شريحة "نيورالينك".. هل يخطط إيلون ماسك لاحتلال أدمغة البشر؟

 

منذ اللحظة الأولى التي أعلن(1) إيلون ماسك فيها عن الإنجاز الجديد لـ "نيورالينك"، أحدث شركاته، حتّى انقلبت وسائل التواصل الاجتماعي العربية إلى أشبه ما يكون بمظاهرة تقف مع وضد تصريحات الرجل في الوقت نفسه، فتجد جانبا يقول إن ماسك يُخطِّط لثورة على الطبيعة البشرية ناقلا إياها إلى عالم "ما بعد الإنسانية"، بينما يتّهمه الآخر بأنه يتخطى الحواجز الأخلاقية كلها ويُخطِّط لعالم تحكمه قواعد مجموعة أفلام "تيرميناتور" أو "روبو-كوب"! هذا ولم نتعرّض بعد لمجموعة نظرية المؤامرة.

كان الإعلان مثيرا للانتباه في الحقيقة، بدأه ماسك باهتمام بالغ بتوضيح نقطة أساسية، وهي أن الشريحة الجديدة، وهي أكبر قليلا من حجم عملة معدنية، آمنة تماما، وأحضر لجمهوره 4 خنازير "سعيدة وفي صحة جيدة" بحد تعبيره، ثلاثة منها تعرّضت لعملية زرع الشريحة، الأول تحتوي جمجمته على شريحة واحدة، والثاني تحتوي جمجمته على شريحتين، والثالث تعرّض لعملية زرع وإزالة الشريحة، واهتم ماسك بإيضاح أنه يمكن خلع الشريحة بأمان "وكأن شيئا لم يكن"، ثم قام بعرض الموجات الدماغية لأحد الخنازير بينما يتعامل بشكل طبيعي.

 

زاد ماسك، ككل رجل أعمال بارع، من محاولاته لطمأنة الجمهور حينما قام بعرض آلة زرع تلك الشريحة في الدماغ، وقال إنها عملية آلية بالكامل لا تُخطئ، والفكرة أن الأمر لا يتعلق فقط بالشريحة ولكن في عدد ضخم من الأقطاب (1024) الخارجة منها ومن المفترض أن توزّع حول الشريحة في الدماغ، ثم بدأ ماسك في توضيح الإمكانات المستقبلية المتوقعة خلف هذه التكنولوجيا، وهنا تظهر النقطة التي اهتم بها الجميع.

 

تحدّث ماسك عن إمكانات واعدة لهذا النوع من التكنولوجيا تبدأ من مساعدة المصابين بالشلل، مرورا بقدرتها على قياس درجة الحرارة والضغط والحركة، وهي البيانات التي يمكن أن تُحذِّرك من نوبة قلبية أو سكتة دماغية، إلا أنه تخطى ذلك إلى عمليات مثل التخاطر الفكري، والتحكم عبر الدماغ، وتخزين الذكريات، وعلاج نطاق واسع جدا من الأمراض النفسية والعصبية، ثم قفز ماسك إلى فكرة أخرى مثيرة جدا وهي أنه يعتقد أن الالتحام مع الآلة هو أفضل سلاح لمواجهة سيطرة الذكاء الاصطناعي في المستقبل.

 

وفي أثناء حديثه مع بعض الصحفيين قال ماسك: "أعلم أن هذا يبدو بشكل متزايد وكأنه حلقة من مسلسل "المرآة السوداء" (Black Mirror)"، الأمر الذي فتح الباب للكثير من المدونين العرب للحديث عن مستقبل خطير أو ثورة تقنية غير مسبوقة تربط بين الدماغ والآلة، لكن الخطأ الأول الذي وقع فيه الجميع هو ظنهم أن ما يتحدث عنه إيلون ماسك هو شيء جديد تماما بحيث يكون مجرد وجود شريحة في دماغ خنزير أمرا استثنائيا، لكنه -في الحقيقة- ليس كذلك.

 

 

دعنا نرجع بالزمن إلى الثمانينيات من القرن الفائت، هل سمعت من قبل عن عمليات زرع القوقعة(2) (Cochlear implant)؟ آلية هذه العملية هي أن يأخذ ميكروفون خارجي الأصوات من خارج الدماغ ثم يعالجها وينقلها كإشارات كهربية إلى العصب السمعي خلف الأذن، الذي يترجم تلك الإشارات إلى أصوات، وبذلك يتمكّن الأصم من السمع مرة أخرى.

 

هناك العديد من التقنيات الجراحية الشبيهة الواعدة حاليا، على سبيل المثال تمكّن الباحثون من شركات مثل(3) "Second Sight" من إعادة النظر إلى المصابين بنوع محدد من العمى عبر كاميرا تُسجِّل فيديو بالخارج ثم يُحَوَّل إلى إشارات كهربية تُرسل مباشرة لاستثارة الشبكة العصبية الدماغية المسؤولة عن الإبصار فيتمكّن الشخص من الرؤية.

 

أضف إلى ذلك أن باحثين من جامعة واشنطن قد تمكّنوا(4)، في عام 2014، من الربط دماغيا بين شخصين على مسافة نحو كيلومتر، وتمكّن أحدهما من دفع الآخر، عبر إشارات دماغية فقط، للضغط على زر بلون محدد، هذا النوع البدائي جدا من التخاطر تم اعتمادا على أجهزة، مثل تلك الخاصة بشركة "نيورالينك"، تُسجِّل الموجات الدماغية.

 

وفي عام 2008 تمكّن فريق بحثي آخر من استخدام الموجات الدماغية لدفع قرد تجارب إلى تحريك(5) طرف صناعي روبوتي، التجربة التي تمت على البشر(6) في عام 2012، وتمكّن المتطوعون بالفعل، فقط عبر التركيز على تحريك طرف صناعي روبوتي، من تحريكه حقا، سبب نجاح كل تلك التجارب هو أن موجات الدماغ على تعقيدها تخلق أنماطا يمكن فهمها، ويستخدمها الباحثون بالفعل في محاولات واعدة لعلاج مرضى الشلل تحديدا وإصابات الجهاز العصبي في العموم.

 

بالتالي، فإن ما عرضه إيلون ماسك لم يكن جديدا، بل هو خطوة في طريق تطور تكنولوجي بدأ منذ السبعينيات من القرن الفائت يحاول الربط بين الدماغ والآلة، سواء في اتجاه واحد أو اتجاهين، يُسمى بواجهة الدماغ والحاسوب(7) (Brain-Computer Interface)‏، وله نوعان، الأول -مثل حالة جامعة واشنطن- يتم بدون تدخُّل جراحي، فقط تُجمع البيانات من الدماغ عبر حساسات خارجية، والثاني -مثل حالة شريحة إيلون ماسك- تلزمه عملية جراحية للتواصل مع الدماغ، لكن هل قدّم إيلون ماسك شيئا جديدا؟

 

كان إعلان ماسك مقتضبا في الحقيقة بحيث لم يكن الأمر واضحا، ويرى بعض المتخصصين في هذا النطاق أن ما قدّمه ليس بجديد(8،9)، فقد بدأت شركته قبل عام واحد وتمكّنت من نشر ورقة بحثية واحدة(10)، في دورية "جورنال أوف ميديكال إنترنت ريسيرش"، وصفت تطور الجهاز الذي يتمكّن من إجراء الجراحة، وهو محطة مهمة في هذه التكنولوجيا، إلى جانب ذلك تحدّثت الورقة عن أول إنجاز للشركة وهو نجاح التجارب على الفئران، حيث تمكّن باحثو الشركة من إدخال 3000 قطب كهربي إلى أدمغة أحدها وتلقي إشارات دماغية، كان التواصل سلكيا، أما الآن فشريحة "نيورالينك" لا سلكية.

 

من جهة أخرى فإن الأخبار الواردة من الشركة لا تُنبئ بالخير، فقبل أسبوع أو أكثر تقدّم(11) خمسة موظفين في الشركة بالاستقالة واصفين ما يحدث داخلها بأنه "ثقافة داخلية فوضوية"، وأن البيئة هناك بها ضغط شديد وجداول زمنية متسارعة بشكل غير مناسب للتطورات البحثية في هذا النطاق، الضغط الذي أدّى إلى فشل عدد كبير من التجارب على الحيوانات، لأن الشركة قفزت من التجارب على القوارض إلى التجارب على الرئيسيات بشكل غير صحيح.

 

قد يكون ذلك صحيحا، فمن المعروف أن إيلون ماسك هو رائد أعمال صلب، يضغط بقوة على موظفيه لإتمام العمل في أسرع وقت ممكن، ولا يتقبل أي تنازل عن معاييره الاستثنائية في بيئة العمل، وينطبق ذلك على أعلى مهندس وأصغر عامل، سترى على منصات التواصل الاجتماعي قواعد تسويقية شهيرة تقول إن إيلون ماسك لا يؤمن بالاجتماعات، وإنه يهتم بالإنتاج على حساب عدد ساعات العمل فتشعر بالسعادة، لكنك ستسمع في الأخبار -من حين لاخر(12)- عن عمال أتموا أكثر من 100 ساعة عمل أسبوعيا دون عطلات ما تسبّب في مرضهم، ماسك نفسه كثيرا ما يتحدث عن 80 ساعة عمل أسبوعيا كونه شيئا طبيعيا.

 

على الرغم من ذلك، فإن إيلون ماسك في إعلانه تحدث بثقة عن أحلام مستقبلية عجيبة في هذا التخصص، وهي ليست أكثر من مجرد أحلام في الحقيقة، لكن لفهم سبب اهتمام ماسك الشديد بالحديث عن هذه الأحلام دعنا نرجع إلى عام 2001، حينما أعلن إيلون ماسك عن مشاركته في مشروع "واحة المريخ"(13)، ويقصد هنا أن تقوم وكالات فضاء أرضية بإرسال نباتات إلى المريخ داخل غرفة مغلقة كبداية لمشروع تعمير المريخ.

 

هذا المشروع -كما تلاحظ- أقرب ما يكون للخيال الإبداعي منه إلى خطة عمل، لكنه بالنسبة لماسك لم يكن كذلك فقط، بل كان وسيلة لجذب انتباه الناس لعالم الفضاء مرة أخرى، فبعد الحرب الباردة بدأ الاهتمام الجماهيري بهذا النطاق ينخفض شيئا فشيئا حتى وصلنا إلى نقطة حيث لم يعد هناك أي اهتمام جماهيري بالأمر، هنا يظهر رائد الأعمال الذكي ماسك الذي يعرف جيدا أن اهتمام الجمهور هو نصف الصفقة. في كل مرة يخرج إيلون ماسك بفكرة جديدة يركز على أن يُثير انتباه الجمهور لما يفعل، وهو يعلم جيدا أن خلق "الترند" له ثمن باهظ جدا.

 

حديث ماسك عن مستقبل البشر مع هذا النوع من التكنولوجيا شبيه بحديثه عن واحة المريخ قبل 20 سنة، وهي أحلام لم تتحقق بعد، ولم نبدأ حتى في طريق تحقيقها، لكن دعنا نوضح فكرة مهمة يُخطئ الكثيرون في فهمها، حيث يتعاملون مع إيلون ماسك على أنه عالِم، إلا أنه بالأساس -رغم نهمه بالعلوم- رائد أعمال، أشبه ما يكون بهنري فورد، حيث لم تكن وظيفة الأخير خلق تكنولوجيا جديدة للسيارات من الصفر، بل العمل على إعادة النظر إلى ما هو موجود بالفعل.

 

سؤال فورد لم يكن: كيف نبتكر تكنولوجيا جديدة؟ بل كان: كيف يمكن أن نُعدِّل هذه التكنولوجيا الموجودة بالفعل بحيث تصبح أصغر وأرخص وعملية أكثر؟ كيف يمكن أن نجعل من تلك الأدوات التي تُستخدم بالأساس في نطاق الطب إلى درجة من الرفاهية يطلبها الأطفال في عمر المراهقة من أبويهم؟ هذه الفلسفة البسيطة (اجعلها أرخص) هي السبب في نجاح شركات ايلون ماسك إلى الآن، لكن هل سيتمكّن من المُضي قُدما في هذا النجاح؟

 

ربما يحدث ذلك، لقد نجح إيلون ماسك من قبل في مشروعات أخرى مهمة مثل تسلا وسبيس إكس، لكن دعنا نضع في اعتبارنا أن النطاق البحثي الخاص بعلوم الدماغ لا يشبه ذلك الخاص بهندسة الصواريخ أو السيارات أو الهواتف الذكية، لأنه مجال مليء بالتحديات الغاية في الخصوصية، وهناك تجربة مهمة في هذا التخصص وهي محاولات إليزابث هولمز، الفتاة التي تركت، في العام 2003، دراسة الهندسة الكيميائية في جامعة ستانفورد لتؤسس شركتها في وادي السيليكون، واعتمدت على نمط عمل شبيه بشركات التقنية مثل "أبل"، لكن نطاق العلوم الطبية لم يسمح بهذا النمط المتسارع في الإنجاز، قليل النشر العلمي، وخسرت سريعا، مع فضيحة مدوية. (راجع تقرير سابق للكاتب بعنوان "حسناء وادي السليكون: كيف أخضعت أباطرة المال والأعمال؟")(14).

 

يعرف الباحثون في هذا النطاق الذي يحاول الربط بين الدماغ والآلة أن هناك بالفعل تحديات كبيرة في طريقهم، لكن رغم ذلك فإن الإنجازات الأخيرة لهم تُشير إلى مستقبل يبدو واعدا في النطاق الطبي، ومثل إيلون ماسك يعتقد بعض علماء الأعصاب، منهم ديفيد إيجلمان عالم الأعصاب الأميركي في جامعة ستانفورد(15) مثلا، أنه سيأتي يوم نتمكّن فيه من إضافة قدرات خارقة إلى أجسامنا، مثل حِدّة البصر، وربما أيضا نتمكّن من رصد مناطق من الطيف الكهرومغناطيسي لا تستطيع أدواتنا الحسية إدراكها.

 

لكننا لا نعرف متى يمكن أن يحدث ذلك، ولا يمتلك أيٌّ من الباحثين في هذا النطاق -بمَن فيهم باحثو إيلون ماسك- أية أدوات ليبدؤوا بها خط سير واضحا، بمعنى أنها ليست أكثر من مجرد تخمينات عن مستقبل ممكن بالفعل.

 

بينما نتحدّث، فإن الميزة الأساسية لشريحة إيلون ماسك هي أنها صغيرة جدا لدرجة أن أي أحد سيضعها في جمجمته ولن تعرف ذلك بينما يتحدث معك، كذلك فإنها سهلة الشحن وتتبادل البيانات مع القطعة الخارجية بسلاسة وسرعة. إلا أن هذا ليس أكثر من مجرد استعراض لمنتج مُمكن، أي إنه لا يصلح بعد للاستخدام، ولا يمتلك أيًّا من التقنيات التي وعد ماسك بها، إنه ليس أكثر من آلة لقياس الموجات الدماغية مثل أجهزة تخطيط كهرباء المخ (EEG) التي نعرفها، الزمن وحده كفيل بكشف مستقبل بقية أحلام ماسك، لكن مع جدوله الزمني الضيق جدا، فإننا لا شك سنعرف قريبا.

_____________________________________________________________

المصادر

  1. Elon Musk unveils Neuralink’s plans for brain-reading ‘threads’ and a robot to insert them
  2. Cochlear Implant Surgery
  3. Life in a New Light
  4. BRIDGING BRAINS
  5. Monkeys move robotic arm using brain power
  6. Paralyzed Woman Controls Robotic Arm With Her Mind
  7. How Brain-computer Interfaces Work
  8. Elon Musk’s AI brain chip company Neuralink is doing its first live tech demo on Friday. Here’s what we know so far about the wild science behind it.
  9. What’s new and what isn’t about Elon Musk’s brain-computer interface
  10. An Integrated Brain-Machine Interface Platform With Thousands of Channels
  11. Elon Musk shows Neuralink brain implant working in a pig
  12. Tesla and Elon Musk – the future of electric cars
  13. SpaceX Was Born Because Elon Musk Wanted to Grow Plants on Mars
  14. حسناء وادي السليكون: كيف خضعت أباطرة المال والأعمال؟")
  15. Can we create new senses for humans? 

حول هذه القصة

نحن لا نعرف بعد إن كان الهيدروكسيكلوروكين مفيدا أم لا بعلاج الحالات المتقدمة من “كوفيد-19″، لكن المشكلة أن إجابة هذا السؤال تأخرت كثيرا بسبب بلبلة سياسية حول الأمر وضعت باحثي العالم أجمع بمنطقة الشك.

لم يحدث أن كانت الصحة النفسية للأطفال الأميركيين أسوأ حالا مما هي عليه اليوم، كما أن معدلات الانتحار والوفاة جراء الجرعات المفرطة في ارتفاع.. ما الخطب؟ ولماذا تفشل العلاجات العصرية؟

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة