نهاية مجتمع العمل.. ماذا ستفعل البشرية في مستقبل لا وظائف فيه؟

عندما انتُخِب جون كينيدي في عام 1960 رئيسا للولايات المتحدة الأميركية، وحتى قبل انتخابه، كان أحد وعوده الانتخابية هو أن يناقش "البطالة التكنولوجية". بدأت إحدى المقالات التي ناقشت الموضوع آنئذٍ بالتالي: "حثَّ أحد الاقتصاديين البارزين في مجال الأعمال اليوم الرئيس المنتخب كينيدي على عقد مؤتمر بشأن البطالة الناجمة عن التغيير التكنولوجي والأتمتة بمجرد استقراره في البيت الأبيض"، ثم في عام 1961 نشرت مجلة التايم مقالة بدأت بـ: "أثار ارتفاع معدل البطالة بعض البلبلة حول كلمة مرعبة قديمة: الأتمتة. ما مدى مساهمة الانتشار السريع للتغير التكنولوجي في الارتفاع الحالي البالغ 5،400،000 عاطل عن العمل؟"(1)، ومن هنا بدأت الهيستيريا.

 

كان كل تحديث أو اختراع جديد بمنزلة رش الكولونيا على جرح الخائفين من الروبوتات. عندما اختُرِعت شرائح الحاسوب لأول مرة عام 1978، قام رئيس الوزراء البريطاني جيمس كالاهان(2) بتشكيل نخبة للبحث في أمر "الرقاقات المُعدِمة للوظائف"، وبحلول 1980 كانت دائرة الخوف من الحاسوب قد اكتملت، حيث بدأت النيويورك تايمز العقد بمقال عنوانه: "الروبوت يسعى للحصول على وظيفتك!".

مقال عنوانه: الروبوت يسعى للحصول على وظيفتك!

واستمرَّ الهلع في التسعينيات حتى ظهور الإنترنت، الأمر الذي بدوره قد أصاب العديد بالخوف من استحواذ الآلات على مستقبل البشرية الوظيفي، هذا إن لم تستيقظ ذات يوم وتجد نفسك عَبدا مملوكا لدى أحد الروبوتات الذي يأمرك بتلميع تروسه بحذر كي لا يصلبك على جذر أو أحد فروع شجرة البلوط الموجودة في فناء جارك الخلفي.

 

كل هذا الخوف يمكن مضاعفته لعشرة أضعاف بعدما بدأت التطورات السريعة للذكاء الاصطناعي وتعلُّم الآلة، ثم تباعا ظهرت تطبيقاتها كالسيارات ذاتية القيادة، وكذا روبوتات متقدمة تُنفِّذ مهمات كنا نعتقد أنها قد تتأخر لبعض الوقت أكثر حتى تظهر، مثل روبوت "ASIMO" الخاص بشركة "هوندا" الذي يُحرِّر المخالفات أو يعمل نادلا في أحد الملاهي. هنا بدأت نواقيس الخطر تدقّ بشدة أبواب الهلع التي قد خمد لهيبها لبعض الوقت.

 

في هذا الوقت بالتحديد، هل القلق الذي يُساوِرنا حيال البطالة التكنولوجية القادمة مُبرَّر؟ في حين يُصِرُّ علماء الذكاء الاصطناعي على أنّنا لسنا متقدمين بما يكفي لكي يحدث هذا، هل هذه المرحلة من "الأتمتة" تختلف عن سابقاتها في العقود السابقة؟ وإن كانت كذلك، فهل ستكون وظيفتك أيها القارئ إحدى الوظائف التي سيُكتَب عنها في كتب التاريخ ولن نرى لها وجودا بعد الآن؟

( فيديو للروبوت ASIMO منذ أكثر من 6 سنوات)

 

لفهم هذا، علينا فهم طبيعة وظائفنا. تطوّرت الوظائف لدى البشر بشكل تدريجي حتى أصبحت من التعقيد بما يكفي لتقسيم معارفنا إلى تخصصات (زراعة، تعليم، هندسة، كيمياء،…). استطاعت الآلات أن تقوم بعمل عمال المصانع لأنه عمل روتيني وتكراري ولا يحتاج إلى الكثير من المعلومات، وقد كان من الصعب عليها أن تقوم بمهام تخصصية معقدة مثل كتابة رواية أو رسم لوحة لأحد قطعان الحمار الوحشي في أحد الحقول الأفريقية. بينما مع ثورة التعلُّم الآلي في العقد الماضي، أصبح بإمكان الآلات القيام بمهام محددة ومتخصصة وبدرجة متفاوتة من الدّقة. نحن على وشك أن نُستبدَل!

 

هل سنُستبدَل جميعا؟ ألن يظل منا أحد؟ حسنا، وفقا لموقع "Think Business" فهناك ست وظائف(3) لن يستطيع الروبوت القيام بها: رعاية الأطفال، والطهو، والطب، والصحافة، والإرشاد السياحي، والفن. لكن يا لخيبة "Think Business"، فجميع المجالات المذكورة شُغِلَت من قِبَل الروبوتات بالفعل.

(الروبوت الطاهي الذي يستطيع إعداد كل الأطعمة تقريبًا)

ولنأخذ أكثر المهن إثارة للجدل في حال تمت أتمتتها؛ الطب. ما يميز الطبيب البشري ليس جودة تشخيصه فحسب، في الواقع، لقد وصلت بعض نتائج الروبوتات التشخيصية إلى المستوى التشخيصي نفسه للأطباء البشريين(4)، لكن أهم ما يميزهم هو "التعاطف". يُنظَر إلى التعاطف على أنه مزيج من المهارات العاطفية والمعرفية والعملية التي تنطوي عليها رعاية المريض(5). تخيَّل أنّ أهم ما يُميِّز هذا التفاعل البشري المحض يُعمَل عليه حاليا لتطوير روبوتات للرعاية الطبية(6) التي على الأغلب ستحل محل التمريض.

الروبوت الجراحي دافنشي

عندما نفتح النقاش حول التعاطف، فإنه بالنسبة للكثيرين يمكن تزييفه، على الأرجح لن يكون الروبوت أسوأ من "صديقتك" المنافقة التي تُظهِر تعاطفها مع الأمور السيئة التي تجري في حياتك وهي في الواقع في قمة الشماتة، قد يُظهِر الروبوت التعاطف وهو لا يدري ما الذي يفعله في تلك اللحظة. بينما الكتابة على سبيل المثال، أو اللغة بالمعنى الأوسع، قد تكون أكثر صعوبة على الروبوتات. من بين جميع العلوم البشرية تظل اللغة هي الأكثر تعسرا والأكثر صعوبة على علماء الذكاء الاصطناعي، لكن ذلك لم يمنعهم من إنشاء أنظمة توليد نصوص تُكافئ تناسق الكتابة البشرية وتماسكها، وبدون أن يَلْحظ أحد أنّ ما كُتِب قد كُتِب على يد روبوت.

 

ليام بور، طالب جامعي، قد سمع عن نموذج "GPT3" المُنشأ من قِبَل "OpenAI"، وهو الجيل الثالث من النماذج التنبؤية اللغوية من سلسلة "GPT-n" الذي يستخدم التعلُّم العميق لإنتاج نص يشبه النصوص المكتوبة على يد بشر. حاول بور الحصول على إذن الوصول لهذا النموذج لأن "OpenAI" لا تمنحه لأي شخص لكي لا يُساء استخدامه، قدَّم طلبا، تأخَّر الطلب، ولنفاد صبره، تكلَّم مع أحد باحثي الدكتوراه الذي يمتلك إذنا للوصول بالفعل، واستخدم النموذج.

 

أطلق بور مدونة، واتخذ مصدره الموقع التقني الشهير "Hacker news" وكذلك موقع "Medium"، واستخدم النموذج في توليد مقالات أعجبت عشرات الآلاف من الناس، ولم يكتشف سوى قلّة قليلة أنّ التدوينات كُتِبت على يد نموذج تنبؤي. بعد أسبوعين من النشر اليومي، كتب تدوينة بعنوان "ماذا يمكنني أن أفعل بـ "GPT3″ لو لم تردعني أخلاقي؟".(7) ما حدث هو ما تخشاه "OpenAI" بالفعل؛ استخدام نماذجها للتضليل ولنشر المعلومات المكذوبة، خاصة أنّ النماذج يصعب التفريق بين ما تكتبه وما يكتبه البشر، لذلك فهي تبيع النموذج عبر مايكروسوفت لمنع وقوعها في أيدٍ مُفْسِدة.

 

لم يعد أصحاب الأعمال بحاجة إلى شراء آلات كبيرة الحجم، وتأجير مساحة للتخزين فيها، ودفع فواتير الكهرباء والماء، وأجور الموظفين، وبدل المواصلات للموظفين، وحتى إجازة الوضع المدفوعة الأجر للموظفات، لكي تصبح صاحب عمل ناجحا، كل ما تحتاج إليه الآن هو بضعة أسطر من الكود.

 

هل سنرفع راياتنا البِيض إذن؟ نحن البشر أعلى مُعتلي السلسلة الغذائية وأكثر العقول تطورا، هل حان الوقت لكي نتقاعد ونترك العمل الشاق، وحتى المريح، للآلات؟ وإن فعلنا ذلك، من أين سنحصل على قوت يومنا؟ إذا كانت مجتمعاتنا قائمة على الاستهلاك الذي يخدم الرأسمالية، وفقدنا المال الذي يُدير هذه العجلة من الاستهلاك، هل ستسمح الرأسمالية بذلك؟ لا بد أنّ هناك حلًّا.

 

يُعبِّر الكاتب والمؤرخ يوفال نوح هراري في كتابه "العاقل" (Sapiens) عن مدى تأثُّر البشرية بالثورة الزراعية، حتى إنّه سمّاها "أكبر خديعة في التاريخ" على عكس ما يقال عنها إنها كانت إحدى أهم المحطات في التاريخ، فهو يراها أحد أكبر أسباب انتكاسات البشر؛ لأنها تركت الفلاحين أكثر تعاسة وبؤسا من أولئك الجامعين الرُّحَّل: "زادت الثورة الزراعية بكل تأكيد المجموع الكلي لكمية الطعام التي تُصرَف للبشر، لكن الغذاء الفائض لم ينتج عنه نظام غذائي أفضل أو وقت فراغ أكبر، بل نتج عنه انفجار في أعداد السكان ونخب مُرفَّهة. عمل المزارع العادي بجهد أكبر من الجامع العادي، وحصل في المقابل على نظام غذائي أسوأ، إنها أكبر خديعة في التاريخ"(8).

كان اكتشاف المعادن حدثا جللا، لأنه ساعدنا على صنع الأدوات التي تساعد في زراعة الحقول وحرثها على سبيل المثال، ثم مع الثورة الصناعية انتقلنا إلى مرحلة وظائف الإنتاج في المصانع وغيرها، ثم مع الأتمتة، بدأنا في مرحلة الوظائف الخَدَمية. في العادة تخلق الاختراعات والتكنولوجيا الحديثة وظائف جديدة، إما أن تكون هذه الوظائف في قطاع التكنولوجيا نفسه كالمبرمجين، أو تُسهم في تجديد قطاع قديم مثل التعليم (التعليم الإلكتروني مثلا)، أو تنشأ عنه مجالات جديدة تماما التي بدورها تخلق وظائف جديدة، ودائما ما تحتاج إلى عمال من البشر.

 

لكن هناك أيضا التأثير اللا مباشر للاختراعات التي تقضي على العمالة البشرية؛ فعندما تستطيع الشركات أن تُنتج الكثير بواسطة القليل من العمالة يمكنها التوسُّع، لربما افتتحوا فرعا جديدا (مما يعني وظائف أكثر)، أو صَنَّعوا منتجات جديدة بأسعار منخفضة، وهذا بدوره يجعل المستهلك يستطيع شراء منتجات أكثر بسعر أقل، أو ربما أنت بوصفك مستهلكا لا ترغب بها، فتقوم بتوفير المال للاشتراك في الصالة الرياضية مثلا أو توفير اشتراك حضانة لأطفالك. بسبب هذا التأثير تحديدا، وعلى هذا المنوال نفسه، تحسّنت جودة حياتنا. تكنولوجيا جديدة، خسارة في بعض الوظائف، زيادة وظائف جديدة، تحسُّن في جودة الحياة، لطالما كان الأمر كذلك، لكنه اختلف هذه المرة.

 

استبدال الوظائف القديمة بأخرى تحل محلها لم يعد كافيا بعد الآن، علينا أن نُولِّد وظائف بعدد أكبر مما سبق، نظرا لما تلتهمه الأتمتة من وظائف، وكذا بسبب الزيادة السكانية. في الماضي القريب، كانت الاختراعات الحديثة لتحلّ هذه المشكلة. لذا لنأخذ دولة صناعية كبرى كالولايات المتحدة الأميركية مثالا، تباطأت عملية توليد الوظائف في الولايات المتحدة في الفترة من 1973 حتى عام 2000 بشكل ملحوظ(9)، وللمرة الأولى، ومع بداية القرن الحادي والعشرين، لم يزد عدد الوظائف في الولايات المتحدة مطلقا.

تحتاج الولايات المتحدة إلى توليد عدد 150 ألف وظيفة شهريا لتواكب الزيادة السكانية لديها(10)، لذا تبدو هذه المؤشرات كمَن يدق ناقوس الخطر. إذا كنا نلاحظ الزيادة الكبيرة في الأتمتة، فلا بد ألّا نهمل الإنتاجية (Productivity)؛ لأنها أحد أسباب تحسُّن جودة الحياة، التي يُفتَرض بها أن تزيد مع زيادة الأتمتة. الإنتاجية، أو إنتاجية العمل (Labor productivity)، هي مؤشر السلع والخدمات التي نُنتجها في الساعة.

 

في سنة 1998، عَمِل العُمال الأميركيون إجمالي عدد ساعات بلغ 194 مليار ساعة(11)، وبحلول 2013، أي بعد 15 عاما تقريبا، زاد الإنتاج بنسبة 42%. الوظائف تقل، والإنتاجية تزداد، وخمّن ما الذي يزداد أيضا؟ أجل، عدد السكان. الأمر يبدو وكأن العمال البشريين لم يعد لهم مكان. الأمر الأكثر إدهاشا هو أنّ عدد ساعات العمل لم يتغير لمدة 15 عاما، في عام 2013 كان إجمالي عدد ساعات العمل للعمال الأميركيين هو نفسه 194 مليار ساعة(12). حتى مع كل الصناعات الجديدة التي نشأت، ومعدلات الإنتاجية التي ارتفعت، والزيادة السكانية، عدد ساعات العمل ظلّ ثابتا.

 

لكن بعد كل هذا، وإن كنا سنصبح عاطلين بشكل رسمي، أين تذهب كل تلك الأموال التي تنتج عن عمل الروبوتات؟ هل ستذهب لمُلّاكهِم فقط؟ ولمّا كانت تُفرَض علينا الضرائب، فهل ستُفرَض على الروبوتات أيضا؟ وهذه الضرائب ستذهب إلى قطاع الصحة الروبوتية أم إلى قطاع الصحة البشرية؟

 

هل لاحظت عند مشاهدتك لبعض المسلسلات الأميركية حديث أحد أبطالها عن "بدل البطالة"؟ أو هل حدَّثك أحد أقاربك القاطنين بالولايات المتحدة عمّا تنوي الدولة فعله لمواطنيها العاطلين، وكيف يتحدّث أحد مرشحي الرئاسة الذي ينوي إعطاء مرتب شهري بسيط لكل المواطنين، ثم نَعَتَّه أنت بالحالم غير مُصدِّق ما يقول؟ ما يقوله قريبك الحالم في الواقع أحد أكثر الحلول بروزا لحل مشكلة البطالة الجماعية. يطالب البعض بإنشاء برامج تأمين للبطالة المُتوقَّع حدوثها بسبب الأتمتة، لكن البعض الآخر اعترض على كونها تسحب الإنسان للفقر ولا تزيده إلا تعاسة؛ لأنّها لا تُمنَح إلا بشروط، وتُكبِّل الفرد بشروط أخرى، مثل أنّه يجب في الفترة التي يحصل على التأمين فيها أن يُكمِل دراسته أو يُحسِّن من مهاراته للحصول على عمل، ثم اقترحوا أن يكون لكل فرد مرتب شهري أساسي يُمنَح له بغض النظر عما إذا كان يعمل أم لا، وبغض النظر عن ظروفه، ولا يُكبِّله شروط مثل تأمين البطالة. فما الفرق بينهما إذن؟ وأيّهما يصلح لحالة البطالة الجماعية هذه؟

 

تخيّل أن يأتيك مرتب شهري من الحكومة بمقدار ألفَيْ جنيه، كيف ستنفقه؟ في العادة تمنح بعض الدول للعاطلين عن العمل -وفي بعض الدول تمنح فقط للباحثين عن العمل-(13) منحة شهرية بمبلغ شهري أو أسبوعي بسيط لمساعدتهم في أمور حياتهم حتى إيجاد وظيفة، لكن هذه المساعدة مشروطة بقيود كثيرة. في بعض الأحيان يُطلَب من المُتلقي أن يأخذ بعض المساقات لتنمية مهاراته، أو أن يتقدَّم لعدد معين من الوظائف الشاغرة شهريا، أو قبول أي عرض وظيفي بغض النظر عن مدى ملاءمته للفرد أو عائده المادي، وهذا مُقيّد للحريات الشخصية.

 

لكنّ أسوأ ما قد تُنتجه برامج الرفاهية، وهو اسم آخر لبدل البطالة، هو الدَّعة والسلبية بسبب الوقوع في "فخ الرفاهية". لنتخيّل أنّك تستلم ألفَيْ جنيه كل شهر من الحكومة في الوقت الذي تبحث فيه عن عمل، في كثير من البرامج إذا تقاضيت جنيها واحدا زائدا على البدل الشهري (سواء عن طريق عمل حر أو غيره) تُسحَب الألفا جنيه منك بالكامل. لذا، إذا وجدت عملا بمرتب شهري 2300 جنيه، وقمت بتقسيمه بين الإيجار الشهري والمواصلات والطعام، فما يتبقى لديك لبقية الشهر قد لا يصل إلى 500 جنيه، بينما في حين كنت عاطلا فإنك كنت تتقاضى ألفَيْ جنيه، وكان ما يتبقى لديك شهريا أكثر بكثير مما قد يتبقى حين تعمل. ومن هنا يُفضِّل الناس أن يظلوا مُقيّدين ببدل البطالة بدلا من الحصول على عمل حقيقي، وهذا مُورِثٌ للكسل والدَّعة(14).

 

فخ الفقر، أو فخ الرفاهية، يقف عائقا لتخطي الفرد لخط الفقر، بل يوفر له سقفا من الراحة الجالبة لمزيد من الفقر(15)، كأنه تميمة لجلب الحظ السيئ، لكن ماذا لو كان هذا البدل أقل قليلا لكن بصفة دورية، بدون شروط ولكل الناس، وليس للباحثين عن وظائف فقط؟

 

أكثر سياسة طموح وذات مستقبل واعد، أكثر حتى من مستقبل الروبوتات الوظيفي، هو الراتب الوطني. الراتب الأساسي أو الراتب الوطني هو أحد الحلول المطروحة، ويؤيدها الكثير من الاقتصاديين ليس بوصفها حلا للخروج من فخ الفقر أو فخ الرفاهية، بل بوصفها حلا قائما لمشكلة فقدان الوظائف الجماعية المحتملة. وَضْعُ تعريفٍ محدد للراتب الأساسي واستخدامه مُختلَف عليه؛ البعض يريد استخدامه لزيادة الرفاهية والعيش في مستوى الطبقة المتوسطة، البعض الآخر يريده مُكمِّلا للراتب الأساسي، وآخرون يريدونه عاليا بما يكفي حتى ليصبح العمل بحدّ ذاته مجرد اختيار لا إجبار.

 

سياسة الراتب الوطني كانت دائما ما تُقارَن ببرامج الرفاهية، لكنها ظهرت على الساحة، رغم كل الاعتراضات عليها، مع زيادة الأتمتة في الآونة الأخيرة. اقترح بعض الباحثين فرض الضرائب على الروبوتات: "من أجل الحفاظ على التماسك الاجتماعي والازدهار، يجب فحص احتمال فرض ضريبة على العمل الذي يؤديه الروبوت أو رسوم لاستخدام وصيانة الروبوت في سياق تمويل دعم وإعادة تدريب العمال العاطلين عن العمل الذين تم تخفيض وظائفهم أو القضاء عليها"(16).

 

حتى وإن كنت غاضبا من الروبوتات لاقتناصها وظيفتك، وتود فرض الضرائب عليها للتنكيل بها، فإن هذا الحل مضلل بعض الشيء(17)؛ سوف يُبطِّئ هذا الحل التقدُّم التكنولوجي، ويُؤخِّر تكثُّف رأس المال، وبالتالي يُؤثِّر سلبا على القدرة التنافسية للعمال. كما أنّ الوظائف قد لا تأخذها الروبوتات، إنما يأخذها صاحب المال الأجنبي الذي يمتلك الروبوتات، لذا إذا فُرِضت ضريبة على الروبوتات فلن نجني سوى الضرر؛ لأنها تساعد في زيادة الإنتاج على كل حال.

 

لذا، الطاولة كانت فارغة لوضع سياسة جديدة عليها، وهنا تحديدا رُحِّب بالراتب اللا مشروط الأساسي. لكن إذا كان هذا الراتب حقا هو الحل، فهل سيظل ثابتا؟ ألن يتأثر بالتضخم؟ وقبل كل هذا، هل هو قابل للتنفيذ أصلا؟

 

لن نتطرّق للتجربة الكندية في السبعينيات من القرن الماضي، فالأوضاع مُختلفة للغاية الآن، سنتطرّق لأحدثها على الإطلاق، مقاطعة غيونغي: كوريا الجنوبية. ما يقرب من مئتي ألف شخص في مقاطعة غيونغي في كوريا الجنوبية الآن يتقاضون ما يقرب من 220 دولارا كل ثلاثة أشهر، لا أسئلة، لا قيود، فقط يستلمون المال. "غيونغي باي" (Gyeonggi pay) هو التمثيل الواقعي للراتب الأساسي (UBI)، الذي يتقاضونه بغض النظر عن كونهم يعملون أو عاطلين، وبغض النظر عن مقدار مرتباتهم، فهم يستلمون مبلغا بشكل دوري، والغرض منه هو التقليل من الفقر وانعدام المساواة.

 

لكن هذه الدفعة من المال كانت مقرونة بشرط واحد فقط، أن تُنفَق الأموال داخل المحافظة وفي الضواحي، لكي ينتعش الاقتصاد خصوصا بعد جائحة كورونا. لا، لن يشتري مواطنو غيونغي البرغر من ماكدونالدز، ولا حتى في المحافظة المجاورة، المال يجب أن يُصرَف بشكل محلي فقط. الباعة في الأسواق المحلية يقولون إن "غيونغي باي" (Gyeonggi Pay) قد جلب لهم المزيد من الزبائن خصوصا في الفئة العمرية من 20-30 عاما(18).

 

المحلات التي كانت تقبل بطاقات "غيونغي باي" للدفع زادت أرباحها بنسبة 45% وفقا لصحيفة الوول ستريت جورنال. بيانات الدفع كانت تُرسَل إلى مقر محافظة مقاطعة غيونغي لتحليلها وللنظر فيمَ كانت تُصرَف الأموال التي تخرج من بطاقات "غيونغي باي" (Gyeonggi Pay)، وكذا للتأكد من أنّها لا تُصرَف خارج المحافظة. "هي ليست سياسة رفاه، بل هي سياسة اقتصادية"(19)، هكذا علّق محافظ المقاطعة نافيا حين سئل عمّا إذا كانت ستُمنح لناس بصفات معينة (كالبطالة، والفقر، والأمومة،…).

 

إذن، بما أنّ الراتب الوطني أثبت جدارته بوصفه حلا للمشكلة، فمِن أين سيُدفع على أية حال؟ وإن كان سيُدفع لكل الناس بالتساوي، أليس هذا ظلما؛ فالغني يزداد غنى، والفقير ما زال عالقا في كفاف احتياجاته اليومية؟ عندما سُئِل محافظ مقاطعة غيونغي عن سؤال "مِن أين سيُدفع في المستقبل؟"، خصوصا أنّه استغل نجاح التجربة للترشح للانتخابات الرئاسية، فأجاب: "بفرض ضريبة على الروبوتات". سبق ونفينا نفع هذه السياسة، لكن على الأغلب ستتنوّع أساليب الدفع حسب كل بلد وأولوياته.

 

الأسئلة التي تبحث عنها في غوغل تكشف أعمق الأحكام السابقة لدى البشر، والفيلم الذي تشاهده في منزلك تحت غطائك هو كنز للشركات التجارية، حتى صورة قطتك وهي تتسلّق مقبض الباب ثم تقوم بفتحه لأختك العائدة من المدرسة. غالبا ما تُقَارَن البيانات الشخصية بالنفط، فهي تدعم الشركات الأكثر ربحية اليوم، تماما مثل الوقود الأحفوري الذي كان مصدرا للطاقة في الماضي، خصوصا أنّ ما قدمته التكنولوجيا في السنوات المنصرمة كان كافيا لجمع الكثير من البيانات عن كل شيء؛ سلوكيات البشر، أطعمتهم المفضلة، التقارير الطبية، أين يسافرون، وما الذي يفعلونه في مكان العمل بدل العمل، هل يلعبون سوليتر أم ينظفون خضار الغداء، وبهذا خلقنا بالمصادفة مكتبة ضخمة من البيانات يمكن استخدامها، أو إساءة استخدامها، ولكننا بدون مبالغة، لا نعرف سوى أقل القليل عن مقدار هذه المعلومات التي تُجمَع، ومَن يمكنه الاطلاع عليها، وما قيمتها.

 

كل يوم تقوم مئات الشركات التي قد لا تعرفها بجمع حقائق عنك، بعضها أكثر حميمية من غيرها. قد تتدفق هذه المعلومات بعد ذلك إلى الباحثين الأكاديميين والمتسللين ومنفذي القانون والدول الأجنبية، بالإضافة إلى الكثير من الشركات(20) التي تحاول بيع أشياء لك. بالطبع لن يحاول أحد أن يطلب من هذه الشركات الكبرى، مثل غوغل وفيسبوك، أن يدفعوا مقابل ما يأخذونه من بيانات المستخدمين وتأجيرها وبيعها لشركات الإعلانات؛ لأن الناس أولا لا تهتم لخصوصيتها، وثانيا لأنهم يعتقدون أنّه لمجرد أنّ الدخول إلى هذه المواقع مجاني فمن حق المؤسسات المالكة أن تتصرّف في بياناتهم كيف تشاء، وهذا ليس بصحيح.

 

الربح العائد من بيانات المستخدمين لهذه الشركات كبير جدا، والشركات الحديثة مثل أمازون وفيسبوك لا تُولِّد وظائف جديدة لتُساهم في تحسين الوضع، بل على العكس تقوم بقتل العديد منها. لذا قد يكون هذا حلا مناسبا في أن يتقاضى المستخدم حق ما تُستَخدم فيه بياناته بشكل قانوني، وقد تكون هذه إحدى طرق تمويل الراتب الوطني. الشيء الآخر الذي اقترحه بعض الاقتصاديين هو فرض الضرائب على رؤوس أموال الشركات المالكة للروبوتات، أو تقليل ميزانية أحد القطاعات في الدولة، أو فرض ضرائب على السحب من ماكينات الصراف الآلي. العبرة أنّ الطرق كثيرة لكنها ستختلف من دولة لأخرى، ما يناسب الولايات المتحدة لن يناسب كوريا الجنوبية، وبالطبع لن يناسب مصر.

 

لكن لنأخذ تجربة غيونغي بعين الاعتبار، لو منحتك الدولة ما يزيد على 400 دولار شهريا، فهل ستذهب إلى العمل؟ هل ستتكبّد عناء الخروج من المنزل في الشتاء القارس أو الذهاب إلى موقع البناء في الحر الشديد؟ ماذا لو كنت تعمل في أحد أنظمة الصرف الصحي وعليك القيام بكل العمل الشاق المُضني الذي لا تكون رائحته عطرة في أي يوم من أيام السنة؟

 

"قيمة الإنسان الذاتية تتحدّد بما يريد فعله في حياته؛ قد تكون تلك القيمة أنّه يريد مساعدة أكبر عدد من الناس، وآخر قد تكون قيمته النجاح، وهكذا. بغض النظر عن القيمة المادية، يُمثِّل العمل وسيلة لتحقيق القيمة الذاتية للإنسان".

(الدكتور مصطفى عبده، أخصائي الطب النفسي)

لا تتوقف الأدوار الأخرى التي يؤديها العمل عند القيمة الذاتية للإنسان فحسب، هكذا يرى الدكتور مصطفى عبده، أخصائي الطب النفسي وعلاج الإدمان بمستشفيات الطلبة جامعة عين شمس، في حديثه مع "ميدان" يقول: "بالإضافة إلى القيمة الذاتية، فإنّ العمل يُتيح للإنسان أن يكون جزءا من منظومة ويُكوِّن علاقات اجتماعية، وهذا لا يتحقّق بشيء آخر غير العمل". لذا نحن لا نذهب للعمل من أجل المال فقط، هناك ما هو أكبر من ذلك، يستطرد: "ثقة الإنسان بنفسه جزء أساسي منها أن يعمل الإنسان، ويُحقِّق هذا العمل نفعا، والنفع يكون مطابقا للقيمة الذاتية التي يريد الفرد أن يُحقِّقها".

 

لكن ماذا لو توقّفنا عن العمل، في مثل حالتنا هنا، أو خسرنا عملنا بسبب الأتمتة، سيخلق هذا وقتَ فراغٍ كبيرا، ماذا بوسع الإنسان أن يفعل غير الهوايات؟ يقول الدكتور مصطفى عبده لـ "ميدان": "سنصنع الحروب ونختلق مشكلات للسيطرة، وقد يصل الأمر إلى الانتحار في بعض الحالات. لكن لا يوجد شيء قطعي، قيل على لسان علماء النفس قديما إنّ الإنسان غريزته العنف والسيطرة، وإنّه عندما تَحضَّر أخرجها في صور أخرى".

 

قبل سنوات قال عالِم الأناسة الأميركي كليفورد غيرتز: "الإنسان حيوان غير مكتمل"، وكان يقصد بذلك أنّ الطبيعة البشرية وحدها هي التي تمتلك طبيعة إنسانية ناتجة عن المجتمع الذي يعيش فيه الناس. هذه الطبيعة البشرية "تُصنَع" عوضا عن كونها تُستكشَف. نحن نُصمِّم الطبيعة البشرية عن طريق تصميم البيئات التي يحيا ويعمل بها الناس، إذن ماذا لو طُبعنا على تصميم جديد ألا وهو "لا عمل"، هل سنتكيّف حقا إذا صمّمنا مجتمعنا على تلك القيمة؟ هل سنُقاد لحافة الجنون ويدفعنا ذلك للانتحار؟

 

الإجابة هي أنّنا حقا لا نعلم. في ختام كتابه "العاقل" يُعلِّق يوفال نوح هراري: "رغم الأشياء المدهشة التي يستطيع البشر أن يفعلوها، فإننا غير متأكدين من أهدافنا، ويبدو أننا أقل رضا عن أنفسنا أكثر من أي وقت مضى. لا يعرف أحد إلى أين نحن ذاهبون، ونحن أقوى مما مضى، لكننا لا نملك سوى القليل عما يجب أن نفعله بكل هذه القوة. والأسوأ من ذلك يبدو أنّ البشر غير قادرين على تحمُّل المسؤولية أكثر من أي وقت مضى. إننا آلهة خلقت نفسها بشراكة قوانين الفيزياء. هل هناك أخطر من آلهة غير راضية وغير مسؤولة ولا تعلم ماذا تريد؟"(21).

——————————————————————–

المصادر

  1. Robots have been about to take all the jobs for more than 200 years
  2. The Glasgow Herald – Jun 20, 1978
  3. Think Business Cookie Notice
  4. Doctors, beware: A ‘robot doctor’ just matched humans’ diagnostic performance
  5. The Role of Empathy in Health and Social Care Professionals
  6. Doctors are known for their poor bedside manner. Robots might be the answer
  7. What I would do with GPT-3 if I had no ethics
  8. العاقل: تاريخ مختصر للنوع البشري، يوفال نوح هراري، ص 102
  9. Current Employment Statistics survey: 100 years of employment, hours, and earnings
  10. There’s an under-the-radar job crisis hurting millions of Americans
  11. What can labor productivity tell us about the U.S. economy?
  12.  المصدر السابق
  13. Jobseeker’s Allowance (JSA)
  14. Modeling the Macroeconomic Effects of a Universal Basic Income
  15. The Welfare Cliff and Why Many Low-Income Workers Will Never Overcome Poverty
  16. European Parliament, Committee on Legal Affairs: Report with recommendations to the Commission on Civil Law Rules on Robotics (2015/2103(INL)), 27 January 2017, p. 4.
  17.  D.H. Autor: Why Are There Still So Many Jobs? The History and Future of Workplace Automation, in: Journal of Economic Perspectives, Vol. 29, No. 3, 2015, pp. 3-30.
  18. South Korea’s Universal Basic Income Experiment to Boost the Economy-WSJ
  19. المصدر السابق
  20. What Are ‘Data Brokers,’ and Why Are They Scooping Up Information About You?
  21. العاقل: تاريخ مختصر للنوع البشري، يوفال نوح هراري ص 495-496

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة