل الـ "PCR" لها، لأنها "لم تنطبق عليها قواعد البروتوكول"".

  

ويستطرد محمد: "فوفقا للحكومة المصرية، يجب على المشتبه به أن يكون قد حاز على شرط من اثنين: إما أن يكون خالط حالة إيجابية بكورونا، وإما أن يكون عائدا من بؤرة خطرة مثل الصين وإيطاليا. لكن هذا البروتوكول عقيم للغاية، فمَن يدري إذا كان قد خالط حالة مصابة بكورونا من عدمه رغم أن الأعراض ربما لا تظهر على الحامل للمرض لمدة أسبوع كامل؟!".

    

الوثيقة الرسمية التي وزّعتها وزارة الصحة لشروط إجراء تحليل الـ "pcr"، تنازلت الوزارة عن هذه الشروط البيروقراطية بعد إصابة ووفاة عشرات الحالات واعتراض الأطباء عليها. (مواقع التواصل)

     

ويستكمل محمد رواية مأساة هذه المرأة لنا قائلا: "ظلّت السيدة محجوزة ومستلقية على أحد أَسِرّة المستشفى دون عزل، لكن جسد السيدة المسكينة لم يتحمل أضرار الالتهاب الرئوي الحاد، فتوفيت بعد أسبوع واحد في المستشفى في 13 مارس/آذار 2020".

   

لم تكن هذه السيدة ضحية البروتوكول البيروقراطي الوحيدة في مصر، فقد التحق بها في قطار الضحايا رجل مصري توفي في مستشفى بولاق الدكرور العام رفض المستشفى استقباله كمصاب بفيروس كورونا لأنه "لم تنطبق عليه قواعد البروتوكول" وتُوفي بعدها بأسبوع واحد، تحديدا في 20 مارس/آذار 2020.

   

حينذاك خرج أحد أطباء العناية المركزة المشرفين على ذاك الرجل في المستشفى، وهو الطبيب المصري أحمد كامل، ليصف بروتوكول وزارة الصحة بـ "الغباء". وأشار إلى أن تعسف البروتوكول الطبي وإهمال الإدارة الطبية هما سبب التأخر عن كشف حالة المريض المصاب بكورونا، والذي خالط عشرات الأفراد من الطاقم الطبي أثناء مكوثه في المستشفى، ما جعل كامل يصرخ مستغيثا: "الحكومة المصرية تُضحِّي بنا في المستشفيات!".

     

   

سائق التاكسي المصاب الهارب!

"الحكومة تُلقي بنا إلى الهلاك!"

هناء عبد الرحمن، ممرضة

   

شاهدت منى عادل فيديو استغاثة ذاك الطبيب وشكواه من النظام الطبي في مصر التي بثّها على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، لكن لم يكن الأمر غريبا عليها، فقد استعادت ذاكرتها ذاك الرجل في الإسكندرية الذي كان لتوّه عائدا من إيطاليا وظهرت عليه أعراض فيروس كورونا، فأجرى تحليل "PCR" وظهرت النتيجة "سلبي"، فذهب الرجل آمنا إلى بيته في حي "سيدي بشر"، وبعد مرور ساعات قليلة استدعى المستشفى الرجل نفسه في سيارة إسعاف خاصة ليُخبره أن هناك "خطأ" قد حدث في تحليله وأن نتيجته في الحقيقة "إيجابي"، فعُزِل هو وزوجته في الحجر الصحي بمستشفى العجمي(2).

 

كم شخصا خالطهم ذلك الرجل المصاب؟ لا أحد يعرف! وتحكي الممرضة هناء عبد الرحمن لـ "ميدان": "هناك رجل معين خالط الرجل المصاب: وهو سائق التاكسي الذي صاحبه في رحلته من المستشفى إلى بيته بعد نتيجته الخاطئة الأولية. والمثير للسخرية أنه حتى الآن ما زالت الحكومة تبحث عن هذا السائق حتى تحجزه في الحجر الصحي، وأصبح مشهورا بيننا بـ "سواق التاكسي الهارب" في قصة نتندّر بها مع الأطباء والصيادلة في أوقات الفراغ".

 

المريض متروك لنفسه

" الخط الساخن للحكومة خط عقيم لا جدوى له"

أحمد هاني، ممرض 

    

   

تحكي منى عادل لـ "ميدان": "في يوم 21 مارس/آذار استقبلتُ فتاة مريضة وظهرت نتيجة تحليلها "إيجابي". أبلغت الفتاة بنتيجة تحليلها وطلبت منها الانتظار حتى تُحَوَّل، ثم صعدت إلى مدير المستشفى وأخبرته بما حدث وطلبت منه الاتصال بمستشفى الحجر الصحي لتحويل الحالة إليها، لكن رد المدير قد فاجأني: "الحجر الصحي ممتلئ، فلتذهب إلى بيتها، ليس هناك ما نستطيع أن نُقدِّمه لها"".

 

خرجت منى عادل من غرفة المدير وتحدثت إلى أحمد هاني، أحد الممرضين بالمستشفى، ليُفاجئها الأخير بقصة أكثر سوءا، طلبنا من هاني التواصل معه ليُخبرنا بما حدث، ووافق على الإدلاء بشهادته.

 

روى لنا هاني في "ميدان" قصة سيدة مصابة بما يشبه الالتهاب الرئوي في بدايته لكنّ أحدا لم يستقبلها، قائلا: "منذ قدوم السيدة إلى الاستقبال وظهور أعراض مشابهة لأعراض فيروس كورونا واضحة عليها، هرع الأطباء إلى الاتصال بالخط الساخن للطوارئ الذي وفّرته الحكومة المصرية: 105. دخلت السيدة الساعة 12:00 منتصف الليل، وظل الأطباء يتصلون بالخط الساخن لمعرفة كيف يتصرفون إزاء هذا الأمر".

 

يُضيف هاني: "لمدة 6 ساعات كاملة لم يرد علينا أحد، لا على الخط الساخن ولا بأي وسيلة أخرى أقل سخونة، أكثر من 30 مكالمة تُحوَّل إلى الرد الآلي العقيم دون أي جدوى. ظلّت السيدة جالسة في غرفة الاستقبال تتعامل مع جميع الناس دون إجراء أي بروتوكول لعزلها عن الناس. في نهاية المطاف قرّر الأطباء نصح السيدة بالاتجاه إلى مستشفى الحميات الساعة 7:00 صباحا". ولم يدرِ أحد مع مَن تعاملت السيدة طيلة فترة مكوثها، وانتهت رحلة السيدة دون أي مراجعة لحالتها الطبية. فإذا كانت العشوائية سيدة الموقف في التعامل مع المرضى المصريين، فما حال الأطباء والصيادلة والممرضين؟!

    

الرد الذي أصدرته مديرية الصحة بأسوان في 27 مارس/آذار 2020، والتي أنكرت شهادته ثم فصلته من العمل عقب روايته للحقيقة. (مواقع التواصل)

     

الطبيب جمال زينهم يشتكي من عدم وجود الكمامات والكحول في مستشفى طلخا، فما كان من مديرية الصحة إلا أن كتبت مذكرة ضده وحوّلته إلى التحقيق لإثارته للبلبلة والشائعات. (مواقع التواصل)

       

التضحية بالأطباء والممرضين

"مستشفى رئيسي واحد يُغلق بسبب الإهمال يعني أقساما كاملة لا علاقة لها بجائحة كورونا تتوقف عن العمل، وهو ما يعني الموت المباشر للجميع".

ياسمين ناصر، طبيبة 

   

لم يستطع هاني أن يُدلي بشهادته على سوء إدارة حكومة السيسي للوضع علنا، فهو لا يريد أن يلقى مصير زميله أبانوب جرجس بشير، الطبيب الذي كتب على صفحته شهادته على انعدام معايير الأمان داخل مستشفيات وزارة الصحة في أسوان، فما كان رد مديرية الصحة إلا أن فصلته من العمل، وأنكرت وجود أي حالة إيجابية لكورونا في أسوان، رغم أن أبانوب تعامل بنفسه مع حالة تأكد إصابتها. 

   

لم يكن التشخيص الخاطئ، والإهمال الطبي، والبروتوكول البيروقراطي، والتكدس العشوائي دون اتباع إجراءات السلامة، والتوزيع الخاطئ للحالات كمًّا وكيفا، مجرد ثغرات في النظام الصحي المصري، بل إنها أجزاء من منظومة تُعاني بأكملها من خلل واضح في مكافحة العدوى. على الجانب الآخر، فإن التصريحات الرسمية للحكومة المصرية تؤكد أن الوضع الصحي مستتب، وأن كل إجراءات السلامة متبعة ولا غبار عليها. تُشكِّك منى عادل بقوة في التصريحات الرسمية، وبينما تقرأ عناوين الصحف والبيانات الرسمية، تُصدم عندما يُصاب حسين حامد، أحد زملائها الصيادلة العاملين في قسم مكافحة العدوى، بأعراض فيروس كورونا.

   

حصل موقع "ميدان" على فرصة لمقابلة حامد، وأخبرنا بما حدث، حيث قال: "عندما ظهرت عليّ أعراض مرض كورونا ليلا، سارعت في اليوم التالي إلى إدارة المستشفى لطلب إجراء التحليل عليّ. لكن صدمني المدير برده الجاف: "لا يمكننا إجراء تحليل الـ "PCR" لك أو للعاملين في الطاقم الطبي". تعجّبت وتساءلت ما المبرر؟ كيف يمكن لمَن يحرص على حياة الناس ألا يحرص النظام على حياته هو شخصيا؟".

 

ويستكمل حامد: "لم يُسفر إلحاحي عن شيء، فرجعت إلى بيتي متحسرا وعزلت نفسي بنفسي، ولحسن الحظ تعافيت بعد أسبوعين وعاودت استئناف عملي، رغم كل المعوقات والاستهتار بحياة العاملين في المجال الطبي". تطرح قصة حامد عددا من الأسئلة: هل كان مصابا بكورونا بالفعل؟ كم شخصا خالط قبل وبعد معرفته بالأعراض؟ لا أحد يعلم، النظام لم يوافق على إجراء التحليل له، ولم يتتبع أحد مسار اختلاطه بالناس.

   

  

تواصل معنا حامد في "ميدان" مرة أخرى، ليخبرنا أن أحد الأطباء في المستشفى معه التقط العدوى، ويُرجِّح العاملون أنه بسبب اختلاطه بحامد نفسه. يشعر حامد بالأسى، لكنه يشعر بالعجز كذلك، ويخبرنا: "إذا لم تستطع الحكومة توفير أدنى معايير السلامة في المستشفيات ولا لي شخصيا، فكيف يمكنني ألا أُصيب غيري بالعدوى؟".

   

غير أن حامد كان أوفر حظا من زميله الصيدلي محمود صبري الذي لم يتعافَ كحامد، فقد شُخِّص صبري بفيروس كورونا، وعانى من التهاب رئوي حاد، ثم توفي يوم 23 مارس/آذار 2020م، ليصبح أول صيدلي يتوفى نتيجة العدوى في مصر. ونقل صبري بدوره العدوى إلى نجله الصيدلي وزوجته الطبيبة. وقد أثار موت صبري موجة من الأسى والغضب في القطاع الصيدلي في مصر لعدم توفير الحكومة لمعايير الأمان لهم(3).

 

تجهيز منعدم ووقاية غائبة

"الطبيب الذي يرتدي الكمامة في المستشفى سوف أعاقبه وأخصم له 5 أيام من مرتبه الشهري". 

أشرف أمين، مدير مستشفى جمال عبد الناصر بالإسكندرية، عميد جيش

    

تتفق منى عادل وحسين حامد على التعامل مع الوضع كما هو عليه، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. فإحدى الأزمات الرئيسية التي يواجهها القطاع الطبي في مصر هي النقص الهائل في المستلزمات الطبية للوقاية من العدوى قبل وصول الفيروس لذروته أساسا. في إطار هذا النقص تؤكد منى عادل لـ "ميدان" أن الطاقم الطبي "لا يتوفر له سوى ماسك جراحي واحد فقط طوال فترة عملنا في الدورية لمدة ثماني ساعات. لا كمامات طبية بديلة، لا كحول، لا قفازات، وهي إجراءات منافية لبدهيات السلامة والوقاية من المرض".

   

لكن منى عادل تعلم أنها كانت أحسن حظا من الأطباء والممرضين في مستشفى جمال عبد الناصر، إذ صدر قرار من أشرف أمين، مدير المستشفى الحالي وعميد الجيش المحال إلى المعاش، يمنع الموظفين والتمريض من ارتداء الكمامات أو القفازات لحماية أنفسهم والآخرين من الإصابة بالعدوى. وهدّد "أمين" أن كل مَن يراه يرتدي القفاز أو الكمامة سيُخصم من مرتبه الشهري، فاضطر الأطباء والممرضون إلى التعامل مع المرضى دون أبسط معدات منع العدوى(4).

     

   

وبلغ الاستهتار بحياة الأطباء والممرضين ذروته في أحد المستشفيات بدمياط، حيث انقطعت المياه عن المستشفى لمدة ثلاثة أيام كاملة مع غياب الكمامات والقفازات عن الطاقم الطبي، فلم يُمنع عن الأطباء وسائل الوقاية فحسب، بل مُنعوا حتى من غسل أيديهم بالمياه(5). 

   

كل هذه الإجراءات التعسفية والاستخفاف المتعمّد بحياة الطواقم الطبية يجعل الأطباء في جميع أنحاء الجمهورية عُرضة بسهولة للإصابة بالمرض، وبناء على هذا الإطار غير الصحي الذي تغيب فيه أدنى معايير السلامة من الوقاية، أصبحت الطواقم الطبية عُرضة للإصابة بالعدوى بمنتهى السهولة.

   

فبجانب الإصابات التي ذكرها مَن تحدّثوا لـ "ميدان" بين الأطباء والصيادلة والممرضين، أُصيب أشرف الحلوجي، استشاري الباطنة بمستشفى الجزيرة بالجيزة، عقب اختلاطه مع حالة مصابة بكورونا دون اتباع إجراءات الوقاية الطبية اللازمة، فعُزِل الحلوجي في الحجر الصحي يوم 17 مارس/آذار 2020.

   

والتحقت بالحلوجي ممرضة -رئيس قسم التمريض- في مستشفى دمياط العام، حيث أُصيبت بالعدوى في 19 مارس/آذار 2020م، فنشرت زميلاتها الممرضات مقطعا يستغثن فيه من غياب وسائل انتقال العدوى وسط حالة من الهلع والصراخ والبكاء. وبعد أربعة أيام أُصيبت ثلاث ممرضات في مستشفى دمياط التخصصي في 24 مارس/آذار 2020م بالفيروس وشُخِّصن "إيجابي" كذلك، وفقا لما حكاه الطبيب هادي مصطفى لـ "ميدان"، أحد شهود العيان من داخل المستشفى.

     

   

حكومة مصرية لشعب إيطالي

هذا العجز في وسائل الوقاية من العدوى أدّى إلى ارتفاع سعرها في السوق بشكل مبالغ فيه، فمثلا في موقع "سوق.كوم" (Souq.com) بلغ سعر الكمامة الواحدة 100 جنيه، فكيف تصرفت الحكومة إزاء هذا الوضع؟ قرّرت الحكومة إهمال مطالب شعبها بتوفير الكمامات الواقية لهم وتدبير المستلزمات الصحية للطواقم الطبية، وعوضا عن ذلك ضربت بصحة الشعب المصري عرض الحائط وأرسلت شحنة تتضمّن مليون كمامة إلى إيطاليا في 21 مارس/آذار 2020م(6).

       

طلب مقدم من طبيب بمستشفى المنيرة العام بالقاهرة يوم 22 مارس/آذار للحصول على كمامة، وكان رد المخزن: لا يوجد. قبلها بيوم واحد فقط قامت الحكومة المصرية بتصدير مليون كمامة إلى إيطاليا في اليوم السابق. (مواقع التواصل)

    

وما زاد أطباء مصر سخطا على إدارة نظام السيسي لملف وباء كورونا هو أنه في اليوم التالي، 22 مارس/آذار 2020م، أُصيب أحد أطباء مستشفى المنيرة بفيروس كورونا نظرا لغياب سبل الوقاية داخل المستشفى، فعُزِل في الحجر الصحي، وسط سخط وتذمر كبيرين من زملائه بسبب رعاية الحكومة للشعب الإيطالي وإهمالها لمطالب الأطباء المصريين(7).

   

وفي إطار منع وسائل الحماية عن الأطباء المصريين، يحكي أبانوب نزيه، الطبيب بمستشفى دمنهور العام، لموقع "ميدان"، فصلا آخر من فصول المأساة، فيقول: "نتعامل يوميا مع حالات مشتبه بإصابتها بفيروس كورونا، ونطلب من الإدارة كمامات من نوع "N95" لكنها ممنوعة عنا لسبب غير معلوم، ولا يوفر لنا المستشفى سوى الكمامات الجراحية التي لا تمنع انتقال الفيروس إطلاقا، بل إنه في إحدى المرات طلبت من مدير المستشفى توفير كمامة لي لتعاملي المباشر مع حالات إيجابية، فرد عليّ قائلا: "ارتدِ كمامتين فوق بعض"، وهو رد هزلي لا يمت للإجراءات الصحية بصلة".

   

التعامل الأمني مع الأطباء المصريين

حتى اللحظة، لا أحد يعلم لماذا يتعنّت النظام في إجراء تحليل الـ "PCR" على الطواقم الطبية، رغم رداءة سبل الوقاية. ربما لأن النظام المصري يتعامل مع الأطباء والطاقم الطبي في مصر كما يتعامل مع العساكر المجندين إلزاميا في الجيش.

   

ففي بداية مارس/آذار، استدعت الحكومة الطبيب إسلام رأفت للعمل في مستشفى 15 مايو المخصصة للحجر الصحي بالقاهرة، تواصلنا في "ميدان" مع رأفت وقال لنا: "قبل ذهابي للمستشفى سألت أحد عمداء الجيش عن طبيعة تكليفي في مستشفى الحجر الصحي، فحذّرني عميد الجيش أني إذا استجبت للاستدعاء فلن أخرج من المستشفى إلا بأمر عسكري، وقال لي إني إذا حاولت الخروج قبل ذلك، فإن ضابط الجيش يملك أوامر "بتصفيتي وإطلاق النار عليّ" إذا حاولت الهرب. إنهم يتعاملون معنا معاملة الهارب من الحدود".

   

لم يستمع رأفت لتحذير عميد الجيش، فالحكومة تصرف 15-20 ألف جنيه كمكافأة للأطباء العاملين في مستشفيات الحجر الصحي، لكن على أي حساب؟ تواترت شهادات الأطباء بأن الوضع الطبي في مصر متدهور، لكنهم لا يستطيعون الحديث عن ذلك، فالجميع يعلمون أن ثمة أجهزة أمنية هي التي تتولى ملف الأزمة في مصر، وهناك تهديدات مستمرة بالاستدعاءات في جهاز الأمن الوطني إذا تجرأ طبيب على نشر الحقائق(8). 

   

وهو السبب الذي دفع أغلب الأطباء والصيادلة الذين تواصل معهم موقع "ميدان" إلى رفض الحديث مع الموقع قائلين إنهم خائفون من بطش النظام بهم، مؤكدين أن العديد من زملائهم من أسوان إلى مطروح أُجرِي تحقيق معهم بالفعل. وحتى القلة الذين استجابوا لنا وصرّحوا لنا بالحقيقة فقد أكّدوا على "ميدان" مرارا ضرورة إخفاء جميع أسمائهم حتى لا يُنكِّل النظام القمعي بهم، رغم أنهم لا يروون شيئا سوى الحقيقة.

     

  

محافظ قنا، اللواء أشرف الداودي، وهو يقوم بزيارة تفقدية لمستشفى قفط في 23 مارس/آذار 2020م، يظهر في الصورة اللواء وهو يرتدي الكمامة والقفازات رغم أنه لا يتعامل مع الحالات المصابة، أما الطبيب الذي يتعامل مع الحالات المريضة بنفسه فلا يرتدي شيئا يقيه من العدوى لعدم توفر المعدات في المستشفيات أصلا.

      

رغبة في التكتيم وإخفاء المعلومات

"هناك اتجاه واضح للحكومة في التكتيم على تفاقم الأزمة"

أبانوب نزيه، طبيب من دمنهور

 

في النصف الأول من شهر مارس/آذار، أُصيب أحد الأطباء بمستشفى الطلبة الجامعي بالإسكندرية بحمى شديدة والتهاب رئوي، فذهب إلى الإدارة لتُجري عليه تحليل الفيروس كما هو مفترض، لكن في حركة مفاجئة قام مدير المستشفى بالتكتيم على الحالة ورفض الإبلاغ عنها أو إجراء التحليل لها وحجزها في عنبر الكلى دون أي عزل أو تحليل، طبقا لشهادة ناجي العدل، أحد الأطباء العاملين في المستشفى.

   

ويحكي ناجي لـ "ميدان": "ظل زميلي الطبيب المسكين أسيرا لهوى المدير دون رعاية طبية لازمة تُناسب إصابته المحتملة بفيروس كورونا. استطاع جسده أن يحارب المرض قليلا، لكنه في نهاية المطاف استسلم تماما وأدّى هذا الإهمال المتعمّد لإدارة المستشفى إلى وفاة الطبيب متأثرا بالالتهاب الرئوي يوم 23 مارس/آذار 2020م. والغريب أن الجثمان سُلِّم إلى أهله وكانت الجنازة سرية، وأُمِروا بأن يتكتموا على الموضوع".

   

وقتها، فقط بعد وفاة الطبيب وانتشار خبر إصابته والتكتم عليه، أجرى المستشفى تحليل الـ "PCR" على مَن اختلط به فترة مرضه مخافة أن يتكرر هذا السيناريو المؤلم، فظهرت نتائج 13 ممرضا وطبيبا في المستشفى نفسه "إيجابي" كلهم حصلوا على العدوى من ذاك الطبيب المتوفى. فأُغلِق المستشفى وحُوِّل إلى حجر صحي لجميع المرضى والعاملين فيه لمدة 14 يوما.

   

  

هذا السيناريو من التكتيم تكرّر مثله في المستشفى الميري الجامعي، حيث يتكتم مدير المستشفى على عدة حالات مصابة بكورونا في أحد العنابر، دون إجراءات العزل المتبعة، ويتعامل الأطباء والممرضون هناك بحالة من الرعب، هل يستمرون في عملهم أم يهربون من هذا المكان الموبوء غير المتبع لأدنى درجات الشفافية ومكافحة العدوى؟

 

في مقابلة خاصة مع "ميدان"، أخبرتنا ليلى فتحي، الطبيبة بالمستشفى الميري، أن "4 ممرضات وطبيب واحد على الأقل في المستشفى الميري شُخِّصوا "إيجابي" بفيروس كورونا، وجميعهم أُصيبوا عبر الاحتكاك غير الآمن مع 3 مرضى مصابين بكورونا يتكتم عليهم مدير المستشفى ومحجوزين بعنابر الكلى والقلب بشكل مفتوح دون أي إجراءات عزل كافية".

  

وتُضيف ليلى فتحي: "أمر مدير المستشفى الأطباء والممرضين المصابين بأخذ إجازة لمدة أسبوعين دون إجراء تحليل "PCR" لأنه يرفض إجراء التحليل لهم". فإلى أي مدى يستمر سيناريو التكتيم والتضحية بالأطباء والممرضين؟ ومَن ينتفع من وراء التكتيم أصلا؟

  

حتى اللحظة، لا يوجد بيان رسمي يُوضِّح مبررات رفض إجراء تحليل الـ "PCR" على الطاقم الطبي، ولا يوجد تصريح رسمي يُبيّن للناس حكمة غياب الشفافية والتدليس المتعمد في الأرقام والبيانات الرسمية. لكنّ شهادة الأطباء والصيادلة والممرضين تتواتر حول اتفاق ضمني بين جميع مديري المستشفيات والمسؤولين على التكتيم على الحالات المصابة قدر الاستطاعة، لعدم "إثارة الذعر" داخل صفوف المواطنين، وهو الأمر الذي يتفق مع طبيعة المنطق الأمني الأبوي الذي تتعامل به السلطة العسكرية في مصر مع الشعب في العادة.

     

    

استهتار السيسي وحكومته

في 25 مارس/آذار 2020م، دشّنت وزارة الصحة مؤتمرا صحفيا للحديث حول تطورات الأزمة في مصر، ظهر المؤتمر كصورة مصغرة من إدارة الحالة الطبية في الدولة وما تعاني منه من ازدواجية وتخبُّط وعشوائية: فهناك انعدام في التنظيم، وغياب تام لسبل الوقاية بين الحاضرين، وانعدام كامل لأي معايير صحية تمنع انتشار الفيروس داخل القاعة المخصصة للمؤتمر.

   

والسؤال هنا: إذا كانت رأس المنظومة الطبية في مصر تنادي المواطنين بعدم التجمع في الشوارع، في الوقت الذي تتجمع فيه الوزيرة مع عشرات المواطنين داخل قاعة واحدة، فكيف نتوقع أن يستجيب المواطنون؟ وكيف نتوقع حال المشهد الطبي في مصر؟

      

       

المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في أحد مؤتمراتها الصحفية (رويترز)

       

لم يكن هذا الاستهتار فريدا من نوعه، ففي 3 مارس/آذار 2020م، عقب انطلاق أزمة كورونا عالميا، كان المجلس العسكري مكتظا على آخره في اجتماعه بكامل هيئته مع الرئيس عبد الفتاح السيسي. هذا التجاهل لضرر الفيروس المدمر يُوضِّح بجلاء أن قيادات الدولة لا تفهم خطورة الأمر ابتداء.

   

ونتيجة لهذا التجاهل المقصود لخطورة الأمر، كانت اجتماعات السيسي الرسمية قائمة كما هي دون أي تغيير. بعد هذا الاجتماع شُخِّص بعض اللواءات ممن حضروا اجتماع المجلس العسكري بفيروس كورونا، وانتقلت العدوى إلى أُسرهم ومَن احتكوا بهم، وتُوفِّي بعد ذلك 3 لواءات عسكرية جميعهم بسبب مضاعفات كورونا: اللواء شفيع داود، واللواء خالد شلتوت، واللواء محمود شاهين.

   

وفي تصريح خاص لـ "ميدان"، يخبرنا أحد العاملين في مشروع الزهور بالحي السابع، وهي المنطقة المخصصة لمنشآت وزارة الدفاع في العاصمة الإدارية الجديدة، أن "بعض هؤلاء اللواءات كانوا قد نقلوا العدوى بدورهم إلى 16 موظفا مدنيا، ثم إلى 10 أشخاص آخرين، وكان سبب نقل العدوى الرئيسي هو أن ما يقارب 20 لواء قد اجتمعوا مع 300 موظف مدني ما بين مقاولين ومستشارين ومهندسين من أجل متابعة سير العمل، دون الاكتراث بخطورة الأزمة".(9)

 

وبعدما تفاقمت الإصابات بهذا الشكل، رفضت الحكومة إجراء أي عزل صحي للمدنيين المصابين، حتى لا تُثار الضوضاء وتلتفت الأضواء إلى هذا المشهد، في تصرف يدل على استهتار تام بطبيعة الوضع والأزمة العالمية، وكأن الأزمة هي مجرد شركة قطاع خاص يديرها مجموعة من الجنرالات الذين لا يفهمون شيئا في الطب وعلم الأوبئة دون رقيب ولا حساب.

 

وأدّت هذه السياسات إلى تفشي الوباء حتى داخل صفوف الجيش نفسه الذي امتلأ بالحالات المؤكد إصابتها سواء من المجندين أو الضباط، مثل المقدم محمد مختار المصاب هو وابنه وزوجته، حيث التقط العدوى من والد زوجته، والمعزول حاليا في مستشفى 15 مايو بالقاهرة(10)، والعميد أسامة الزيات أحد قادة الهيئة الهندسية بالجيش عقب عودته من زيارة لمدينة شرم الشيخ(11).

     

  

الوضع الطبي في مصر إذن يعاني من أزمات التعنت، والإهمال، والتضحية بالطواقم الطبية، والعشوائية، والتضليل المتعمد، في إدارة الملف. الأمر الذي بدأ في دفع كثير من الصيادلة والكيميائيين والأطباء إلى "الهرب" من المنظومة الصحية في مصر، وعدم التزامهم بعملهم، نظرا لغياب سبل الوقاية من المستشفيات.

   

ويُرجِّح بعض العاملين في القطاع الطبي أن وزارة الصحة والسكان المصرية فتحت باب التطوع للالتحاق بفرق مواجهة فيروس كورونا ابتداء من الأربعاء 25 مارس/آذار لسد العجز الناتج عن هرب الأطباء والصيادلة والممرضين من الحكومة، إذ وجدوا أن الحكومة تُضحِّي بهم بأرخص ثمن، ولا تُبالي بحياتهم ولا بحياة أُسرهم في ظل التجاهل المتعمد ضد إجراءات الوقاية، فلجأ الطاقم الطبي إلى الهرب من أداء خدمة المواطنين، نظرا لغياب أدنى معايير السلامة والأمان الطبية.

    

هذه الملامح البسيطة من الإهمال وعدم التنظيم داخل المنظومة الطبية هي نتيجة طبيعية لسنوات من الفساد والإهمال والتعسف في معاملة الأطباء، الأمر الذي أدّى إلى وضع حرج للمنظومة الطبية في مصر، وجعلها، مع تفاقم أزمة كورونا، على شفا الانهيار. فتُرى هل تُنقذ الحكومة الوضع وتفتح بابا للشفافية والمعاملة الكريمة للطاقم الطبي في مصر، أم ستقتل الحكومة أطباء مصر حتى يُجهز عليهم ويضيع من ورائهم الشعب بأكمله؟

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بظل التأثيرات الواسعة لفيروس "كورونا" تُطرح الكثير من الأسئلة، والاستفسارات حول طبيعة الفيروس، وقدرتنا على التعامل معه، وعن مستقبل المرض.. إليكم أبرز هذه التساؤلات والتي يجيب عنها الدكتور ليث العملة.

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة