شعار قسم ميدان

إدوارد سنودن يحصل على الجنسية الروسية.. لِمَ يهتم بوتين برجل الاستخبارات الأميركية الهارب؟

إنه السادس من يونيو/حزيران عام 2013، يجلس إدوارد سنودن مختبئا في غرفة ضيقة بفندق "ميرا هوتيل" (Mira Hotel) في هونغ كونغ، مع اثنين من المراسلين الصحفيين ومخرجة أفلام، ليكشف للعالم عن واحد من أكبر برامج التجسس السرية لدى وكالة الأمن القومي الأميركية (NSA)، الذي أطلقت عليه اسم "بريزم" (PRISM). بواسطة هذا البرنامج، استطاعت الوكالة الاستيلاء على رسائل البريد الإلكتروني الشخصية، ومحادثات الفيديو، والصور، والوثائق الخاصة لملايين الناس، وكل ذلك كان يحدث عبر أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، مثل غوغل وياهو وفيسبوك وحتى أبل!

 

كنز هائل من الوثائق السرية هرب بها إدوارد سنودن من مقر عمله في هاواي، وصل عددها إلى 1.7 مليون وثيقة، كشفت عن عدّة فضائح تجسس لوكالة الأمن القومي ووكالة الاستخبارات الأميركية (CIA)، وكشفت عن المدى الذي وصل إليه تجسس الإدارة الأميركية على المواطنين والمسؤولين الأجانب، بما في ذلك قادة الدول الحلفاء للولايات المتحدة. (1)

 

منذ ذلك الحين، يُصنَّف إدوارد سنودن بصفته واحدا من كاشفي الفساد (whistleblower) الأكثر إثارة للجدل، فالبعض يعتبره بطلا قوميا في أميركا والعالم، بينما يراه المعارضون والإدارة الأميركية مجرما خالف القوانين وسرَّب وثائق غاية في السرية، بشكل يُوجِب مساءلته أمام المحاكم. لكن أيًّا كان رأينا حول حقيقة سنودن، من المؤكد أن ما فعله كان له تأثير كبير على صناعة التقنية وتوجُّه شركاتها الكبرى، لدرجة أن هوليوود أنتجت فيلما سينمائيا عام 2016 حمل اسم بطل القصة "Snowden" يحكي ما حدث بالتفصيل.

 

طلب الجنسية الروسية

كان إدوارد سنودن موظفا سابقا لدى الاستخبارات الأميركية حتى عام 2009، ثم انتقل للعمل مع شركات خارجية تتعاقد مع الحكومة، مثل شركة "بوز ألن هاملتون" (Booz Allen Hamilton) وشركة "ديل" (Dell)، التي عمل سنودن من خلالها مع وكالة الأمن القومي على مدار 4 سنوات، وفي 20 مايو/أيار عام 2013، هرب من مقر عمله في هاواي إلى هونغ كونغ، والتقى مع صحفيي الغارديان جلين جرينوالد (Glenn Greenwald) وإيون ماكاسكيل (Ewen MacAskill) والمخرجة لورا بويتراس (Laura Poitras)، وسرّب لهم الوثائق السرية.

 

بعد ذلك، انتقل سنودن إلى روسيا بهدف الهروب إلى أميركا الجنوبية، لكن حكومة الولايات المتحدة ألغت جواز سفره، فاضطر للبقاء في روسيا منذ ذلك الحين، وطلب اللجوء السياسي هناك. وفي عام 2020، حصل على حق الإقامة الدائمة في روسيا، وتقدَّم هو وزوجته بطلب الحصول على الجنسية الروسية كي لا ينفصلا عن ابنهما. وفي 26 سبتمبر/أيلول الماضي، منحه الرئيس فلاديمير بوتين الجنسية الروسية (2)، ليعود الحديث من جديد حول ما فعله إدوارد سنودن، والتأثير التاريخي الذي تركه على شركات التقنية الكبرى، وعلى أمور ومشكلات الخصوصية للمستخدمين بصورة عامة، بعد الكشف عن فضائح الخصوصية والتجسس التي كانت شركات التقنية الأميركية جزءا منها!

 

برنامج "PRISM"

epa03803723 Hundreds of demonstrators protest against the PRISM surveillance program by the US National Security Agency (NSA) in Frankfurt Main, Germany, 27 July 2013. Protests against US espionage programs were taking place in several cities across Germany. EPA/ROLAND HOLSCHNEIDER
مئات المتظاهرين يحتجون على برنامج المراقبة PRISM من قبل وكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) في فرانكفورت، ألمانيا، 27 يوليو 2013. (وكالة الأنباء الأوروبية)

لا شك أن سنودن يُمثِّل أداة ضغط قوية للروس، فهو ببساطة فضيحة أميركية متنقلة، لذلك يبدو من مصلحة روسيا أن تضمن سلامته وعدم وقوعه في يد أجهزة الأمن الأميركية. الوثائق السرية التي سرّبها إدوارد سنودن، لصحيفتَيْ الغارديان وواشنطن بوست، أشارت إلى أن وكالة الأمن القومي (NSA) ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) يتجسسون مباشرة على الخوادم المركزية لـ9 شركات كبرى من شركات التقنية الأميركية، ومنها يحصلون على المحادثات الصوتية ومكالمات الفيديو، والصور الفوتوغرافية، ورسائل البريد الإلكتروني، والوثائق الخاصة، وسجلات الاتصال التي تُمكِّنهم من تتبُّع تحركات أي شخص أجنبي مستهدف. (3)

 

العرض التقديمي الذي يشرح كيفية عمل برنامج "بريزم" (PRISM) لعملاء الاستخبارات تكوَّن من 41 صفحة، وإحدى الصفحات كانت مخصصة لتواريخ انضمام شركات التقنية الكبرى من وادي السيليكون لتصبح من شركاء وكالة الأمن القومي. أولهم كانت شركة "مايكروسوفت" بتاريخ 11 سبتمبر/أيلول 2007، بعدها انضمت شركة "ياهو" في مارس/آذار 2008، وشركة "غوغل" في يناير/كانون الثاني 2009، ثم جاءت "فيسبوك" في يونيو/حزيران 2009، وشركة "بالتوك" في ديسمبر/كانون الأول 2009، بعدها انضمت "يوتيوب" في سبتمبر/أيلول 2010، ثم "سكايب" في فبراير/شباط 2011، وبعدها بشهر واحد شركة "إيه أو إل" (AOL). ولأسباب غير معروفة، صمدت شركة "أبل" على مدار 5 سنوات، وكانت آخر شركة تقنية كبرى تنضم إلى البرنامج في أكتوبر/تشرين الأول 2012، بعد عام واحد فحسب من وفاة مؤسسها ستيف جوبز. (4)

 

يُعَدُّ برنامج "بريزم" امتدادا لتاريخ حافل من التحالفات الاستخباراتية مع ما يصل إلى 100 شركة أميركية منذ سبعينيات القرن الماضي، وتُطلق وكالة الأمن القومي على مثل هذه التحالفات مصطلح "عمليات المصدر الخاص" (Special Source Operations)، وهي الفئة التي يندرج تحتها البرنامج.

 

الوصول المباشر إلى البيانات

epa03803839 Hundreds of demonstrators protest against the PRISM surveillance program by the US National Security Agency (NSA) in Berlin, Germany, 27 July 2013. Protests against US espionage programs were taking place in several cities across Germany. EPA/WOLFGANG KUMM
(وكالة الأنباء الأوروبية)

أتاح البرنامج للاستخبارات الأميركية الوصول إلى كميات هائلة من المعلومات الرقمية، وكان التبرير المنطقي للإدارة الأميركية وراء استخدامه وقتها أنه ضروري لتتبُّع الإرهابيين ممن يعيشون خارج الولايات المتحدة.

 

المشكلة الأساسية كانت أن برنامج جمع البيانات لا يتطلب إصدار مذكرات مراقبة فردية من المحكمة، لكنَّ القضاة الفيدراليين منحوا موافقتهم وتأييدهم المطلق لبرنامج "بريزم" تحت مظلة قانون حماية أميركا لعام 2007، وتعديل قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية "فيزا" (FISA) لعام 2008، الذي يسمح بجمع معلومات الاتصالات دون أمر قضائي في حال كان أحد طرفَيْ الاتصال شخصا غير أميركي، كما أنه حصَّن الشركات الخاصة التي تعاونت طوعا في عملية جمع معلومات الاستخبارات الأميركية. (5)

 

السؤال الذي تكرر وكان محل خلاف حينها: كيف وصلت وكالة الأمن القومي إلى كل تلك البيانات الشخصية؟ هل فعلت ذلك بمساعدة الشركات التقنية الكبرى، أم أن تلك الشركات كانت مُجبرة على التعاون، أم أنها لم تعرف بما يحدث فعلا؟

 

أشارت الصفحة الرئيسية في العرض التقديمي إلى أن البيانات تُجمع مباشرة من خوادم تلك الشركات الأميركية المشاركة في البرنامج. وفي حديثه في هونغ كونغ، أصرَّ سنودن على أن برنامج "بريزم" يعمل عبر "الوصول المباشر" إلى خوادم الشركات، وأن الإدارة الأميركية تستغل قوة تلك الشركات لحسابها الخاص. شركات مثل غوغل وفيسبوك وأبل ومايكروسوفت تتوافق مصالحها مع وكالة الأمن القومي، وتوفر إمكانية الوصول المباشر إلى أنظمتها الداخلية لصالح الوكالة، تقريبا لكل الأنظمة التي تستخدمها سواء للتواصل، أو تخزين البيانات، أو حتى الخدمات السحابية، والهدف من تقديم الوصول المباشر أنها لن تحتاج إلى الإشراف على العملية، ولن يُحمِّلها أحد المسؤولية!

 

بالطبع نفت كل شركات التقنية الكبرى علاقتها بالقصة، بل وأكَّدت عدم معرفتها بوجود برنامج "بريزم" من الأساس.

 

تأثير سنودن

epa03803742 Hundreds of demonstrators protest against the surveillance program by the US National Security Agency (NSA) in Frankfurt Main, Germany, 27 July 2013. Protests against US espionage programs were taking place in several cities across Germany. EPA/ROLAND HOLSCHNEIDER EPA/ROLAND HOLSCHNEIDER
(وكالة الأنباء الأوروبية)

كان "بريزم" مجرد حلقة في سلسلة من الفضائح التي كشفتها وثائق سنودن المُسرَّبة، حيث أزاحت الوثائق النقاب عن برامج أخرى مثيرة للجدل، بما فيها برنامج "ماسكولار" (Muscular) لاستغلال نقاط الضعف في مراكز بيانات شركات غوغل وياهو لتجمع البيانات غير المشفرة، (6) وبرنامج "بولران" (Bullrun) الذي أدارته وكالة الأمن القومي بالتعاون مع نظيرتها البريطانية "جي سي إتش كيو" (GCHQ)، واستخدمت فيه أجهزة الحاسوب الفائقة لفك تشفير رسائل البريد الإلكتروني والمستندات المشفرة. (7)

 

أشعلت هذه الاكتشافات أزمة الثقة في شركات التقنية، وهي الأزمة التي استمرت حتى هذه اللحظة. وفي غضون السنوات الثلاث التي تبعت تسريبات سنودن، تحوَّلت شركات أبل وغوغل وفيسبوك ومايكروسوفت وياهو إلى أكبر المدافعين عن خصوصية المستخدم، وبدأت تلك الشركات في تعزيز تقنيات التشفير، وغيرها من الضمانات التي تحمي الخصوصية في منتجاتها وخدماتها.

 

وقد وضعت شركة أبل على وجه التحديد نفسها في مقدمة تلك المعركة، وقدمت تقنيات تشفير أقوى في أنظمة تشغيل أجهزتها، سواء كانت "ماك أو إس" (MacOS) لتشغيل أجهزة ماك، أو حتى "آي أو إس" (iOS) لتشغيل أجهزة الآيفون، ودخلت في تحدٍّ مباشرٍ مع حكومة الولايات المتحدة والاستخبارات الفيدرالية (FBI) في المحاكم وأمام الرأي العام، وأشعلت نقاشا حادا حول الخصوصية الشخصية لمستخدمي أجهزتها. وفي فبراير/شباط 2016، رفضت أبل أمرا من المحكمة بإجبارها على كتابة برنامج يمكنه التحايل على التشفير المدمج في جهازها "آيفون 5 سي" (iPhone 5C) الذي استخدمه أحد الإرهابيين في سان بيرناردينو بكاليفورنيا. (8) هنا أصبح التشفير الوسيلة الأفضل لشركات التقنية لحماية خصوصية المستهلك.

 

وفي غضون بضع سنوات، أجبر هذا التشفير وكالة الأمن القومي وحلفاءها على طرق أبواب الشركات بأمر تفتيش قانوني، بدلا من اللجوء إلى التسلل وسرقة البيانات، وهو ما أدى بدوره إلى ظهور تقرير الشفافية، وهو تقرير تُصدره الشركات بانتظام، يكشف عن مجموعة إحصاءات متعلقة بطلب الحكومة لبيانات المستخدمين أو السجلات أو المحتوى خلال فترة زمنية محددة. (9)

 

يبدو إذن أن تسريبات سنودن لم تُنقذ الجميع من تجسُّس الحكومات، لكنها ساعدت على الأقل في إشعال تحوُّل ثقافي واهتمام عالمي بالمعلومات والخصوصية وكيفية تأمينها.

 

الخصوصية في العصر الرقمي

الخصوصية في العصر الرقمي!
(شترستوك)

ولكن إذا نظرنا إلى الصورة الأكبر، فسنجد أن ما لم يتغير هو تعامل شركات التقنية مع بيانات المستخدمين نفسها. ربما تأثير تسريبات سنودن كان له دور في كبح جماح تجسس الحكومات، ولو بدرجة أقل من السابق، لكن هذا لم يمنع شركات التقنية الكبرى من تعدين واستخراج بيانات المستخدمين بقوة لصالح الإعلانات والأطراف الثالثة، مما دشَّن عهدا جديدا من مخاوف الخصوصية.

 

ببساطة، تلك الشركات لا تخضع للقانون في الغالب (لأن القوانين في هذا النطاق فضفاضة جدا ومائعة)، مما يمنحها سيطرة شبه مطلقة على بيانات المستخدمين. تلك الشركات هي مَن تراقبنا الآن، وفضائح بيع البيانات من شركة فيسبوك كانت أفضل مثال على ذلك، كفضيحة كامبريدج أناليتيكا الشهيرة التي أثَّرت في نتائج انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2016. ولهذا أطلق الاتحاد الأوروبي قانون حماية البيانات العامة (GDPR)، الذي دخل حيز التنفيذ في مايو/أيار عام 2018، وهو يضع متطلبات صارمة على كيفية تخزين البيانات واستخدامها داخل الاتحاد الأوروبي. (10)

 

نحن لا نتحكم في بياناتنا الخاصة على الإنترنت، لكن الشركات الكبرى هي مَن تملك الحق في ذلك. إذن ما الذي يمكننا فعله لحماية خصوصيتنا في عصر التحوُّل الرقمي؟ لا توجد إجابات سهلة أو مباشرة، والحل قد لا يكمن في مجرد وضع قوانين من حكومات الدول، ولكننا غالبا سنحتاج إلى تحوُّل نوعي في الطريقة التي نفكر بها ونتصورها عن مفهوم الخصوصية.

————————————————————————————————-

المصادر:

(1)  Edward Snowden: the whistleblower behind the NSA surveillance revelations

(2)  Putin grants Russian citizenship to US whistleblower Edward Snowden

(3)  NSA Prism program taps in to user data of Apple, Google and others

(4)  U.S., British intelligence mining data from nine U.S. Internet companies in broad secret program

(5)  المصدر السابق

(6)  NSA infiltrates links to Yahoo, Google data centers worldwide, Snowden documents say

(7)  Revealed: how US and UK spy agencies defeat internet privacy and security

(8)  A Message to Our Customers

(9)  Google Transparency Report

(10) What is GDPR, the EU’s new data protection law?

المصدر : الجزيرة