شعار قسم ميدان

ابن العرّاب.. هل وصل دافيد أنشيلوتي إلى ريال مدريد بالواسطة؟

إذا كنت ابنا لأحد الناجحين في مجال ما، فإن ذلك يسهّل لك نقطة الانطلاق فقط باستخدام اسمك الثلاثي. في تلك الحالة، ستتجاوز العديد من العقبات التي يواجهها الآخرون، وتتاح لك فرصة التعلم عن قرب من نموذج يحلم بأن يراك أفضل منه، بينما يحلم الآخرون بالجلوس معه لساعة واحدة، لعله يضيف إلى خبراتهم شيئا.

في الوقت ذاته، هناك ضريبة ستُجبَر على دفعها. كابوس "أبناء العاملين" سيطاردك دوما، وقد لا تجد التقدير الكافي لعملك حتى إذا كنت كفؤا، لأن الغالبية لن يقيّموك لشخصك، بل سيفسرون ما وصلت إليه بكونك "ابن فلان" ليس إلا.

وحين تكون نجل أحد أبرز عرّابي كرة القدم عبر تاريخها، وتقرر العمل في الكرة، ستتسع دائرة الاتهامات لتشمل ملايين البشر، وليس فقط مجرد زملاء العمل وبعض المعارف الشخصية. ولأن "دافيد" نجل "كارلو أنشيلوتي" قرر أن يسلك طريق الأب، وبدأ بالفعل في تحقيق بعض النجاحات في ظل والده، فنحن قطعا في حاجة إلى أن نعرف عنه ما هو أكثر من كونه ابن أبيه (1).

مَن حبيب بابا؟

كارلو أنشيلوتي (يسار) وابنه دايفيد أنشيلوتي

دافيد أنشيلوتي من مواليد 1989، وأول وظيفة جمعته بوالده هي عمله مدربا للياقة البدنية في أكاديمية باريس سان جيرمان عام 2012. تخيَّلِ المشهد؛ شاب لم يبلغ بعدُ 23 عاما، يعمل مع والده في نادٍ كباريس سان جيرمان، ثم يتحرك معه في كل رحلاته التدريبية بدءا من تلك التجربة، علما بأنه لم يكن لاعب كرة قدم محترفا قبل ذلك، بعد فشل تجاربه بوصفه ناشئا مع بعض الأندية المغمورة (2).

هذا المشهد لن يُخرج إلا استنتاجا واحدا، لا يمكن أن يتصور المحيطون بهذا الشاب الذي غادر المراهقة لتوه أنه جاء هنا لعبقريته الفذة، ولن يبحث أحد في مؤهلاته حتى ينضم إلى جهاز كارلو أنشيلوتي الفني، لأنها بالنسبة إلى الجميع واضحة للغاية، حيث تقتصر فقط على خانة الأب في شهادة ميلاده. وبكل صراحة، كل من ظن ذلك وقتها معه كامل الحق.

ولكن، إن افترضنا أن بداية الرجل في ذلك المجال كانت من خلال والده، فهل يعتبر ذلك مبررا لنسف كل ما سيقوم به مستقبلا؟ قطعا لا. بالتأكيد وجود كارلو سهّل عليه الانطلاقة المبكرة، فضَمِن له مصدرا ثمينا للمعرفة داخل المنزل، وربما منحه فرصا لم يكن ليحصل عليها بقدراته فقط، وما حدث بعد ذلك قد يكون من قبيل المجاملة أيضا، وقد يكون عن استحقاق. السؤال الآن: كيف نفصل في هذا الأمر دون أن نتحامل على دافيد أو نجامله؟

الإجابة بسيطة للغاية: الرجل لم يعمل في وظيفة سرية تمنعنا من البحث والاستقصاء وراء رحلاته، إذن يمكننا السير مع مسيرته لمعرفة ماذا حقق، وماذا فعل قبل أن يحصل على الفرصة الأولى، وما حدث بعد ذلك وصولا إلى كونه المساعد الأول لوالده في ريال مدريد حاليا، أي في المنصب الذي شغله زين الدين زيدان شخصيا في ولاية أنشيلوتي الأولى، وهو أمر لو تعلمون عظيم (3).

مولود في أحضان الكرة

اتفقنا أن دافيد من مواليد 1989، أليس كذلك؟ نحن لسنا في السجل المدني لنخبرك بهذه المعلومة مرتين، أردنا فقط أن نذكرك بأنه العام نفسه الذي شهد تتويج والده بدوري أبطال أوروبا بوصفه لاعبا مع ميلان، ولأن أنشيلوتي الصغير كان وجه السعد على أبيه، تكرر الأمر ذاته في 1990، وحافظ ميلان على لقبه، وحقق كارلو اللقب الثاني له بوصفه لاعبا في بطولة لم يكن يعلم أنه سيصبح عرّابها باعتباره مُدرّبا أيضا(4).

ربما كان ذلك مؤشرا على حب طفولي للكرة يولد مع ولادة دافيد، وربما لا علاقة لذلك بما حدث. على أي حال، كان الارتباط بين الحدثين سينمائيا بعض الشيء، خاصة أنه حكى ذكرياته مع طفولته وكرة القدم، ووجوده أمام نجوم جيل يوفنتوس وميلان الذهبيين، وتعامله مع أبطال طفولته الخجولة المتيمة بكرة القدم، فرغم أنه لم يحتكّ بهم كثيرا، فإنه كان كثير المراقبة لهم عن كثب، والاستمتاع بكواليسهم، والانغماس في أجواء الكرة منذ نعومة أظافره(5).

المهم، أحَبَّ أنشيلوتي الصغير الكرة، وتربى في أجوائها، ولكنه مع وصوله إلى السن التي تسمح له بالسير على خطى والده، واجه مشكلة وَأَدَت الحُلم قبل أن يبدأ؛ لقد كان يفتقر دافيد إلى الموهبة، ولم يمتلك مؤهلات يصبح بها لاعبا، ولم يستطع كارلو بكل تأكيد أن يجعله لاعبا بلا موهبة، وذلك جعلنا نفترض حسن النية حين رأيناه يعمل في أجهزته الفنية بعدها بسنوات(6).

في لقاء مع صحيفة دايلي ميل، وأثناء وجود كارلو ودافيد أنشيلوتي في إيفرتون، تحدّثَ الابن صراحةً عن بداية حكايته، حيث قال إن عدم امتلاكه الموهبة ليكون لاعبا هو الأمر الذي شكّل علاقته الحالية بالكرة، حيث أدرك عدم قدرته على أن يصبح لاعبا بعد تجارب محدودة مع أندية مغمورة عقب المرور بمركز الناشئين في ميلان، فقرر الدراسة لسلوك طريق آخر(7).

موهبة أم دراسة؟

في الماضي، كانت نماذج مثل أريغو ساكي وأرسين فينغر وجوزيه مورينيو غريبة عن عالم التدريب، وكانت الفرص التي حصلوا عليها في البداية قبل أن يحفروا أسماءهم في التاريخ محل انتقاد، نظرا لأنهم لم يمارسوا كرة القدم باحتراف، عدا مورينيو الذي مارسها لفترة قصيرة، أما الآن فالنماذج التي تعمل في التدريب، سواء مديرون فنيون أو أعضاء في الأجهزة الفنية بناء على الدراسة والتعلّم فقط دون سابق علاقة باللعبة، أصبحت أكثر من أن تُحصَر(8).

دافيد أنشيلوتي أدرك افتقاد الموهبة فقرر الدراسة، السؤال هنا هو: ماذا درس؟ القصة بدأت منذ رحلته الجامعية، حيث حصل على شهادة في علوم الرياضة، وأُشيد به في أطروحته الجامعية، قبل أن يعمل مدربا للياقة البدنية بأكاديمية باريس سان جيرمان، ثم الجهاز الفني لريال مدريد في الولاية الأولى لكارلو. بعد ذلك، حصل على درجات 137 من أصل 140 قبل الحصول على الرخصة "B" من اليويفا، و13 من أصل 15 قبل حصوله على الرخصة "A" ليحتل المرتبة الأولى في فئته (9).

ثم ماذا؟ ثم رحلة إلى بايرن ميونخ لينضم إلى الجهاز الفني للوالد، رحلة بدأت هناك بوصفه مساعدا أول لأنشيلوتي، وليس أحد أفراد جهازه الفني فحسب. ذلك المنصب استمر مع دافيد في كل رحلات الوالد بعد ذلك؛ فعمل به في نابولي، ثم إيفرتون، وأخيرا ريال مدريد. يسأل أحدهم: وهل هناك سبب سوى خانة الأب في شهادة ميلاده ليكون الرجل الأول لوالده في كل رحلاته التدريبية بداية من 2016؟ في الحقيقة، يبدو سؤالا يستحق الإجابة بالفعل(10).

خلف الكواليس

داخل الغرف المغلقة، لا يوجد سوى إشادات بـ"أنشيلوتي جونيور" الذي يُجمِع الكل على أنه يشبه والده فيما يخص التعامل الإنساني وصداقة من حوله، الرجل يتحدث الإنجليزية والإيطالية والإسبانية والفرنسية والألمانية، أي لغات الدول الخمس التي عمل بها، لذلك كان تواصله مع الجميع سهلا. في إيفرتون على سبيل المثال، طلب من أعضاء الجهاز الفني من غير الإنجليز تحسين لغتهم الإنجليزية حتى يكون التواصل بين الجميع أسهل. مُؤثّر، وصاحب كلمة مسموعة ولكن بلطف، تماما كأبيه (11).

إضافة إلى ذلك، اعتاد دافيد عقد عدد من الاجتماعات الفردية والجماعية مع الموظفين في كل الأندية التي كان فيها، وذلك بهدف توضيح الخطوط العريضة لخريطة العمل، والتعرف إلى الجميع على المستوى الشخصي. أنشيلوتي الصغير لا يختبئ خلف والده، فهو جزء من صناعة القرار، كثير الحديث والتعليق على قرارات أبيه، يلعب كارلو دور الرئيس، ودافيد دور الجنرال، حيث يتولى مسؤولية الاستعداد للمباريات وتحليل المنافسين ووضع خطط لاستغلال نقاط ضعفهم. بالطبع إصرار كارلو على متابعة كل شيء بنفسه، ودون توكيل مساعديه بإدارة الحصص التدريبية كاملة، يسهّل عليهم الانشغال بتلك التفاصيل، والعمل أكثر على ما وراء التحليلات والأرقام(12).

في تقرير نشرته صحيفة ماركا الإسبانية، أكدت الصحيفة أن دافيد أنشيلوتي وبقية الطاقم التدريبي لديهم لقاءات يومية، يحللون خلالها كل ما يحدث لريال مدريد وخصومه، قبل المباريات وبعدها، وهو صاحب كلمة مسموعة فيما يخص التفاصيل الفرعية التي يتم الاتفاق عليها قبل المباريات، فمثلا ضرورة منح دقائق أكثر لكامافينغا لتغيير تركيبة الوسط كان قرارا منه، والطريقة التي سجل بها كريم بنزيما هدفا في ديربي العاصمة أمام أتليتكو مدريد كان بناءً على تعليمات من دافيد؛ فيما يخص التحرك خارج منطقة الجزاء وانتظار الكرة الأرضية من أحد الجانبين والتسديد من لمسة واحدة (13).

وماذا عن إيفرتون؟

بالعودة خطوة إلى الوراء، وتحديدا لرحلة أنشيلوتي في إيفرتون، تجد أن التوفيز عانوا مع ماركو سيلفا من الضربات الثابتة، حيث تلقوا منها العديد من الأهداف، وكانت سببا مباشرا في إقالته بعد ذلك. وبوصول كارلو، تولى دافيد ملف الضربات الثابتة، ليتغير الوضع كثيرا، وتتحسن المنظومة الدفاعية بلمسات واضحة من الشاب أنشيلوتي(14).

"في الركلات الحرة، يسقط إيفرتون بعمق شديد، وهو أمر منطقي للغاية بالنظر إلى الأفراد مثل جوردان بيكفورد المعروف بقدراته المحدودة في الكرات الهوائية، لذا فإن حمايته تمثل أولوية". هكذا فسّر "ستيوارت ريد" التغيير الذي حدث في 2020، وهو مستشار مستقل يعمل مع الكرات الثابتة بالأندية الكبرى في جميع أنحاء أوروبا(15).

تحوُّل إيفرتون إلى الدفاع العميق في الركلات الثابتة أدى إلى تراجع عدد الأهداف التي كان يستقبلها الفريق من ضربات حرة وركنيات، حيث تراجع المعدل بعد نهاية فبراير 2021 إلى المتوسط، بعد أن كان إيفرتون من أكثر فرق الدوري الإنجليزي تلقيا للأهداف من ضربات ثابتة. منذ بداية موسم 2021 وحتى فبراير تلقوا 5 أهداف فقط من ضربات ثابتة، علما بأن المتوسط كان 4.6 في هذه الفترة، ومقارنة بما كان عليه الأمر قبل ذلك، يبدو التحسن ملحوظا بكل تأكيد(16).

أما فيما يخص الضربات الثابتة لصالح إيفرتون، فقد كان التحسن خياليا، وبالطبع يتذكر لاعبو الفانتازي ثنائية "خاميس رودريغيز" و"كالفيرت لوين" في الركنيات والضربات الحرة، حيث إنه بنهاية فبراير أيضا من العام الماضي كان التوفيز ثالث أكثر فريق يسجل من ركنيات بعد تشيلسي ووست هام، ووصل معدل تحويل ضربات الزاوية لديهم إلى أهداف لـ7%، أي حوالي ضعف المتوسط الذي يبلغ 4%(17).

كلمة أخيرة

هي ليست مؤشرات خرافية بالطبع، ولكنها تظل مؤشرات نجاح، خاصة أنه على الجانب الآخر لا توجد مؤشرات فشل ملموسة، وكل شيء يشير إلى تطور دافيد يوما بعد يوم، وكذلك إلى اهتمامه بالدراسة والتعلّم واكتساب الخبرات. نعم تجارب أنشيلوتي الأخيرة لم تُتوّج بالنجاح المنتظر، وفي ظل ذلك، تعرض كارلو للكثير من الانتقادات، وكان ذلك سببا أدعى لاتهامه بمجاملة نجله إن كان سببا لأي إخفاق، ولكن ذلك لم يحدث، ولم يكن الاعتماد على دافيد أو منحه وظيفة أكبر من قدراته بين تلك الانتقادات.

من المؤكد أن هناك الكثيرين ممن يتحدثون 5 لغات، وقد يكون من بينهم حاصلون على ماجستير في علوم الرياضة وعلى رخصة اليويفا التدريبية، ولا يستطيع أحد الجزم بأن دافيد كان الأكثر استحقاقا لتلك الفرص التي حصل عليها بين كل المدربين الشباب، لكن أيضا العديد من أساطير اللعبة حصلوا على فرص لا يستحقونها بناءً على ماضيهم في اللعبة، وقوبل الأمر بالتَّرحاب نظرا لشعبيتهم ورغبة الجماهير في رؤيتهم مُدرّبين، وكان الرد الحاضر دائما هو "فلننتظر نتائج التجربة قبل الحكم عليهم".

كذلك وجب التنويه إلى أن وساطة والده ساعدت دافيد في الخطوة الأولى فقط، ما تبعها كان اجتهادا منه، والإشادات التي حصل عليها ممن عملوا معه في كل التجارب التي خاضها كانت الشاهد على ذلك، حتى إن الانتقاد الوحيد الذي تعرض له لم يكن فنيا، فقط لاعبو بايرن ميونخ امتعضوا من صداقته بتياغو ألكانتارا دونا عن البقية، عدا ذلك، لم يُتّهم بأي شيء آخر(18).

في النهاية، نحن لا نعرف متى سيقرر دافيد أنه حان الوقت ليصبح مديرا فنيا، وهل سينجح حين يخرج من عباءة والده ويصبح الرجل الأول أم لا، ما نستطيع أن نقوله أن أنشيلوتي الصغير يسير بخطوات ثابتة، وبنجاحات ملموسة وفقا للوظائف التي تقلدها والمهمات التي أنجزها، وأنه حين يقرر أن يصبح مدربا سيتعاقد معه أي نادٍ بناء على ما وصل إليه هو، وإن فشل بوصفه مدربا بعد نجاحه في كل تجاربه وهو مساعد، فلن يكون والده مَلُوْما، ببساطة لأنه اختاره لعدة وظائف أداها بنجاح، ولأن دافيد في تلك اللحظة سيعلن الخروج من ظل أبيه ليواجه العالم وحده أخيرا.

____________________________________________________

المصادر:

  1. السيرة الذاتية لدافيد أنشيلوتي 
  2. دافيد أنشيلوتي – ترانسفير ماركت 
  3. لجهاز الفني لكارلو أنشيلوتي مع ريال مدريد 
  4. سجل المتوجين بدوري أبطال أوروبا تاريخيا 
  5. حوار دافيد أنشيلوتي مع الدايلي ميل أثناء عمله في إيفرتون 
  6. ابن كارلو؟ دافيد أنشيلوتي يثبت أنه أكثر من ذلك بكثير – ذا أثلتيك 
  7. حوار دافيد أنشيلوتي مع الدايلي ميل أثناء عمله في إيفرتون
  8. مدربون لم يلعبوا كرة القدم 
  9. ابن كارلو؟ دافيد أنشيلوتي يثبت أنه أكثر من ذلك بكثير – ذا أثلتيك 
  10. المصدر السابق
  11. دافيد أنشيلوتي هو العقل المدبر لريال مدريد وراء الكواليس – ماركا 
  12.  كارلو ودافيد أنشيلوتي هما فريق الأحلام وراء نجاح ريال مدريد – فوتبول إسبانيا 
  13. من هو دافيد نجل ومساعد كارلو أنشيلوتي؟ – آس 
  14. كيف غير دافيد أنشيلوتي أسلوب إيفرتون في الكرات الثابتة – ذا أثلتيك
  15. المصدر السابق
  16. المصدر السابق
  17. المصدر السابق
  18. أزمة دافيد أنشيلوتي في بايرن ميونخ 
المصدر : الجزيرة