الإمبراطورية التي هوت.. كيف اختفى فيسبوك من على الإنترنت لمدة ست ساعات؟

بعد انقطاع مفاجئ للتطبيقات الثلاثة الأهم المملوكة لشركة فيسبوك، وهي فيسبوك وواتساب وإنستغرام، في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول الحالي، حاول موظفو الشركة الدخول إلى مكاتبهم في وقت مبكر عن موعد وصولهم المعتاد لحل المشكلة، لكن المفاجأة أن النظام لم يتعرَّف على شارات الدخول. في هذه الأثناء كان المستخدمون حول العالم يصبون جام غضبهم على شركات الاتصالات لبطء الإنترنت، وبالأخص أصحاب المشروعات الصغيرة التي تعتمد على تطبيقات فيسبوك، بل إن البعض اتبع إستراتيجية إغلاق الراوتر ثم فتحه عدّة مرات، إلى أن اكتشفوا حقيقة المشكلة عبر التغريدات والمنشورات المتداولة على تطبيقَيْ تويتر وتلغرام. (1)

لحظات قليلة ثم بدأت التغريدات على موقع تويتر تنهال عن تعطُّل تلغرام، لكن لم يكن تلغرام هو الأخير في قطار الانهيارات، لحقه منصة ديسكورد للتواصل، ثم أبلغ اللاعبون عن حصول قصور في منصات الألعاب، الإنترنت بالكامل بات تحت الحصار، وكان تويتر إحدى أهم المناطق التي تدفَّق إليها مستخدمو الويب المذعورون، ما أدَّى في النهاية إلى بطء تشغيله، بل وقصور تام في تحميل التغريدات عليه.

استمر هذا الجنون لبضع ساعات، خسر فيها فيسبوك 50 مليار دولار من قيمته السوقية في الساعتين الأُوليين فقط (2)، ثم بعد الساعة الثالثة بدأ الجميع بالهلع، خصوصا مع عرض نطاق الخدمة أو ما يُعرف بـ "domain" الخاص بفيسبوك للبيع، حتى عناوين الـ "IP" لا يمكن الوصول إليها، كان الأمر كما لو أن شخصا ما "سحب الكابلات" من مراكز البيانات الخاصة بفيسبوك دفعة واحدة وفصلها عن الإنترنت، تاركا المستخدمين في قلق ممزوج بالغضب والحيرة، هذه هي المرة الأولى التي يتعطَّل فيها فيسبوك لمدة ست ساعات، فما الذي حدث؟

 

الطيور المهاجرة

 

مع توقُّف فيسبوك وإنستغرام لمعظم يوم الاثنين، هاجر العديد من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصة تويتر لمشاركة مشكلاتهم وأفكارهم ونكاتهم. بدا أن تويتر يحتضن لحظته الخاصة من الضوء، إذ غرَّد الحساب الرئيسي للشركة بـ: "مرحبا بالجميع.. حرفيا"، وحصد 2.4 مليون "إعجاب" في أربع ساعات فقط. وبدا أن العلامات التجارية الكبرى الأخرى قد أدركت الانقلاب التسويقي لصالح شركة التواصل الاجتماعي، حيث رد الحساب الرسمي لماكدونالدز: "مرحبا، ما الذي يمكنني أن أساعدك به؟"، ليرد عليه تويتر: "59.6 مليون قطعة ناجتس لأصدقائي"، قبل أن تُغرِّد نتفليكس بصورة من مسلسلها الناجح الجديد "Squid Game" تُظهِر أحد المتسابقين في المسلسل يُسمى "تويتر" وهو يصمد وينقذ حياة متسابق يحمل اسم "الجميع".

قال البعض، الذين يفتقدون إلهاء تطبيقات الوسائط الاجتماعية المفضلة لديهم، مازحين إن إنتاجيتهم ارتفعت يوم الاثنين، وصرَّح "BenDeLaCreme"، أحد الفنانين: "يجب أن يتعطَّل ​​إنستغرام وفيسبوك كل يوم، لم أكن مُنتِجا إلى هذا الحد منذ عام 2006". (3)

بعد المزاح، ظهرت تعليقات من سياسيين مثل السناتور إد ماركي، وهو ديمقراطي من ولاية ماساتشوستس، حول فرانسيس هوغن، مديرة الإنتاج السابقة في فيسبوك التي شاركت مع صحيفة "وول ستريت جورنال" آلاف الوثائق التي كشفت أن فيسبوك على علم بالعديد من الأضرار التي تُسبِّبها خدماته، فقال السناتور ماركي في تغريدة: "فيسبوك مُعطَّل الآن، لذا فهو وقت رائع للاستماع إلى المخالفات التي ارتكبها من فرانسيس هوغن". لكن النكات والقلق لم يكونا الشيء الوحيد الذي انتشر، انتشرت الشائعات أيضا.

حسنا، خبر الهاكر الصيني الذي يبلغ من العمر 13 عاما وزعزع إمبراطورية فيسبوك تفشى كالنار في الهشيم، الأمر بدا وكأنه هجمة سيبرانية بالفعل، فكل التطبيقات شُلَّت في الوقت نفسه، لكن الأكيد أنّ أمان فيسبوك ليس أمرا هامشيا، ولن يهزّه طفل أو هاكر وحيد فقط. لكن صدِّق أو لا تُصدِّق، ما حدث هذه المرة كان بسبب شخص واحد بالفعل، وإن لم يكن هو ذلك الشخص الذي تداول الجميع صورته.

بوابات وبروتوكولات

بحسب التصريح الرسمي لـ "دوغ مادوري"، مدير وكالة "كينتك" (Kentik) المُتخصِّصة في تحليلات الإنترنت: "في تمام الساعة 11 و39 دقيقة صباحا بالتوقيت الشرقي، حدَّث موظف داخل شركة فيسبوك السجلات الخاصة ببروتوكول البوابة الحدودية (BGP) داخل الشركة". (4)

يقول محمد عبد الباسط، الخبير المعلوماتي ومؤسس شركة "سيكيورتي" (seekurity) للأمن السيبراني لـ "ميدان": "بداية، يجب أن نفهم مصطلحا مهما جدا والسبب الرئيسي للمشكلة؛ ما بروتوكول البوابة الحدودية؟ هذا البروتوكول يمكن أن نُشبِّهه بخدمة البوسطة أو البريد للإنترنت كله، لذا فعندما يرسل شخص برقية أو رسالة إلى شخص آخر، فإن هذه الخدمة هي المسؤولة عن توصيل الرسالة بأسرع وأفضل طريقة". ويُضيف عبد الباسط: "بالطريقة نفسها لو طبَّقنا هذا المثال على الإنترنت، عندما يرسل شخص بيانات إلى أي طرف آخر، فإن الـ "BGP" هو المسؤول الأول عن إيجاد أفضل وأسرع طريق لتوصيل هذه البيانات إلى الطرف المستلم".

إذن، هل ما حصل هو اختراق لهذا البروتوكول، كما ظن الجميع؟ يُجيب عبد الباسط "ميدان" بالنفي: "هذا التحديث تسبَّب في ضياع (كل أو جزء، لسنا متأكدين بعد) السجلات التي تقول للعالم كله إن فيسبوك موجود على عنوان الـ "IP" الخاص به، بمعنى أنك لو طلبت الدخول إلى فيسبوك أو إنستغرام أو واتساب، فإن الإنترنت لن يستطيع إيجاد عناوين الـ "IP" أو الـ "DNS" (نظام اسم المجال) الخاصة بهذه الخدمات".

بتعبير أسهل، بعد هذا التحديث الحاصل في سجلات "BGP"، أزال نفسه وخدماته بالكامل عبر الخطأ من على خريطة الإنترنت، وبالتالي من على خريطة مُقدِّمي خدمات الإنترنت، فأصبحوا كلهم لا يرونه ولا يمكنهم رصد اسم النطاق الخاص به، وهذا يُفسِّر لِمَ لم يفتح فيسبوك عند إعادة تشغيلك لجهاز الراوتر عدة مرات، فمُزوِّد خدمة الإنترنت الخاص بك لا يراه أصلا.

صورة توضِّح عدم مقدرة غوغل على التعرُّف على اسم نطاق فيسبوك.

مشكلات بروتوكول البوابة الحدودية لا تحدث بكثرة، أي إنّها غير شائعة، لكنها حين تحدث لا تكون بسيطة عادة، هذا "الخطأ التقني" لم يتسبَّب فقط في عدم وصول المستخدمين العاديين لخدمات فيسبوك المختلفة، بل إنه حتى منع موظفي فيسبوك من التواصل داخليا مع بعضهم عن طريق الخدمات الداخلية مثل البريد الإلكتروني وخلافه، وهذا لأن الخدمات الداخلية مبنية تقريبا على أسماء الدومين (النطاق) نفسها ونطاقات أخرى واجهت المشكلة نفسها، بحسب عبد الباسط.

يوضِّح عبد الباسط لـ "ميدان" سبب عدم قدرة الموظفين على الدخول إلى مباني الشركة: "الجزء المُتعلِّق بإبلاغ موظفي فيسبوك أنهم لا يستطيعون الدخول إلى المباني الخاصة بالشركة مرتبط بسبب المشكلة الرئيسية نفسه، لقد تسبَّب العطل أيضا في فشل النظام في التعرُّف على شارة الدخول (access badge). غرف خوادم فيسبوك بطبيعة الحال مغلقة والدخول إليها يتم عن طريق شارة الدخول، وهذا مستحيل مع وجود مشكلة مثل تلك، وهذا ما يُثبت أن الأنظمة الداخلية نفسها تأثرت بالمشكلة".

حسنا، كل ما ذُكر مُتعلِّق بالمشكلة نفسها، لكن كيف يمكن لاسم النطاق (www.facebook.com) أن يُعرَض للبيع على الإنترنت؟ هل هذا ممكن؟ يُضيف عبد الباسط: "هذا طبيعي مع وجود مشكلة شركات الاستضافة والشركات الخاصة بخدمات النطاق أو الدومين، لأنها ترى أن الدومين متاح بسبب كون فيسبوك كما ذكرنا سابقا -بسبب الخطأ الحاصل- أزالت نفسها من على خريطة الإنترنت بالكامل وأصبح الدومين (النطاق) متاحا".

يُضيف عبد الباسط أن النطاق متاح وأي شخص يستطيع شراءه، لأنه تقنيا محجوز وغير محجوز في الوقت نفسه، محجوز فعليا لشركة فيسبوك، لكن الأدوات التي يمكنها التعرُّف على النطاق غير متاحة، وهذا بسبب أنها ليست مربوطة بأي عناوين (IP – DNS Routes) نهائيا، وهو ما أدَّى إلى وجود مزاد على الإنترنت لشراء هذا النطاق، وربما وقع البعض في الفخ.

إمبراطورية الاحتكار

ولأن المصائب لا تأتي فُرادى، كان يوم الاثنين حافلا بالنسبة لمؤسسة فيسبوك، حيث كان على الشركة أن تطلب من القضاء في اليوم نفسه رفض قضية مكافحة الاحتكار المنقحة التي أصدرتها الحكومة الأميركية وتسعى لإجبار شركة التواصل الاجتماعي العملاقة على بيع إنستغرام وواتساب. (5) وقال فيسبوك في دعواه إن لجنة التجارة الفيدرالية (FTC) فشلت في توفير "أساس واقعي معقول لوصف فيسبوك بأنه مُحتكِر غير قانوني"، وأضافت الشركة أن لجنة التجارة الفيدرالية يبدو أنها "ليس لديها أساس لمزاعمها العارية بأن فيسبوك كان مُحتكِرا أو يحتكر من الأساس".

كان القاضي جيمس بواسبيرغ من المحكمة الجزئية الأميركية لمنطقة كولومبيا قد حكم بالفعل في يونيو/حزيران بأن الشكوى الأصلية التي قدَّمتها لجنة التجارة الفيدرالية في ديسمبر/كانون الأول لعام 2020 فشلت في تقديم دليل على أن فيسبوك يمتلك سلطة احتكارية في سوق الشبكات الاجتماعية. (6) لكن لجنة التجارة الفيدرالية أوضحت بإسهاب في شكوى لاحقة أن فيسبوك يُهيمن على سوق الشبكات الاجتماعية الشخصية في الولايات المتحدة بأكثر من 65% من المستخدمين النشطين شهريا منذ عام 2012.

قال مُتحدِّث باسم فيسبوك: "يتجاهل السوق الخيالي للجنة التجارة الفيدرالية الواقع التنافسي: يتنافس فيسبوك بقوة مع تيك توك وآي مسج وتويتر وسناب تشات ولينكد إن ويوتيوب وعدد لا يُحصى من الآخرين لمساعدة الأشخاص على المشاركة أو الاتصال أو التواصل أو الترفيه ببساطة"، وأضاف: "لا يمكن للجنة التجارة الفيدرالية أن تدَّعي بمصداقية أن فيسبوك لديه قوة احتكارية لأنه لا توجد مثل هذه القوة". (7حسنا، إن لم يكن ما يحدث احتكارا أو على الأقل هيمنة، سل كل التجار وأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة الذين يعتمدون أساسا على خدمات فيسبوك للترويج ونشر أعمالهم عما حدث معهم بالأمس لتتعرَّف إلى حجم الخسائر. البعض اعتذر عن تأخير الطلبيات ليوم أو يومين بسبب ما حدث يوم الاثنين، لقد تفشَّى الذعر في قلوبهم. التجار لم يعانوا وحدهم، فأغلب الأشخاص يعتمدون على الرسائل الفورية لتطبيق واتساب للتواصل مع أحبائهم، لذا شعروا بالغضب وقلة الحيلة، ثم بدأوا يمتعضون من أن شركة واحدة تتحكَّم في حياتهم بهذا الشكل المقيت.

تركَّزت الكثير من الانتقادات الأخيرة لفيسبوك على القرارات التي يتخذها قادة الشركة -أو يفشلون في اتخاذها- بشأن الحكم والتشغيل وجني الأموال من منصاتها. لكن النتيجة الأخرى لحجم فيسبوك هي أن العديد من الأشخاص يتأثرون عندما تكون هناك ثغرات تقنية مثل تلك التي تقول الشركة إنها كانت مسؤولة عن اضطراب يوم الاثنين.

 

في بروكسل، مركز الاتحاد الأوروبي -حيث لجأ العديد من العاملين الحكوميين إلى استعمال خدمة الرسائل المنافسة "Signal" للتواصل وسط مخاوف بشأن وصول فيسبوك-، أدَّى الانقطاع إلى جولة جديدة من الدعوات لزيادة الإشراف على أكبر المنصات التقنية. قال تييري بريتون، المفوض الأوروبي الذي يصوغ لوائح تقنية جديدة، على تويتر: "في الفضاء الرقمي العالمي، يمكن للجميع تجربة الإغلاق. يستحق الأوروبيون مرونة رقمية أفضل من خلال التنظيم، والمنافسة العادلة، والاتصال الأقوى، والأمن السيبراني".

الأمر يحتاج إلى تشريعات جديدة بالفعل، كل مرة تُرفع قضية ضد فيسبوك لاحتكار أو تسريب بيانات فإن الشركة العملاقة تنجح في التملُّص منها بسهولة، لأن القوانين المُنظِّمة لسوق التقنية بالميوعة الكافية التي تمنع من تثبيت العمالقة تحت قبضتها. الآن بِتنا نُدرك أن الأذى سيطول الجميع في غياب قوانين واضحة لتنظيم سوق التقنية. أما عن فيسبوك، فإن الشركة يبدو أنها لا تهتم إلا بالربح، حتى لو على حساب الأرواح كما ورد في آخر التسريبات التي نشرتها "وول ستريت جورنال".

____________________________________________________

المصادر:

  1.  Sheera Frenkel Tweet
  2. Facebook lost $50 billion in value today
  3. Instagram and Facebook should go down everyday
  4. Facebook, Instagram, and WhatsApp all were unavailable due to a global outage
  5. Facebook again asks judge to dismiss U.S. lawsuit to force sale of Instagram, WhatsApp
  6. Facebook hits $1 trillion value after judge rejects antitrust complaints
  7. Tech news worthy of your time
المصدر : الجزيرة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة