شعار قسم ميدان

"باريس يدمر كرة القدم".. ماذا لو انتقل مبابي إلى ريال مدريد؟

لعلك علمت مثلنا أن باريس سان جيرمان يُدمِّر كرة القدم. الدليل على ذلك أنه يمتلك أغلى لاعبين في التاريخ، ويدفع رواتب أسبوعية لميسي ونيمار ومبابي، كما يستطيع رفض عرض ريال مدريد بالحصول على 180 مليون يورو مقابل الاستغناء عن لاعب سينتهي عقده في غضون أشهر، قبل أن يُجدِّد له براتب قياسي. (1)(2)(3)

هذه المعلومات ليست كل ما توصلنا إليه، بل وصلتنا أيضا اتهامات للنادي الباريسي أنه يفعل ما يحلو له لأنه مملوك للدولة، ولأنه قفز من قارب "السوبرليغ" ليقوّي موقف اليويفا في مواجهة كبار أوروبا. وبناء عليه، باتت علاقته وديّة مع الاتحاد الأوروبي، وبإمكانه أن يفعل أي شيء دون أن تنطبق عليه عقوبات اللعب المالي النظيف على سبيل المثال. (4)(5)

اللعب المالي النظيف؟ لدينا خبر بخصوصه، فقد أدى خرقه إلى هبوط نادٍ فرنسي إلى دوري الدرجة الثالثة، بالطبع أنت استطعت وحدك تخمين اسمه بعد تلك المقدمة.. إجابة صحيحة، إنه بوردو، المُفسِد الحقيقي لكرة القدم على ما يبدو! (6)

أنت؟ أنت يا بوردو؟

في حقيقة الأمر، يبدو تسلسل الأحداث كوميديا، ومادة دسمة جدا للحديث الجاد والهزلي عن وضع كرة القدم اليوم. فكيف للجهة الرقابية المالية أن ترى خرق بوردو لقوانين اللعب المالي النظيف بعد أيام من تجديد عقد مبابي الخيالي؟ وما الذي يستحق تحقيقا حقيقيا من جهة مختصة بمراقبة الأوضاع المالية للأندية في بلدٍ ما؟ ومَن أصلح للاتهام بإفساد الكرة؟ (7)

هي سلسلة متصلة من الأسئلة التي لا تنقطع أبدا، ولكنها لم تكن لتحدث بالقدر نفسه من السخط والسخرية لو انتقل الأمر من فرنسا إلى إيطاليا مثلا، وتحديدا حين هبط بارما وباليرمو إلى الدرجة الرابعة بسبب الإفلاس. أندية مثل يوفنتوس وإنتر وميلان لا يمكن أن تُقحم في هذا السياق كما أُقحم باريس، والسبب بالطبع أنهم لا ينفقون بالبذخ نفسه، ولكن هناك سبب آخر يستحق تسليط الضوء عليه أيضا. (8)

هذا السبب ببساطة هو سردية أندية الأموال، تلك التي تنطبق على باريس سان جيرمان ومانشستر سيتي قبل الجميع؛ ناديين مملوكين لدولتين عربيتين، خليجيتين لنكون أكثر دقة، ينفقان كثيرا دون عقوبات، بينما يُعاقَب مَن ينفق أقل. وبناء عليه، يتضاعف جُرم ما يقومان به إلى 10 أضعاف على الأقل. لذلك، ففي كل شيء يتعلق بالأموال في كرة القدم، ستجد باريس والسيتي متهمين بإفساد اللعبة، وهنا نحتاج إلى وقفة قبل أن نستكمل في هذا السياق.

فريق كبير.. فريق عظيم

 

كيليان مبابي (رويترز)

ماذا لو انتقل مبابي إلى ريال مدريد؟ هذا السؤال لم نضعه في العنوان اعتباطا، ببساطة لأنه لو ارتدى المهاجم الفرنسي قميص الملكي بالفعل، لم يكن أحد ليهتم بما نقوله الآن، على الرغم من أنه منطقي في كلتا الحالتين. ألم نخبرك أننا بحاجة إلى أن نقف وقفة قبل أن نستكمل اتهاماتنا لباريس سان جيرمان ومانشستر سيتي؟

هنا سنكتشف أن قصة ريال مدريد ومبابي منذ بدايتها وحتى النهاية تصلح للتدليل على إفساد كرة القدم أيضا، لأنها كانت تتضمن دفع 180 مليون يورو لجلب لاعب سيصبح مجانيا في غضون أشهر، فضلا عن العديد من الإغراءات التي تقارب ما منحه له باريس سان جيرمان بالفعل، ولأنها تتعلق بنادٍ تعاقد مع زين الدين زيدان ولويس فيغو ورونالدو ومايكل أوين ودافيد بيكهام في حقبة واحدة وفشل في تحقيق ما يرجو، فعاد بعدها بسنوات ليتعاقد مع كريستيانو رونالدو وريكاردو كاكا وكريم بنزيما وتشابي ألونسو في ميركاتو واحد. (9)(10)(11)

مع بداية القرن الحالي، كان باستطاعة ريال مدريد أن ينفق كل هذه الأموال ويفشل، فيبتعد رئيسه عن المشهد ويعود بعدها بـ 3 سنوات فقط ويكرر الأمر مرة أخرى، وأيضا دون تحقيق النتائج المرجوة. فيستمر في محاولاته حتى يقرر التوقف عن مثل هذه التعاقدات لفترة لأسباب استثمارية، فتُسقط الذاكرة قصيرة المدى تلك التفاصيل، وتضع الميرينغي في خانة الضحية أمام الوحش الباريسي المُدمِّر لكرة القدم! (12)

الطريف أنه في تلك الفترة التي يعتمد فيها ريال مدريد على عدد من الشباب والقدامى، ويبدو نظريا وكأنه لا يبرم صفقات، أنفق 785 مليون يورو نظير التعاقدات في مقابل مليار و40 مليون يورو لباريس سان جيرمان. من الواضح أن النادي الفرنسي أنفق أكثر، ولكن هل يبدو الفارق بينهما كافيا ليوضع ريال مدريد في خانة الضحية؟ (13)

أما إذا نظرنا إلى قائمة أكثر الأندية إنفاقا على التعاقدات منذ 2016، فسنجد أن يوفنتوس يتصدر القائمة متفوقا على وصيفه مانشستر سيتي، وأن مانشستر يونايتد أنفق أكثر من باريس سان جيرمان، وأن صاحب المركز الثالث في القائمة هو برشلونة الذي يعاني من أزمة مالية كادت تُدمِّره. وهنا ننتقل إلى اللحظة التي تكرهها الجماهير، نظرا لأنها تكشف لها حقيقة تهرب منها دائما؛ تلك التي تقول ببساطة إن الجميع يشارك في إفساد اللعبة، حتى هم أنفسهم! (14)

كلنا فاسدون.. لا أستثني أحدا

فيليب كوتينيو (يمين) وأنطوان جريزمان

أنت هنا بوصفك مشجعا مطالب بتقبُّل حقيقة أن فريقك يُفسِد كرة القدم، فكيف لنادٍ مثل برشلونة أن يحصل على 222 مليون يورو مقابل لاعب أن يعاني بهذه الطريقة بعدها بسنوات قليلة؟ وكيف تفنَّنت إدارته في تضييع الأموال مقابل لاعبين لا يحتاج إليهم الفريق مثل أنطوان غريزمان وفيليب كوتينيو؟ وكيف برَّرت الجماهير ذلك واحتفت به بدلا من أن تعتبره إفسادا للعبة؟ (15)

الإجابة ببساطة هي أن سردية "أندية الأموال" لا يمكن أن تنطبق على برشلونة؛ الفريق الذي بنى أمجاده بفلسفة خاصة ومنح كرة القدم الكثير من القيم عبر تاريخه، أو ريال مدريد الذي يُعَدُّ أعظم وأنجح نادي كرة قدم في التاريخ، الفريق الفائز دائما الذي يمتلك شخصية البطل عبر العصور، أو يوفنتوس بطل إيطاليا التاريخي، وإلى آخره من تلك الأندية الكبرى ذات التاريخ والإرث الكروي.

هذه الأندية انفصلت عن قيمها وتاريخها، وقامت بأفعال يمكن وصفها بأنها "منحطة" دون اعتذار، ولكن الظهير التاريخي والشعبية يمكنهما محو ذلك في الحال، لن يخبرك أحد عن عبثية التعاقد مع هازارد مقابل 135 مليون يورو مع تبقي عام واحد في عقده، والاستعداد لتكرار الأمر نفسه مع مبابي رغم الفشل، ولا عن عبثية وضع أكثر من 400 مليون يورو للتعاقد مع عثمان ديمبيلي وغريزمان وكوتينيو في ظرف عام ونصف، لأن ريال مدريد وبرشلونة يمتلكان من التاريخ ما يسمح لهما بإفساد اللعبة، بينما الأندية حديثة العهد بالنجاح لا تمتلك الحق ذاته، لأنها تنفق الأموال دون أن تمتلك تاريخا أو دعما من دولة ما. ما العلاقة؟ لا أحد يعرف. (16)

هذا بالطبع غيض من فيض إفساد الأندية الكبرى، بالأحرى مجرد أمثلة حدثت في السنوات الأخيرة فقط، وذلك في خضم رحلتنا الشائقة للإجابة عن سؤال: مَن هو مُفسِد كرة القدم الحقيقي؟ الطريف أننا نكتشف متهمين جددا كلما طالت رحلتنا.

إلى الجماهير

بين هذا وذاك، ستجد نغمة واحدة تتكرر من قِبَل الجماهير الرافضة لما آلت إليه كرة القدم، نغمة الحسرة على اللعبة التي أحبَّتها وانتهت أمام لعبة مختلفة تتشكَّل برعاية الأندية الشريرة، ولكن قبل أن نذرف الدموع معا، دعنا نخبرك أن كل ما حدث من فساد وتحكُّم بالأموال وفجوات بين الأندية وتغيير لمصائر بطولات وألقاب وغيرها من الأشياء الكريهة لم تكن لتحدث إلا بمشاركة الجماهير، ولن تكون مبالغة إذا قلت إن الجمهور هو السبب الرئيسي وليس فقط أحد الأسباب.

في كل الخطوات السابقة، ستجد الأندية تستمد نفوذها وأرباحها من عدد مشجيعها أولا، ثم استعدادهم للقيام بأي شيء من أجل ذلك النادي الذي يشجعونه، بالأحرى، حالة الفصام التي يعانون منها ما بين حياتهم بشرا وحياتهم مشجعين. هذا الولاء المطلق لـ "الكيان" بغض النظر عمّا يمارسه القائمون عليه جعل الأندية تضمن ضخ جماهيرها للأموال مهما حدث، وبالتالي فإن القائمين على اللعبة والمستثمرين فيها لم يصبحوا مطالبين إلا بالزج باسم الأندية واللاعبين أصحاب الشعبية فقط، وسيأتي الجمهور بلا أي عناء.

أما رؤساء ومُلَّاك الأندية فقد أصبح باستطاعتهم احتكار السوق والإنفاق أكثر من غيرهم فقط لأنهم يستطيعون ذلك، وسيفخر الجمهور، يفوزون بكل الوسائل غير المشروعة، وسيفرح الجمهور، يمارسون أي شيء سواء كان أخلاقيا أو غير ذلك، وسيطرب الجمهور، وتذكَّر أن الجماهير هي مصدر نفوذ الأندية الأوحد، لذا يجب أن ترضى دائما.

الجمهور الذي يتهم الأموال بإفساد كرة القدم هو مَن يريد من إدارة فريقه التعاقد مع كل لاعبي العالم، يخوض حربا مع صديقه على المقهى حول مَن منهما سيتعاقد مع هالاند ومبابي مقابل 500 مليون يورو، هذا يحدث في كل مقاهي العالم، فيجتمع هؤلاء الراغبون في التوحّش لحسم كل الألقاب للضغط على أنديتهم، فترتفع أسعار السوق وتستجيب الأندية، بسبب الرأسمالية؟ لا، بسبب الجماهير أولا. يُمارس الضغط على الحكام، ويفخر مَن كان يخوض حربا على المقهى بفوز مشبوه رغبة في نكاية صديقه مرة أخرى، فتزيد الانتصارات المشبوهة، وأيضا السبب هو الجماهير، وإلى آخره من الأشياء المشابهة التي تحدث بمباركة جماهيرية.

وفوق ذلك، تتعجَّب من قدرة هذه الجماهير على التحوُّل كليا، وحالة الفصام التي تعاني منها بين الحياة وكرة القدم، فيجتمع الأصدقاء على المقهى نفسه، ويتحدثون عن بعض رجال أعمال بلادهم الفاسدين الذين يستعبدون العمال باسم الرأسمالية، ويضاعفون ثرواتهم بطرق مشبوهة، ثم يُشيدون بمَن يفعلون ذلك في بلاد أخرى فقط لأنهم رؤساء لأندية يشجعونها، ربما لأنها أندية شريفة تمتلك تاريخا، وليست مدعومة من دولة مباشرة!

هذه الأفعال ساهمت في إصدار قانون ضمني من قِبَل الجماهير مفاده أن كل شيء مباح في الحب والحرب وكرة القدم، وأنه لا وجود للفساد والغش والتحايل والسرقة، ولماذا أصلا نقول هذه الكلمات المهينة ما دام من الممكن استبدالها بالذكاء والحنكة؟ سلَّمت الجماهير نفسها تماما لإدارات الأندية باسم الانتماء المطلق للكيان، فبات مُسيّرو كرة القدم يعبثون بها وبهم يمينا ويسارا، ويضاعفون من خلالهم الأرباح والأموال، وكلما حدث ذلك، تباكت الجماهير على كرة القدم المسلوبة منها، وردَّدت عبارة أن كُرتها سرقها الأغنياء وأندية الأموال، حتى وإن كانت تشجع أندية حكمت العالم واحتكرت اللعبة بأموالها منذ سنوات طويلة.

_____________________________________

المصادر

  1. قائمة أغلى 100 لاعب في تاريخ كرة القدم 
  2. عرض ريال مدريد لكيليان مبابي قبل 6 أشهر من نهاية عقده مع باريس سان جيرمان 
  3. باريس سان جيرمان يجدد عقد كيليان مبابي حتى 2024 
  4. لماذا ابتعد باريس سان جيرمان وبايرن ميونيخ عن السوبرليغ؟ – فوربس 
  5. مَن هم مُلَّاك باريس سان جيرمان؟ 
  6. بوردو إلى الدرجة الثالثة بسبب خرق قواعد اللعب المالي النظيف
  7. عقد كيليان مبابي الجديد يجعله أقوى شخصية في باريس سان جيرمان – الغارديان 
  8. رحلة بارما الدرامية من ظلام الرابعة لأضواء السيريي آه 
  9. قد كيليان مبابي الجديد يجعله أقوى شخصية في باريس سان جيرمان – الغارديان 
  10. جالاكتيكوس في ريال مدريد: 10 لحظات مهمة من حقبة جلبت فيجو وزيدان ورونالدو وبيكهام إلى البرنابيو
  11. تعاقدات ريال مدريد في صيف 2009 
  12. المصدر السابق
  13. أكثر أندية كرة القدم إنفاقا بين 2016 و2022 
  14. المصدر السابق
  15. تفاصيل صفقة انتقال نيمار من برشلونة إلى باريس سان جيرمان 
  16. تفاصيل صفقة انتقال هازارد من تشيلسي إلى ريال مدريد 
المصدر : الجزيرة