الصين في جنوب السودان.. هكذا يصنع النفط قصة نفوذ جديدة في إفريقيا

في الطريق بين "بالوش" وبلدة "جومري" حيث الحقول النفطية لدولة جنوب السودان، يُرى نسوة نحيفات يقضين مصالحهن، يحمل بعضهن بعضا وأخريات منهن حوامل، وفي الحقول من حولهن بقع سوداء وحفر مياه وتربة ملوثة بالكيماويات السامة، فيما الرائحة النفاذة من حاويات الشحن المكدسة بتلك المواد تفوح في المكان. ولأن التلوث البيئي معتاد في البلد الأفريقي الذي سُجِّل كسابع أعلى معدل الوفيات المرتبطة بالتلوث البيئي في العالم، حسب ما أكّده "التحالف الدولي للصحة والتلوث" فإن تلك النسوة يدركن خطورة الوضع في إحداث مشكلات صحية خطيرة تجعل احتمالية أن يلحقن بركب النساء اللواتي ولدن أطفالا مشوهين خلقيا أو أجهضن هي احتمالية قائمة.

 

المشهد السابق، وهو مألوف لسكان المنطقة، يُظهِر المأساة الحقيقة التي يعيش بها الجنوب السوداني بسبب التلوث البيئي الذي خلّفه عمل الشركات النفطية لحكومات الصين والهند وماليزيا التي تملك حصص أغلبية في ثلاثة تحالفات تستخرج النفط في جنوب السودان، ففي هذا البلد النفطي تتعرّض حياة مئات الآلاف من الناس وسبل عيشهم للخطر، يغرق العديد من السكان في البرك المفتوحة التي تركها عمال شركات النفط، فيما أصبحت مساحات شاسعة من المحاصيل وأراضي الرعي ملوثة بسبب التنقيب عن النفط الذي خلّف انسكابات غطّت أكثر من 200000 متر مربع.

للوهلة الأولى، قد تبدو مأساة الجنوب السوداني مع عمل شركات متعددة الجنسيات، وأهمها الشركات الصينية التي تملك حصة الأسد، مقتصرة على التلوث البيئي الذي يدور في حلقة مفرغة من الإهمال بين الحكومة العاجزة عن فرض قوانينها البيئية وتلك الشركات، لكن واقع الوجود الصيني في هذه الدولة الأصغر على مستوى العالم يتخطى حدود التلوث البيئي إلى كون بكين التي وسّعت علاقاتها مع جنوب السودان بعد انفصاله تعمل من أجل الكسب من كل شيء، فهي استخدمت الجنوب السوداني كحالة لقياس قدراتها في الصراع المسلح في منطقة ذات جغرافية قاسية كأفريقيا التي تُعَدُّ مركزا تنافسيا لقوات عسكرية دولية الأخرى، ولم تتوانَ عن التواطؤ في الحرب الأهلية وتزويد الجماعات المقاتلة بالأسلحة، وهي تُصِرُّ لآخر رمق على الاستفادة القصوى من سوق ثالث أكبر احتياطي نفطي في القارة السمراء.

 

عنوان ميدان

في واحدة من أقوى العلاقات لها بالدول الأفريقية، أسّست بكين لعلاقاتها الرسمية مع الخرطوم في العام 1959، آنذاك افتتحت بكين سفارتها في العاصمة السودانية التي اعترفت بالحكومة الصينية التي كانت مثلها حديثة العهد بالاستقلال، ورغم تلك الخطوة المهمة فإن الخرطوم التي توجّست من الدول الشيوعية قاطبة احترست من تخطي علاقة التبادل الدبلوماسي مع الصين حتى العام 1970 حين أرسلت سفيرا لها يقيم في الصين.

 

فيما يخص العلاقات الاقتصادية التاريخية بين البلدين، يمكن القول إن العام 1962 سجّل بداية تلك العلاقات، ففيه وقّع البلدان أول بروتوكول للتبادل التجاري، مما مهّد لإقامة مشروعات عديدة في مجالات البنى التحتية في قطاعات البترول، والكهرباء، والمعادن، والطرق والجسور، وما إن حلّت التسعينيات حتى كانت الصين الشريك التجاري الرئيس للسودان، يستثمر الصينيون مليارات الدولارات في قطاع النفط السوداني، ليصل هذا الاستثمار إلى قمته في عام 1995 حين دخلت بكين كشريك رئيس في مجال النفط، فتدفّقت في هذا العام أول كمية من النفط من آبار هجليج السودانية، ولتتحوّل الشركة الوطنية الصينية للنفط بفضل النفط السوداني إلى شركة عالمية، وفي المجمل ركّزت الصين خلال اندلاع الحرب الأهلية السودانية الثانية (1983-2005) على تطوير حقول النفط السودانية، فوضعت من خلال شركة البترول الوطنية الصينية التي تملك حكومة بكين حصة 41% منها المعدات للاستثمار في الصناعات البترولية، فتصبح تلك الشركة -قبيل انفصال جنوب السودان عام 2005- أكبر مساهم في سوق النفط السوداني بنحو 47%، فيما وصل الاستيراد الصيني إلى 64% من نفط السودان.

BEIJING, CHINA - SEPTEMBER 03: South Sudan President Salva Kiir Mayardit, left, shakes hands with Chinese President Xi Jinping as they pose for photograph during the Forum on China-Africa Cooperation held at the Great Hall of the People on September 3, 2018 in Beijing, China. (Andy Wong - Pool/Getty Images)رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت (إلى اليسار) يصافح الرئيس الصيني شي جين بينغ

أيضا، قبل انفصال الجنوب وذهاب نفطه، استبقت بكين توقيع اتفاق وقف الحرب الأهلية السودانية الثانية عام 2005 التي أعلنت انفصال الجنوب سلميا عن الشمال، فقررت مؤسسة البترول الوطنية الصينية إنشاء مكتب لها في جوبا التي أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الاستقلال عن الحكومة المركزية في الخرطوم وفي جعبتها ثلاثة أرباع الناتج النفطي للسودان. وفي هذا الوقت كانت كرة العلاقات الاقتصادية بين السودان والصين تتدحرج إلى الوراء، بسبب عجز الخرطوم عن سداد الديون الصينية المستحقة المُقدَّرة بما بين 6-8 مليارات دولار.

 

وبعدما وضعت الحرب الأهلية السودانية الثانية أوزارها بتوقيع اتفاق السلام الشامل عام 2005 الذي أفضى إلى استعادة الحكم الذاتي في الجنوب وإقرار حق تقرير المصير للجنوب بعد ست سنوات من الحكم الذاتي (عام 2011)، كانت بكين جاهزة للمجازفة والدخول قبل غيرها من الدول التي اعتبرت المنطقة خطرة تُهدِّد أي طموحات اقتصادية، وبالفعل وجد الصينيون أنفسهم دون منافس في الجنوب السوداني، فمضوا بسرعة نحو تكثيف الاستثمارات في حقول النفط حتى أضحوا المستثمر الرئيس في معظم حقول النفط بالجنوب المستقل الذي يملك 3.5 مليار من النفط الخام في الاحتياط المؤكد، فيما تُخفي أراضيه حسب علماء الجيولوجيا المزيد من النفط غير المكتشف، كما ألقت بكين بثقلها الاستثماري في مجالات مختلفة الأنشطة، لتصبح بين 100 إلى 140 مؤسسة صينية تعمل في الجنوب، أهمها الشركة الوطنية للبترول التي تعمل في مجال القطاع النفطي.

 

عنوان ميدان

مع حلول عام 2011، كانت بكين قد تربّعت على عرش مستثمري النفط في أرض جنوب السودان حتى غنمت الكثير في العامين التاليين لإعلان دولة جنوب السودان، لكن سرعان ما حاصرها القتال الداخلي مرة أخرى، فقد اندلعت الحرب الأهلية على أراضي الدولة الحديثة في ديسمبر/كانون الأول من العام 2013، إثر انقلاب أشعل حربا أهلية بين أنصار الرئيس سلفا كير وخصمه اللدود ريك مشار، واستمرت هذه الحرب التي أدّت إلى مقتل أكثر من 400 ألف وتشريد الملايين وتجويع أكثر من 5 ملايين حتى العام 2018 حين نجح المجتمع الدولي بإجبار طرفي الصراع على التوقف عن القتال.

Families displaced by recent fighting in South Sudan, gather to be registered to receive dry food rations at a makeshift camp inside the United Nations Mission in Sudan (UNAMIS) facility in Jabel, on the outskirts of capital Juba December 23, 2013. Clashes between rival groups of soldiers in Juba a week ago have spread across the country, which won its independence from Sudan in 2011 after decades of war. President Salva Kiir, from South Sudan's Dinka ethnic group, has accused former Vice President Riek Machar, a Nuer whom he dismissed in July, of trying to launch a coup. Machar dismissed the charge but has since said he is commanding troops fighting the government. REUTERS/James Akena (SOUTH SUDAN - Tags: POLITICS CIVIL UNREST SOCIETY)العائلات التي نزحت بسبب القتال في جنوب السودان

خلال تلك الحرب، تجاوز دور الشركات الصينية العمل في التنقيب وإنتاج النفط السوداني، إذ شاركت بكين على مدار خمس سنوات من عمر الصراع في الجنوب في نشاطات أدّت إلى تدمير هذا البلد، فدعمت ميليشيات قتالية وعرّضت مئات الآلاف من الناس للخطر، حدث ذلك عندما تواطأت كمستثمر دولي مع كبار السياسيين في الجنوب الذين لهم صلات بأنشطة عنيفة، وذلك بهدف تكوين شراكات تجارية تخدم مصالحها في سوق النفط، فحسب ما جاء في تقرير "ذا سنتري" (The Sentry)، وهي مجموعة مراقبة مقرها واشنطن، فإن "كونسورتيوم نفطي متعدد الجنسيات في جنوب السودان، تسيطر عليه شركة دار البترول الصينية وشركة بتروناس النفطية المملوكة للدولة في ماليزيا، قدّم دعما ماديا لميليشيا موالية للحكومة (جنوب السودان) ارتكبت فظائع، بما في ذلك حرق قرى بأكملها واستهداف المدنيين، وهجوم على موقع للأمم المتحدة لحماية المدنيين".

 

علاوة على ما سبق، يكشف التقرير الذي استشهد بمراسلات البريد الإلكتروني بين عامي 2014-2015 أن "التنسيق بين دار البترول وإحدى الميليشيات الموالية للسيد كير أدّى إلى تسليم كميات كبيرة من وقود الديزل للمجموعة، وفي بعض الحالات أرسلت إلى مجموعات مسلحة شحنات الديزل قبل أيام من تنفيذ العمليات العسكرية في ولاية أعالي النيل وغيرها".

 

لكن الأخطر مما سبق هو اختراق الصين لقرار حظر الأسلحة الدولي في جنوب السودان، حيث يذهب تقرير صدر عن منظمة العفو الدولية في إبريل/نيسان الماضي إلى أن الأسلحة الصينية كانت موجودة في جنوب السودان -المليء بالأسلحة الصغيرة-، ويذكر التقرير أن "الغالبية العظمى من مئات الأسلحة الصغيرة التي لاحظها محققو منظمة العفو الدولية خلال فترة عملهم في جنوب السودان كانت إما من نوعين مختلفين من بنادق الكلاشينكوف -الروسي والصيني من طراز 56- أو الصينية من طراز سي كيو (CQ)، وهي نسخة من طراز إم 16 الأميركية الصنع"، ورغم أن الصين أصرّت أنها لم تبع أسلحة أو ذخيرة إلى جنوب السودان منذ سبتمبر/أيلول 2014 فإن المنظمة أكّدت وجود أسلحة صينية بعد هذا التاريخ، فعلى سبيل المثال، تأكّدت منظمة العفو الدولية من وجود خراطيش صُنِّعت في عام 2016 داخل جهاز الأمن الوطني في لوري، وهي قاعدة سرية للغاية تابعة لجهاز الأمن الوطني خارج جوبا عاصمة جنوب السودان، ويُعقِّب التقرير على ذلك بالقول: "إذا حصل جهاز الأمن الوطني على الذخيرة مباشرة من الصين؛ فإما أن تكون الحكومة الصينية قد خرقت حظر توريد الأسلحة، أو باعت الأسلحة بعد أن تعهّدت بعدم القيام بذلك، ولكن قبل أن يفرض مجلس الأمن الدولي حظر توريد الأسلحة على أراضي جنوب السودان في يوليو/تموز 2018".

 

عنوان ميدانعنوان ميدان

South Sudan People's Defence Forces (SSPDF), South Sudan Opposition Alliance (SSOA), and The Sudan People's Liberation Movement in Opposition (SPLM-IO) soldiers gather at the training site for the joint force to protect VIPs in Gorom outside Juba, South Sudan February 17, 2020. REUTERS/Andreea Campeanu TPX IMAGES OF THE DAY

كان العاشر من أغسطس/آب 2020 يوما عصيبا على منطقة تونج الواقعة وسط جنوب السودان، في هذا اليوم حين أرادت قوات الجيش مباشرة عملية نزع السلاح من المنطقة، أقدم مسلحو الميليشيات على إطلاق النيران من أسلحتهم التي أتى عناصر الجيش لمصادرتها، كان المشهد مرعبا للغاية، وسط تساقط العشرات بين قتيل وجريح (قُتل 70 شخصا) كانت المحال التجارية تنهب وتحرق، فيما تهرب نساء وأطفال المنطقة دون معرفة وجهتهم.

 

بيد أن الحادثة السابقة في الدولة التي تشهد حربا أكثر من السلام تؤكد أن الاتفاق الذي وقع في فبراير/شباط الماضي وأُعلن فيه عن نهاية القتال الداخلي من السهل أن يصبح مشابها لاتفاقية السلام الموقعة في العام 2016 والتي نجحت فقط في وقف الحرب لبضعة أشهر، وهو ما يعني أن تواصل القتال الداخلي المتزامن الآن مع معاناة جنوب السودان من انخفاض أسعار النفط بسبب أزمة فيروس كورونا يُهدِّد مصالح بكين ويُفشِل جهودها في التوسط بين الرئيس كير وفصائل مشار المتحاربة. ففي الوقت الذي استعدّت فيه شركة البترول الوطنية الصينية لفترة جيدة من جني الأرباح على أمل استمرارية التزام الفصائل بالمصالحة، تجدّدت المعارك لتُشكِّل حاجزا أمام طموحات بكين الاقتصادية، يُوضِّح لنا أستاذ العلاقات الدولية في جامعة "صن مون" في كوريا الجنوبية محمد بوشيخي أن الصين تعتبر وجودها في هذا البلد الأفريقي بمنزلة اختبار حقيقي لإستراتيجيتها في العالم في حالتَيْ السلم والحرب، ويُضيف لـ "ميدان": "جنوب السودان بمنزلة ذاك المختبر الذي تختبر فيه الصين قوتها من حيث الوجود في مكان بعيد جغرافيا والدفاع عن مصالحها، فهي ترسل قواتها وتكتسب الخبرة في الدفاع عن مصالحها، كما أن جنوب السودان ليس بعيدا عن الشرق الأوسط، المنطقة التي تريد أن يكون لها موطئ قدم يتحدى النفوذ والصراع مع الخصم الأميركي"، وحول المخاطرة التي تقوم عليها الإستراتيجية الصينية من أجل الربح، يُبيّن بوشيخي أنه "إذا استقرّت الأسواق فستقدم بكين نفسها على أنها كانت حليفا لجميع الأطراف، فهي التي حركت الدول الأفريقية والأمم المتحدة وأرسلت ألفا من قواتها، وذاك سيُعزِّز من فرصة توسعها في السوق النفطية والبنى التحتية لجنوب السودان".

 

في المحصلة، تريد بكين الآن الحفاظ على استثماراتها النفطية الكبيرة في جنوب السودان، بل وأن تتهيّأ الأوضاع لتطوير حقول نفط جديدة، فحسب ما جاء في تقرير مجلة "thediplomat" فإن "الافتقار إلى الاستقرار السياسي يقوّض أهداف الصين الإستراتيجية، حيث ستظل الصين مستثمرة في جنوب السودان فقط طالما استمرت العمليات هناك ذات معنى اقتصادي، وعلى الرغم من أن الصين تواصل استخراج وشراء معظم نفط جنوب السودان، فإنها كانت مُكلّفة سياسيا واقتصاديا"، وتضيف المجلة: "إذا استمر الصراع الأهلي في جنوب السودان لفترة طويلة أو أصبح أكثر اضطرابا في مناطق إنتاج النفط، فقد تفقد الصين صبرها وتوقف التيار".


حول هذه القصة

على امتداد آلاف الكيلومترات، يستمر الصراع البارد بين الهند والصين من أجل السيطرة على ما أمكن السيطرة عليه من أودية وتلال بتخوم الهيمالايا، صراع يعكس سباقا جيوسياسيا بين قوتين صاعدتين.

Published On 3/7/2020

من الممكن مقارعة أزمة صحة عالمية طارئة دون التخلي عن الخصوصية، والحريات المدنية، والقيم الديمقراطية. ولكن تروج الصين لرؤية استبدادية تدمج بين الصحة والأمن. فهل يتحد قادة الديمقراطية لتوفير بديل حقيقي؟

Published On 22/7/2020

مع أنها برعت في تحسين تكنولوجيات ابتُكرت في بقاع أخرى، وقد يطيب للكثيرين التفكير في الصين على أنّها “سعودية البيانات”. لكن إن كانت البيانات هي النفط الجديد، فإنّها قد تكون موردا طبيعيا ملعونا عليها!

Published On 21/10/2020
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة