كيف تساعد شركات التقنية في تقديم مجرمي الحرب إلى العدالة؟

نشرت مجلة "فورين أفيرز" هذا التقرير الذي أعدّته الكاتبة المدافعة عن حقوق الإنسان أليكسا كونيغ، وتستعرض فيه الدور الذي يجب أن تلعبه شركات التقنية الكبيرة، وخصوصا تلك المَعنية بمواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب، في تقديم مجرمي الحرب إلى العدالة، وتستدل على ذلك بأمثلة من ليبيا وسوريا اتُّخِذَت فيها خطوات فعلية لتقديم مرتكبي جرائم حرب إلى العدالة الدولية، وتقترح الكاتبة نظاما رقميا فريدا لتوثيق مثل هذه الجرائم التي تتضمّن القتل الجماعي وغيرها من الفظائع.

 

يبدأ مقطع الفيديو على نحو غير مؤذٍ؛ جندي يرتدي بنطالا مُموَّها وقميصا أسود يتحدث إلى رجال معظمهم خارج كادر التصوير، ويلوّح بيده اليمنى بين كلمة وأخرى. يتدلّى مسدس من يده اليسرى، وخلفه رجل آخر يجثو على ركبتيه ويداه فوق رأسه. لكن بعد دقيقة من بداية هذا المقطع يدور الضابط ذو القميص الأسود فجأة ويُطلِق الرصاص، فينهار الشخص الجاثي على ركبتيه إلى الأمام، بينما يتحرك الضابط باتجاهه في خطوات واسعة ويُطلِق الرصاص على هذا السجين مرتين أخريين في رأسه.

 

بعد أكثر من ثلاث سنوات لاحقة، تُصبح هذه المادة المُصوَّرة دليلا محوريا في قضية جديدة تنظرها المحكمة الجنائية الدولية. أصدر المدّعون العامون في لاهاي مذكرة توقيف بحق الرجل ذي القميص الأسود، وهو قائد المليشيا الليبي محمود الورفلي، بعد انتشار مقاطع مرئية في أنحاء الإنترنت تُوثِّق دوره في قتل 33 شخصا. يعتمد هذا الدليل ضد الورفلي بشكل أساسي، وبعكس كل الأدلة التي قُدِّمت من قبل في أيٍّ من قضايا المحكمة في تاريخها، على توثيق مواقع التواصل الاجتماعي. بدون هذه الفيديوهات لم تكن لِتُوجَد لدى الادّعاء العام أي قضية بالأساس.

محمود الورفلي

رغم أن فيديوهات الورفلي تصدّرت عناوين الصحف فإنها ليست فريدة من نوعها، فالدليل في أفظع جرائم العالم، بما فيها القتل الجماعي والتعذيب وتدمير ممتلكات الإرث الثقافي، يُذاع مباشرة لحظة بلحظة على منصات مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب. من المفهوم أن هذه الشركات غالبا ما تحذف المحتوى الصارخ عن الجمهور، لكنّ نشطاء حقوق الإنسان والصحافيين خاضوا جدالا طويلا حول تدمير مثل هذه الأدلة، مما يُقوِّض الملاحقات القضائية مستقبلا ويحرم الضحايا من العدالة التي يستحقونها.

 

والنتيجة هي أن شركات التواصل الاجتماعي تواجه معضلة؛ إذ إن عليهم الحيلولة دون تحوُّل منصاتهم إلى أبواق تنشر المحتوى المؤذي، لكنها تحتاج أيضا إلى الحفاظ على إمكانية الوصول إلى دليل على الأعمال الوحشية الجماعية. الحل القابل للتطبيق هو كما أُطلِق عليه "خزائن الأدلة"، وهي مستودعات مستقلة لأدلة محتملة موجودة على منصات التواصل الاجتماعي، تُديرها جهات خارجية غير ربحية، أو شركات التواصل الاجتماعي ذاتها. توجد أرشيفات مماثلة بالفعل في مجالات قانونية أخرى، لكن شركات التقنية، ومعها منظمات حقوق الإنسان، تحتاج إلى البناء على هذا النموذج المُجرَّب لإنشاء مخزن متخصص في توثيق جرائم الحرب.

 

إن فكرة خزائن الأدلة ليست جديدة، فهناك أرشيفات وُجِدت لحفظ الأدلة في عدد من الأنشطة الإجرامية، بما فيها الإرهاب والمواد الإباحية للأطفال وتهريب الآثار، التي تُصنِّف المواد ذات القيمة الإثباتية أو التاريخية أو البحثية، لكن شركات التواصل الاجتماعي أو المستخدم الذي رفعها قد يحذفها عن أنظار الجمهور. تتنوّع الخزائن الموجودة بحسب مالك المحتوى والطرف الذي يعرضها (شركات التواصل الاجتماعي أو أطراف خارجية)، وبحسب ما إذا كانت الشركات مُخوَّلة قانونا بحفظ المحتوى، ومَن لديه إمكانية الوصول إلى الأرشيف.

عند تصميم خزائن لأدلة جرائم الحرب، فإن ما يتصدَّر الأولويات يجب أن يكون إتاحة تخزين المحتوى لفترات زمنية طويلة، آخذين في الاعتبار أنه غالبا ما تكون هناك فترة زمنية طويلة فاصلة بين ارتكاب الأعمال الوحشية وبين بداية التحقيقات القانونية. انطلاقا من أن الأدلة غالبا ما تكون شديدة الحساسية، فإن الخزائن تحتاج أيضا إلى أن تتضمن حماية واضحة ومتسقة فيما يخص الأطراف التي يمكنها الوصول إلى المعلومات المخزنة والاطلاع عليها. يجب أيضا أن تأخذ عملية تصميم هذه الأنظمة لأرشفة المحتوى في الاعتبار طريقة لمنع الخزانات من أن تعكس النماذج الاستعمارية القديمة، إذ كانت المؤسسات تُعبِّر عن مصالح الداعمين الغرب وتفضيلاتهم على حساب الدول الأخرى.

 

منتقدو المحكمة الجنائية الدولية، مثلا، غالبا ما يستشهدون بتركيزها المحصور على الجرائم التي تُرتكب في أفريقيا. ولِتجنُّب مثل هذا الانحياز، فخزائن الأدلة المرتقبة تحتاج إلى حفظ المحتوى بغض النظر عن السياسة والجغرافيا. وفي الحالة المثالية، فإن القوانين هي التي ستحمي البيانات المُتضمَّنة عن طريق وضع معيار قياسي يُحدِّد أي محتوى سيُحفَظ، بالإضافة إلى حل الأمور المتعلقة بإمكانية الوصول والخصوصية وحقوق الملكية الفكرية واعتبارات الأمن القومي.

 

ومن أجل توديع الممارسات السابقة، فإن خزائن الأدلة يجب أن تعطي مجموعات حقوق الإنسان والمنظمات الدولية الرأي فيما يُحفَظ، فعادة تُقرِّر الحكومات والشركات هذه المسائل، مثلا، ليس لدى المحكمة الجنائية الدولية ولا هيئات الأمم المتحدة الموجودة، التي تُوثِّق الأعمال الوحشية في سوريا وميانمار، سلطة واضحة حاليا لمطالبة هذه الشركات بحفظ الأدلة.

 

هذا الوضع يجب أن يتغير، فجرائم الحرب لا نظير لها في تلك الحكومات التي غالبا ما تكون مُتورِّطة في العنف، وبالتالي هي لا تستطيع أو لا تريد أن تُعرِّض نفسها للمحاسبة. وبإفساح المجال للمؤسسات الإنسانية وحقوق الإنسان للمطالبة بحفظ الأدلة حتى يتسنّى لمحاكم أو لجهات فاعلة قانونية أخرى فرصة للتدخُّل، فإن شركات التواصل الاجتماعي يمكنها أن تضمن أن هذه المواد المهمة محمية من التدمير.

 

في ظل غياب قانون من الكونغرس يُلزِم شركات التواصل الاجتماعي بتدشين خزائن أدلة، فما السبب الذي يجعل شركات مثل فيسبوك وتويتر تقوم بذلك؟ من المُرجَّح أنه من السهل عليها حذف المحتوى ببساطة وتجنُّب البيروقراطية المعقدة لجهات إنفاذ القانون ومنظمات حقوق الإنسان والمحاكم الدولية.

 

تُقدِّم الأعراف الدولية إجابة واحدة، فبحسب مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان، فإن شركات التواصل الاجتماعي يُنتظَر منها أن تحمي حقوق الإنسان، وتتجنّب الممارسات التي تتسبّب في الإساءات أو تساهم فيها، وأن تمنع أو تُخفِّف من انتهاك هذه الأعراف المرتبطة بعملياتهم. يمكن القول إن حفظ محتوى من مواقع التواصل الاجتماعي ومشاركة تلك البيانات مع السلطات المختصة يقع ضمن هذه المبادئ التوجيهية. واقعيا، هناك العديد من شركات التقنية الكبيرة -بما فيها مايكروسوفت وفيسبوك- أعربوا عن دعمهم لهذه المبادئ، مُعلنين عن خطوات نحو اتساق أفضل لممارساتهم معها.

 

الشركات لها أيضا حوافز مادية تتقاسمها، هناك مُشرِّعون ومُعلنون وموظفو شركات ومستخدمون ضغطوا على شركات لتحسين دعمهم للحقوق الإنسانية والمدنية، فمثلا أطلقت مجموعات مَعنية بالحقوق المدنية مؤخرا حملة تحت وسم #StopHateForProfit (أوقفوا الكراهية من أجل التربح) للضغط على فيسبوك لوضع إشارة على خطاب الكراهية والمعلومات المضللة على منصتها، كما احتج موظفو غوغل على تدخُّل الشركة في مشروع "مافن"، وهو مبادرة منشؤها البنتاغون دورها إدخال تحسينات على استخدام الذكاء الاصطناعي في عدد من الأغراض العسكرية بما فيها غارات الطائرات بدون طيار، وانسحبت غوغل في النهاية من المشروع. إن تهديدات مثل تطبيق اللوائح، وخسارة عائد الإعلانات، وتدمير الروح المعنوية لموظفي الشركة، بالإضافة إلى السمعة السيئة، هي بمنزلة حوافز قوية للشركات لتحسين سجلاتها في تقديم مجرمي الحرب للمحاسبة.

بدأت كثير من الشركات بالفعل، من أجل مصلحتها، في الانخراط مع منظمات حقوق الإنسان لبحث احتمالية تدشين خزائن أدلة على جرائم الحرب. نشرت شركات التواصل الاجتماعي بتشجيع من باحثين في حقوق الإنسان فكرة المساهمة ببيانات لخزانة مستقلة أو ببساطة الاحتفاظ بالمعلومات للشركة. على الأقل، فإن كثيرا من هذه الشركات تُدرِك أن لديها إلزاما أخلاقيا، وقانونا في بعض الأحيان، لحماية الجمهور من المحتوى المؤذي، بينما تضمن أن هذه المعلومات المهمة تبقى متاحة لجهود العدالة الدولية.

 

ومع ذلك فالتحديات لا تزال موجودة، أحدها هو التعرُّف على المحتوى الذي يستحق الاحتفاظ به. فعلى غرار "الإرهاب" و"خطاب الكراهية"، فإن "جريمة حرب" يمكن أن يكون مصطلحا مطاطا على نحو غير مستحب، وهذا ما يجعل من الصعب كشف المحتوى ذي الصلة آليا، فالخوارزميات لا تُبلي بلاء حسنا مع المصطلحات الغامضة. ما زال بإمكان النشطاء والشركات حل تلك المشكلة بالنظر إلى جهود سابقة حاربت الممارسات غير القانونية، إذ يمكن للشركات على سبيل المثال الاعتماد على تعريفات استُخدِمت من قِبَل أجهزة رسمية مثل مكتب مُفوِّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، أو التركيز بداية على قضايا إساءة واضحة، مثل القتل الجماعي أو استخدام الأسلحة الكيميائية، وهو ما يصلح على نحو جيد للاكتشاف من قِبَل كلٍّ من المراقبين البشر والآليين.

 

وثمة تحدٍّ آخر وهو التوصُّل إلى كيفية إتاحة المحتوى للمحققين في جرائم الحرب مع الحفاظ على خصوصية المستخدمين الذين نشروا البيانات، وأيضا خصوصية مَن يظهرون في المحتوى، وهو تخوُّف قانوني وأخلاقي في آنٍ واحد، فإحدى الطرق لمعالجة مسائل الخصوصية هذه هي سلوك الطريق الآمن بحفظ البيانات، لكن بعدها يتحدّد مَن يمكنه الوصول إليها وتحت أي شروط.

 

في مطلع ديسمبر/كانون الأول المقبل، سيُطلِق مكتب مُفوِّض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان بالشراكة مع مركز حقوق الإنسان التابع لكلية الحقوق في جامعة كاليفورنيا بيركلي بروتوكول بيركلي للتحقيقات الرقمية مفتوحة المصدر.

 

يعكس البروتوكول، وهو جزء من الجهد العالمي لوضع معايير لاستخدام المحتوى الافتراضي في القضايا الجنائية الدولية، إدراكا متناميا بأن المعلومات الافتراضية لها القدرة على تشديد المحاسبة على انتهاكات حقوق الإنسان حول العالم. قضية الورفلي هي مجرد مثال واحد، ففي 5 أكتوبر/تشرين الأول الماضي رفعت مجموعات مَعنية بحقوق الإنسان قضية تاريخية في ألمانيا تتهم نظام بشار الأسد في سوريا بارتكاب جرائم حرب، واعتمدت مرافعتهم على كلٍّ من الأدلة التقليدية ومعلومات مصدرها مواقع التواصل الاجتماعي. العديد من القضايا الأخرى التي تنظرها حاليا المحاكم الأوروبية تعتمد على خليط مشابه من الأدلة.

 

حالما تصبح الأدلة التي جُمِعت من مواقع التواصل الاجتماعي أوسع استخداما في قضايا جرائم الحرب، فإن الشركات ومنظمات حقوق الإنسان يتعيّن عليهم ابتكار نظام رصين لحفظ المحتوى الذي لا بديل له، فبدون نظام مثل هذا فإنه حتى الأعمال الجماعية الوحشية التي تُوثِّق لحظة بلحظة على مواقع التواصل الاجتماعي مُعرَّضة لخطر إفلات مرتكبيها من العقاب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذا التقرير مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.


حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة