مولر وبنزيما.. هل حان الوقت لإنصاف التحركات التي لا نراها؟

لا ينسى جمهور ريال مدريد تمريرات ألونسو العابرة للأقطار بطول الملعب باتجاه بنزيما ورونالدو، كذلك ما زالت هدايا ستيفن جيرارد لمهاجمي ليفربول عالقة بأذهان سُكان ملعب الأنفيلد. ولعل هبات ميسي الفريدة بالكرة وقدرته على الصناعة والتمرير ووضع أي لاعب أمام المرمى من أي اتجاه هو ما يمنحه الأفضلية على رونالدو وبقية الأساطير.حسنا، نحن نحب المُمرِّرين، ودائما ما تلفتنا قدرتهم الفريدة على إيصال الكرة إلى زملائهم في أصعب الوضعيات في التوقيت والاتجاه المثاليين، وقبل ذلك رؤيتهم الثاقبة التي تميزهم عن البقية، وكأن لهم أعينا إضافية لا يملكها غيرهم، بل إننا على الأغلب نحتفظ في أعماق أنفسنا بصورة ذهنية لمُمرِّر أو تمريرة نعتز بها أكثر من غيرها، لما أثارته في نفوسنا من دهشة وانبهار.

يكمن نصف فن كرة القدم في تلك التجليات والقدرات الفذة، بينما يكمن النصف الآخر في ذلك الذي أكمل اللوحة، وتحرَّك في التوقيت السليم ليكون في الموقع المناسب لاستقبال التمريرة بالبراعة المطلوبة لضمان اكتمال اللوحة وخروجها في أبهى صورة، أو ذلك الذي سحب وبعثر دفاع الخصم لخلق المساحة اللازمة لزملائه للتوهج، وهو ما نخوض فيه الآن.

الآن تراني

صار عالم إحصائيات كرة القدم أشبه بالفضاء، مع كل رحلة استكشافية جديدة تكتشف بُعدا جديدا، وهذا هو الحال بالضبط عند تناول إحصائيات التمرير. بدأ الأمر بحساب عدد التمريرات، وقياس نسبة صحتها، وصولا إلى قياس قدرة التمريرة على تجاوز خطوط الخصم، لكن في كل مرة كان المدح أو الذم يذهب إلى المُمرِّر وليس المستلم، وكأن الأخير قد سقط سهوا منا.

لأمر لا يتوقف فقط عند إحصائيات التمرير، فإحصائية الأهداف المتوقعة (xG) تخبرنا بأمر مماثل. الإحصائية التي يُنظَر إليها من زاوية واحدة فقط وهي "قياس جودة الفرصة" وفقا لعدة معطيات، أهمها مكان التسديدة. لكن من زاوية أخرى، فإنها تخبرنا بأمر آخر ستدركه إن سألت نفسك: "كيف وصل المهاجم إلى ذلك المكان من الأساس؟"، لتكتشف أن الأهداف المتوقعة قد تمنحك فكرة عن قدرة المهاجم على التحرك وجودته في احتلال أخطر الأماكن وأقربها إلى المرمى. (1)

إن توقفت هنا، فلا بأس، أما إن تابعت الأسئلة، فقد تسأل نفسك عن المهاجم أو الجناح الآخر، الذي تحرَّك بعيدا لشغل أحد المدافعين، مانحا زميله تلك الفرصة بتلك الجودة، وهنا ستتأكد أن إحصائيات كرة القدم صارت كالمجرات التي تُكتشف تباعا عبر الرحلات الفضائية بعدما بدأ الجميع في إدراك محدودية إحصاءات الحدث (Event data) في رؤية وقياس كل ما يدور من دون الكرة، ببساطة لأنها إحصائيات مقصورة على حركة الكرة. (2)

هنا تظهر إحصائية التهديد المتوقع (xT) لتحاول الإجابة عن أسئلتنا، حيث تنظر إلى الوراء في الاستحواذ لتقدير فرص الاستمرار في التسجيل من أي مكان في الملعب. قد تكون الكرة البينية للجناح قبل ثوانٍ قليلة من تسديدة المهاجم قد زادت من فرصة الاستمرار في التسجيل من 2% إلى 12%. يمكننا تخصيص هذه القيمة المتزايدة -ارتفاع بنسبة 10% في احتمالية هدف الفريق أو 0.1 هدف متوقع- للاعب المسؤول عن تحريك الكرة بالقرب من المرمى. (3)

 

حاول باحثو جامعة لوفان الكاثوليكية (KU Leuven) شيئا مختلفا، وأنشأوا نسخة "مصغرة" من نموذج "فايب" (VAEP) الذي يقسم قيمة التمريرة بين المُمرِّر والمستلم. يحصل المُمرِّر على الفضل في نقل الكرة من النقطة أ إلى النقطة ب، وما تبعها من تغيير احتمالية تسجيل فريقه أو تلقي شباكه، على الرغم من أن هذا الرقم لا يتضمن نتيجة التمريرة سواء اعترض المدافع الكرة أو استلمها زميله في الفريق، فإن قيمة التمريرة تبقى كما هي. (4)

إذا اكتملت التمريرة، يحصل المستلم على باقي القيمة لضرب الدفاع والانتقال إلى النقطة ب بنجاح، اعتمادا على نوع التمريرة ومدى احتمالية إكمالها، قد تكون قيمة الاستلام هذه أقل من لا شيء، أو قد تكون أكبر من حصة المُمرِّر. تقسيم قيمة التمريرة بمثل هذه الطريقة يكافئ المُمرِّر على تحريك الكرة باتجاه مرمى الخصم، وكذلك يكافئ المستلم على العمل الذي قام به على الطرف الآخر.

أدَّت إضافة قيمة الاستلام إلى المعادلة إلى تغيير طريقة تصنيف فايب للاعبين، وهنا أوضح بيتر روبريشت، الحاصل على درجة الدكتوراه وأحد العاملين على نموذج فايب: "غالبا ما ترى نوعين مختلفين من المهاجمين: المهاجمين الذين يجيدون تسجيل الأهداف، والمهاجمين الذين يجيدون استلام الكرة، والاحتفاظ بها، ثم التمرير إلى لاعب آخر يسجل الهدف". يكافئ ذلك النموذج النوع الثاني من المهاجمين الذين يضيفون قيمة من خلال تلقي تمريرات خطيرة وربط اللعب.

يمكنك أيضا أن تكافئ اللاعب المتحرك على قيمة التمريرة التي لم تُمرر من الأساس بدرجات لـ "خلق مساحة" أو قيمة تمريرة لم تصل إلى اللاعب المتحرك لكونه "تحركا محتملا". بعبارة أخرى، يمكن أن يؤدي التشويش المستمر على خطوط الدفاع بالتحركات من دون الكرة إلى المساعدة في الهجوم سواء كان اللاعب المتحرك في النهاية مستلما للتمريرة أم لا.

بيبي وزارديس

إذا كنت متابعا للثورة الأميركية الحالية في كرة القدم، فأنت على الأغلب تعلم أن أميركا -على غير المعتاد- أصبحت تُصدِّر لاعبيها لأوروبا، حيث تشهد البلاد طفرة كروية أنتجت جيلا واعدا من المواهب التي تلعب في أقوى الدوريات الأوروبية حاليا. أما إن كنت غير متابع، فإليك أنباء آخر موهبة أميركية.

ريكاردو بيبي قنبلة فريق "دالاس" الذي انفجر في "إم إل إس" (MLS) وخطف أنظار العديد من الأندية الأوروبية قبل أن يخطفه نادي "أوغسبورغ" الألماني، أتم المهاجم الأميركي للتو عامه الـ 19 في يناير/كانون الثاني المنصرم، بعدما أصبح لاعبا دوليا في أغسطس/آب 2021، مساهما في حسم بطاقة تأهل منتخب بلاده إلى المونديال. (5)

في مباراته الأولى ضد هندوراس سجَّل بيبي هدفا وصنع آخر وحقق لبلاده ثلاث نقاط مهمة في مشوار التصفيات، ثم في المباراة التالية ضد جامايكا سجَّل ثنائية، وبدأت آلة الضجيج في الدوران، لكن ذلك لم يُبهر المحلل والكاتب الأميركي "جون مولر" الذي غرَّد بعد المباراة مباشرة: "زارديس كان أفضل من بيبي الليلة". كانت تغريدة مُكلفة بالنسبة له، إذ تمت مهاجمته بتهمة "الحنكة الزائدة" مما دفعه إلى توضيح وجهة نظره بكامل الوجاهة. (6)

يلعب المنتخب الأميركي بقيادة "غريغ برالتر" برسم 4-3-3 مع أجنحة تتمركز في القنوات الداخلية، على أن تتكفل الأظهرة بضمان الاتساع أثناء الحيازة، كالتالي:

طريقة تقدُّم المنتخب الأميركي للثلث الأخير ضد الفِرَق التي تلعب بكتلة متوسطة  (مواقع التواصل)

يحاول الفريق الاختراق من خلال خلق وضعية 3 على 2 على الطرف الأيسر من خلال وضع الظهير والجناح والمهاجم ضد ظهير وقلب دفاع الخصم، وبمجرد استلام الظهير على الخط وخروج ظهير الخصم للضغط عليه، يبدأ الجناح في مهاجمة المساحة خلف ظهير الخصم، وهنا يجد قلب دفاع الخصم نفسه في ورطة، حيث عليه أن يقرر؛ إما أن يخرج لمقابلة الجناح وترك المهاجم حرا، وإما مراقبة المهاجم وترك الجناح طليقا.

في تلك النوبة، يضمن زارديس العُمق الهجومي لفريقه حيث يتمركز تقريبا على خط المدافعين، وحينما تذهب الكرة إلى الظهير الأيسر يخرج ظهير الخصم للضغط عليه، وهنا يبدأ زارديس في التوجُّه نحو مُدافع الخصم الأيمن، لشغله ومنعه من ملاحقة الجناح الأيسر "تيم وياه" عندما ينطلق خلف الظهير حتى يسمح له بكامل الوقت والمساحة فور الاستلام، وحينما يخرج قلب الدفاع متأخرا للضغط عليه، يتولى زارديس مهمة تشتيت قلب الدفاع الآخر وسحبه للداخل لتفريغ المساحة اللازمة للجناح العكسي بطلب الكرة في المساحة حول نقطة الجزاء إذا تمكَّن وياه من لعب العرضية.

الآن يمكنك مقارنة سلوكيات زارديس مع بيبي في موقف مشابه؛ حيث يبدأ المنتخب الأميركي النوبة نفسها، لكن الاختلاف هنا أن مهاجمه لا يوفر العمق اللازم للفريق، بالتالي يستطيع المنتخب الجامايكي التكتل وإحكام المساحات بين خطوطه، ومع وصول الكرة إلى الظهير الأيسر، كان بيبي بعيدا عن المدافع الأيمن فلم يستطع حجزه، ومنعه من التغطية خلف الظهير الأيمن حينما لُعبت التمريرة للجناح الأيسر في المساحة خلف الظهير الجمايكي حيث استطاع المدافع الأيمن التغطية خلف زميله، والنتيجة؟ استطاع الفريق الجمايكي وأد محاولة الاختراق بأريحية، فقط لأن أحد التروس لم يعمل بالشكل اللازم بالرغم من إجادة بقية التروس!

إليك تلك النوبة أيضا، من خلال تمركزه العميق، يعمل زارديس هنا على تثبيت وحجز قلبَيْ دفاع الخصم، حيث منع تمركزه المدافع الأيمن من الترحيل للتغطية خلف الظهير، بل وتأخيره في غلق مسار التمرير بينه وبين الظهير أو اعتراض التمريرة البينية، وفي الوقت ذاته، استطاع القطع خلف المدافع الثاني باتجاه المرمى فور خروج التمريرة من قدم المُمرِّر، ليكون متاحا للتسجيل في حال نجح الجناح في إرسال العرضية.

لم يحصل زارديس على الكرة في كلتا الحالتين، لكنها لم تكن مصادفة أن في كلتيهما كانت فرص المنتخب الأميركي أكبر للتسجيل، نتيجة تحركاته المشتتة (Disruptive runs) لدفاعات الخصم والتفاصيل الدقيقة التي يقوم بها المهاجم المخضرم ويرفع بها احتمالات فريقه في التسجيل، وهو ما يُعيدنا مرة أخرى إلى إحصائية الـ (xG) التي تُعلِّمنا التعامل مع الاحتمالات لا النتائج، وتُشجِّعنا على التفكير في التمركز والتحركات من دون الكرة من منظور "احتمالي"، قد يكون جيدا أو سيئا إذا ما كان يزيد أو يُقلِّل من فرص الفريق في التسجيل، ولأن الوجود أو التحرك في المواقع الجيدة بالنسبة للمهاجم يُعَدُّ مقياسا أفضل، لأنها مهارات قابلة للتكرار أكثر من الإنهاء، وقد تكون بالكامل تحت سيطرته، بينما الثانية لها عديد الاعتبارات التي تتعلق بالأطراف الأخرى من المعادلة مثل المُمرِّر واستجابة الخصم. (7)

ليست حنكة

قد تكون غير مُهتم بزارديس وبيبي، ولك كل الحق، لكن الغرض الأساسي من التعرض لتلك الحالة هو الإسقاط على الفكرة ذاتها، على نموذج زارديس لا شخصه، ذلك النموذج الذي كان يُمثِّله "كريم بنزيما" قبل سنوات، إذ لم يكن يتلقى أي نوع من أنواع التقدير لمساهماته العريضة في ترجيح احتمالات فريقه للتسجيل، ليس لأنها مساهمات "خفية"، ولكن لأن وعينا كمتابعين لم يكن مُلِمًّا كفاية بمدى أهميتها في التأثير على الماكينة الجماعية، كما لم تكن هناك أي إحصائيات من شأنها أن تُظهِر لنا قيمة ما يقوم به الفرنسي.

الآن أصبحنا نُحب بنزيما، ولكن لسبب آخر، ليس لأننا فجأة أصبحنا مُلمين بخبايا ما يقوم به، ولكن لأنه بات يُسجِّل! على الرغم من أنه كان دائما اللاعب نفسه طوال السنوات العشرة الماضية، ولأننا مهوسون دائما بالنتيجة فلم نكن نعير لذلك اهتماما، وكأن أي خصائص ومهارات للمهاجم بخلاف جودته في إنهاء الفرص هي غير مهمة، ومن الأفضل ألا يُزعجنا المُحنكون بالحديث عنها!

بينما تُثبت متطلبات اللعبة حاليا عكس ذلك، إذ إن من بين قائمة أغلى 10 لاعبين في العالم وفقا لـ "ترانسفير ماركت"، نجد 6 لاعبين من نوعية المُكملين (Ceiling raiser)، أولئك الذين يُجيدون دقائق التفاصيل فيما يتعلق بالتمركز والتحرك من دون الكرة مع الإنهاء، واللافت أن قدراتهم على الإنهاء مرتبطة طرديا بقدراتهم على التحرك والوجود في المكان المناسب في الوقت المناسب، وذلك هو الجزء الأهم من العملية الذي يضمن لهم "احتمالات" عالية للتسجيل دائما. (8)

وما لا يعرفه الكثيرون أن ذلك النوع من السلوكيات والمهارات من دون الكرة مرتبط حتميا بمستويات إدراكية استثنائية ومهارات استكشافية من المستوى العالي، لأن أي سلوك للاعب داخل الملعب يبدأ بمهارات استكشافية لجمع المعلومات من حوله، تليها قدرات إدراكية عالية لمعالجة تلك المعلومات وتحفيز عملية اتخاذ القرار، ومن ثم اتخاذ القرار المناسب، وأخيرا تنفيذ القرار المتخذ، ويتم كل ذلك في غضون أجزاء من الثانية.

أي إن تلك السلوكيات التي لا يُنظر إليها، أو يُتعامل معها من الجماهير على أنها رفاهيات "من الرائع" أن يحظى بها المهاجم، ليست كذلك على الإطلاق، بل هي ضرورية للعب في أعلى المستويات ومواكبة متطلبات اللعبة الحالية، وتحديدا الحقبة التكتيكية الحديثة القائمة كليا على ذلك النوع من المهارات والخصائص التي تسمح للمدربين بحَبْك مختلف الهياكل والأساليب الخططية.

ليونيل مولر

"بالنسبة لي، لم أمتلك القوة، أو السرعة، والمهارة مثل غيري، لكن تعلمت من يوهان كرويف أنه إذا كان لدي المعلومات طوال الوقت فإنني أستطيع النجاة".

(تشافي هيرنانديز) (9)

يؤكد تشافي أهمية المهارات الاستكشافية في اللعبة، والمثير أنه نموذج يُثبت أن ذلك النوع من المهارات أصبح أهم من غيره، لأنه غيَّر تماما من تصنيفه لاعبا ووضعه في مصاف العظماء رغم محدودية خصائصه الجسدية والتقنية، لأنه أعطاه كل ما احتاج إليه طيلة الوقت؛ المعلومات، ومن ثم تكفلت مرجعياته السليمة في تشكيل قرارات نموذجية وفقا لتلك المعلومات التي كان يكتشفها طول الوقت.

يُمثِّل توماس مولر نموذجا مشابها، لأنه مهاجم غير قوي، ولا يتمتع بسرعة عالية، ولا يملك ما يملكه بنزيما وكين من قدرات تقنية فذة تجعله ينجو إذا ما ضاقت عليه الفراغات وتعقَّدت الأمور، لكنه يملك المعلومات طول الوقت. ذلك لم يجعله فقط ينجو، بل يزدهر، للدرجة التي جعلته يفوق ميسي في معدل التمريرات الحاسمة المتوقعة (xA) في آخر 3 مواسم. يفوق ميسي؟ نعم!

بجانب قدراته الخارقة على الاستكشاف التي تسمح له بخلق واستغلال المساحات أفضل من غيره من خلال تحركاته السامة داخل هياكل الخصوم، فإن مولر يُتقن عديد التفاصيل الدقيقة الأخرى، لأن أي إجراء فردي منه داخل الملعب يتكوَّن من؛ موقعه، ولحظة القيام بالإجراء في ضوء الموقف، ووضعية جسده، وأخيرا سرعة تنفيذ الإجراء، وعقل مولر يتعامل مع كل تلك المتغيرات بمنتهى الدقة، لكن كيف حل ذلك الفجوة التقنية بينه وبين ميسي في معدلات الصناعة؟

ما زال السر في قدرته على تفقد محيطه ورصد المعلومات "المهمة"، التي جعلته يُحوِّل مواقع التسديد بعد استقبال التمريرات البينية فور تحركه إلى منصات لصناعة الفرص، حيث ينجح في مقاومة إغراء التسديد عند وصوله إلى المرمى، ويُكرِّس نفسه لمهمة البحث عن "الرجل الحُر" للتمرير له ليُسجِّل بأريحية.

هنا يُهيمن مولر على كل القياسات الحديثة، حيث تُكافأ سلوكياته في التحرك بمعيار التحركات المشتتة (Disruptive runs) بعدما نجح في بعثرة دفاع الخصم واختراقه بالتحرك، كما يعطيه مقياس "VAEP" قيمة استلام التمريرة البينية متساويا مع المُمرِّر، وبالتأكيد فقد ساهمت تحركاته في زيادة احتمالية تسجيل فريقه وفقا لمقياس الخطر المتوقع (xT)، وأخيرا فقد استطاع بالتمريرة الأخيرة صناعة فرصة تسجيل لزميله قد تفوق فرصته في حالة التسديد، ليرفع رصيده على معيار التمريرات الحاسمة المتوقعة (xA).

وفقا لمنصة "FBref" الإحصائية، لا يزال مولر متصدرا للتمريرات الحاسمة المتوقعة لهذا الموسم بين لاعبي الدوريات الخمسة الكبرى، ولا يفوقه إلا لاعب نادي رين الفرنسي "بنيامين بوريغود". يوحي المشهد برُمَّته أن كرة القدم تتغير شيئا فشيئا، وأن سلوكيات اللاعبين غير الملحوظة من دون الكرة يجب أن تكون محط الاهتمام والتركيز إذا ما أردنا أن نفهم اللعبة فهما أفضل. (10)

 

لم يعد صانع اللعب هو اللاعب المُهيمن على الكرة، الفذ تقنيا ومهاريا بالمعنى التقليدي الدارج، ولكن أصبح صناع اللعب حاليا يقومون بالمهمة نفسها ولكن "بدون الكرة"، من خلال إتقان نوع مغاير من المهارات والخصائص غير الذي نعرفه ونحبه، وأصبحت قدرة المهاجمين على التحرك والتمركز في الأماكن التي تسمح لفِرَقهم باحتمالات تسجيل أعلى هي المرغوبة حاليا، وعلينا تقدير مُستقبل التمريرة تماما كما نُثني على مُرسلها، لأنه مَن يعطي للأمر برُمَّته كل المعنى.

_______________________________________________

المصادر
1- شرح إحصائية الأهداف المتوقعة

2- التعرف على بيانات الحدث (Event data)

3- شرح إحصائية الخطر المتوقع

4- شرح نموذج "VAEP"

5- مَن هو "ريكاردو بيبي"؟

6- تحليل جون مولر

7- ما التحركات المشتتة (Disruptive runs) وكيفية قياسها رقميا؟

8- أغلى لاعبي العالم في الوقت الحاليا وفقا لترانسفير ماركت

9- تصريح تشافي رفقة خوان فيا

10- ترتيب لاعبي الدوريات الـ 5 الكبرى في إحصائيات التمرير وإحصائية الـ x

المصدر : الجزيرة