جائحة "كوفيد-19".. جحيم النساء ذوات الإعاقة في مخيمات لبنان

في زقاق ضيق طيني لزج من أزقة مخيمات "وادي عطا" في عرسال اللبنانية، وما إن تقترب من منزل مروة الخطيب (30 عاما) حتى يُبهجك نسق الخيمة التي تُقيم فيها، رغم كل ما حولها من مظاهر الفقر. لقد كانت حيوية في صباح هذا اليوم كالمعتاد، فساعدت أمها على هندمة الخيمة ومحيطها بشكل لافت للنظر.

 

مروة هي واحدة من بين مئات الأشخاص اللاجئين من ذوي الإعاقة في لبنان، تعيش الآن في ظل أزمة "كوفيد-19" معاناة الافتقار للأولويات والاحتياجات المختلفة في لبنان الغارق في خضم أزمة مالية متفاقمة، وفي مخيم مكتظ تصعب فيه ممارسة التباعد الاجتماعي أو عزل الذات، فهنا مواطن الضعف الكامنة في أوساط اللاجئين والنازحين تجعلهم عُرضة لمعدلات وفيات أعلى من المتوسط، وفيما يتعلق بالنساء ذوات الإعاقة، فإن لديهن ما يخصهنَّ وحدهنَّ مِن حرمان من كثير من الحقوق الأساسية.

 

تعيش مروة هنا منذ ثماني سنوات، حين هاجرت من سوريا بسبب النزاع المسلح؛ لتستقر لاجئةً في لبنان مع أشقائها الستة، ولا تزال تحلم ببيت فيه مطبخ وحمام وغرفة مستقلة، وطريق تستطيع أن تمشي فيه وحدها بمساعدة الأدوات المساعدة فقط.

 

قبيل بضعة أشهر من وصول فيروس كورونا إلى الأراضي اللبنانية، كانت مروة سعيدة للغاية بتجربة التحاقها بمركز "بلسم" وتعلُّمها لغة برايل، ومن ثم تعلُّم علوم متعددة. كان صباحها جميلا للغاية وهي تنتظر موعد وصول الحافلة، أو "السرفيس" كما تسميه هي وأمها، التي تكفَّلت برغم مرضها بإيصالها واستقبالها من نقطة النقل، لكن انتشار فيروس كورونا لم يُمهل مروة لتواصل مشوارها التعليمي في هذا المركز، إذ سرعان ما أُعلنت حالة الطوارئ وتوقَّفت مروة عن الذهاب إليه.

كانت مروة تتوقّع أن يقتصر الأمر على الشعور بالضجر من الجلوس طوال الوقت في الخيمة، لكن سرعان ما بدأت تصلها المعلومات حول فيروس كورونا وخطورته. كانت الأيام الأولى لوصول فيروس كورونا إلى لبنان كارثية بالنسبة لها، حيث لازمتها الكوابيس في المنام والشعور بالفزع المتواصل في اليقظة.

 

أثَّر ذلك في تلك الفتاة خوفا على عائلتها من الإصابة، وتخيَّلت في المقام الأول إصابة أمها التي تعتمد عليها بشكل كبير.

 

الشعور بالرعب من الأيام القادمة لا يفارق صدرها البتة، فهي في فترة العزل غير قادرة على القيام بحاجاتها اليومية، ولا أحد يُقدِّم لها حاليا مواد تنظيف وتعقيم، ومن ثم عليها التحرُّك وفق إمكانياتها البسيطة.

 

كانت مهمة الطمأنة تقع على الأم، تقول مروة: "حاولت أمي استعمال كل ما يتوافر لدينا من أجل أن أحظى بتعقيم وحماية تناسبني. كانت أمي تحرص على تعقيم أي شيء تتوقع أن ألمسه بيدي".

 

لم تتوقف مهام أم مروة هنا، فهي الآن تتكفل بالذهاب لإحضار الدواء لمروة، أو استشارة طبيبها إذا خافت عليها من مشوار صعب في المخيم.

 

تعتمد مروة وعائلتها على المساعدة التي تُقدِّمها مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، وبسبب انتشار الفيروس توقَّف أشقاؤها عن العمل المتقطِّع الذي كان يسند هذه العائلة في تلبية احتياجاتها من الدواء والغذاء، تقول مروة: "كنت أحلم أن أعيش في بيت كامل، يوجد به غرف نوم وحمام نظيف ومريح، والآن أصبح حلمي أن أجد طعاما مناسبا، وألَّا أحتاج إلى شراء الدواء".

