"كورونا" والشركات التقنية.. أين الاختراعات التي ستنقذ العالم؟

ميدان – "كورونا" والشركات التقنية.. كيف أسقط الوباء أقنعة الابتكارات؟
اضغط للاستماع

    

وفقا للبيانات الصحفيّة ومقاطع الفيديو التي نشرتها الشركات التقنية خلال الأعوام الخمسة الأخيرة، كان من المُفترض أن تكون حياة الإنسان في عشرينيات الألفيّة الجديدة عبارة عن سيّارات ذاتية القيادة، وأُخرى طائرة للهرب من الازدحام(1)، مع مُساعدات رقميّة بالأوامر الصوتيّة، وأُخرى قادرة على قراءة أفكار الإنسان لتنفيذ رغباته، ناهيك بتقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلّم الذاتي التي أحدثت -على حد قولهم- "طفرات لا حصر لها في المجال الطبّي"، لكننا اليوم مع جائحة الكورونا نجد أنفسنا اليوم مُجبرين على عدم الخروج من المنازل بسبب وباء وصل لشهره الرابع مع اختفاء شبه كامل لتلك "الطفرات" التكنولوجية.(2)

  

خيال بريشة تقنية

في أبريل/نيسان من عام 2017، استعرض "مارك زوكربيرغ" (Mark Zuckerberg) في مؤتمر فيسبوك للمُطوّرين أحدث التقنيات التي نجحت الشركة في تطويرها، مُسلِّطا الضوء وقتها على تقنية جديدة تُتيح قراءة أفكار المُستخدم عن طريق خوذة تُوضع على الرأس فقط، فاتحا بذلك المجال أمام وسيلة إدخال جديدة للتحكّم بالحواسب عبر التفكير فقط.

  

كانت، ولا تزال بنسبة كبيرة، تلك التقنية قيد التطوير، لكنها من الناحية النظرية قادرة على إحداث تغيير لا مثيل له خصوصا بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من صعوبات في النطق أو الحركة، فقراءة أفكار المُستخدم حتى دون زرع أي شرائح إلكترونية في رأسه لم يسبق أن وصل إليه أي مُختبر طبّي على وجه الكُرة الأرضيّة، إلا أن مُهندسي فيسبوك قاموا بذلك.

    

في المبنى رقم 8 (Building 8) الخاص بالأبحاث والتطوير داخل مقرّات فيسبوك، كان هناك فريق آخر يعمل على إحداث طفرة تقنية أُخرى لنقل الصوت عن طريق الجلد بعدما نجح الباحثون هناك في مُحاكاة وظيفة قوقعة الأذن، وهو مشروع آخر لم تُسمع تطوّراته حتى اليوم(3).

    

  

غوغل في المُقابل لم تترك بابا دون طرقه، فهي تعمل على تطوير تقنيات للقيادة الذاتيّة، وأُخرى للمُساعدات الرقمية والذكاء الاصطناعي، دون نسيان خوارزميات التعلّم الذاتي للآلة التي أصبحت في آخر طفراتها العلميّة قادرة على قراءة صور الأشعّة السينيّة (X-Ray) واكتشاف وجود الأورام الخبيثة بنسبة فشل لا تتجاوز 11٪ تقريبا، وهي التي تصل عند الإنسان إلى 20٪ أو أكثر(4).

  

يُمكن الاستمرار في طرح الطفرات التقنية التي وصلت الشركات إليها والتي تختلف في المجالات وتتوافق تقريبا في بند واحد: جمع أكبر قدر مُمكن من بيانات المُستخدمين لتحسين جودة الخدمات وتطويرها لتعليم الآلة بسرعة أكبر. 

  

مُستخدمو خرائط غوغل أو آبل تُجمَع بيانات حركتهم لتغذية الخوارزميات التي ستقوم فيما بعد بتوقّع حالة الازدحام واقتراح طُرق أسرع للوصول للهدف. أما مُستخدمو الشبكات الاجتماعية فإن صورهم تُقدَّم لخوارزميات التعلّم الذاتي للتعرّف على محتويات الصور بسرعة أكبر، والأمر ينطبق أيضا على مقاطع الفيديو. ولا يجب أن ننسى عمليات البحث التي تُخزَّن، وحركة المُستخدم على شبكة الإنترنت التي تقوم الآلة بتتبّعها من أجل تقديم إعلانات أفضل. وقائمة إباحة تلك المُمارسات، تحت حجج مُختلفة، أيضا تطول(5).

   

كواليس الأبحاث العلميّة

سبق أن تحدّث كثير من الخُبراء عن مخاطر مثل تلك المُمارسات، أي جمع بيانات المُستخدمين، ففي وقت ما قد تُصبح الآلة فيه قادرة على تمييز كل شخص على حِدَة، باسمه وبأفراد عائلته، بعلاقاته السابقة والحالية، بتفضيلاته الشخصيّة ونشاطاته اليوميّة، بتغيّر هيئته وشكله خلال أشهر السنة وبنشاط أجهزته الحيويّة أيضا. ولا مشكلات في ذلك طالما أنها في النهاية ستؤدّي إلى تقنيات تجعل حياة المُستخدمين أسهل وأسهل.

      

عندما تُحقّق طفرة تقنية في صراع حاسب ضد إنسان، فإن الأمر غير عادل، لأن عقل الإنسان له أبعاد وحدود تختلف تماما عن أبعاد وحدود تلك الموجودة عند الآلة
   

لكنّ أمرا مثل هذا زواياه مُختلفة، إحداها هي تطوير التقنيات، تُقابلها واحدة أُخرى تكشف جانبا ينطبق على جزء من -وليس كل- "الطفرات" التي تتحدّث الشركات عنها. وبالعودة لخوارزميات غوغل القادرة على الكشف عن السرطان بنسبة نجاح أكبر، فإن ما قامت بها بالأساس هو تحسين لشيء موجود أصلا، وهنا نحتاج إلى التعمّق قليلا بدراسة غوغل واختباراتها أيضا.

  

بحسب نتائج دراسة غوغل الأخيرة الخاصّة بالكشف عن سرطان الثدي، فإن الآلة تتفوّق على الأطباء المُختصّين في مجال الأشعّة السينيّة غير المُدرّبين أساسا على دراسة سرطان الثدي. ومن جهة أُخرى، فإن هذه المُمارسة الطبيّة هي جزء بسيط فقط من عملية الكشف المُبكّر عن الورم، لأن صور الأشعّة السينية ستُظهِر بنسبة كبيرة وجود أورام مُختلفة، حميدة بسوادها الأعظم، لكن الأطبّاء يلجؤون إلى علاجها بشكل أو بآخر لإغلاق باب الفرضيات والاحتمالات، إلا أن جدوى استخدام الأشعّة السينيّة في علاج سرطان الثدي هو جدال دائر بين الأطباء حتى اللحظة(6)(11).

    

هناك زاوية أُخرى للأمر بُرمّته، فتحقيق طفرة تقنية في مجال ما أمر مطلوب، لأنه يدل على وجود تقدّم علمي وجهد يُبذل وأبحاث، وأي نتيجة جديدة هي معركة في حرب الإنسان ضد الأورام الخبيثة. أما جهود غوغل التي وُضِعت في مجال لا يستند إلى أساس طبّي صحيح 100% أولا، والنسبة المتواضعة التي نجحت تلك الخوارزميات في خفضها ثانيا، فهي أيضا زاوية أُخرى يجب أن تُؤخذ بعين الاعتبار، وهي زاوية لا يُمكن الخوض فيها مثلا عند الحديث عن تقنية فيسبوك في نقل الصوت عن طريق الجلد لأنها فعلا طفرة تقنية لم يسبق أن وُجِدت، وحدثت في مجال شبه خالٍ.

    

  

كورونا والقناع التقني

يكاد يكون دور الشركات التقنية اليوم، مع تفشّي وباء كورونا في بُقاع الأرض كافة، شبه مُعدوم، فباستثناء بعض المُبادرات كتوفير الخدمات والدورات والموارد مجانا، لم تخرج أي شركة تقنية من الشركات التي تغنّت سابقا بطفراتها في المجال الطبّي للحديث عن كورونا بشكل علمي ودقيق، مُكتفين -حتى الآن- بلعب دور الصامت، الأمر الذي يُعيدنا من جديد للزوايا آنفة الذكر.

  

ليس الهدف مما سبق التقليل أبدا من حجم الجهود المبذولة التي إن تواضعت اليوم فإنها قد تكون حجرا في أساس صرح طبّي عظيم في المُستقبل، لكن التغنّي الزائد و"البروباغندا" الإعلامية جعلت تلك الشركات تبدو وكأنها المصباح السحري لمشكلات البشريّة، دافعة المُستخدمين لقبول المُمارسات الخاطئة الواحدة تلو الأُخرى، وهذا في سبيل أنها شركات تمتلك من الموارد ما يكفي لبناء سفينة نوح العصر الحديث.

  

رفعت الشركات التقنية بنفسها سقف توقّعات البشر، فهي مَن نصّبت نفسها في تلك المرتبة العالية ورسمت في خيال المُستخدمين صورة ورديّة لها على هيئة كيان لا يُمكن التخلّي عنه بأي شكل من الأشكال، في وقت كان الأجدر لها فيه الخوض في أبحاث لتطوير خوارزميات قادرة على فهم سلوك أي "فيروس" جديد يظهر ويُطوّر نفسه عبر تطوير خوارزمية لمُحاكاة الطفرات التي حدثت على بعض الجراثيم خلال العقود الزمنية الأخيرة، وأُخرى للتصدّي لتلك الجراثيم، تماما مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي طوّرتها غوغل في لعبة الشطرنج التي تفوّقت على الإنسان أولا، قبل أن تُصبح خوارزميات تتصارع فيما بينها للتفوّق على نفسها(7).

    

  

عندما تُحقّق طفرة تقنية في صراع حاسب ضد إنسان، فإن الأمر غير عادل، لأن عقل الإنسان له أبعاد وحدود تختلف تماما عن أبعاد وحدود تلك الموجودة عند الآلة. وعند التغنّي بتفوّق خوارزمية في لعبة "غو" (Go) على بطل العالم، فإن الأمر فيه نوع من المُبالغة، لأن سرعة ومجال حساب الفرضيات والاحتمالات عند الإنسان مُختلفة عن تلك الموجودة في الآلة التي تعمل بأحدث المعالجات وبذواكر عالية جدا، فالأفضل هنا أن يتم إيجاد مُعالج وذواكر تُحاكي سرعة عقل الإنسان وقدرة استيعابه لاستخدامها في تلك الحواسب المسؤولة عن تشغيل خوارزمية "غو" ضد بطل العالم، وهنا يُمكن مثلا الحصول على نتيجة أكثر منطقيّة وعقلانيّة.

  

عندما وضعت فيسبوك خوارزمياتها الذكيّة داخل تطبيق "مسنجر" وأتاحت لها إجراء حوارات فيما بينها، طوّرت تلك الخوارزميات لغتها الخاصّة لأن لغة الإنسان لا تُناسبها بناء على قدرة استيعابها وسرعة مُعالجتها(8)، والأمر نفسه يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار مُستقبلا عندما تتحدّث الشركات التقنية عن تلك القفزات الهائلة في مجال ما، فهي تحتاج إلى أن تُوضَع في مجالها الصحيح مع استخدام المُصطلحات المُلائمة لتأخذ حجمها الحقيقي بعيدا عن المُبالغات التي لا فائدة منها، مُبالغات أسقطت قناع السطوة التقنية التي عجزت عن فهم "فيروس" وسلوكه، عجزت عن الحد من نشاطه بصورة فعّالة دافعة الحكومات لفرض حظر تجوال كأفضل جهد يُمكن القيام به في 2020، ليصدق بذلك "بيل غيتس" (Bill Gates)، مؤسّس مايكروسوفت، الذي قال في 2015 إن العالم غير جاهز لمواجهة أي وباء(9)، ويصدق سجال "إيلون موسك" (Elon Musk) و"جاك ما" (Jack Ma)، مؤسّس "علي بابا"، الذي جرى قبل أشهر قليلة والذي اختلف فيه الاثنان حول قوّة الذكاء الاصطناعي وخطورته على البشريّة(10).

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة