"البسكويت العميل".. كيف يمكن للكوكيز البريئة على حاسوبك أن تسرق مالك؟!

ملفات تعريف الارتباط في المواقع على الانترنت

يُخطِّط مجموعة من الأصدقاء لرحلة نحو مدينة شهيرة بالجزر الخلابة والمياه شديدة الصفاء، أما عن المناطيد الملونة التي تبدو وكأنها نجوم في السماء الصباحية العليلة فحَدِّث ولا حرج. أول ما يبدؤون به حجز تذاكر الرحلة الجوية ومكان الإقامة، وبينما يتنقَّلون من موقع إلى آخر عبر الإنترنت، ومع استمرار مقارنة العروض المتاحة، يلاحظون ازدياد الأسعار المعروضة تدريجيا، ويُفاجَؤون بارتفاع أسعار التذاكر والفنادق التي مرَّوا بها قبيل ساعات، فيُسرعون في اختيار أحد العروض المتاحة حالا خوفا من تفويتها ومواجهة أسعار أكثر ارتفاعا.

 

يبدو المشهد رغم اختلاف المكان والشخوص مألوفا، ولربما كنت أحد هؤلاء الأشخاص يوما، وهذا ما حدث أيضا مع "أروى مهداوي" صحفية في صحيفة "الغارديان" (The Guardian) البريطانية، عندما قرَّرت أن تحجز لرحلة عودتها من نيويورك إلى لندن على متن الخطوط الجوية البريطانية (British Airways)، وكما حدث في ذلك المشهد، وبعد ارتفاع أسعار التذاكر خلال تصفُّحها المتكرر لموقع الخطوط الجوية، قرَّرت الإسراع بحجز تذكرة قبل أن ترتفع الأسعار أكثر من ذلك، لكنها تذكَّرت شائعة تقول إنك إذا لم تكن قد قبلت ذلك "البسكويت" (Cookies) لكنت حصلت على أسعار أقل. قرَّرت أروى تجربة ذلك، وهنا حدثت المفاجأة، نعم لقد ظهرت أسعار التذاكر أقل قيمة مما عُرض لها، فتحدَّثت عن ذلك على صفحتها على تويتر وفي صحيفتها أيضا (1).

 

يُظهِر تصفُّح "أروى" لأسعار التذاكر في الحالة الأولى (عند قبولها "الكوكيز") تذكرة بقيمة 598 دولارا أميركيا يوم 19 ديسمبر/كانون الأول، وفي حال عدم قبولها تحصل "أروى" على سعر 454 دولارا أميركيا للرحلة نفسها في الموعد نفسه (1)، فهل الشائعة حقيقة؟

 

أي نوع من البسكويت هذا؟

داخل مطبخ علوم الحاسوب، وتحديدا في زاوية يتلاعب فيها طهاة الأرقام والرموز بالوصفات ومقاديرها، وحيث يعمل المبرمجون داخل نظم تشغيل الحواسيب "يونيكس" (Unix)، ستجد "البسكويت أو الكعكة السحرية"، هذه مُفردة تُطلَق على حزمة من البيانات المُرسَلة والمُستقبَلة داخل برنامج دون تغييرها، وهو ما ألهم مبرمج الحاسوب "لويس مونتولي" لاشتقاق كلمة "كوكي" (تعني "بسكويت" بالإنجليزية) على نوع من ملفات تعريف الارتباط (2).

 

هذه الـ "كوكي" أو ملفات تعريف الارتباط هي رسائل تُمرِّرها خوادم الشبكة العنكبوتية إلى متصفحك عند زيارتك لأي موقع إلكتروني، يُخزِّن متصفحك هذه الرسالة داخل ملف صغير وهو ما نسميه هنا "البسكويت"، أو "كوكي"، أو "كوكيز" للجمع، وكل زائر للموقع يحصل على قطعة "البسكويت" الخاصة به التي لا يشبهها قطعة أخرى، لك أن تتخيل أن هذه القطعة قد نقشت معلوماتك عليها، مثل المعلومات التي أدخلتها للموقع عند زيارته مثل اسمك، أو عنوان بريدك، أي إن قطعة "البسكويت" هذه أصبحت بطاقة تعريفية لك (3)، وكلما أردت زيارة الموقع أو التنقل بين صفحاته يستخدم متصفحك هذه البطاقة ليتعرَّف الموقع عليك.

 

لا تقتصر ملفات "الكوكيز" على معلوماتك فقط، لكنها تُخزِّن أيضا تفضيلاتك للمنتجات المعروضة، والصفحات التي تتصفَّحها أكثر من غيرها، وسواء كنت تُفضِّل الأحذية الجلدية ذات اللون البني التي تتراوح أسعارها بين 50-70 دولارا، أو تبحث عن غرفة فندقية مستقلة تتسع لشخص واحد بسعر لا يتجاوز 50 دولارا لليلة الواحدة شاملة وجبة الإفطار واتصال الإنترنت، فإن كل هذا يُنقش على قطع البسكويت الخاصة بك، لذا ستشاهد المزيد من المنتجات أو العروض المماثلة لطلبك، أو المزيد من الإعلانات المشابهة للإعلانات التي توقَّفت لقراءتها.

 

لكن لكل موقع مخبزه الخاص، ولا يشارك "البسكويت" أو "الكوكيز" الخاص به مع غيره، أي إن المعلومات التي جمعها أي موقع عنك لا يشاركها مع مواقع أخرى، ولا يستطيع أي موقع الحصول على معلومات أكثر مما تُقدِّمه خلال زيارتك له، كما أنه لا يستطيع باستخدام هذه "الكوكيز" الوصول إلى جهازك، أو حتى استخدامها لتمرير "فيروس" إليه (3)، لكن هل يعني هذا أن "الكوكيز" مجرد بطاقة تعريف لا ضرر منها؟

 

كيف يتسلل إلى جيبك؟

Internet web pop up for cookie policy notification. This website uses cookies. Flat design modern vector illustration concept.

بحسب إحدى الأوراق البحثية التي نشرها قسم الاقتصاد بكلية الأعمال بجامعة موناش (Monash University) الأسترالية، تساعد الـ "كوكيز" المواقع الإلكترونية، وتحديدا تلك التابعة للمتاجر على الإنترنت، في تعقُّب المستهلكين أو الزبائن، عبر جمع بيانات تاريخ الشراء، وموقعهم الجغرافي، ومواقعهم المفضلة، بل وحتى نوع أنظمة تشغيل أجهزتهم التي يستخدمونها عند التصفُّح، وبالتالي تقديم عروض أسعار تختلف باختلاف الأشخاص المتصفحين للموقع، فمثلا الأشخاص الذين يتصفَّحون مواقع الشراء باستخدام أجهزة تعمل بنظام التشغيل "ماك" يحصلون على عروض سعر أعلى من غيرهم.

 

أشارت الورقة أيضا إلى أن تقديرات تعود إلى عام 2014 أوضحت أن شبكة "نتفليكس" (Netflix) تمكَّنت من زيادة أرباحها بنسبة 0.8% عبر عرض أسعارها بناء على الموقع الجغرافي للمستهلكين، وهو معلومة تحصل الكوكيز عليها، وأن هذه النسبة قد ترتفع إلى 12.2% حال استخدام أسعار معتمدة على بيانات تصفُّح الزوار للموقع. جدير بالذكر أن الجدل لا يزال قائما حول ما إذا كان عرض الأسعار بهذه الطريقة على المواقع التجارية ينتهك حقوق المستخدمين عبر تقديم أسعار مختلفة للمنتج نفسه، أو حتى التلاعب بنوع المنتجات المعروضة حسب الأشخاص (4).

 

في السياق نفسه، أشارت دراسة بحثية لمجموعة من الباحثين بجامعة نورث إيسترن (Northeastern University) الأميركية، تتبَّعوا خلالها فكرة تخصيص المواقع التجارية الإلكترونية للأسعار بناء على الزبائن، إلى أن موقع "أوربتز" (Orbitz) الشهير يوجِّه الزوار الباحثين عن الفنادق ورحلات الطيران الذين تعمل أجهزتهم الإلكترونية بنظام التشغيل "ماك أو إس إكس" (Mac OS X) إلى الفنادق الأعلى سعرا عبر إظهار هذه الفنادق ضمن الخيارات الأعلى تقييما في نتائج البحث. لكن بحسب الدراسة نفسها، فالأمر قد لا يعتمد على الأشخاص فقط، بل يتأثر بعوامل أخرى كفرق الضرائب بين المناطق، أو تغير المنتجات، مما يجعل من دراسة الأمر تحديا كبيرا ومفتوحا، لكن الأدلة البحثية الموجودة تؤكِّد حدوث تمييز السعر المعتمد على الأشخاص (5).

 The homepage of the official website for Orbitz - the travel and holidays bookings search engine. It is owned by Orbitz Worldwide Inc, a subsidiary of Expedia.

يأخذ تمييز السعر درجات وأشكالا مختلفة، ففي الدرجة الأولى يحدث تمييز السعر عند علم البائع بأكبر سعر يمكن أن يدفعه كل مستهلك، ما يُمكِّنه من مضاعفة أرباحه، وخلق السوق المناسب له، وهذا ما فعلته شركة "فيكتوريا سيكريت" (Victoria Secret) سنة 1996، عندما نفَّذت حملة دعائية أرسلت خلالها نسخا مختلفة من قائمة المنتجات نفسها بأسعار مختلفة لفئات مختلفة من الزبائن، وتمكَّنت بذلك من معرفة مستوى الطلب والسعر الذي يمكن أن تدفعه الشرائح المختلفة.

 

أما في الدرجة الثانية من تمييز السعر، فيتغيَّر السعر بناء على العرض والطلب، كما في حالة عروض "أوبر" (Uber)، حيث يختلف سعر الرحلة بناء على عدد المركبات المتاحة وعدد الطلبات الواردة للسائقين، وكذلك في حالة أسعار تذاكر الطيران للدرجة الأولى والدرجة الاقتصادية، لكنَّ المستهلكين هنا هم مَن يميزون أنفسهم.

 

أما في الدرجة الثالثة من تمييز السعر فيُباع خلالها المنتج بأسعار مختلفة للزبائن في مناطق مختلفة، فمثلا تبيع شركة المستحضرات الدوائية "فايزر" (pfizer) عشر حبات "فياجرا" (Viagra) بسعر 69.95 دولارا للمستهلك الكندي، بينما تبيع الكمية نفسها بسعر 103.99 دولار عبر مواقعها المصمَّمة للزبائن في الولايات المتحدة، وهذا تمييز سعري بناء على الموقع الجغرافي للمستهلكين (6).

 

هل هو احتيال وسرقة؟

تدفعنا كل تلك المعلومات للتساؤل عما إذا كان تمييز الأسعار، الذي يبدو أنه سيكون سِمَة مستقبلية رقمية، فعلا قانونيا وأخلاقيا، وقد يبادر البعض للإجابة بأنه يتنافى مع كلا الأمرين، لكن الحقيقة الصادمة تُشير إلى أن تمييز السعر قانوني في المجمل (6)، وقد يفقد هذه الصفة في حالات محددة، ولكن قبل معرفتها دعنا ننظر فيما يُسمى بخصومات الطلبة، أي التخفيض في أسعار البضائع أو الخدمات التي يدفع ثمنها الطلاب، مثل تكلفة تذاكر المواصلات العامة، أو أسعار الأحذية والملبوسات، أليس ما يحدث هنا مثالا على تمييز السعر؟ فالخدمة أو المنتج نفسه مُقدَّم بسعرين مختلفين؛ أحدهما للطالب (السعر الأدنى)، والآخر لغير الطالب (السعر الأعلى)، لكننا نستطيع القول إن هذا الأمر مقبول لدى الجمهور.

 

تُرسِّخ الأسواق شرعية تمييز السعر في دول مختلفة حول العالم، لكن هذا الفعل يجد أمامه ضوابط قانونية تؤطِّر شكله ونوعه وتُبيِّن مسموحه وممنوعه، وقد يختلف ذلك من بلد إلى آخر، ففي الولايات المتحدة مثلا، عند تقييم شرعية حالات تمييز السعر، تنظر المحكمة العليا في هذه القضايا بما يتواءم مع سياسات منع الاحتكار وقانون "روبنسون – باتمان".

سياسات التسعير المختلفة

خرج هذا القانون للنور سنة 1936، ويهدف إلى مواجهة ومنع المنافسات والممارسات التجارية غير العادلة، ويُعَدُّ أول محاولة تشريعية لمنع تمييز الأسعار لحماية المتاجر الصغيرة في منافستها مع المتاجر الكبرى (7)، ويشترط بيع المنتجات من النوع نفسه بالسعر نفسه خلال الفترة الزمنية نفسها إذا كانت بالجودة نفسها، لكنه يُبرِّر تمييز السعر الذي يحدث لتلبية عروض المنافسة التجارية أو لتعويض الفرق في تكلفة توفير البضائع للفئات المختلفة من المشترين، ويحمي بذلك المنافسين الصغار داخل السوق من خطر الاستبعاد بواسطة المنافسين الكبار، الذي يحدث عند عرض المنافسين الكبار بضائعهم بأسعار منخفضة جدا.

 

على سبيل المثال، عندما تعرض شركة تقنية ضخمة منتجاتها بسعر منخفض فإن شركات التقنية الصغرى لا يمكن لها منافستها دون تهديد وجودها داخل السوق، لكن هذا القانون ينطبق على تمييز السعر في البضائع المادية أو الملموسة كالهواتف والسيارات، وليس الخدمات كعقود الإيجار، وخدمات الاتصالات، كما أنه يواجه نقدا بوقوفه إلى جانب الشركات وليس المستهلكين.

 

لتوضيح ذلك، يطرح موقع "إنفستوبيديا" (Investopedia) مثالا افتراضيا، وهو في حال كان هناك شاشة تلفاز مسطحة مقاس 32 بوصة سعرها لدى الشركة "س" هو 250 دولارا، وتود الشركة بيع كمية منها خلال شهر أغسطس/آب لمجموعة من المتاجر هي الشركة "ص" والشركة "ع"، وهما من المتاجر الصغرى في منطقة ما، والشركة "ق"، وهي تابعة لأحد المتاجر الضخمة في المنطقة نفسها، فإن القانون يفرض على الشركة "س" في حال رغبت ببيع الشاشة بسعر 250 دولارا أميركيا للشركة "ص" خلال صفقة تمت في العاشر من أغسطس/آب أن تُقدِّمها بالسعر نفسه إذا باعتها للشركة "ع" في الثاني عشر من الشهر نفسه، أي خلال فترة زمنية متقاربة، لكنه لا يفرض على الشركة "س" بيعها بهذا السعر -250 دولارا أميركيا- للمتاجر الضخمة مثل "ق" (8).

NANCHANG CHINA-SEPTEMBER 6, 2018: Toshiba, Skyworth and Sony's large-screen 4K LCD TVs are on sale in a Sam member store of Wal-Mart, attracting consumers to buy them.

أما في المملكة المتحدة، فإن ممارسة تمييز السعر تندرج تحت قائمة مسؤوليات هيئة مراقبة السلوكيات المالية (Financial Conduct Authority)، الجهة المسؤولة عن تسيير وإدارة الأسواق المالية وشركات الخدمات المالية في المملكة (9)، وبحسب الهيئة، ففي حين أن بعض حالات تمييز السعر قد تكون مقبولة لدى جزء كبير من الناس، كالخصومات المخصصة للطلبة لمشاهدة الأفلام التي من الممكن ألا يشاهدوها إذا لم يتمكَّنوا من الدفع، أو حتى تغيُّر أسعار تذاكر الطيران بسبب الحجز المبكر، فإن هناك حالات أخرى تُثير جدلا حول إمكانية انحراف الأمر عن مسار الممارسة الاقتصادية العادلة.

 

من الحالات التي توضِّح ذلك حصول الزبائن القدامى لأي متجر أو مزود خدمة على عروض وصفقات سيئة مقارنة بما يُقدَّم للزبائن الجدد، وحالات دفع زبائن التأمين لمبالغ أكبر، أو تمييز الأسعار على أساس الجنس أو العِرق. لذا عملت الهيئة في بحوثها على محاولة تقصّي تمييز السعر رغم أن المسألة معقدة، وحاولت توضيح أوجه الممارسة العادلة لتطبيق تمييز السعر وتأثيره على السوق والمستهلك، والأحوال التي تتطلَّب تدخُّلا من الهيئة لضبطها أو تصحيحها (10).

 

عموما، يتحوَّل تمييز السعر إلى عمل لا أخلاقي أو غير قانوني إذا تم تمييز الأسعار المُقدَّمة للزبائن بناء على العِرق أو الجنسية أو الجنس أو الديانة، أو في حال انتهك قوانين منع الاحتكار أو قوانين تحديد الأسعار (6)، ولتفادي الوصول إلى هذه المرحلة من الضرر يمكننا القول قبل بدء تصفحك للبحث عن منتج أو خدمة ما، عليك حذف ملفات تعريف الارتباط أو عدم قبول "البسكويت" الذي تُقدِّمه لك المواقع التجارية، لعلك تتمكَّن من حماية نفسك من ممارسة تجارية قد تكون غير نزيهة.

———————————————————————–

المصادر

  1. Cookie monsters: why your browsing history could mean rip-off prices | Arwa Mahdawi | The Guardian [Internet]. [cited 2021 Aug 20]. Available from: 
  2. Louis Montulli II Invents the HTTP Cookie : History of Information [Internet]. [cited 2021 Aug 20]. Available from: 
  3. What are Cookies.
  4. Choe C, King S, Matsushima N. Pricing with Cookies: Behavior-Based Price Discrimination and Spatial Competition* monash.edu/ business-economics. 2017;
  5.  Hannak A, Soeller G, Lazer D, Mislove A, Wilson C. Measuring Price Discrimination and Steering on E-commerce Web Sites. [cited 2021 Aug 20]; Available from: .
  6.  What is price discrimination and is it ethical? | Econsultancy [Internet]. [cited 2021 Aug 20]. Available from: 
  7.  Price Discrimination: Robinson-Patman Violations | Federal Trade Commission [Internet]. [cited 2021 Aug 19]. Available from:
  8. Robinson-Patman Act Definition [Internet]. [cited 2021 Aug 19]. Available from: 
  9. هيئة مراقبة السلوكيات المالية (FCA) | اتحاد المستثمرين الخليجيين [Internet]. [cited 2021 Aug 19]. Available from: 
  10.  Starks M, Reynolds G, Gee C, Burnik G, Vass L. Financial Conduct Authority Price discrimination in financial services How should we deal with questions of fairness? 2018 [cited 2021 Aug 19]; Available from: 
المصدر : الجزيرة