 

كان شعورها بالحر في موعد الظهيرة كفيلا بحثّها على الحديث معنا في مكانها المفضل الذي تخفُّ فيه وطأة الحر، فإلى تلك الزاوية الأكثر هدوءا وهواء -كما تصفها- ذهبت عليا عزام (54 عاما) بكرسيها المتحرك، ثم تهيَّأت لجلسة يومية قد تستمر ساعات في العادة.

 

في البداية، عُدنا بالذاكرة مع عليا إلى سنوات مضت، حين وجدتْ نفسها مضطرة للتسلح بالعلم كي تُحقِّق طموحها كونها فتاة لزمت الكرسي المتحرك منذ الصغر بسبب إصابتها وهي في عمر العامين بشلل الأطفال نتيجة خطأ طبي تعرّضت له في إحدى العيادات الكائنة في مخيم برج الشمالي لمدينة صور اللبنانية، فصعوبة حركتها في بيئة غير مؤهلة لحالتها حالت دون التحاقها بالمدرسة، وكذلك معاناتها من عدم تقبُّل المجتمع لظروف إعاقتها التي دفعتها إلى الاعتماد على أشقائها في تعلُّم القراءة والكتابة داخل المنزل.

 

وحين أصبحت في العشرينيات من العمر، أصرَّت عليا على الخروج من قوقعة المخيم، فلجأت إلى التطوع في جمعيات حقوقية معنية بشؤون الأشخاص ذوي الإعاقة داخل مخيمات عين الحلوة بصيدا، تقول عليا: "كان الاتحاد اللبناني للمعاقين اللبنانيين أول جمعية أنضم لها، كانت فترة تدريبي على حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة وقضاياهم من أفضل الفرص التي أُتيحت لي فيها مناصرة هؤلاء".

 

تغيرت الأمور كليًّا مع وقوع أزمة ‘كوفيد-19″، وكانت صدمة عليا الأولى أن محيطها لم يكن واعيا بشكل كافٍ بكون الأشخاص ذوي الإعاقة من الفئة العالية المخاطر معرضين بشكل كبير للإصابة في مخيم مكتظ بالسكان يفتقد البيئة الصحية، وتكاد تنقطع فيه الخدمات المُلِحَّة، وقد أضافت الأزمة هموما جديدة لعليا، أولها: الخوف من أن تُصاب بالفيروس، ومن ثم تنقل العدوى إلى مَن حولها ممن يرعونها، والثاني: ألا تجد العناية الطبية التي تراعي ظروفها الصحية، فكما تقول: ""الطبابة" لشخص لاجئ غير مرحب بها في بلد كلبنان أو غيره، حيث الأولوية لأبناء البلاد في المستشفيات تُشكِّل مشكلة كبيرة لنا"، وتتابع عليا: "بالطبع يسكنني خوف كبير من الإصابة، حيث لا يوجد لدينا بطاقة صحية، ومكان العلاج المتاح هو عيادات الأونروا التي لا تقدم خدمات طبية شاملة".

 

كان الأمان الاقتصادي في ظل ظروف الحظر -أيضا- مهما لعليا التي بقيت دون عمل مدة شهرين، فاضطرت لأخذ النقود من شقيقها، تقول عليا: "الكثير من صديقاتي فقدن عملهن بسبب الأزمة، بعضهن فُصلن من عملهن أو اضطررن للعمل بمقابل رمزي حتى داخل مؤسسات مجتمعية". وقد اضطرت عليا بعد مُضي شهرين على الحجر لاستئناف الذهاب إلى محلها الصغير الذي تقتات من دَخْله، فهي في كل صباح تستعد جيدا للخروج بأخذ الاحتياطات الوقائية، كلبس الكمامة الطبية، ولديها مهام أخرى تتعلق بتعقيم الكرسي المتحرك الخاص بها.

 

 

حين اقتربت رانيا أحمد عبد العال (38 عاما) من الشباك الغربي الكبير في منزلها الكائن في ضاحية برج البراجنة، وهي قريبة من مخيم البرج، أزالت لبرهة الكمامة الطبية التي وضعتها في إطار الاحتياط لمواجهة وباء "كوفيد-19" وكأنها تريد الشعور بالهواء يلمس ملامح وجهها المنهك كافة. في هذه الأثناء، ذهبت رانيا في خيالها إلى روتينها اليومي قبل الأزمة، حين كانت تجلس في ركن الصالة ويداها الرقيقتان مشغولتان بنسج القش بمهارة عالية، تصنع سلة ورد، أو حافظة ألعاب، أو غيرها، وفي الوقت ذاته تتبادل الحديث مع أمها المشغولة بإعداد الطعام لأسرتهم الصغيرة.

 

اليوم، لا أحد يطلب من رانيا هذه المنتجات التي تعلمت صنعها في مدرسة "عرمون" المهنية الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة، بعدما درست الشريعة الإسلامية وعلوم الحاسوب، قبل أن تفقد بصرها كليًّا في عام 2000، وهي تُبرِّر ذلك بالأزمة الاقتصادية في لبنان أولا، ثم بأزمة الفيروس التاجي التي أجبرت الناس على تغيير أولويات الشراء لديهم، وأجبرت رانيا على تقليص طلباتها حتى لا تُكلِّف أشقاءها المزيد من الالتزامات.

 

تقول رانيا بحُرقة: "في المخيم، على الشخص المُبصر أن ينظر إلى الأسفل كي يتجنَّب الوقوع في الحفر أو العرقلة في المطبات، وكذلك في الوقت نفسه ينظر إلى الأعلى حيث أسلاك الكهرباء المتشابكة متدلية بشكل مرعب يتسبّب في موت الكثير من الشباب"، وتتابع بسرعة: "الطريق الضيق في المخيم مؤذٍ للمُبصر، فكيف بالمعاق بصريا أو جسديا. الحياة بالمخيم غير شرعية".

 

مع بدء انتشار الفيروس في لبنان، تابعت رانيا وأسرتها طرق انتشار الفيروس، وأهمها عدم لمس الأشياء، فشعرت برعب شديد بسبب وضعها كونها كفيفة تعتمد على اللمس في تحركها، تقول رانيا: "كان الوضع معقدا للغاية بالنسبة لي. التزمت المنزل بشكل دائم، لأن أي خروج لي وللمرافق معي هو أمر مرهق للغاية، وفي داخل المنزل كانت إجراءات الوقاية مضاعفة بسبب وضعي الخاص، وكان على الجميع أن يتفهّم ذلك".

 

سرعان ما تحقّقت مخاوف رانيا، حين عانت من مشكلة صحية نسائية، واضطرت للخروج من أجل الفحوصات والتحاليل وصور الأشعة، تقول رانيا: "شعرت بقلق كبير من الذهاب إلى المستشفى في ظل تلك الظروف، وكنت أتخيل كل الأدوات الطبية ملوثة بالفيروس وغير معقمة. وصلت تخوفاتي إلى حدِّ تعقيم حبة الدواء التي يجب أن أتناولها. كان لديّ رهبة كبيرة".

 

في الصباح الباكر، تجلس اللاجئة السورية صباح خليل (33 عاما) أمام بيتها الصغير المحاذي لتجمع للاجئين الفلسطينيين في منطقة "صور" جنوب لبنان، وتحاول اقتناص فترة راحة أمام مشهد الزرع المحيط ببيتها، ففي داخل البيت الصغير (المكون من الحجارة والزينكو) يعم ضجيج صغارها السبعة، بينما يكون زوجها العامل قد خرج لالتقاط رزقه اليومي.

 

كانت انشغالات صباح قبل اندلاع أزمة كورونا تقف عند حد إنهاء الأعمال المنزلية بمساعدة ابنتيها الكبيرتين رنيم وفاطمة، لكن اليوم يسكن تلك السيدة الخوف على أبنائها في المقاوم الأول كما تقول، وتُضيف صباح: "شعرت بالخوف على الجميع من كل شيء يمكن لمسه، أو التحرك خارج البيت، وفقدت الشعور بالأمان تجاه أي مكان أحتاج إلى الذهاب إليه، حتى إنني منعت أبنائي من اللعب حول الخيمة قدر استطاعتي".

 

فقدت صباح قدمها اليمنى في حادث سير قبل عدة سنوات، ورغم أنها بحاجة الآن إلى استبدال العكاكيز الحالية التي تساعدها على الحركة، فإن أكثر ما يشغل بالها هو مصير عائلتها، تقول صباح إن البقاء هنا بدون أحد من أقاربها -لا تزال عائلتها تقطن في سوريا- بمنزلة الجحيم، فهي تعيش هنا مع زوجها وأبنائها فقط، وهم يقتاتون من عمل زوجها البسيط الذي لا يُؤمِّن الضروريات كافة لعائلتها.

 

تحتاج صباح إلى أن تذهب للعيادة الطبية بسبب حاجتها إلى الدواء، وقد اضطرت هذه الأيام أن تذهب إلى العيادة بسيارة أُجرة وليس مشيا بمساعدة قدمها الصناعية، وقد تسبّب ذلك في مصروف إضافي أتى على حساب قرار شراء الدواء من عدمه، تقول صباح: "أشتري الدواء حسب مقدرتي المادية، فإذا كان غاليا بالنسبة لي فإني أتغاضى عن الشراء، وإذا كان بمبلغ زهيد أشتريه. أصبح لدينا الكثير من المصاريف الخاصة بأدوات التنظيف والتعقيم".

 

لا تغيب حادثة اغتصاب فتاة كفيفة عن مخيلة المدير التنفيذي لجمعية "الأمل للرعاية والتنمية الاجتماعية" بلال حسين، يعمل الرجل منذ عام 2008 في مجال حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان، وبرغم كثرة القضايا التي يتابعها حسين في مجال عمله، فإن تلك الحادثة التي وقعت في أحد مخيمات اللاجئين في لبنان كان لها أثرها الأكبر في نفسه، خاصة أن محاولات تواصله مع الفتاة وذويها بغية مساعدتهم قد باءت بالفشل بسبب التعتيم عليها.

 

مع كل صباح، يجلس حسين في مكتبه، لديه الكثير من الملفات المتعلقة بخدمة الأشخاص ذي الإعاقة في لبنان، ومن ضمنهم اللاجئون الفلسطينيون والسوريون؛ حيث يعيش هؤلاء في مخيمات ينعدم فيها الجو الصحي بنسبة 90%، كما يقدِّرها هو في حديثه. على سبيل المثال، يقول حسين: إن مخيما كمخيم برج البراجنة يموت الناس فيه بسبب الصعقات الكهربائية الناجمة عن سوء وضعية شبكات الكهرباء المختلطة مع شبكات المياه، كما أن زواريب (طرق) المخيم لا تصلح لسير المشاة، مما يعني أن الوضع أكثر مأساوية بالنسبة لمن يستخدم الكراسي المتحركة أو الأجهزة المساعدة الأخرى.

 

ويضيف حسين: "في بيوت المخيم الصغيرة الحجم من الاستحالة أن يُبنى مصعد أو سُلم، لكن الأخطر ما أضافته أزمة الفيروس التاجي المتعددة الأوجه على أصحاب هذه البيوت، ومن ثم في حال أصيب أحد أفراد الأسرة، تصبح إمكانية العزل في المنزل صعبة للغاية. لا يوجد أكثر من حمام واحد في المنزل، فما بالنا إذا أصيب في تلك الأسرة الشخص ذو الإعاقة، أو من يساعده في تأمين احتياجاته؟!".

 

ويواصل حسين الحديث: "مصائب الأشخاص ذوي الإعاقة في ظل تلك الأزمة لا تتوقف عند فقدان الوصول إلى المعلومة الحديثة عن الفيروس وكيفية الوقاية منه، بل في صعوبة رعايته في بيئة المخيّم التي تفتقد الأساسيات الخِدميّة".

 

وأشار حسين إلى تراجع الخدمات التي تقدمها الأونروا للفئات الاجتماعية في لبنان؛ حيث أخذت المنظمة بسبب أزمتها المالية تسحب يدها من الخدمات في دولة غير قادرة على خدمة شعبها بالأساس، وفيما يتعلق بفرص العمل في لبنان قبل وبعد أزمة كورونا، يوضح لنا حسين: "الكثير من المواطنين اللبنانيين تم الاستغناء عنهم بسبب الأزمة الاقتصادية، وفيما يخص الفلسطينيّ، فإن فرصته تكاد تكون محدودة بسبب القانون في لبنان الذي يمنع تشغيل الأجانب في المؤسسات اللبنانية".

 

وأضاف حسين: "لذا فرصة الأشخاص ذوي الإعاقة معدومة بالفعل، فصاحب العمل لن يشغل أصحاب الإعاقة من الذكور، فما بالنا بتشغيل النساء من ذوات الإعاقة في بيئة لا توجد بها قناعة لتشغيل النساء وإعطائهن فرصا حقيقيّة من عمل أو تعليم؟".

 

ويتابع القول: "تولّت جمعيةُ الأمل مبادرة لتشغيل ذوي الإعاقة حسب القانون رقم (2000/220)، الذي يلزم المؤسسات اللبنانية بتشغيل 3% من كوادرها من ذوي الإعاقة، وكانت المبادرة تهدف إلى الحثّ على إعطاء الفرص للأشخاص ذوي الإعاقة، وإظهار إمكانياتهم الجيدة للعمل، لكن الأحداث السياسية ومن ثم أزمة كورونا أوقفت المبادرة".

 

يجلس المعالج الفيزيائي رمزي زيدان في غرفته الخاصّة بمركز بلسمة للرعاية الصحية، يستقبل مريضا تلو الآخر، إحدى المريضات هي هدى (اسم مستعار) ذات الـ 21 عاما، التي قَدِمتْ من مخيم فلسطينيّ بصيدا اللبنانية. تعاني هدى من مشكلات صحية ناجمة عن بتر قدمها اليمنى قبل سنوات، وهي الآن بجانب حاجتها إلى المعالجة الفيزيائيّة بحاجة معها إلى معالجة نفسية، كما يقول زيدان، الذي فضفضتْ له السيدة بأحوالها القاسية، يقول زيدان عن مريضته هدى: "دخلتْ في حالة اكتئاب نتيجة الوضع الذي تواجهه كونها لاجئة، وأصبحت غير قادرة على خدمة نفسها وطفلها، واضطرت إلى استخدام الكرسي المتحرك".

 

وبعيدا عن تجربة هدى، يأخذنا المعالج زيدان إلى الرّقعة الأوسع من المعاناة التي تواجهها النساء ذوات الإعاقة في لبنان، ويصفها بأنها أصبحت "كارثية في ظل أزمة كورونا"، من جهة أنهنّ من الفئة العالية المخاطر في حال أُصبن بالفيروس في مخيمات ذات بيئة صحيّة مكتظّة، ومن جهة أخرى أنهنَّ تأثَّرن بالوضع الاقتصادي الناجم عن بطالتهن وعوائلهن، وينوِّه زيدان بأن ما فاقم الوضع الصحي للنساء من ذوات الإعاقة في لبنان أن الأونروا أصبحت غير قادرة على تغطية المتطلبات الصحيّة المتفاقمة في ظلّ الجائحة الحالية، وكذلك المفوضيّة السامية للأمم المتحدة التي تساعد النازحين السّوريين.

 

ويُضيف: "يصادفنا باستمرار عدد من الأشخاص ذوي الإعاقة من النساء غير القادرات على تأمين الأدوية العلاجية، وشاهدنا التأثير السلبي لغياب الأدوية على حياتهن وصحتهن الجسدية والنفسية. كما أن الأشخاص ذوي الإعاقة بحاجة إلى عناية غذائية، خاصة أن مناعتهم ضعيفة. وبسبب سوء الوضع الاقتصاديّ، وارتفاع أسعار السلع الغذائية، بات الأمن الغذائي للّاجئين والنازحين الأسوياء مهددا بشكل عامّ، فما بالنا بالأشخاص ذوي الإعاقة؟!".

 

وفيما يتعلّق بالعنف الاجتماعي الذي ارتفعت نسبته في ظل أزمة الفيروس التاجي، يقول زيدان: "لقد ازدادت بشكل ملحوظ في ظل أزمة الحجر، والمرأة من ذوات الإعاقة تُعَدُّ الحلقة الأضعف التي إذا لم تُعالج مشكلاتها فقد يؤدي بها الأمر إلى تأزم حالتها النفسية، وقد تلجأ إلى الانتحار".

 

يقول مدير قسم المشاريع في جمعية الأمل للرّعاية والتّنمية الاجتماعيّة لؤي أيوب: "إن الأشخاص ذوي الإعاقة مُعرّضون أكثر من غيرهم للإصابة بالفيروس التاجي بسبب استخدامهم أدوات وأجهزة مساعدة أكثر من غيرهم، وبسبب احتياجهم إلى البقاء في مكان ما كمؤسسة صحية أو رسمية أكثر من غيرهم".

 

ويضيف أيوب: "يكون الوضع أكثر مأساوية في المخيمات، حيث بقعة الانتشار الضيقة وغير الصحية والوضع الاقتصادي، كل ذلك يحول دون إمكانية توفير وقاية كافية. فوجودُ الناس من حولهم باستمرار ودون تباعد كافٍ خطر كبير على الجميع، وبالأخص على الأشخاص ذوي الإعاقة لكون مناعتهم أضعف من غيرهم".

 

ويتابع أيوب القول: "لا توجد هيئة أو تجمع قويّ في المخيم يدافع عن الأشخاص ذوي الإعاقة، فهو إذا أُصيب ليس له أولوية في العلاج أو غيره".

 

ويُشدِّد لؤي على أن الأزمة الاقتصادية في لبنان التي تزامنت إلى حدٍّ كبير مع أزمة فيروس "كوفيد-19" تسبّبت بداية في فقدان أدوات الحماية الشّخصية، وعدم توافرها أحيانا، حتى أضحت الدائرة الكاملة الخاصة بأزمة الفيروس هي حلقة مفقودة في المخيم، وغير متوافرة للأشخاص ذوي الإعاقة في المخيمات بلبنان.

 

ويُبيّن أيوب الذي يعمل مع السوريين والفلسطينيين واللبنانيين أن "الأشخاص ذوي الإعاقة ليس لديهم تغطية صحية كاملة، وهم كغيرهم يعتمدون على علاج مغطّى جزئيا من الأونروا في ظل تلك الظروف الصعبة، خاصّة أن رعايتهم مكلفة لكونها متخصّصة ومتعدّدة"، ويتابع القول: "منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي تضاعفت أسعار الأجهزة المساعدة بمقدار خمس مرات بقيمة "الليرة" اللبنانية، ولم يعد سكان المخيم قادرين على شرائها، كما أن المراكز العلاجية في المخيمات محدودة الإمكانيات، وبالتالي على النساء ذوات الإعاقة الخروج خارج المخيّم لتلقي العلاج، إذ إن 85% من احتياجاتهن الصحية من علاج وتأهيل ودمج خارج المخيم".

 

يقول مدير المؤسّسات العاملة في قضية الأشخاص ذوي الإعاقة في الوسط الفلسطينيّ في لبنان هشام العليّ إنه حسب أرقام هيئة الإعاقة الفلسطينيّة، يفوق عدد الأشخاص ذوي الإعاقة في لبنان من اللاجئين الفلسطينيين 7500 شخص (نسبة النساء بينهم نحو 39%)، وهم يعتمدون بشكل رئيس في تأمين احتياجاتهم على مساعدات "الأونروا" وهيئات دولية أخرى، بالإضافة إلى الجمعيات والمؤسسات المحلية المعنيّة بخدمة الأشخاص المعاقين، التي يبلغ عددها 15، وتُشكِّل عضوية هيئة الإعاقة الفلسطينية في لبنان.

 

ويُشدِّد العلي على أنه يُحرَم الأشخاص ذوو الإعاقة الفلسطينيون من الخدمات الصحية الرسمية المناسبة باعتبارهم أجانب أحيانا، ولاجئين أحيانا أخرى، ويحصلون على ما تُقدّمه "الأونروا" وبعض الجمعيات الأهلية، وهي خدمات غير كافية، ومبعثرة، وغير مستمرة، من ضمنها خدمات التأهيل، وإعادة تأهيل الأجهزة والمعينات الخاصّة بمختلف الإعاقات، بالإضافة إلى النقص الكبير في الأدوية المتخصّصة والعمليّات الجراحيّة اللازمة. كذلك فإن برامج الوقاية والتأهيل لا تمتلك الموارد المناسبة للاستمراريّة والعمل على مستوى التنمية الشاملة لأسباب تتعلق بالوضع القانوني المعقد، ويطغى على هذه البرامج طابع العمل الإغاثيّ المؤقت.

 

ويُشير العلي إلى النقص الكبير في الدراسات التي تُسلِّط الضوء على النساء من ذوات الإعاقة (قبل وبعد جائحة كورونا) وما يواجهنه من مشكلات، ويضيف: "هناك تراجع كبير للأوضاع في ظل جائحة كورونا، بسبب غياب خدمات التأهيل والتمكين المتخصصة، ومشكلة سوء المعاملة (العنف والإهمال)، ونقص القدرة على مواكبة التكنولوجيا كونها وسيلة للاتصال بالعالم الخارجي بسبب مستوى التعليم والثقافة".

 

تعتقد استشارية الدعم النفسي والتربوي وفاء أبو موسى أن أزمة كورونا لها آثارها المقلقة والسلبية على الأشخاص ذوي الإعاقة كغيرهم من باقي فئات المجتمع، لكن ما فُرض أكثر على فئتهم يتعلّق أكثر بصعوبة تخطيهم الأزمات النفسية، وذلك لما تتصف به شخصيات غالبيتهم من الهشاشة النفسية، وسرعة القلق والخوف في مجريات حياتهم اليومية، لكونهم يعانون أصلا من ضعف ما في عضو جسدي على الأقل، ومعاناة نفسية في ركن ما من ذواتهم الشخصية.

 

وفيما يتعلّق ببيئة اللجوء لمَن يعيشون بها أزمة الفيروس التاجي، فإنها -بحسب أبو موسى- تُضيف مزيدا من الضغوط النفسية والاجتماعية على الأشخاص ذوي الإعاقة، لكونها بيئة فقيرة صحيا وطبيا وتوعويا في الغالب.

 

تُضيف أبو موسى: "تُشكِّل هذه البيئة تحديا كبيرا أمام الأشخاص ذوي الإعاقة للخروج من هذه الأزمة بأقل الخسائر النفسية، إذ ينتج عن هذا الوضع آثار نفسية، منها الشعور الدائم بالخوف، والقلق، وقضم الأظافر، وترقُّب الأسوأ، والكوابيس الليلية، والشعور بالعزلة وعدم الراحة الاجتماعية، ومنهم مَن يُصاب بمشاعر الاكتئاب ومشاعر الفقد والخسران نتيجة أي صدمة يمرون بها، صغيرة كانت أم كبيرة، بالإضافة إلى تملُّك العجز والحيرة لأنفسهم".

كما ترى أبو موسى أنه في ظل ظروف العزل والالتزام بالمنزل، وقطع الزيارات والتواصل الاجتماعي، ووجود جميع أفراد الأسرة في المنزل لساعات طويلة، وفقدان العمل وفقدان النشاطات الاجتماعية، يرتفع مستوى العنف داخل الأسرة في المخيمات. ويُعَدُّ الأشخاص ذوو الإعاقة الحلقة الأضعف في ظل المعاناة النفسية والاجتماعية التي نالت منهم، لذا ترى أبو موسى أن للأسرة دورا مهما في إدارة هذه الأزمة بكل تطوراتها، حيث تقع على عاتقها مسؤولية مضاعفة لتخطي تلك الأزمة عبر رعاية الشخص ذي الإعاقة بكل ما تمتلك من إمكانيات لتوفير الأمان العائلي والأسري، وتحقيق أول خطوة باتجاه تخطي الأزمة.

 

وتُعقِّب بالقول: "الأسرة هي السند الأول، وهي الأمن والأمان من كل مكروه، وعليها توفير الوعي السليم لكل ما يُطرح عن أزمة كورونا الصحية، حتى نجد الجميع محاطا بهالة إيجابية نفسيا".


حول هذه القصة

لقد أثقل فيروس كورونا المستجد كاهل الأنظمة الصحية وهزّ أركان الاقتصادات حول العالم. وحاليا، من المُتوقَّع له إشعال فتيل أزمة غذائية عالمية أيضا، بعد عقود من التقدم في معركة الإنسانية ضد الفقر والجوع.

30/6/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة