إلى يورغن كلوب.. هل تؤمن بالحياة بعد 2022؟

قبل كل مرة نخاطبك فيها في هذه المساحة، عادة ما نكتب العنوان أولا. عادة ما تكون الأفكار حاضرة من البداية، ومرتبة في تسلسل منطقي يصل بنا إلى خلاصة ما في النهاية. عادة ما نعلم ما سنقوله ولا يتبقى لنا سوى كيف سنقوله، وعادة ما يكون هذا مطمئنا ومريحا للأعصاب.

هذه المرة مختلفة، فبعد كتابة العنوان، وعلى غير العادة، شعرنا بدرجة من الارتباك. هل هو سؤال استنكاري لأنه لا أحد سيرغب في الاستمرار بعد خسارة الدوري بفارق نقطة ودوري الأبطال في النهائي؟ أم أنه سؤال استفهامي جاد لأن الفريق الذي خسر أمامه يورغن اللقب بفارق نقطة في 2022 كان الفريق ذاته الذي خسر أمامه اللقب بفارق نقطة أيضا في 2019، ولأن الفريق الذي قهره بطريقة ما في نهائي 2022 كان أيضا الفريق ذاته الذي قهره بطريقة مشابهة في 2018، ورغم ذلك عاد كلوب وفريقه ليُحقِّقا اللقبين معا بعدها؟

انطلاقة إلى الماضي

لو كنت تتابع ما يُكتب هنا عادة فستتذكر أننا توقعنا انهيار مشروع ليفربول بعد خسارة بريميرليغ 2019، وأن يرحل نجومه هربا من الإحباط، وبالطبع كان العكس هو ما حدث بالضبط. كان هذا التوقع قبيل الفوز في نهائي دوري الأبطال على توتنهام في آخر مباريات الموسم، ونهوض العنقاء مجددا من رماد الهزيمة. (1)

لم نندم على هذا التوقع لأنه بدا منطقيا في حينها، ورغم أن العكس كان ما حدث بالضبط بعدها أيضا، وفاز ليفربول بالدوري بسهولة مفاجئة وغير متوقعة بالمرة، فإن هذه المرة تبدو مختلفة؛ عندما خسر كلوب بريميرليغ 2019 وجد عزاءه في لقب دوري الأبطال في الموسم ذاته، وتحديدا معجزة أنفيلد. هذه المرة مختلفة لأنها كانت الضربة الأقسى على الإطلاق في مسيرة كلوب، وربما مسيرة أي مدرب باستثناء كلاوس توبمولر، الألماني الآخر الذي كان يدرب باير ليفركوزن في 2002، وخسر الثلاثية في آخر ثلاث مباريات بالبطولات الثلاث، وللمفارقة، كانت إحدى هذه الهزائم أمام ريال مدريد كذلك. (2)

لم نندم على هذا التوقع، ولكن الأهم أننا لم نفهم ما حدث حينها أيضا. لا أحد يبذل الكثير من الجهد في تفسير المفاجآت السارة، وتحقيق ليفربول كلوب للقب الدوري كان إحدى هذه المفاجآت، لأنها أنقذته وأنقذت فريقه من وصمة الفشل التي لم يكن ليرضاها لهم حتى ألد أعدائهم.

هل تؤمن بالتحليل بعد الفوز بلقب انتظرته 30 عاما؟ السؤال استنكاري هذه المرة. التفكير مكروه في هذه الحالات لسبب واضح بسيط؛ لا بد أن ليفربول كان جاهزا على المستوى الفني والتكتيكي للفوز باللقب مرة أو مرتين على الأقل في العقود الثلاثة الماضية، ولكن العبء النفسي للانتظار الطويل كان يفوق قدرة الجميع على الاحتمال، ويسحقهم في اللحظات الحاسمة.

لذا كان الانفجار نفسيا وعاطفيا بالأساس أكثر منه تكتيكيا وفنيا، انفجار التحرر من وزن 30 عاما أثقلت كاهل الجميع، وراح ضحيتها الكثيرون، ولم ينجُ منها حتى ستيفن جيرارد، القائد التاريخي الذي ارتبط اسمه باليأس في النهاية، بعد أن كان تجسيدا للأمل طوال مسيرته.

فجأة، تحوَّلت أطنان من الضغط العصبي والذهني المتراكم إلى غبار، واتضح أن مانشستر سيتي قابل للهزيمة، وأن الأمل غير المنطقي -وربما الساذج- الذي تحلّى به كلوب بعد خسارة لقب 2019 كان هو ما استنزف كتيبة غوارديولا المرعبة عند لحظة ما، لاحت فيها ثغرة في درعهم المنيع، وكان تفاؤله الدائم وسعيه المستمر هو ما منحه الفرصة لاستغلالها.

الرجل الذي يعلم

في اللحظة ذاتها، طرأت مشكلة لم يحسب أحد حسابها؛ زوال العبء النفسي الضخم ترك فراغا كان لا بد من ملئه، ببساطة لأن استمراره طوال هذه المدة جعل مشجعي ليفربول يعتادونه ويألفونه، وربما يدمنونه، وهذا جعلهم -ربما بلا وعي منهم- غير مستعدين للتخلي عنه فجأة بلا مقدمات. كل هذا كان يحتاج إلى تفسير واضح مقنع يساعدهم ويساعد العالم على فهم ما حدث، حتى يتمكَّن الجميع من المُضي قُدما وإغلاق صفحة الماضي.

هل كانت عبقرية كلوب وفريقه التكتيكية؟ ضغطهم السريع الشرس؟ اتخاذهم من الحِدَّة هوية كما قال كلوب ومساعده بيب ليندرز مرارا؟ مزية الطرف الأضعف أمام تمويل بلا قاع؟ كل هذا كان مستقرا ومتفقا عليه من قبل، بل وساعدهم على التفوق على مانشستر سيتي في أكثر من مواجهة، ولكنه لم يمنحهم القدرة على الفوز بالدوري من قبل.

هذه التساؤلات لم يكن لها إلا نتيجة منطقية واحدة؛ التفسير النفسي باعتباره المضاد الطبيعي لعبء نفسي بالأساس، وفي الحقيقة، كان لهذه النظرية عدة روافد تجمَّعت عبر الزمن لتصنع هذا التيار الضخم؛ عصبية كلوب الدائمة وانفعالاته على الخط، وتصريحات أوريغي عن محاضرة كلوب الحماسية بين شوطَيْ نصف نهائي الدوري الأوروبي ضد دورتموند، التي ساعدت الفريق -طبقا لأوريغي- على تحويل تأخُّرهم في النتيجة إلى "قصة سيحكونها إلى أحفادهم"، وحديث كلوب الشهير قبل معجزة أنفيلد، ناهيك بحقيقة أنه في موسم اللقب الأسطوري، 2019-2020، كان الريدز أكثر فِرَق البريميرليغ تحقيقا للنقاط من مواقع التأخر في النتيجة.

استمرارية هذه النوبات التحفيزية -إن جاز التعبير- وارتباطها بكل حدث مهم مر به هذا الفريق، جعلها تفسيرا منطقيا سهلا لقدرة ليفربول كلوب الهائلة على تجاوز الصعوبات والإحباطات. ببساطة؛ الرجل وَحش في كل ما يتعلق بهذا الجانب، وانطباعات لاعبيه تؤكد ذلك بما لا يدع مجالا للشك، ولو كان هذا هو ما ساعدهم على تجاوز ما حدث في 2019، فقد يساعدهم على تجاوز ما حدث في 2022. (3) (4)

في مارس/آذار 2021 مثلا، تحدَّث أليسون بيكر لـ "فور فور تو" (Four Four Two) عن "كلوب المتخصص في التحفيز"، و"الرجل الذي يعلم ما سيقوله دائما"، و"الكلمات الصحيحة في الوقت الصحيح". هذه عبارات متكررة تلاحظها بسهولة كلما تحدث أحدهم عن الألماني؛ في حوار آخر مع "فرانس فوتبول" (France Football) في مارس/آذار 2019، استخدم مانيه العبارة ذاتها تحديدا: "الرجل يعلم ما سيقوله دائما"، وكرَّر أوريغي عبارة "الكلمات الصحيحة في الوقت الصحيح" في حوار آخر. (5) (6)

"شغوف" و"حماسي" و"حادّ"؛ كل المفردات التي تصف كلوب وشخصيته وأسلوب لعبه تأتي من عالم واحد، عالم سريع متحرك صاخب مشتعل بالرغبة طوال الوقت. حتى عندما رغب أكبر منافسيه، غوارديولا، في الحديث عن مواجهتهما الأخيرة بالدوري، وصفها بأنها كانت "مباراة ملاكمة سريعة كما يُفضِّل يورغن". حتى عندما كتب رافائيل هونيغستين سيرته الذاتية اختار لها عنوانا من العالم الصاخب ذاته (7)، (8) هو "فلتَحضر الضوضاء" (Bring The Noise).

الرجل الذي لا يعلم

المفاجأة هنا أن هذه الشخصية التي رسمها الإعلام ومحيط كلوب نفسه بإصرار عبر السنوات القليلة الماضية متناقضة تماما مع الشخصية التي يرسمها كلوب لذاته، تناقض يصل إلى حد التضاد.

كان من أول قرارات كلوب عندما أتى إلى النادي هو الاستغناء عن خدمات "ستيف بيترز"، المعالج النفسي للاعبين الذي تم التعاقد معه إبان حقبة رودجرز.

الرجل نفسه، الذي يصفه لاعبوه بأنه "يعلم ما سيقوله دائما"، قال لجيمز بيرس محرر "ذي أثلتيك" (The Athletic) عبر مقابلة طويلة في نوفمبر/تشرين الثاني 2019، إنه عندما يجتمع باللاعبين في مثل هذه المحاضرات لا يكون في رأسه سوى العبارة الأولى فقط، وغالبا ما يترك الباقي للارتجال اللحظي، ثم أضاف، لدهشة بيرس، أنه لا يتذكر المحاضرة التي تحدث عنها أوريغي، ولولا أن البلجيكي حكاها للإعلام لما بقي لها أثر في ذاكرته. (9)

الرجل نفسه، في المقابلة ذاتها، يقول إنه لا يهتم كثيرا بالجانب النفسي من الأساس. في الواقع، كان من أول قرارات كلوب عندما أتى إلى النادي هو الاستغناء عن خدمات ستيف بيترز، المعالج النفسي للاعبين الذي تم التعاقد معه إبان حقبة رودجرز، لسبب بسيط مفاجئ بدوره، وهو حقيقة أن بيترز كان يطلب من اللاعبين حضور جلسات أسبوعية، وكان يلتزم بحضور المران لمراقبتهم، وكان يطلب المعلومات عن حالتهم الصحية والبدنية والعائلية، وكان يعتقد أن عمله محوري في نجاح الفريق.

تخيل أن هذا هو بالضبط ما لم يعجب يورغن في بيترز، وبدلا منه تعاقد النادي مع لي ريتشاردسون الذي يناديه كلوب بـ"ريكو". ريكو موجود بمكتبه بالنادي ثلاثة أيام فقط في الأسبوع، وجلساته الاستشارية مع اللاعبين ليست إجبارية، والأهم أن يورغن يقول نصا إنه لا يملك أدنى فكرة عما يجري في هذه الجلسات.

هذا كله صادم ومفاجئ للغاية، ليس فقط لأنه يأتي على لسان كلوب، ولكن أيضا لأن كلوب كان أحد تلاميذ وولفغانغ فرانك، أحد عرابي الكرة الألمانية الحديثة، الذي درس يورغن شهادة العلوم الرياضية على يده في معهد غوته. وولفغانغ هو الرجل الذي كان يقول لتلاميذه إنهم يجب أن ينفقوا 10% على الأقل من رواتبهم على كتب علم النفس، ولكن -مفاجأة أخرى- كلوب لم يبتع أو يقرأ كتابا واحدا منها في حياته، رغم أن وولفغانغ كان، وبلا منازع، الأكثر تأثيرا في أفكاره وفلسفته منذ قرر أن يصبح مدربا. (10)

"لم أهتم بالأمر أبدا. كنت أقرأ ما أحتاج إليه لتجاوز الامتحان فقط لا غير، وبصراحة، اللاعبون الذين كنا ندربهم لم يكونوا لينتبهوا لو وجدوني أقرأ الكتاب مقلوبا. الكثير منا لم يفهم العناوين ناهيك بمحتوى الكتب، ولكن الكثير منا اشتروها فقط لأن وولفغانغ طلب ذلك!".

(من مقابلة كلوب مع جيمز بيرس من "ذي أثلتيك" بتاريخ 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2019) (9)

وجهة نظر كلوب بسيطة؛ هو يعترف بأنه لا يفهم حرفا في علم النفس، ولكنه يؤمن أن الأمر كله متعلق بالعقلية، اللفظة التي كررها كثيرا في حواراته، وأن تجاوز مثل هذه الإحباطات، والعودة في النتيجة بعد التأخر، والإيمان بالقدرة على تخطي الصعوبات مهما كانت، هي حالة ذهنية بالأساس، لا يولد بها الناس، ولكنهم يكتسبونها من خلال تجاربهم عبر الزمن، وهذه التجارب هي ما تمنحهم القدرة على "التفاعل مع الموقف" كما يرى كلوب.

الرجل الذي لا يعلم أنه يعلم

 

بالطبع كل هذا مزعج ومُربك للغاية، ببساطة لأنه يهدم واحدة من أهم القناعات البديهية التي استقرت عن الرجل، ويترك فراغا آخر نحتاج إلى ملئه؛ كيف يرى كلوب -على حد تعبيره- أن "الجانب النفسي ليس من نقاط قوته"؟ وإن لم يكن مهتما بعلم النفس من الأساس، فكيف يحفز لاعبيه؟ وكيف يرى فيه لاعبوه عكس ما يراه في نفسه؟ لماذا يتعقّد الأمر كلما حاولنا تفكيكه؟

الحقيقة أن العكس هو الصحيح. هناك تفسير منطقي واحد لكل هذا التناقض بين نظرة كلوب لنفسه ونظرة لاعبيه له، وهو أسهل التفسيرات وأبسطها على الإطلاق؛ وهو أن كلا الطرفين على حق. كلوب لا يعلم حرفا عن علم النفس فعلا، ولو كان يقرأ الكتب التي نصحه وولفغانغ بقراءتها، لعلم أن حالته قد تم توصيفها بدقة من قِبَل أحد أشهر باحثي علم النفس في العقدين الأخيرين؛ ديفيد داننغ وجاستن كروغر اللذين وضعا نظرية لما يعرف بتأثير داننغ-كروغر عام 1999، وهو ميل الأشخاص ذوي الإمكانات المحدودة للمبالغة في تقدير قدراتهم، وبالعكس، ميل الأشخاص ذوي الإمكانات الكبيرة -مثل كلوب- للشك في أنفسهم، أو ما يمكنك تلخيصه بالحكمة القديمة؛ كلما عرفت أكثر، أدركت قِلة ما تعرفه. (11)

كلوب وَحش فعلا في كل ما يتعلق بهذا الجانب، ولكنه في الوقت ذاته لا يزال مثل هؤلاء اللاعبين الذين وصفهم إبان دراسته، لم يكن لينتبه لو كان يقرأ كتابا لعلم النفس مقلوبا، ببساطة لأن هذه القدرات الاستثنائية على التحفيز، وهذه المحاضرات الحماسية التي كثيرا ما أشعلت رغبة لاعبيه في الفوز، لم تكن شيئا درسه في معهد غوته أو أي معهد آخر، بل عصارة تجاربه الحياتية.

يمكنك ملاحظة ذلك بسهولة في تصوره الساذج بأن هناك خطا فاصلا واضحا بين ما هو ذهني وما هو نفسي، وخلطه بين المصطلحات العلمية في هذه المساحة. هو ليس مهتما ببساطة، ولكن ليس لأنه لا يعلم، بل لأنه يعلم، ولكنه لا يعلم أنه يعلم.

 

-"فيرمينو أخبرني بأنك تستطيع تحفيزهم بطريقة مختلفة كل يوم.. كيف تفعل ذلك؟".

="(مبتسما) عذرا، لو كنت أعلم كيف ولماذا أفعل ما أفعله لكتبت كتابا عن الأمر".

(من مقابلة كلوب مع جيمز بيرس لـ "ذي أثلتيك" بتاريخ 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2019) (9)

حتى عندما ذهب كلوب لإجراء الاختبار الشفهي في مادة علم النفس الرياضي قبيل الحصول على شهادته، كان يعتزم أن تكون محاضرته عن التحفيز النفسي ولكن مدرس المادة رفض، ببساطة لأن هذا هو ما اختاره كل زملائه في اختباراتهم، لذا قرر كلوب الحديث عن موضوع آخر، وبالطبع نجح، وبالطبع هو لا يتذكر أي موضوع تحدث عنه. (9)

هذا المثال تحديدا هو ما يؤكد أن ما يعلمه كلوب عن الأمر أكثر بكثير مما يتخيل أنه يعلمه، ويؤكد أيضا أن قراره برحيل ستيف بيترز لم يكن لأنه لا يؤمن بجدوى العلاج النفسي، بل لأنه رأى في نفسه القدرة على القيام به بنفسه. الفارق الوحيد فقط أنه يسميها "عقلية".

الأمر كله بديهي للغاية بالنسبة ليورغن، ببساطة لأن غريزته ورغبته في البقاء كانت هي ما علَّمه القدرة على تحفيز نفسه بعد كل إخفاق، ولو لم يكن هذا من نقاط قوته، لاستسلم من زمن. ربما لهذا لا يشعر أبدا بالحاجة إلى قراءة الكتب أو استشارة المعالجين النفسيين، وربما للسبب نفسه كان جاهزا للاختبار الشفهي رغم أنه لم يقرأ كتابا عن علم النفس في حياته.

الحياة بعد 2022

التفسير المنطقي الوحيد هو أن كلوب اكتسب تلك القدرة دون وعي منه عبر مسيرته المتعثرة لاعبا ومدربا. التفسير المنطقي الوحيد أن كل تلك المواقف الصعبة التي يواجهها الآن لها مثيل في ذاكرته نجح في تخطيه بالفعل. التفسير المنطقي الوحيد لاستخدامه عبارات بسيطة مثل "أنا فقط أتفاعل مع الموقف" هو أن الأمر كله بسيط بالنسبة له فعلا. التفسير المنطقي الوحيد هو أن كلوب تعلَّم علم النفس والتحفيز الذاتي من مصدرهما الأصلي الذي ألهم فرويد وفيبر وكروغر وغيرهم؛ الحياة. (12)

هذا ما يجعله أقدر من أي معالج أو طبيب على توصيل مشاعر مثل الحماس والشغف والرغبة للاعبيه، وهذا ما يجعله يحتل مساحة ضخمة في حياتهم، يحبونه فيها كأب، ويخشونه ويحترمونه كأب أيضا.

هذا أيضا هو التفسير المنطقي لمخالفة يورغن المستمرة لكل نصائح طب النفس، فمع كل إحباط جديد يصيبك بالاكتئاب يخبرك الأطباء النفسيون بمجموعة من النصائح لتجاوز الأمر؛ أشياء مثل الإكثار من ممارسة اليوغا والتنفس من البطن والتأمل، والأهم يطالبونك بـ"حُسن إدارة توقعاتك للمستقبل"، بمعنى ألا تأمل في أكثر مما هو منطقي أو واقعي. (13) (14) (15)

هذا هو عكس ما يفعله يورغن طوال الوقت؛ على حد علمنا فهو لا يمارس اليوغا، ولا يتنفس من بطنه، وغالبا لا يتأمل، والأهم أن كلوب دائما ما يملأ مَن حوله بالشغف والطاقة والإيجابية، ويُشعرهم بالمسؤولية، ثم يطلب منهم أفضل مما يتوقع أي أحد، فينتهي الأمر باستخراج أفضل ما عندهم، غالبا لأن تلك كانت وصفته لتجاوز إخفاقاته الشخصية طيلة حياته.

هل يدفعه كل ذلك إلى إيمان بجدوى الحياة بعد 2022؟ ربما لسنا بحاجة إلى التوقع أو الاستنتاج، ربما نحن بحاجة إلى الاستسلام للحقيقة الساطعة التي أثبتتها التجارب السابقة ولم تعد مفاجأة؛ يورغن سيحاول مرة أخرى لأنه فشل أكثر بكثير مما نجح، ولأن ما يعتبره الآخرون إحباطا مدمرا هو حياته العادية. ربما هذا هو ما يجعله يرى الأمل أينما يرى الآخرون يأسا، وربما هذا هو ما يجعله يرى أسبابا للاستمرار بينما يشعر الجميع بالرغبة في التوقف، وما يجعله يرى الحماقة شجاعة أحيانا.

اليأس أشبه بثقب أسود يبتلع كل ما حوله بلا هوادة دون شبع، قوة جذب هائلة يستحيل مقاومتها بمجرد الاقتراب منها، ولكن كلوب وجد لنفسه مكانا في مدار ثقب الخوف الأسود، بل انتزع لنفسه هذا المكان بالأحرى، حتى أصبح نقطة مرجعية بالقوة ذاتها، تُعادل الأثر دائما وتتفوق عليه أحيانا. هذه هي حياته العادية الباهرة التي لا يراها باهرة، ولهذا نتعلم منها كل يوم، من الانتصارات بقدر الهزائم.

_________________________________________

المصادر:

  1.  ليفربول لن ينسى اليوم الذي خسر فيه البريميرليغ أبدا – الجزيرة
  2. كلاوس توبمولر: "كنت سأحضن العالم بأكمله!" – Bayer 04
  3. خمس طرق ساعد بها أسلوب كلوب القيادي ليفربول على الوصول إلى القمة – The Conversation
  4.  يورغن كلوب يشرح كيف يُبقي فريقه متحفزا طوال الوقت – The Football Faithful
  5.  "كلوب متخصص".. أليسون بيكر يشرح كيف يُبقي كلوب لاعبيه متحفزين – Tribuna
  6. ساديو مانيه يكشف كيف حفّز كلوب لاعبيه ليعودوا في النتيجة أمام برشلونة – Tribuna
  7.  لقاء غوارديولا وكلوب عقب المباراة – Sky Sports
  8. كتاب "كلوب: فلتحضر الضوضاء" لرافائيل هونيغستين – Amazon
  9.  كلوب: "الشيء الوحيد الذي أعرفه حقا عندما أجتمع باللاعبين هو العبارة الأولى فقط!" – The Athletic
  10. كلوب: "لا يمكنك أن تنتمي إلى الفريق وتتصرف كنجم في الوقت ذاته" – Independent
  11. تأثير داننغ-كروغر – Britannica
  12. لي ريتشاردسون معالج ليفربول النفسي: "كلوب هو أول طبيب نفسي للاعبين!" – The Athletic
  13. 18 طريقة للتعامل مع الإحباط – Mental Health America
  14.  كيف تتعامل مع الإحباط؟ – Psychology Today
  15. 10 نصائح للتعامل مع الإحباط – Choosing Therapy
المصدر : الجزيرة