"بلد الـ 100 مليون مواطن".. كيف أصبحت مصر قنبلة سكان موقوتة؟

ميدان – "بلد الـ 100 مليون مواطن".. كيف أصبحت مصر قنبلة سكان موقوتة؟
اضغط للاستماع

   

لا شك أن أحد أكثر الأخبار لفتا للانتباه في الآونة الأخيرة كان إعلان(1) الحكومة المصرية وصول تعداد المصريين إلى مئة مليون نسمة. رقم هائل إذا تأمّلت أن هذا الشعب بالأساس يسكن في مساحة 5% فقط من أرضه. وفي أثناء ذلك كله، يُحذِّر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من حين لآخر من خطرين رئيسيين يواجهان الدولة المصرية؛ الإرهاب، والزيادة السكانية، وكانت الحكومة المصرية قد أعلنت قبل عدة سنوات عن عودة برنامج تنظيم الأسرة مرة أخرى.

  

وعود يوليو

"اتنين كفاية"(2)، كان هذا عنوان الحملة الجديدة، وكان السيسي قد ألمح في أكثر من مرة أن نبرة الحكومة تجاه تحديد النسل ستتصاعد شيئا فشيئا خلال الفترة المقبلة، لأن الزيادة السكانية تعوق البلاد عن التقدُّم، لكن في أثناء كل ذلك الجدل حول الزيادة السكانية في مصر لا بد أنك تسأل: "لِمَ وصلنا أصلا إلى هذه المرحلة؟"، ففي الخمسينيات، كان عدد سكان مصر عشرين مليون نسمة فقط، بعد ذلك تسارعت الزيادة السكانية لتصل إلى ما نحن عليه اليوم.

      

    

في الواقع، يُعَدُّ مشهد تطور النمو السكاني في مصر معقدا للغاية. يمكن مثلا أن نبدأ بنظرة إلى الخمسينيات من القرن الفائت، وتحديدا حينما انقلب ضباط الجيش على الحكم الملكي، فيما عُرف تاريخيا بثورة يوليو ٥٢، لتظهر بعدها قوانين الإصلاح الزراعي، ووُزِّعت الأراضي على الفلاحين، الذين كانوا -قبل ذلك- يعملون لدى عدد كبير من الإقطاعيين. لم تمر سنوات قليلة حتّى جاء تأميم القناة وبناء السد العالي ووعود الدولة المستمرة، بقيادة جمال عبد الناصر، بمستقبل مليء بـ "التقدم والخير"، ليُبنى على هذه الوعود زيادة ملحوظة في معدلات المواليد بمصر.

  

بعد ثورة يوليو، ارتفع عدد(3) سكان مصر من 20 إلى 30 مليون نسمة، لكن هذا الحلم الاجتماعي الاقتصادي كان قد وصل إلى نهايته بحلول ما يُعرف بالنكسة في العام 1967. عند هذه المرحلة المفصلية من تاريخ مصر، انخفضت معدلات المواليد بشكل واضح، ليس فقط بسبب مشاركة الشباب المصري في الجيش وإعادة بنائه فيما بعد، لكن أيضا بسبب انخفاض مستويات أحلام المجتمع المصري إلى حدود دنيا بعد أن كانت تصارع نجوم السماء. في الواقع، لم يدرك أحد ذلك إلا بعد فوات الأوان.

  

في العام 1965، أي قبل النكسة بعامين، كانت حكومة عبد الناصر قد أدركت أن هناك مشكلة سكانية، وكانت قد بدأت بالفعل في برنامج لتحديد النسل، مع إشارات إعلامية ضعيفة من عبد الناصر نفسه، ومع انخفاض معدلات المواليد بعد النكسة تصوّر رجال الحكومة والمُنظِّرون لتلك الفكرة القائلة بتحديد النسل على حدٍّ سواء أن البرنامج الذي أنشؤوه كان فعّالا جدا. لكن مع قدوم حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، وارتفاع منسوب الأمل والتفاؤل بمستقبل أفضل، ارتفعت معدلات المواليد مرة أخرى.

    

  

ساعد في ذلك عدة عناصر(4)، منها مثلا ارتفاع نِسَب السفر للعمل في الخارج بين العائلات المصرية، جاء ذلك في سياق اجتماعي جديد متفائل سكنته وعود الدولة بالرخاء الاقتصادي في ظل السلام المفترض الذي سيعمّ المنطقة خلال الأعوام القادمة بعد الحرب وإتمام اتفاقية كامب ديفيد. ومع سياسات الانفتاح، كان كل شيء جاهزا لانفجار سكاني ثانٍ، في الثمانينيات من القرن الفائت، حيث وصل تعداد السكان بمصر إلى 50 مليون نسمة.

   

ثلاثة انفجارات سكانية

لا يمكن بسهولة لسياسات الدولة أن تُوقف سيلا مجتمعيا جارفا من الأفكار حول الإنجاب إذا لم تكن جادة تجاه تلك الخطط. لقد كانت مصر الدولة العربية الأولى التي أنشأت برنامجا خاصا لـ "مشكلة النمو السكاني" سنة 1965، لكن نظام عبد الناصر، ومن بعده السادات، لم يتعامل بدرجة واضحة من الاهتمام(5) مع الأمر، وفي الثمانينيات من القرن الفائت كان الجدل حول كيفية التعامل مع تلك المشكلة ما زال قائما، لكن الدولة -في ظل الارتفاع المطّرد لمعدلات المواليد الذي وصل ذروته منتصف هذا العقد- كانت قد عقدت العزم على اتباع "الطريقة الأميركاني"، وهي الحد من أعداد المواليد.

   

كان حسني مبارك مؤيدا شرسا لتلك الفكرة، ومع دعم كبير من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) شهدت مصر انخفاضا لمتوسط معدلات المواليد كان الأفضل في تاريخها(6)، لكن تلك النسبة توقّفت عن الانخفاض بحلول العام 2007، وبينما تساءل البعض حول إن كانت مصر ستستمر في خفض معدلات نمو أعداد السكان وصولا إلى نقطة الاتزان أم لا، جاء الربيع العربي.

     

   

لا أحد، في الحقيقة، يعرف سببا واضحا لذلك، قبل 2011 وخلال موجات الربيع العربي ارتفعت معدلات المواليد مرة أخرى في موجة من ثلاث شهدتها مصر خلال نصف قرن مضى، بالطبع هناك العديد من الأسباب المتوقّعة(7)، حيث أدّت الاضطرابات السياسية والاقتصادية إلى ضعف منظومة تحديد النسل وقدرتها على الوصول إلى، والتحكم في، عدد أكبر من المواطنين، خاصة أن السنوات الأخيرة من حكم مبارك كانت قد شهدت انخفاضا واضحا في دعم البرنامج، وتوجيه الدعم إلى الرعاية الصحية الوقائية والعلاجية، ومع انخفاض المساعدات الأميركية للمشروع انخفضت نسبة وصول وسائل تنظيم الأسرة إلى الناس، وفي مقابل ذلك ارتفعت أسعارها في الصيدليات.

  

   

أضف إلى ذلك أن مشروع تحديد النسل كان يخوض معركة جانبية مع بعض الآراء المحافظة المنادية بالتكاثر، وما إن أصبح المشروع هشا حتى امتلكت تلك الآراء بعض القوة، خاصة بعد الثورة المصرية في 2011. في النهاية، فإنه يمكن لك أن تلاحظ هذا التراجع لدور تنظيم الأسرة بصورة واضحة في رواج(8) حبوب منع الحمل مقابل استخدام اللولب الرحمي، ما يعني ميلا أكبر لدى العائلات لفترات قصيرة بين الطفل والذي يليه، حيث يمكن إيقاف الحبوب في أي وقت بينما يمتد أثر اللولب -وهو أداة توضع في الرحم- لسنوات، ويعني استخدامه ميلا ناحية تأجيل الحمل لفترة أطول.

  

مصر بعد مئة عام

في كل الأحوال، فإن ما حدث في مصر خلال قرن مضى كان تراكما لعدد من المشكلات فوق مشكلة رئيسية، لقد دخلت البلاد هذا القرن بمعدلات خصوبة مرتفعة، نحو 6-7 أطفال لكل امرأة، وحينما أدركت الدولة المشكلة، أو قل "تعاملت معها كمشكلة"، كان ما تبقى هو الدفعة أو الزخم السكاني الطبيعي الذي سيقود مصر(9،10) إلى دولة الـ 120-130 مليون مواطن بحلول العام 2030، بالتالي فإن ما يحدث ببساطة هو بالفعل تحوُّل ناحية نمو سكاني أقل، لكنه تحوُّل حدث ببطء فتسبّب فيما تتعامل معه الدولة الآن ككارثة، لكن هل سوف تزداد المشكلة سوءا؟

     

  

للإجابة عن هذا السؤال يجب أن نضع في الاعتبار عدة معايير تتعلق بالاقتصاد المصري والرؤية السياسية كنقاط أساسية، بمعنى أن برامج تحديد النسل ستؤثر بالفعل على النمو السكاني إذا طُبِّقت باحترافية ودُعمت بشكل جيد، لكن ذلك لا يُشير إلى أنها ستنخفض بشكل مستمر إلى النهاية، يمكن أن تتكرّر تجربة ثبات المعدلات لفترة طويلة قبيل ثورة يناير، خاصة أن مصر تعاني من عدة مشكلات تتعلق جميعها بالأزمة الاقتصادية الأخيرة.

  

على سبيل المثال، كان الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء(11) قد كشف قبل عامين عن ارتفاع نسبة التسرب من التعليم في مصر، والتي بلغت نحو مليون ومئة ألف متسرب، وتنوعت أسباب ذلك بين المشكلات المادية أو عدم القدرة على الوصول إلى المدرسة أو الزواج المبكر الذي حرم 71 ألف طالب من استكمال تعليمهم. في النهاية، تحتل مصر المرتبة الأولى عربيا في ظاهرة الأُمية منذ عام 2014 وحتى الآن بنحو عشرين مليون أُمّي.

    

  

الحصول على تعليم جيد، للفتيات بشكل خاص، يرفع من درجة قبول العائلات بأعداد أطفال أقل، خاصة حينما تُتخذ سياسات تُمكِّن المرأة بشكل أفضل في سوق العمل(12)، فالنساء اللواتي يمكن أن يحافظن على أنفسهن اقتصاديا لديهن حافز أقل للزواج مبكرا، وللتدخل في قرار الإنجاب بشكل عام(13)، يمكن أن تطبق الفكرة نفسها على نطاقات الصحة أيضا، وفي العموم، فنحن نعرف أن الدول المتقدمة ذات نسب نمو سكاني أقل، وقد رُصدت هذه العلاقة بوضوح في بعض الدول التي تحوّلت إلى مستويات اقتصادية أفضل، لكن الأمر لا يتوقف فقط على الدخول، بل كذلك سياسات التنمية، أو كما قال كران سينكة، السياسي الهندي، ذات مرة(14): "التنمية هي أفضل وسائل منع الحمل".

    

يضع ذلك مصر في منطقة وعرة، فعلى الرغم من انخفاض معدلات البطالة خلال السنوات القليل الماضية، فإنه ليس من الواضح لنا طبيعة السياسة التي ستنتهجها الدولة خلال الأعوام القادمة للعمل على حل مشكلة الانفجار السكاني التي تُوصف، من قِبل الإدارة المصرية، بأنها التحدي الأكبر حاليا، خاصة أن ملفات التعليم والصحة تحديدا تواجه مشكلات كبيرة، في أثناء ذلك يُتوقَّع أن يصل(15) تعداد البلاد بحلول نهاية القرن الحالي إلى مئتي مليون نسمة!

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة