شعار قسم ميدان

التنين في المحيط.. لماذا تخشى أميركا من البحرية الصينية؟

في السابع عشر من يوليو/تموز الماضي، أعلنت القوات البحرية الصينية عن إطلاق (1) ثالث حاملة طائرات من إنتاجها، خلال حفل أُقيم في حوض بناء السفن في شنغهاي العاصمة، كانت حاملة الطائرات تُعرف سابقا باسم "النوع 003″، ولكنها باتت تُسمى رسميا "فوجيان" (Fujian)، على اسم احدى مقاطعات الصين الساحلية، وتُعَدُّ أقوى حاملة طائرات في العالم بعد حاملات الطائرات الأميركية.

كانت أول حاملتَيْ طائرات في الصين (النوع 001 والنوع 002) تعديلا تحديثيا لنموذج سوفيتي قديم، لكن النوع 003 يختلف تماما عنهما، مع تحديثات صارخة تتضمن بنية سطحية أكثر إحكاما وإتقانا، مع تبديل في طريقة إقلاع الطائرات، من "التزحلق والقفز" (Ski-jump) إلى طريقة "المجنقة" (Aircraft catapult). في طريقة المجنقة يُستخدم منجنيق مطور للسماح للطائرات بالإقلاع من مساحات محدودة للغاية، مثل سطح سفينة.

تُعَدُّ "فوجيان" (Fujian) أقوى حاملة طائرات في العالم بعد حاملات الطائرات الأميركية. (مواقع التواصل )

لكن هناك ملاحظة مهمة في هذا السياق، وهي أن البحرية الصينية لا تلجأ إلى طريقة المنجنيق التقليدية التي تعمل بالبخار، وتستخدم بدلا من ذلك نظام إطلاق الطائرات الكهرومغناطيسي، الذي يرفع من معدلات الطلعات الجوية، ويشغل حيزا أصغر من حاملة الطائرات، يضعها ذلك في مقارنة مباشرة مع حاملات الطائرات الأميركية الكبرى، خاصة أنها بالفعل تقارن في الحجم مع فئتَيْ "نيميتز" (Nimitz) و"فورد" (Ford) التابعتين للبحرية الأميركية، حيث يبلغ طولها 300 متر تقريبا.

من المتوقع أن تحمل هذه الحاملة أحدث مقاتلة صينية من طراز "J-35″، وهي نسخة الصين المقابلة لمقاتلة "إف 35 لايتنينج" (F-35C Lightning-II) الأميركية، وتتمكن "فوجيان" من إزاحة 80 ألف طن من الماء، بينما حاملات الطائرات العملاقة التابعة للبحرية الأميركية تزيح 100 ألف طن (يمكن تقييم قوة السفينة بقدر الماء الذي تزيحه بعد نزولها إليه).

التنين يتمدد

يُشير ما سبق إلى شيء واحد فقط، الصين تقترب من تحقيق أهدافها، وبسرعة، لأن "فوجيان" هي مجرد مثال فقط، فبينما تُكتب هذه الكلمات، تُعَدُّ الصين بالفعل الدولة صاحبة أكبر(2) قوة بحرية في العالم من حيث عدد السفن والوحدات العاملة، بإجمالي نحو 355 قطعة بحرية مقارنة بنحو 300 قطعة فقط للبحرية الأميركية، تتنوع هذه القطع بين السفن السطحية المقاتلة والغواصات وحاملات الطائرات وسفن الحرب البرمائية العابرة للمحيطات والسفن المضادة للألغام والسفن المساعدة للأسطول، وغيرها، لكن الرقم لا يشمل 85 من القوارب الدورية التي تحمل صواريخ كروز المضادة للسفن.

بالطبع لا يعني ذلك أن الصين الآن هي القوة البحرية الأشرس في العالم كله، لأن الأمر لا يُحسب فقط بالعدد، وإنما بقدرة السفن الموجودة ونطاق سيطرتها، وهذا ما تتفوق فيه الولايات المتحدة بلا منازع، فهي تمتلك مجموعة من أكبر (وبالتبعية أقوى) السفن في العالم كله، ولو قررنا جمع قدر الماء الذي تزيحه مجمل السفن الصينية، الأمر الذي يُعَدُّ -كما تحدثنا قبل قليل- معيار قوة، فسنجد أنه يبلغ في المجمل مليونَيْ طن(3)، بينما تصل الولايات المتحدة الأميركية إلى 4.5 ملايين طن!

على الرغم من ذلك، فإن البحرية الأميركية لا شك ليست مطمئنة لهذا الفارق، ليس فقط لأنه يتقلص يوما بعد يوم، بل لأنه يتقلص بسرعة. لقد بدأت خطة الصين الطموحة لتطوير قوتها البحرية منذ ربع قرن فقط، تصاعد خلالها عدد القطع الصينية باطراد، في عام 2005 كان الفارق لصالح الولايات المتحدة الأميركية بنحو 75 قطعة، تقلَّص هذا الفارق حتى تقاربت أعداد القطع البحرية الصينية مع الأميركية في 2014، ثم انطلقت الصين للأعلى. وبالسرعة نفسها من المتوقع أن تنمو القوة القتالية الإجمالية للبحرية الصينية إلى 420 قطعة بحلول عام 2025، و460 قطعة بحلول عام 2030. بحلول التاريخ نفسه، من المتوقع أن تمتلك البحرية الأميركية نحو 345 قطعة بحرية فقط بحسب التوقعات المتفائلة.

ولفهم حجم الإنتاج المدهش، تأمل ما حدث بين عامَيْ 2017-2019 ، حيث ورد أن الصين قامت(4) ببناء عدد من السفن أكثر من الهند واليابان وأستراليا وفرنسا والمملكة المتحدة مجتمعة، بل وأشار نائب الأدميرال الألماني "كاي أكيم شونباشسيد" في عام 2021 إلى أن "البحرية الصينية تتوسع كل 4 سنوات بما يعادل حجم البحرية الفرنسية بأكملها". لكن الأكثر دعوة للتأمل ليس فقط عدد القطع، لكن معدلات التحديث، أصبحت السفن والطائرات والأسلحة البحرية الصينية الآن أكثر حداثة وقدرة مما كانت عليه في بداية التسعينيات، وهي الآن قابلة للمقارنة في كثير من النواحي مع تلك الموجودة في القوات البحرية الغربية.

في أحد بياناتها(5) تؤكد وزارة الدفاع الأميركية أنه "اعتبارا من عام 2020، تتكون القوات البحرية الصينية إلى حدٍّ كبير من منصات حديثة متعددة الأدوار تتميز بأسلحة وأجهزة استشعار متقدمة مضادة للسفن، ومضادة للطائرات، ومضادة للغواصات". ويضيف تقرير للكونغرس الأميركي في السياق نفسه أنه "في كثير من الحالات يمكن مقارنة هذه القطع بتلك الخاصة بالبحرية الأميركية"، ليضيف بعد قليل قائلا: "الصين تسد الفجوة بسرعة في أي مجالات للنقص بينها وبين الولايات المتحدة".

يظهر ذلك في التطور السريع لحاملات الطائرات الصينية، منذ سبعينيات القرن الماضي كان لدى البحرية الصينية طموحات لتطوير وتشغيل حاملات الطائرات، لكن خططها الفعلية بدأت في عام 1985 حينما استحوذت على أربع حاملات طائرات متقاعدة للدراسة، إحداها بالفعل تحولت إلى النوع 001، وخلال عشر سنوات فقط من إطلاقها (في 2012) وصلنا إلى حاملة طائرات أكثر تقدما تقارب القدرات الأميركية كما أشرنا قبل قليل في حالة "فوجيان"، ومن المتوقع أن يتضاعف عدد حاملات الطائرات الصينية بحلول عام 2030. بينما على الجانب الآخر فإن الولايات المتحدة الأميركية وصلت إلى ما هي عليه الآن بعد رحلة طويلة بدأت في أوائل القرن الماضي، وتطورت جذريا بعيد الحرب العالمية الثانية، وهي تمتلك الآن 11 حاملة طائرات.

في السياق ذاته، أفادت مؤسسة "راند" التي تقدم البيانات التحليلية للجيش الأميركي أنه بناء على المعايير المعاصرة لإنتاج السفن، فإن أكثر من 70% من أسطول البحرية الصينية في عام 2017 يُعَدُّ محدثا مقارنة بـ50% في 2010، أضف إلى ذلك أن الصين تنتج سفنا أكبر قادرة على استيعاب أسلحة أكثر تطورا. على سبيل المثال، دخلت أول طرّادات (سفن مدمرة كبيرة) البحرية الصينية من النوع 055 (التي تسمى أيضا الفئة رينهاي) الخدمة في عام 2019، وزادت قدرات السفن القتالية من هذا النوع بمقدار 4000 إلى 5000 طن دفعة واحدة، إذا ما قورنت بالمدمرة من النوع 052D، التي دخلت الخدمة في البحرية الصينية عام 2014.

الطرّادة "النوع 055" (التي تسمى أيضا الفئة رينهاي) (مواقع التواصل)

تحت الماء بلا قائد

وإلى جانب حاملات الطائرات والطرادات أو غيرها من السفن السطحية المقاتلة التي تشهد بالفعل تطورا مدهشا، فإن هناك تطورا كبيرا يظهر في نطاق الغواصات أيضا. تُشغِّل الصين الآن عددا صغيرا من الغواصات الهجومية التي تعمل بالطاقة النووية وتلك القادرة على إطلاق الصواريخ الباليستية، ولذلك تعطي الصين الآن أولوية قصوى لتحديث قوتها من الغواصات، ومن المرجح أنها تنتج الغواصات بمعدل سيجعلها سنة 2030 الدولة رقم واحد في العالم من حيث عدد الغواصات (76 غواصة).

لكن هذا ليس كل شيء. ففي الوقت الراهن، القوات البحرية الصينية تتنافس مع الولايات المتحدة الأميركية في نطاق جديد تماما وهو المركبات غير المأهولة التي تعمل تحت الماء (أو الاسم الأكثر شهرة "درون الماء")، حيث كشفت صور الأقمار الصناعية(6) قبل أيام عن اثنتين من تلك الغواصات التي تعمل بلا قيادة بشرية على الرصيف في قاعدة بحرية صينية في هاينان، ببحر جنوب الصين.

لا نعرف الكثير بعد عن الغواصتين، لكن إحداهما تبلغ نحو 16 مترا في الطول، والثانية نحو 18 مترا، وهما بذلك تنضمان إلى فئة نادرة هي المركبة غير المأهولة الكبيرة جدا، ويتنافسان على الصدارة مع مشروع أميركي واعد هو الغواصة "Orca XLUV"، التي تخضع الآن للتطوير من قبل شركة "بوينج"، ويُعَدُّ الطول المتوقع لهذه الغواصة هو 16 مترا.

 

هذا النوع من المركبات هو مستقبل الغوص، فكما تستبدل الطائرات المسيرة الطائرات المأهولة يوما بعد يوم، يتوقع أن يحدث الأمر نفسه قريبا مع الغواصات أيضا، حاليا تستخدم هذه الدرون الغواصة بالفعل في العديد من البلدان لأغراض اكتشاف الألغام الموجودة تحت الماء والتخلص منها، وكذلك لأغراض الاستخبارات، حيث توفر هذه الغواصات تغطية أوسع بتكلفة أقل مع جودة بيانات أعلى.

المستقبل حافل بالاستخدامات الحربية لهذه النوعية من الغواصات، فمثل الطائرات بدون طيار، يبدأ الأمر بتوظيفها في النطاق الاستطلاعي، ثم تصبح مع الوقت غواصات مقاتلة تُستخدم في جميع أجواء المعارك البحرية، كونها أرخص في التكلفة المادية، ناهيك بتجنبها للخسائر البشرية. وإذا صحت تلك المعلومات، فإن الصين بالفعل تنافس على الصدارة مع الولايات المتحدة في تقنية حديثة لم تظهر للنور بعد، وقد يكون لدى الصين خطة مستقبلية طموحة لاستخدامها بشكل أساسي في قواتها البحرية بحيث تحل جزئيا محل الغواصات المأهولة.

حظر الوصول

ورغم كل هذه القدرات، لا يوجد شيء يمكن أن يُظهر وتيرة التطور البحري الصيني مثل الصواريخ المضادة للسفن، حيث تقوم بكين الآن بنشر نوعين من الصواريخ الباليستية الأرضية ذات القدرة على ضرب السفن في البحر، الأول هو "دي إف 21 دي" (DF-21D) بمدى يزيد على 1500 كيلومتر، والثاني هو "دي إف 26" (DF-26) بمدى أقصى يبلغ نحو 4000 كيلومتر(7،8)، وتقول وزارة الدفاع الأميركية إنه "قادر على تنفيذ ضربات دقيقة، تقليدية ونووية، ضد أهداف أرضية وبحرية"(9).

"دي إف 26" صواريخ الصين الباليستية المضادة للسفن. (مواقع التواصل الاجتماعي)

تسببت الصواريخ البالستية الصينية المضادة للسفن في حالة قلق واسعة لدى الخبراء والمراقبين الأميركيين، لأنها ببساطة يمكن أن تغير قواعد اللعبة تماما، فهذه الصواريخ، إلى جانب أنظمة المراقبة والاستهداف المحدثة، ستسمح للصين بمهاجمة حاملات الطائرات الأميركية أو سفن حلفائها الضخمة في غرب المحيط الهادئ.

في هذه النقطة تحديدا فإن الصين تطور منظومة كاملة إلى جانب الصواريخ الباليستية تتيح لها تطبيق سياسة حظر الوصول. في ديسمبر/كانون الأول 2013، كانت المدمرة الأميركية "يو إس إس كاوبينز" تبحر عبر بحر الصين الجنوبي عندما خرج صوت مفاجئ من الراديو يقول: "أنت تنتهك الفضاء الأمني ​​للصين، يجب أن تغادر المنطقة!"(10)، على مدار الساعات القليلة التالية لهذا التحذير، وبسبب الشد والجذب المتتالي بين القوتين الأميركية والصينية، كنا بالفعل على شفا معركة بحرية محدودة لولا أن المدمرة الأميركية استكملت طريقها في النهاية.

قارِن ذلك بما حدث في سنة 1996 حينما أُجريت انتخابات في تايوان ووقفت قوتان من حاملات الطائرات الأميركية على حدود الجزيرة دون أي تدخل ممكن من القوات الصينية، ببساطة لأنها في هذا الوقت لم تمتلك القدرة الكافية لتطبيق إستراتيجية "منطقة حظر الوصول"(11) (China’s Anti-Access Area Denial)، التي تعني أن أفضل طريقة للسيطرة على خصم بعيد، خاصة إذا كان متفوقا في القوة العسكرية الشاملة، هو منعه من نشر قواته في مسرح الصراع في المقام الأول.

تركز الصين حاليا على استخدام صواريخها الباليستية المضادة للسفن، وغيرها مثل صواريخ كروز للدفاع الجوي، وسفنها المتنوعة خاصة النماذج المحدثة جدا من المقاتلات السطحية والسفن البرمائية وأنظمة المراقبة البحرية الخاصة بها، في بناء منطقة حظر وصول صارمة تتكون من ثلاثة خطوط، وتصل حدودها إلى ما يسمى "سلسلة الجزر الأولى" (first island chain)، وهي أول مجموعة من الأرخبيلات في المحيط الهادئ التي تقابل شرقي آسيا، وتبدأ من شمالي إندونيسيا لتمر بالفلبين ووصولا إلى اليابان.

 

بهذه الوتيرة، ستتمكن الصين بحلول عام 2030 من إحكام السيطرة على هذه المنطقة، وستتحرك سفن البحرية الصينية فيها بحرية تامة، وستُمنع القوات الأجنبية أيًّا كانت من التصرف بحرية فيها. منذ عام 2008 بالفعل لم تقترب أية حاملة طائرات أميركية بالفعل من تايوان. يعطينا ذلك لمحة إضافية عن خطط الصين البحرية، فعلى الرغم من أن قدراتها أقل من الولايات المتحدة، فإن الأخيرة منتشرة في كل العالم تقريبا، بينما تركز الصين على هدف واحد حتى الآن وهو السيطرة على المياه الدولية المحيطة بها، التي تعتبرها، بشكل أو بآخر، باحتها الخلفية. ما تمتلكه الصين من قوات بحرية حاليا، وما تنوي حيازته بحلول 2030، يتيح لها ذلك.

قرن من الإذلال وقرن من الغضب

أما على المدى الأبعد نسبيا، وبحلول عام 2050، فيُعتقد أن البحرية الصينية ستصبح ندا حقيقيا للبحرية الأميركية، وبالتالي ستمد ذراعيها لما بعد سلسلة الجزر الأولى إلى المحيطين الهادئ والهندي، من المفهوم بالطبع أن كل دولة ذات قوة بحرية تطمح لهذا النوع من السيطرة، فالقوة البحرية تعني سيطرة سياسية واسعة، ببساطة لأن 40% من سكان هذا الكوكب يعيشون على مسافة 100 كيلومتر من أحد الشواطئ، هذا ولم نتحدث بعد عن التحكم في حركة السفن التجارية عالميا.

لكن كل ما سبق يحمل سياقا تاريخيا وجيوسياسيا أعمق، فالبحرية الصينية ليست فقط أداة سيطرة عسكرية ضرورية، لكنها -بالنسبة للصين- تُعَدُّ أيضا أداة رد اعتبار، ليس فقط على ما حدث من القوات البحرية الأميركية حول تايوان في التسعينيات في وقت لم تمتلك فيه الصين طريقة للتدخل، ولكن على "مئة عام من الإذلال الوطني"، وهو مصطلح يُستخدم بالفعل في الصين لوصف فترة التدخل والإخضاع للبلاد من قِبَل القوى الغربية واليابان من عام 1839 إلى عام 1949، وهي فترة يسميها الصينيون "قرن الإذلال".

خلال تلك الفترة، دخلت معظم تلك القوات المُهاجمة إلى الصين عن طريق البحر، ولأن قرن الإذلال يُعَدُّ جزءا أساسيا(12) من السردية التي تُمثِّل هوية الصين المعاصرة، فلا بد أن هذا "القلق البحري" الذي دام لأكثر من مئة سنة سينتج ردة فعل على المستوى نفسه. يمكننا أن نطلق على القرن الحالي "قرن الغضب" بالنسبة إلى الصين، ولا أحد يعلم إلى أي مدى سيغير غضب التنين وجه العالم.

_____________________________________________________

مصادر:

المصدر : الجزيرة