أهم من المال والسلاح.. البيانات هي الكنز الحقيقي الذي تسعى خلفه الصين

مقدمة الترجمة

في هذا المقال، يرصد "باتريك تاكر"، محرر ومراسل موقع "ديفِنس وان" لشؤون التكنولوجيا، والمتخصِّص في مواضيع البيانات والتعقيد والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، سعي الصين المتزايد لحيازة المعلومات، والقلق المتزايد في الولايات المتحدة حيال التفوُّق الذي قد تحوزه الصين نتيجة استخدامها للكمِّ الهائل من البيانات الذي سيمنحه إياها انتشار منتجاتها وشركاتها التكنولوجية.

نص الترجمة

بينما تنتشر منتجات وخدمات الاتصالات والتكنولوجيا الصينية بطول الأرض وعرضها، وتهرع الشركات الغربية سعيا للوصول إلى السوق الصيني الشاسع، تتحصَّل الصين على حِزَم جديدة من البيانات ستساعدها على هندسة إمكانيات الذكاء الاصطناعي الجديدة الخاصة بها بسرعة وكفاءة، وذلك وفق ما صرَّح به "مايكل ستودِمان"، مدير الاستخبارات لقيادة منطقة الهندي-الهادئ الأميركية (INDOPACOM).

وقال ستودِمان إن إلى جانب الفوائد المالية التي تظفر بها الشركات الصينية من السوق المتنامي لمبيعاتها من السلع التكنولوجية، ثمة فوائد استخباراتية وعسكرية محورية ستحوزها الحكومة الصينية في الوقت نفسه، إذ إن تكنولوجيا المعلومات الصينية "تنتشر في شتى أنحاء العالم.. وبالتزامن مع ذلك تُتاح لبكين فرصة للتحكُّم في مجموعة أكبر من البيانات، ما يُمكِّنها فعليا من صقل قدرة الآلة على التعلُّم بوتيرة أسرع" (وذلك عبر تدريب الآلات والبرامج الخاصة بها بواسطة إدخال تلك الكميات الضخمة من البيانات إليها، إذ ينبني الذكاء الاصطناعي بالأساس على تعلُّم الآلة من تلك البيانات والمعلومات البشرية).

"مايكل ستودِمان"، مدير الاستخبارات لقيادة منطقة الهندي-الهادئ الأميركية (INDOPACOM).

يُقِرُّ ستودِمان هُنا بواحدة من الحقائق الأساسية لعصر الذكاء الاصطناعي الجديد. لقد توفَّرت منهجيات الذكاء الاصطناعي منذ زمن طويل، مثلها مثل الشبكات العصبية الاصطناعية، بيد أن ما أُتيح مؤخرا من بث كمٍّ هائل من البيانات ومن إمكانيات الحوسبة السحابية على مستوى الشركات قد ضاعف كثيرا من أهمية الذكاء الاصطناعي. وللتوضيح، فالفرق هُنا يناظر الفرق بين عبور سيارة ذاتية القيادة لغرفة في غضون خمس ساعات (مثل روبوت "عربة ستانفورد"، أول بشائر السيارات ذاتية القيادة الذي طُرِح عام 1979)، وتشغيل أسطول من العربات ذاتية القيادة يتمتَّع بإمكانيات شاملة ويحشد التحديثات المستمرة بواسطة السحابة الخاصة به فيتحرَّك مسافات هائلة دون أدنى مشكلة.

إذا ما نجح شخص ما في بيع عدد أكبر من السيارات ذاتية القيادة التي تستطيع جمع البيانات عن الظروف والعوائق في محيطها وما إلى ذلك، فإن تلك البيانات ستساهم في تطوير المنتجات كافة التي ينتجها عبر تحديث برمجي بسيط ليس إلا. ولهذا السبب، فإن الوصول إلى حِزَم متدفقة من المعلومات الضخمة يضع شركات مثل "غوغل" و"أمازون" في موقع قوة كي تُسوِّق لمنتجات وخدمات تعلُّم الآلة الخاصة بها. لكن ما يسري على شركات التكنولوجيا الكبرى يسري أيضا على الدول القومية بالقدر نفسه.

شهوة البيانات الصينية

تتحكَّم الصين اليوم بالفعل في تشغيل شبكات هائلة من كاميرات المراقبة (المعروفة بـ "CCTV" وهي اختصار "التلفاز ذي الدائرة المُغلقة")، وهو ما يساعدها على تطوير خوارزميات التعرُّف على الوجه، وقد استخدمتها الصين بالفعل من أجل تعقُّب مسلمي "الإيغور" والسيطرة عليهم، وكذلك استخدمته مع أقليات إثنية أخرى (وهي أول مرة تستخدم فيها حكومة كاميرات المراقبة بتلك الطريقة لخدمة سياسات عِرقية وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز"، التي حصلت على تلك المعلومات من خمسة أشخاص على اطلاع بهذا الملف في الصين ولم يُفصحوا عن هوياتهم خوفا من مطاردة الحكومة الصينية لهم).

بيد أن تلك ليست نوعية البيانات التي يُمكن أن تمنح الصين أفضلية في أرض المعركة ضد الولايات المتحدة. إن نصيب الصين المتزايد من سوق البحث على الإنترنت ومن سوق الخدمات السحابية يمنح شركات التكنولوجيا الصينية وصولا مفتوحا إلى بيانات تخُص شتى صنوف المستهلكين حول العالم، وهي بيانات تُمكِّن صاحبها من التنبُّؤ بأشياء عديدة بدءا من الوعكات الصحية مرورا بالاضطرابات الاقتصادية وحتى النزاعات الأهلية (كما يشرح كاتب المقال بنفسه في كتاب له نُشِر عام 2014 بعنوان "المستقبل العاري: ماذا سيحدث في عالم يتوقَّع كل خطواتك؟").

على سبيل المثال، بينما تُعَدُّ شركات "أمازون" و"مايكروسوفت" و"غوغل" الأميركية أكبر شركات تُوفِّر الخدمات السحابية في العالم، تُمثِّل شركة "علي بابا" (ومقرها في الصين) 6% من سوق الخدمات السحابية العالمي، وفقا لبحث أجرته شركة "سِنرجي ريسيرش" (Synergy Research) في فبراير/شباط الماضي، هذا وتملك شركة تكنولوجيا صينية أخرى، "تِنسِنت" (Tencent)، حصة تبلغ 2% من السوق العالمي.

تقول تلك الشركات الصينية منذ زمن طويل إنها تعمل باستقلال عن الحكومة، وهي دعوة أساسية تُطلقها تلك الشركات لأن الكثير منها يرغب بأن يُدرَج في أسواق الأوراق المالية الأجنبية. غير أن الصين مرَّرت في مارس/آذار المنصرم تشريعا جديدا يُلزم عمالقة التكنولوجيا في الصين، مثل "علي بابا" و"تِنسِنت"، بمشاركة مخزونهم الهائل من البيانات التي يتحصَّلون عليها من الأسواق مع الحكومة الصينية.

حرب البيانات

سيتحتَّم على شركات التكنولوجيا الغربية التي ترغب في العمل التجاري مع الصين أن تنظر هي الأخرى في أمر القانون الذي مرَّرته الصين عام 2017 بخصوص الأمن السيبراني، الذي يُلزم الشركات بتخزين البيانات التي تجمعها داخل الصين، حيث ستتمتَّع الصين بحق الاطلاع عليها. ويضع ذلك شركات مثل "تِسلا" في موقف صعب، إذ إنها بحاجة إلى الوجود في السوق الصيني لتعزيز قيمتها السوقية، وقد دشَّنت "تِسلا" في مايو/أيار الماضي منشأة جديدة في الصين لتخزين البيانات من مبيعاتها وخدماتها داخل البلاد، وذلك على الرغم من المخاوف التي عبَّر عنها "إيلون ماسك"، المدير التنفيذي للشركة، حيال خصوصية البيانات في الصين (بالتزامن مع تصريحاته تلك، كانت الصين بدورها قد حظرت دخول سيارات "تِسلا" إلى منشآتها العسكرية وقيَّدت من استخدام موظفي الدولة والجيش لسيارات الشركة خوفا من أن تُستخدم بياناتهم من قِبَل "تِسلا" لصالح الولايات المتحدة).

"مَن سيمتلك الكمَّ الأكبر من البيانات وسيُبادر قبل غيره (باستخدامها) سيتعلَّم أسرع من الجميع، ومن ثمَّ سيحوز التفوق المعلوماتي بمرور الوقت"، هكذا قال ستودِمان، مُشيرا إلى أن انتشار المنتجات التكنولوجية الصينية وما يُتاح (للصين) استخباراتيا حين تُدعَى الشركات الصينية للاستثمار "سيزوِّد الصينيين بأفضلية هائلة في مجال الذكاء الاصطناعي وتعلُّم الآلة.. وأن على الولايات المتحدة أن تكون متيقظة جدا لما ستؤول إليه تفاصيل المشهد الحالي كافة".

___________________________________

ترجمة: نور خيري

هذا المقال مترجم عن Defense One ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

لا تدخر الصين، بترسانتها الإعلامية وجيوشها الدبلوماسية، جهدا لتكذيب روايات نساء الإيغور، فالنساء اللواتي كُبِّلن واغتُصبن بمراكز الاحتجاز، يخرجن اليوم للعلن وتشهد أجسادهن على المعاناة اللائي تعرضن لها

Published On 26/3/2021

مرحبا بكم في عصر “الذروة الصينية”، حيث بكين قوة تسعى لإعادة تشكيل العالم. بيد أن الوقت المتاح للقيام بذلك بدأ ينفد بالفعل بسبب عوامل عديدة، فهل نشهد أفول نجم الصين في السنوات المقبلة؟

Published On 19/10/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة