شعار قسم ميدان

مارتن أوديغارد.. عصفور القفص الذي يقود أرسنال للعب مع الكبار

إنه يوم الأحد، وكالعادة، تشق الشابتان "جينيفر نونيز" و"إيمانويلا توريه" طريقهما نحو القفص القريب في ستوكويل، لمشاهدة الشبان الوسيمين يلعبون كرة القدم طوال النهار في دورات لا تنتهي، هذه هي هوايتهما المفضلة هذه الأيام(1).

"القفص (Cage)" هي اللفظة التي تُستخدم لوصف ملاعب الكرة العامة في جنوب لندن، أرضيات من العشب الصناعي يحيط بها شبك معدني يشبه المستخدم في حلبات المصارعة العنيفة، حيث المسافة بين خط التماس والحاجز المعدني لا تتجاوز قدما واحدا، ما يكفي بالكاد لخروج الكرة واحتساب التماس(2).

شخصية القفص

في وثائقي قصير أصدرته شبكة سكاي في نهاية 2020، يتحدث كل من "ميكيل أنطونيو" مهاجم وِستهام، و"جافيه تانغانغا" مدافع توتنهام، و"وِلفرِد زاها" جناح كريستال بالاس، عن أيامهم في الأقفاص، تلك الأيام التي صنعت نجوميتهم، وجعلتهم على ما هم عليه الآن(3).

في الأقفاص، تتحول اللعبة لمسألة كرامة، يتصارع فيها الكبرياء لتجنب وصمة الهزيمة، سواء كانت فردية أو جماعية، ومثل المصارعة، لا قوانين في القفص، ولا حد أدنى أو أقصى لعمر اللاعبين. يمكنك أن تكون في السادسة وتلعب ضمن فريق من المراهقين، أو الأسوأ؛ تواجهه(4)(5).

"زاها" يعتقد أن قدرته الاستثنائية على المراوغة في المساحات الضيقة أتت من أيامه في الأقفاص. (رويترز)

جينيفر وإيمانويلا ليستا معجبتين بوسامة الشباب وعضلاتهم فحسب، بل بحقيقة أن كل يوم يمر عليهم في القفص يبعدهما عن الجريمة والمخدرات. بالطبع، المفارقة هنا تشرح نفسها، ففي جنوب لندن، حيث مشاريع الإسكان الاقتصادية التي نشأ فيها أغلب هؤلاء الشباب، الأحرار هم من يدخلون الأقفاص طواعية ليحتمون من المجرمين.

"زاها" يعتقد أن قدرته الاستثنائية على المراوغة في المساحات الضيقة أتت من أيامه في الأقفاص، عندما تعتاد اللعب في القفص يصبح الأمر سهلا في ملعب حقيقي يحتوي 11 لاعبا. الأقفاص ذاتها هي ما أنتجت أمثال جادون سانشو وكالوم هودسون أودوي، اثنان من أبرز مواهب إنجلترا الواعدة على الأطراف.

مع الوقت، تحولت هذه الملاعب إلى الحاضنة الرئيسية لمواهب العاصمة. ملاعب تابارد غاردنز وداميلولا تيلور سنتر أصبحت الأكبر سمعة في جنوب لندن، أو كتالونيا الخرسانية كما يُطلق عليها، وصارت الأقفاص نقاط جذب رئيسية في هذه المناطق، تتكون فيها الثقافات والعادات والتقاليد، ويعبر الشباب عن أنفسهم من خلال الرياضة ورسومات الغرافيتي البديعة على الجدران، ويعلو حس المجتمع بأفراده الكادحين، ويعود نجوم البريميرليغ أحيانا لاختبار قدراتهم واسترجاع الذكريات(1).

عصفور النرويج

مارتن أوديغارد (رويترز)

بالطبع لم ينشأ مارتن أوديغارد في جنوب لندن، وغالبا، لم يسمع عن الأقفاص قبل توقيعه مع أرسنال في صفقة انتقال نهائي من ريال مدريد قبيل الموسم الماضي، ولكنه -بطريقة ما- تمكن من صناعة قفصه الخاص في بلدة درامّن الصغيرة جنوب العاصمة أوسلو، البلدة التي لا يكفي عدد سكانها لملء ملعب الإمارات(6).

الملعب القريب هناك كان يقع أعلى التلة جنوب البلدة، في موقع غريب للغاية، يتوسط غابة من الأشجار، وتحيط به تماثيل معدنية متقنة لعدد من الحيوانات البرية، تقف عليها العصافير عادة. لم يحط بالملعب سور من أي نوع، وكان مفروشا بالحصى، ثم تعاون الأهالي لاستبدال أرضيته بالعشب الصناعي، وفي هذا الملعب، كان مارتن يقضي أغلب فترات طفولته، مصطحبا كرته، ومستغلا أي فرصة للعب والتدريب.

قفص مارتن الخاص كان عقله، فمنذ عمر السادسة لاحظ والده، هانز إريك أوديغارد، الفارق الهائل في الإمكانيات بينه وبين أقرانه، وباعتباره لاعب وسط سابقا في أكبر أندية المدينة، شترومغودست، اهتم بتدريبه وتشجيعه. كان طراز كرة القدم الذي يلعبه مختلفا، مارتن كان ضعيف البنية، ولكنه كان يتحكم في الكرة بشكل يدهش الجميع(6).

تُظهر صور الطفولة مارتن وهو يلعب دائما مع من يفوقونه عمرا وحجما وطولا، بالضبط مثلما يحدث في أقفاص جنوب لندن. طفل بموهبته كان يترقى بين فرق الناشئين بسرعة شديدة، وهذا أكسبه قدرا من الخبرة لا يتناسب مع عمره أبدا، ومنحه أفضل مميزاته وأسوأ عيوبه في الوقت ذاته.

أحد التحليلات التي نشرها موقع "بريكينغ ذا لاينز (Breaking The Lines)" لأسلوب لعبه في بداية الموسم الماضي، شبّهه بالمواهب الإنجليزية الشابة السمراء التي بدأت تغزو ملاعب البريميرليغ في السنوات الأخيرة، والتي نشأت في أقفاص جنوب لندن. يسمونهم "لاعبو الأقفاص" أو "Cagey Ballers"، ويعتقدون أن مارتن مثلهم، لأنه يتمتع بالكثير مما علمته لهم هذه الأقفاص، وخاصة حسه الإدراكي العالي، ووعيه بمحيطه ومفرداته حتى أدق التفاصيل، وقدراته الاستثنائية على تجاوز المواقف الصعبة في المساحات الضيقة، تلك التي تجعله أكثر أريحية واسترخاء في التعامل مع ملاعب البريميرليغ الواسعة سريعة الإيقاع(7).

تلك هي أفضل مميزاته، ولكن الاحتكاك بمستويات أعلى منذ الصغر دفع مارتن كذلك للاعتماد على قدمه اليسرى -القوية والمفضلة- بشكل مبالغ فيه، وهو ما حدّ من اختياراته وجعله أكثر قابلية للتوقع مع الزمن، إذ يعلم المدافعون مسبقا أنه لن يجنح لليمين أبدا، ولن يراوغهم جهة الخط أبدا، ولن يمرر أو حتى يتسلم الكرة بيمينه أبدا(8).

الانطباعات الأولى

ربما يكون هذا هو ما دفع مارتن منذ طفولته لأسلوب لعب محدد، فهو يحبذ استلام الكرة بلا ضغط تقريبا، وينزلق للمساحات الفارغة على يمين الملعب، ويُموقع نفسه بحيث يتمكن من مواجهة اللعب في وضعية مريحة كلما كان فريقه في الاستحواذ(9).

يظهر ذلك واضحا في تحليل آخر لـ"Breaking The Lines" يتعرض للمراحل التي مر بها هدف مارتينِلّي، ففي البداية يخرج أوديغارد للمساحة الآمنة التي يحبذها على اليمين، بشكل يسمح له بالاستلام والدوران دون مشكلات ثم مواجهة الملعب، وبعدها يرسل عرضيته القطرية المقوسة التي يتسلل لها البرازيلي من خلف آخر مدافع لينفرد بالمرمى، والباقي يشرح نفسه.

 

  • مراحل تطور هدف مارتينِلّي في كريستال بالاس – المصدر: بريكينغ ذا لاينز

لقطة في منتهى الـ"أوزيل"، ولكن المثير في الأمر أن كل ما سبق لم يمنعه من الحضور البدني حال فقد فريقه الكرة. في الواقع، قد يكون هذا هو أكثر جانب لا يقدر بما يكفي من أداء أوديغارد، غالبا لأن تقنية حركة جسده الأنيقة الناعمة تذكرنا بأوزيل فعلا، الرجل الذي عُرف عنه عداؤه الشديد للأحمال البدنية، ولمراحل اللعب من دون كرة.

هذا هو ما يجعل أوديغارد في الفئة الأعلى على الإطلاق بين صناع اللعب في الدوريات الأوروبية الخمس الكبرى على مستوى دقة التمريرات القصيرة، إذ يضعه تصنيف "ستاتسبومب (Statsbomb)" في خانة الـ99 بين أقرانه في المركز ذاته، وهو أمر يدل على قدرات عقلية فذة في معالجة المعلومات واتخاذ القرارات، خاصة أننا نتحدث عن صانع لعب يسعى دائما لكسر الخطوط، ويؤمن بمبدأ المخاطرة للحصول على النتائج، ولكنه ما يجعله أيضا مميزا للغاية في الجانب المضاد، ففي فبراير الماضي، كان أكثر لاعبي أرسنال استخلاصا للكرة في الثلث الأخير، وبفارق ضخم عن تاليه(7).

أيضا كان أوديغارد هو ثاني أكثر لاعبي المدفعجية استرجاعا للكرة (Recoveries) بـ110 مرات خلف بن وايت بـ129 مرة، لأنه دائما حاضر في مواقف الضغط لمساندة زملائه والتقاط الكرات الضالة، وهو أحد الجوانب التي تعلمها في تجربته رفقة ريال سوسييداد عندما كان ينشط كثالث وسط جهة اليمين في 4-3-3 التي ميزت موسم الباسكيين الناجح في (2019-2020) و(2020-2021)، بالإضافة إلى 30 تدخلا دفاعيا قام به ليحل في المركز الرابع خلف كل من بن وايت بـ35، وتوماس بارتي بـ34، وغابرييل مارتينِلّي بـ32(10).

هذه الشمولية المرعبة في جوانب لعبه كانت ما حسم المنافسة بينه وبين إيميل سميث روي على مركز صانع الألعاب رقم 10، ومع الوقت أصبح أوديغارد قائدا لأغلب عمليات أرسنال الهجومية، وبدأ باقي الفريق يتكيف مع مناطق حركته ونشاطه، واعتاد أرتيتا على استخدام أظهرته على الخط، ودفع بوكايو ساكا لنصف الفراغ الأيمن كمهاجم إضافي رفقة لاكازيت، على قاعدة من عمل كل من أوديغارد وسميث-رو في أنصاف الفراغات المتأخرة، أسفل الهيكل الهجومي للغنرز.

هذا الجنوح المستمر لليمين ساعد قرينه الإنجليزي على الاقتراب أكثر من العمق، ووجد حلا لمعضلة كانت تؤرق أرتيتا وتمنعه من الاستفادة من كامل قدرات الثنائي، إذ بدا وكأن أوديغارد ارتضى باقتسام الملعب رأسيا مع سميث-رو، وكأنهما تحولا إلى طراز مختلف من الأجنحة العكسية، أجنحة بأدوار صناع لعب تتموقع في فراغات متأخرة نسبيا، تسمح لها بالمشاركة في تجاوز الضغط في مراحل البناء المبكرة، والانطلاق بالكرة والمراوغة لكسر خطوط الخصم الأفقية، وتوفير الكثافة المحببة لأرتيتا على حدود المنطقة، التي تساعد فريقه على التسجيل من العرضيات الأرضية حادة الزاوية (Cutback)، كإحدى أهم روافد الفرص في ملعب الإمارات.

مستر أرسنال

مع الوقت، تحول أوديغارد إلى ما هو أكبر من مجرد صفقة رابحة. مارتن الصغير القادم من درامّن أصبح المتنفس الأول لزملائه في أغلب مراحل الاستحواذ، وزير أرتيتا الذي يُحركّه في الملعب في كل الاتجاهات لحل المشكلات وتجاوز الضغط، إما باستلام وتغيير سريع لجهة اللعب، وإما بالهبوط كهدف مزيف للتمريرة العمودية، وإما كقائد للّعبات الثنائية والثلاثية المركبة في الثلث الأخير، والتي يستطيع توقعها بدقة بسبب قدراته الاستثنائية على توقع المساحة.

في إحدى الحصص التدريبية المختصة بعلم البيانات في ديسمبر 2020، يوضح البروفيسور النرويجي "غير جوردت" -المختص بدراسة قدرات اللاعبين في مسح الملعب بصريا قبل استلام الكرة- استثنائية ابن بلده وكفاءته في جمع المعلومات عن الموقف والسياق في اللحظات التي تسبق استلامه للكرة، وهي ما تفسر قدرته على حل أصعب المواقف أثناء مراحل الاستحواذ وتجاوز ضغط الخصوم، والأريحية -المستفزة أحيانا- التي يتعامل بها أوديغارد مع مواقف بالغة الصعوبة(11)(12).

الأهم أن هذا الوجود البدني الحاد بدون الكرة، والذي كان أحد أسباب رغبة أرتيتا في التعاقد مع غابرييل جيسوس مثلا، وأحد أسباب تفضيله للاكازيت على أوباميانغ قبيل رحيله؛ صاحبه تطور في شخصية النرويجي القيادية، وهو جانب آخر لا يقدر بما يكفي في أوديغارد، أيضا بسبب مظهره الوديع وملامح وجهه الطفولية التي لا تتناسب مع الصرامة المعتادة في وجوه قادة فرق البريميرليغ. هذا المقطع من مباراة وستهام، التي انتهت بنتيجة 3-3 في مارس 2021، يوضح قيادة أوديغارد للعملية التكتيكية الهجومية طوال الوقت، سواء في مراحل الضغط أو مراحل التحضير، واعتماد أرتيتا عليه في توجيه زملائه.

هذا يُزيل قدرا من التعجب الذي ساد المشهد الإعلامي عندما أُعلن أن أوديغارد هو مرشح أرتيتا الأول لتقلد شارة القائد في الموسم القادم 2022-2023. أوديغارد كان القائد التكتيكي الذي يملك الخبرات الأعرض بين عناصر هجوم المدفعجية طوال الموسم الماضي، وكان اللاعب الذي يعبر عن وجوده في الملعب بعدة طرق، منها ما هو صوتي، ومنها ما هو بدني، ولكن الأهم على الإطلاق، هو حقيقة أنه اكتسب ثقة زملائه واحترامهم بسرعة قياسية، يمكنك ملاحظة ذلك بسهولة في تحركاتهم كلما استلم الكرة وعدّل وضعية جسده ليواجه مرمى الخصم، إذ يؤمنون أنه قادر على تنفيذ أصعب التمريرات وأدقها مهما كانت كثافة مدافعي الخصم(13).

إن أصبح مارتن قائدا لأرسنال خلفا لغرانيت شاكا، فهذا سيجعله أصغر كابتن في البريميرليغ على الإطلاق بعمر الـ23، ولكنه سيجعله القائد الذي يحتاج إليه أرسنال في هذه اللحظة، صانع الألعاب الأنيق السلس الذي يعبر عن هوية أرسنال الشاب تحت قيادة أرتيتا، والقائد الذي قضى حياته، منذ نعومة أظفاره، في اللعب مع الكبار.

____________________________________

المصادر:

  1. ساحات الاستحقاق في البريميرليغ – The New York Times
  2. كيف أصبح جنوب لندن الحاضن الرئيس للمواهب الإنجليزية الشابة؟ – 343 Coaching
  3. لاعبو كرة القدم اللندنيون السود؛ الريادة، ومباريات الأقفاص، والعثرات – Sky
  4. رحلة صعود لاعبي جنوب لندن؛ جو غوميز وكالوم هودسون أودوي – Football Daily
  5. "ليس من السهل البقاء حيا!"..كيف شكلت كرة قدم الأقفاص أجيال من لاعبي الكرة الإنجليز الموهوبين؟ – The Independent
  6. مارتن أوديغارد وملعب التلة الذي بدأ فيه مسيرته – The Athletic
  7. مارتن أوديغارد؛ كيف سيؤثر محرك أرسنال المبدع الجديد على مجريات اللعب في ملعب الإمارات؟ – Breaking The Lines
  8. مارتن أوديغارد؛ مشاهدة لاعب من البريميرليغ – The Coaches Voice
  9. مارتن أوديغارد؛ هل يستطيع النرويجي معالجة مشاكل أرسنال الإبداعية؟ – Breaking The Lines
  10. صفقة أرسنال الرابحة؛ كيف يثبت أوديغارد خطأ ريال مدريد؟ – Goal
  11. غير جوردت:"لماذا يعد مسح الملعب بصريا متعلقا بما هو أكثر من عدد المرات؟" – Training Ground Guru
  12. ما الذي يعرفه الإسبان عن المسح البصري؟ – Space
  13.  "شارة قيادة أرسنال؟ سأفعلها! وسأقوم بأفضل وظيفة ممكنة كقائد للفريق!"..مقابلة مارتن أوديغارد – Hayters TV
المصدر : الجزيرة