الابن الشرعي للاستعمار.. كيف صاغت حروب أميركا في الخارج عقيدة حفظ الأمن داخل البلاد؟

تريد أن تتخيّل شكلا آخر من الشرطة؟ إذن تخيّل التاريخ دون حقبة استعمارية. من هذا المنطلق، يأخذنا أستاذ علم الاجتماع بجامعة شيكاغو، جوليان جو، في مقالته المكتوبة لمجلة "فورين أفّيرز" الأميركية، في رحلة تاريخية شائقة لعلاقة الشرطة الأميركية بالحضور الاستعماري لأميركا في آسيا وأميركا الجنوبية بعد الحرب العالمية الثانية.

 

في يونيو/حزيران الفائت، اندلعت احتجاجات تنادي بالعدالة العِرقية في شوارع المدن الأميركية، وكان واضحا جدا أن رد قوات الشرطة أقرب ما يكون إلى رد عسكري، حيث أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع، واعتمرت الخوذ العسكرية، ولوَّحت باستخدام أسلحة تُخصَّص لساحات المعارك. شجب المعترضون الردَّ بالقول إن الشرطة في الولايات المتحدة لم تعد قوة "مدنية" بعد الآن، وإنها أقرب بكثير لأن تكون "جيشا محتلا" يحوّل المدن الأميركية إلى مناطق حرب.

وتنتشر اليوم مطالبات واسعة بنزع العسكرة عن الشرطة الأميركية، ففي الشهر الماضي، دعا السيناتور الجمهوري عن ولاية كنتاكي، راند باول، والسيناتور الديمقراطي عن ولاية هاواي، برايان شاتز، لإنهاء "البرنامج 1033" الذي تمكّنت الشرطة بموجبه من تأمين معدات عسكرية بقيمة مليارات الدولارات. ومع أن الضجة الآن أعلى من ذي قبل، فإن الخوف الذي تُعبِّر عنه ليس جديدا كليا. ففي عام 2014، ورد إلى سكان كونكورد بولاية نيوهامشير أن قسم شرطة المدينة سيتلقى معدات عسكرية جديدة، من بينها مدرعات. وتقدَّم المحتجون نحو قاعدة البلدية بلافتات تقول: "مايبيري* أكثر، فلوجةً أقل!".

 

لكن جهود نزع العسكرة ستجر أذيال الخيبة غالبا، إن لم تأخذ في حسبانها التاريخ الدفين الذي أفضى إلى استخدام تكتيكات عسكرية من هذا النوع في الشوارع أساسا. منذ بواكيرها، أُخضعت الشرطة الحديثة للعسكرة، مما أتاح النظر للمواطنين والأعداء، بل وحتى للشعوب المستعمَرة، من مسافة واحدة. ترتبط الشرطة الحديثة ارتباطا وثيقا بمشاريع الغزو والاحتلال والسيطرة الكولونيالية في الخارج، ونزع العسكرة عن ممارساتها سيتطلّب استئصالها من مشهد عالمي حِيكت في نسيجه تماما.

 

سُمِّيت بدايات القرن العشرين بـ "عصر الإصلاح" داخل نظام الشرطة الأميركي. لكن تغييرات تلك الفترة جعلت للشرطة تناغما أكبر مع الجيش. فخلال عصر الإصلاح، بدأت أقسام الشرطة باستخدام "المسدس 38" ذاته الذي استخدمه الجيش الأميركي، وتبنّت أساليب جديدة، مثل ذلك المسمى بـ "التعيين الخرائطي" (Pin Mapping)، الذي تضمّن تعيين مواقع وعناوين الجرائم على الخريطة بهدف تحديد البؤر المشتعلة بالنشاط الإجرامي والتنبؤ بالجرائم المستقبلية، ونشر قوات الشرطة تبعا لذلك.

"المسدس 38" (رويترز)

وكان "أوغست فولمر"، الذي سيصبح "عرّاب نظام الشرطة الحديث"، ورئيس قسم الشرطة في بيركلي بولاية كاليفورنيا عام 1909، من أوائل مستخدمي "التعيين الخرائطي"، وسرعان ما انتشر هذا الأسلوب في مراكز الشرطة على امتداد البلاد. وفي أيامنا هذه، فقد بلغ من الانتشار حدًّا يصعب معه التفكير فيه كأسلوب مُختَرع أو دخيل. لكنه في ذلك الوقت كان اختراعا جذريا، بما أن الشرطة لم تحاول قطّ أن تتعقّب الجريمة أو تتنبأ بوقوعها. وقد تبنّى فولمر هذا الأسلوب من الفترة التي قضاها في الجيش الأميركي خلال الحرب الفلبينية الأميركية، الصراع الذي امتد بين عامي 1899-1902، وفتك بأرواح 200.000 مدني فلبيني وحوّل الفلبين إلى ملكية أميركية خاصة. واستخدم الجيش الأميركي "التعيين الخرائطي" في تعقب تحركات الثوار وتحديد معسكراتهم في منطقة "سنترال لوزون" الشاسعة، حيث استفاد فولمر من معلومات "التعيين الخرائطي" في اختراق الجبهات الفلبينية الداخلية والقضاء على قوات الثوار، وأشار إليه بالقول إنه "فن الحرب على الخريطة".

 

قدّم فولمر ابتكارات جديدة للشرطة؛ فبعد انتخابه عمدة لمدينة بيركلي عام 1905، كرّس كل جهده للدراجات الهوائية، وقد جنت له هذه الخطوة نصيبا وافرا من السخرية في الصحافة ومؤسسات رسمية أخرى، لكنّها قدّمت لقوات الشرطة وسائل نقل جديدة، وتمكّنت قوات الشرطة الراكبة من تغطية مزيد من المناطق بشكل أسرع من الدوريات الراجلة. ثم أسس فولمر، في بواكير عشرينيات القرن العشرين، وحدة راكبة في قسم شرطة لوس أنجلوس باستخدام السيارات، وحذت حذوه بقية مراكز الشرطة على امتداد البلاد. وما لبثت الدوريات المتنقلة أن صارت عُرفا في كل مكان في المدن الأميركية، تطارد المجرمين في الشوارع أو تحشد لهم في البؤر الساخنة.

 

وأخذ فولمر أيضا فكرة الدوريات المتنقلة عن حملة الولايات المتحدة على الفلبين. فمن أجل التصدي للثوار الفلبينيين المتخفّين، وتحرّكاتهم الخاطفة، تخلّت الولايات المتحدة عن تشكيلاتها التقليدية، التي اتبعها الجنود في تنظيم أنفسهم والانتشار في أرض المعركة، واستعاضت عنها بتكتيكات الانتشار المفتوح، معتمدة على وحدات محدودة من النخبة التي تبدّل أماكنها، وتستخدم معرفة "التعيين الخرائطي" في أسر الثوار ومهاجمة تجمعاتهم، فيما يعتبر نموذجا أول لعمليات البحث والتدمير المستخدمة حاليا. وكان فولمر قد أدّى خدمته في واحدة من وحدات النخبة المتنقلة تلك، وتبنّى النهج ذاته حينما أسس وحدات الشرطة المتنقلة. وقبل إحدى الغارات الشهيرة نجده يقول لقواته: "علينا أن نتمكّن من تحريك الجنود بسرعة من جبهة لأخرى؛ إن تركيز القوات فصل مهم جدا في العلوم العسكرية، وسيكون غاية في الأهمية للمهمة الحالية".

أوغست فولمر (مواقع التواصل)

وقدّم فولمر للشرطة عديدا من الأساليب الأخرى المستوحاة من تجربته في الفلبين، فأسس مراكز جديدة لمخابرات الشرطة على غرار وحدات الاستخبارات الميدانية العسكرية، ودشّن بعضا من أول أكاديميات تدريب الشرطة في الولايات المتحدة، التي كانت مستوحاة من "الكلية الحربية" الجديدة للجيش. لكن عسكرة الشرطة المبكرة لم تكن وليدة أفكار فولمر وحده. ففي عام 1912، أصبح جيمس روبنسون رئيسا لشرطة فيلادلفيا، وهو أيضا كان محاربا قديما في الجيش عمل على عسكرة قوة الشرطة المسؤول عنها، فأسّس أكاديمية للشرطة وقوات راكبة، ودرّب قواته باستخدام تدريبات عسكرية، وكتب دليلا إرشاديا لشرطة الدوريات شبيها بالدليل الإرشادي العسكري المخصص للجنود. وفي عشرينيات القرن الماضي، عمل سميدلي بتلر على عسكرة قوة الشرطة في فيلادلفيا، وصمّم زيَّا موحدا جديدا مستوحى من قوات البحرية الأميركية، ونصب حواجز طرق على غرار الحواجز العسكرية، وشنّ مئات الهجمات برفقة قواته المتنقلة المسلحة. وكان بتلر قد أدّى خدمته العسكرية في الحرب الإسبانية الأميركية، في بورتوريكو والفلبين وهندوراس وهاييتي ونيكاراغوا وفيراكروز.

 

وقد استوحت شخصيات أقل شهرة من فولمر أو بتلر أساليبها من الفتوحات الكولونيالية أيضا. وفي العقد الأول من القرن العشرين، كشفت تقارير حكومية أن قسم شرطة، لم تُفصح عن اسمه، في إحدى مدن الغرب الأوسط الأميركي كان يستخدم أسلوبا مروعا في التحقيق يُعرف باسم "علاج الماء"، وكان هذا أول نموذج للإيهام بالغرق، التقنية التي اشتهر الجيش الأميركي باستخدامها خلال حرب العراق بهدف استخلاص المعلومات من المشتبه بهم. وجاء "علاج الماء" الذي استخدمته الشرطة في بدايات القرن العشرين من الفلبين، حيث طبّقه الجيش الأميركي على الأسرى بهدف استخلاص معلومات مفصلة حول معسكرات الثوار.

طريقة التعذيب بـ "الإيهام بالغرق" (رويترز)

 

أشار الشاعر والناقد المارتينيكيّ إيمي سيزير إلى نظام أدولف هتلر ذات مرة بوصفه شكلا من الإرشاد الإمبريالي الذي يعمل بتأثير المرآة العاكسة، حيث عكست أوروبا على بلدانها العنف العنصري والقوة العسكرية المستخدمين في آسيا وأفريقيا الكولونياليتين. ويمكن التفكير في اعتناق قوات الشرطة الأميركية للأساليب الكولونيالية بالطريقة نفسها، إذ كان واضحا أن المُراد بالأساليب التي استخدمها الجيش الأميركي استهدافُ ورصد الثوار الفلبينيين، الذين عدَّهم الجيش من عِرق منحط وعنيف وإجرامي بالغريزة. وبمنطق الجيش، فقد كان تأديب هؤلاء يتطلّب تكتيكات عسكرية جديدة من قبيل "التعيين الخرائطي" والقوات الراكبة. وباستخدام هذه الأساليب ضد الأقليات في البلاد، صهر الإصلاحيون العقلية الكولونيالية ذاتها عن العِرق في نواة نظام الشرطة الأميركي.

 

كان الإرشاد الإمبريالي في الولايات المتحدة مدفوعا باعتقاد يقول إن تطبيق التقنيات المطوَّرة لفتح "الأعراق المنحطة" الخطيرة في الخارج ملائم في تأديب "الأعراق المنحطة" الإجرامية داخل البلاد. وقد انتُخب فولمر، على سبيل المثال، بسبب مخاوف النخب من أن تكون العصابات الصينية قد جلبت معها البغاء واستخدام الأفيون وأوكار القمار إلى البلدة. وبما أن فولمر حارب مقاتلي الشوارع الفلبينيين، كما حاجج أنصاره، فمَن أفضل منه للتخلص من الصينيين المجرمين. وهكذا، فقد تخلّلت أولى حملاته في بيركلي هجمات ضد بيوت القمار الصينية واعتقالات للأجانب بمعدلات مرتفعة عن المقيمين المولودين في البلاد. كذلك فعل جيمس روبنسون بعد أن قام بعسكرة قوة شرطة فيلادلفيا، حيث بدأ باعتقال الأميركيين من أصل أفريقي والإغارة على أحيائهم بمعدلات لا تتناسب مع غيرهم.

 

وتحوَّل حفظ الأمن بالتبعية إلى شكل من أشكال مكافحة العصيان الداخلي، وأدّى "التعيين الخرائطي" والقوات الراكبة بالشرطة الأميركية إلى تخيُّل المدن الأميركية كبؤر فتح كولونيالي. في الحقيقة، عندما أخبر فولمر قواته أن عليها استخدام "العلوم العسكرية" في الشرطة، استكمل قائلا إن المهمة الحالية هي "ضد أعداء المجتمع". وليس من المدهش، والحال هذه، أن يبدأ ضباط الشرطة والسياسيون الحديث عن حفظ النظام في بداية العشرين بوصفه "حربا على الجريمة".

وعلى مدار القرن العشرين، تواصلت عسكرة الشرطة من خلال الإرشاد الإمبريالي. وكما يعرض المؤرخ ستيوارت شريدر في كتابه المزلزل "أوسمة بلا حدود"، فمن خمسينيات القرن الماضي إلى سبعينياته، غلب على الشرطة الأميركية استخدام تقنيات ومعدّات مكافحة العصيان ذاتها التي استخدمتها القوات الأميركية والبريطانية في فيتنام وملايا وفنزويلا، ومنها "الإيقاف والتفتيش" وأجهزة التواصل اللا سلكي. وفي عام 1967، ساعد جون نيلسون، وهو أحد قدامى المحاربين في حرب فيتنام، في تأسيس أول وحدة للأسلحة والتكتيكات الخاصة داخل قسم شرطة لوس أنجلوس، إذ جاء بفكرة "قوات التدخل السريع الخاصة" (SWAT) بعد أن ساوى بين أعمال الشغب في واتس وديترويت ونيوآرك وبين الثورات ضد الكولونيالية في فيتنام وأفريقيا البريطانية في إدراك منه بأن وحدات قوة الاستطلاع العسكرية ستكون ذات فائدة في قمع الشغب في الديار.

كتاب "أوسمة بلا حدود" للمؤرخ ستيوارت شريدر (مواقع التواصل)

لم يكن هذا النوع من التشكيلات هو الإرث الوحيد لحرب فيتنام في الولايات المتحدة. ففي سبعينيات القرن الماضي، تزعَّم ضابط شرطة في شيكاغو يُدعى جون بيرغ مجموعة من رجال الشرطة في تعذيب 100 أميركي من أصل أفريقي مشتبه بهم باستخدام تقنيات الصعق بالكهرباء. وكان بيرغ، الذي ربطته علاقات واسعة بمنظمات اليمين المتطرف العنصرية، قد خدم سابقا في فيتنام تحت فرقة المشاة التاسعة، حيث من المرجح أن يكون تعلّم استخدام تقنيات التعذيب بالصعق بالكهرباء ضد الأسرى من جبهة التحرير الوطنية.

 

وعادت الاشتباكات الحديثة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وبقاع أخرى إلى الديار لتُلقي بتقنياتها وعقليّاتها على الشرطة. وتتعقّب عالمة الاجتماع سارة براين جذور وخوارزميات برامج المراقبة المستخدمة لدى الشرطة الأميركية. وفي العديد من المدن الأميركية، يوصي قدامى الضباط العائدون من حرب العراق وأفغانستان بإنفاذ القانون عبر استخدام تقنيات إخماد التمرد في ملاحقة العصابات داخل البلاد، وأشار أحد هؤلاء، وهو كيفن كيت باركر، إلى أن "العصابات تعتمد على الدعم العابر لسكان الأحياء، بالطريقة نفسها التي اعتمدت فيها القاعدة على السودان". وهكذا فقد عمل باركر على "مساعدة الشرطة في تطوير تكنولوجيات وتكتيكات وإجراءات لاستخدامها ضد العصابات".

 

نظرا للعلاقة العميقة بين الحرب والشرطة في الولايات المتحدة، فإن رؤية الشرطة لمواطنيها، لا سيما أصحاب البشرة السوداء أو البُنيّة، كأعداء محتملين فوق أراضٍ محتلة ليس من قبيل المصادفة. فقد تبنّت الشرطة أساليب وعقلية قوات قمع الثورات الكولونيالية، بما فيها الاعتقاد بأن الخطر يأتي من خلف كل زاوية ووجه عابر. يوصي التاريخ أولئك الساعين لنزع العسكرة عن الشرطة بالحذر، فتدفُّق العتاد العسكري ليس المشكلة الوحيدة ههنا. ليس مطلوبا من الولايات المتحدة أن تنزع عسكرة الشرطة فحسب، بل أن تنزع عنها كولونياليتها أيضا.

————————————————————

هذا المقال مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة