ستيفن كيري.. لا يجب أن تكون الأفضل لتُحدِث ثورة في الـ NBA

Mar 16, 2022; San Francisco, California, USA; Golden State Warriors guard Stephen Curry (30) saves the ball from going out of bounds against the Boston Celtics in the second quarter at the Chase Center. Mandatory Credit: Cary Edmondson-USA TODAY Sports

بنهاية موسم 2018-2019، كان عشاق دوري كرة السلة الأميركي للمحترفين "NBA" على موعد مع اعتزال أسطورة فريق "دالاس مافريكس"؛ الألماني "ديرك نوفيتسكي". ولأنه أوروبي في لعبة يُهيمن عليها الأميركيون، استحقت إنجازات "ديرك" المزيد والمزيد من الاحتفاء. لم يرتدِ "ديرك" سوى قميص دالاس من 2004 حتى 2019، وقادهم إلى لقب الـ "NBA" الأول والوحيد في تاريخهم حتى الآن. ومع نهاية مسيرته، احتل المركز الخامس في قائمة هدافي الدوري التاريخيين، قبل أن يزيحه "ليبرون جيمس" إلى المركز السادس. (1)

 

في الحفلة الوداعية، كان "لاري بيرد"، أسطورة "بوسطن سيلتيكس"، حاضرا ليُلقي كلمة بحق "نوفيتسكي"، حيث أشاد به قائلا: "لقد لعبت اللعبة بالشكل الصحيح، وبفضلك أصبحت اللعبة أفضل. أحب دائما أن أخبر الناس، خاصة اللاعبين الصغار، أن يتركوا اللعبة أفضل مما وجدوها، كي تستمر اللعبة إلى الأبد". (2) (3)

قد تبدو هذه الكلمات صعبة التخيل، لتسأل نفسك كيف يمكن للاعب أن يؤثر على رياضة ما بهذا الشكل؟ في كرة القدم على سبيل المثال، يبدو هذا مستحيلا، ومعظم ما نعرفه عن تغير وجه اللعبة وتطورها من حقبة إلى أخرى كان على يد المدربين وثوراتهم التكتيكية، ويُستثنى من ذلك بعض اللاعبين الذين نفَّذوا بعض المراوغات أو الحركات التي سُجِّلت بأسمائهم، مثل تسديدة "بانينكا"، ومراوغة "كرويف"، لكن في كرة السلة، يُظهر اللاعبون قدرة أكبر على التأثير، و"ديرك نوفيتسكي" كان أحد هؤلاء الذين تركوا بصمتهم بتسديدته الأيقونية "one-legged fade-away".

 

إذا نظرت من الناحية الرقمية، فإن "ديرك" قد حصل على لقب وحيد، لكن من ناحية التأثير، فإن حركته الشهيرة لها رأي آخر. هذا لا يعني أن نغفل عن الأرقام والبطولات، لكن علينا أن ندرك عند لحظة معينة أنها ليست كل شيء. فقط علينا أن نرى الصورة كاملة دون اختزال لنُنْصِف "ديرك نوفيتسكي"، وبالنظرة نفسها، ننتقل إلى "ستيفن كيري"، لأنه أحد أكثر اللاعبين تأثيرا في تاريخ الدوري، رغم أنك على الأغلب تُفضِّل أسماء أخرى.

تطور صناعة اللعب

لنبدأ الحديث عن أعظم مُسدِّد بتاريخ الـ "NBA"، علينا البدء برصد التغير الحادث في مركزه، والمسمى بـ "Point Guard"، وهو المركز المكافئ لصانع الألعاب رقم 10 في كرة القدم. يُعَدُّ الـ "Point Guard" امتدادا للمدرب وأفكاره على أرض الملعب، حيث يتولى قيادة هجمات الفريق، ومهمته الأولى صناعة الفرص لزملائه، وقد ارتبط المركز باللاعب القصير أو الأصغر حجما.

في 2019، رصدت قناة "Tifo Basketball" التطور الحادث في هذا المركز، ضاربة المثل بـ "مارك جاكسون"، نجم فريق "نيويورك نيكس"، وأحد أبرز صانعي الألعاب في تسعينيات القرن الماضي. طوال مسيرته التي امتدت لـ 17 عاما، حقَّق "جاكسون" معدل نقاط يتجاوز 15 نقطة في موسم وحيد. والأدهى من ذلك أنه في 14 عاما، لم يتجاوز متوسط عدد تسديداته للمباراة الواحدة 10 تسديدات، لكنه صنع في المقابل 10334 سلة. (4)

إن كنت متابعا للـ "NBA" هذه الأيام فإنك ستندهش من محاولات التسديد القليلة لـ "جاكسون"، لأن لاعبي هذا المركز باتوا يُسجِّلون ويخترقون تجاه السلة بقدر صناعتهم للفرص، أو يزيد، وهذا التغير كان تدريجيا على مدار 30 موسما سابقا. لكي تلمس ما حدث، عليك أن تمر على إحصائية الـ "Usage Rate" أو معدل الاستخدام، وهي إحصائية تُعبِّر عن نسبة مساهمة اللاعب عند استحواذ الفريق على الكرة بإحراز سلة أو رمية حرة أو فقد الكرة.

إذا فرضنا أن اللاعب قد حقَّق نسبة 20% معدل استخدام، فذلك يعني أن 20% من محاولات فريقه الهجومية تنتهي عنده بإحراز سلة أو رمية حرة أو فقد الكرة، بالنسبة للاعبي هذا المركز (أقل من 1.9 متر طولا) الذين خاضوا أكثر من 1000 دقيقة في الموسم، ومن عام 1989 حتى 1999، تحقق معدل استخدام أكثر من 30% في 3 مواسم فردية، ومن 1999 حتى 2009، تحققت النسبة نفسها في 17 موسما فرديا، بينما من 2009 إلى 2019، تحققت في 36 موسما فرديا.

لذا، أصبح لزاما على الـ "Point Guard" أن يزيد من مشاركاته المباشرة في التسجيل، لكن أي مشاركة؟ باختراق نحو السلة مثل "ويستبروك" (لوس أنجلوس ليكرز)؟ أم التسديد بنقطتين من المدى المتوسط مثل "كريس بول" (فينيكس صنز)؟ أم ماذا؟ هنا يظهر "ستيفن كيري" بمشاركته من المدى البعيد بالرميات الثلاثية الخارقة، ليُدخِل الـ "NBA" عصرا جديدا.

 

عصر الثلاثيات

كان قوس الرميات الثلاثية دخيلا على اللعبة، حيث أُضيف عام 1979، ووفقا لمقال بجريدة "The Atlantic" رُفِضت الرمية الثلاثية باعتبارها "وسيلة للتحايل". في ذلك الوقت، صرَّح مدرب فينكس صنز "جون ماكلويد" قائلا: "قد يُغير هذا أسلوب لعبنا في نهاية كل شوط، لكنني لن أقوم بإعداد الهجمة ليُسدِّد أحد لاعبي من 23 قدما. أعتقد أن هذه كرة سلة مملة للغاية". كذلك عبَّر "ريد أورباخ"، المدرب الأسطوري لفريق بوسطن سلتكس، عن الأمر بصراحة أكبر عندما قال: "لسنا بحاجة إليه. أقول: اترك لعبتنا وشأنها". (5)

 

في نهاية موسم 1979-1980، كان متوسط ​​الفرق هو أقل من ثلاث محاولات من خارج القوس في المباراة الواحدة، وهو ما يبدو تعبيرا واضحا عن رفض ذلك "القوس" أو عدم الرغبة بالتكيف معه. ثم ظهرت أولى علامات التأقلم بنهاية موسم 1987-1988، عندما أصبح "داني أينجي"، من فريق بوسطن سيلتيكس، أول لاعب يقوم بأكثر من 100 محاولة من خارج القوس.

 

ومع مرور السنوات، بدأت المحاولات بالتزايد، حتى ظهر "ريجي ميلر"، أسطورة إنديانا بيسرز، ومن بعده "راي ألين"، أسطورة بوسطن سيلتيكس وميامي هيت، ليتربَّعا على عرش أفضل المُسدِّدين بتاريخ الـ "NBA" من خارج القوس، وكان الأخير صاحب أكبر عدد ثلاثيات مُسجَّلة في الموسم المنتظم بـ 269 ثلاثية، حتى قرَّر "ستيفن كيري" الانفجار وكسر هذا الرقم في موسمه الرابع بالدوري 2012-2013 بتسجيل 272 ثلاثية. (6)

عصر "ستيفن كيري"

قبل ذلك الرقم القياسي، كان "كيري" محل شك من العديد من الجماهير والنقاد، ورغم المستوى الجيد الذي قدَّمه رفقة فريق جامعة "ديفيدسون"، فإن تقارير الكشافين لم ترحمه، حيث قيل إن قدراته البدنية أقل من معايير دوري كرة السلة الأميركي للمحترفين، وهو ما يجعله غير فعَّال تحت السلة، هجوما ودفاعا، حتى قدرته على التحكم بالكرة كانت موضع شك، الأمر الذي تطلَّب إيمانا قويا من أحد الفِرَق للرهان عليه، ليتم اختياره عام 2009 من قِبَل "غولدن ستيت واريورز". (7)

 

وسط كل هذه الشكوك، عانى "ستيفن" في موسمه الثاني من إصابات متكررة في الكاحل أدت إلى الجراحة الأولى. لحق بموسم 2011-2012، لكنه لعب 26 مباراة فقط قبل إصابة كاحله مرة أخرى، مما أدى إلى عملية جراحية ثانية. كان أكثر ما عبَّر عن تلك الفترة السيئة في مسيرة "كيري" هي الجملة التي قالها لمدربه الخاص عندما أخبره: "لا أستطيع حتى أن أتذكر لعب كرة السلة دون إعادة التأهيل".

 

الغريب أن "غولدن ستيت واريورز" ظلوا متمسكين بلاعبهم، وقرَّروا عام 2012 اتخاذ القرار الصعب بتمديد عقده لمدة أربع سنوات بقيمة 44 مليون دولار، وهو ما فتح الباب أمام المزيد من الانتقادات، حتى بدأ "كيري" في الانفجار. بنهاية موسم 2012-2013، كان "ستيف" قد حطَّم رقم "راي ألين" من حيث عدد الثلاثيات المسجلة بالموسم المنتظم بـ 272، ثم حطَّم رقمه الخاص في موسم 2014-2015 بتسجيل 286 ثلاثية، ثم حطمه مرة أخرى في 2015-2016 بتسجيل 402 ثلاثية! وخلال موسم 2021-2022، أصبح "ستيفن كيري" رسميا أفضل مُسدِّد في التاريخ بعد إزاحة "راي ألين" من على عرشه في مجموع الثلاثيات بالموسم المنتظم والأدوار الإقصائية.

أين السر؟

كي يُحدِث "كيري" هذه الثورة، ويُوقِع الـ "NBA" في غرام مُسدِّدي المسافات البعيدة -بعد عقود من هيمنة العمالقة أسفل السلة-، كان عليه أن يبذل جهدا مضاعفا ومبتكرا، ليس فقط لتجاوز الإصابات والضعف البدني، ولكن لإضافة المزيد من الخدع والمهارات، فأصبح أسطورة غولدن ستيت واريورز إحدى أيقونات الحركة بدون الكرة، إذ لا يتوقف عن الركض طوال اللقاء، جاعلا مهمة رقابته من أصعب ما يمكن. وبناء على تلك الحركية، يُقدِّم المدرب "ستيف كير" عددا من اللعبات التي يتخللها أنماط هجومية مختلفة، باستخدام أكثر من "screen" (اللاعب الذي يقف حاجزا أمام الخصم، ليتيح لزميله فرصة الهرب من الرقابة) ليضع "كيري" في المكان المناسب للتسديد.

 

لعبت المصادفة دورا كبيرا فيما وصل إليه "ستيف"، ليس فقط لأن "غولدن ستيت واريورز" آمنوا به في ذروة الشك، لكن لأن إصابته في الكاحل في صيف عام 2011 قد قادته إلى مقابلة مدربه الخاص "براندون باين" في "Architech Sports and Physical Therapy" في شارلوت بولاية نورث كارولينا. (9)(10)

"في يوم عشوائي، قابلت باين وهو جالس في المقدمة ليخبرني بأنه قد أعدَّ بعض التدريبات الخاصة أثناء إعادة التأهيل. ثم قال لي: ليس عليك أن تكون على قدميك، يمكننا العمل على التحكم بالكرة، والتنسيق بين اليد والعين، ويمكنك الجلوس على كرسي طوال الوقت"

(ستيفن كيري عن مدربه براندون باين)

 

لم يكن أيٌّ منهما يعرف الآخر في ذلك الوقت، لكن اللقاء في غرفة الانتظار أنتج شراكة غذَّت عقدا من التدريبات المبتكرة القوية التي ساعدت "كيري" على الصعود إلى قمة الدوري الأميركي للمحترفين. ومع تدريبات "باين"، أصبح كاحلا "كيري" أكثر صلابة، وبدأ العمل على تقنيات لخلق المساحة وتسديد الكرات غير المصنوعة.

 

في كرة السلة يمكن للتسديدة أن تُصنَّف مصنوعة أو غير مصنوعة، بحسب تصرُّف اللاعب عقب تلقي تمريرة زميله، إن سدَّد مباشرة (وفقا للتكتيك الموضوع)، فإنها مصنوعة (assisted)، وإن راوغ أو ركض بعدها ثم سدَّد، فإنها غير مصنوعة (unassisted). خلال العقود الأربعة الأولى من حقبة كرة السلة بعد إضافة قوس الرميات الثلاثية، كانت معظم التسديدات مصنوعة.

"بعد سنتي الثالثة، حاول براندون التعرف على الطرق المختلفة التي يمكنك القيام بها لخلق مساحة بعيدا عن المراوغة. خلال أول عامين في جامعة دافيدسون، كنت في الغالب أتحرك بدون الكرة ثم ألتقطها وأُسدِّد مباشرة. بعد ذلك، كانت الكرة في يدي كثيرا، لذلك كان عليّ التعامل مع الكثير من الضغط الدفاعي لخلق مساحة هناك"

(ستيفن كيري لـ "ESPN")

خلال أول 30 عاما من حقبة الدوري بعد إضافة قوس الرميات الثلاثية، كان أكثر من 85% من الرميات الثلاثية في الدوري الأميركي للمحترفين مصنوعة، وبالنسبة إلى "راي ألين"، الذي أزاحه كيري من على العرش، كانت 84% من رمياته الثلاثية الـ 2973 في إجمالي مسيرته المهنية مصنوعة. ولكي تدرك موطن قوة "كيري"، بإمكانك النظر إلى المرة الأولى التي حطَّم بها أحد أرقام "ألين"، عندما سجَّل 272 ثلاثية في موسمه المنتظم الرابع، حيث كانت 61% منها فقط مصنوعة.

 

رأى "كيري" و"باين" طريقا مختلفا للنجاح، حيث قضيا آلاف الساعات معا في صالة الألعاب الرياضية، وابتكرا مصطلحات جديدة لتسمية العناصر الخاصة بإمساك الكرة وحركة القدمين وحركات الجسم التي يمكن أن تساعد المُسدِّدين من خارج القوس لخلق المساحة اللازمة. يقول "باين" إنه أضفى الطابع الرسمي على حركات التسديدات الثلاثية غير المصنوعة باستخدام "خمسة مفاهيم مختلفة لحركة القدمين، ومفهومين اتجاهيين مختلفين، وأربعة مفاهيم مختلفة للتعامل مع الكرة"، وباستخدام هذا الإطار واللغة المشتركة، بدأ الاثنان في كتابة الرموز التمهيدية التي تساعد كيري على إنشاء مساحة للتسديد.

 

يبدو الأمر وكأن "ستيفن كيري" يعيش في عالمه الخاص، ويُتقن أمورا لا يدري الآخرون عنها شيئا، لكن في الأخير، لقد تمكَّن بمساعدة مدربه الخاص من إنشاء حقبة جديدة في الـ "NBA"، حقبة يطمح فيها الجميع إلى امتلاك المزيد من المُسدِّدين من خارج القوس، الأمر الذي أغضب البعض ليتهموا لاعبا واحدا بإفساد لعبة بأكملها، لكن على الجانب الآخر، فإن الكثيرين يستمتعون بمشاهدة لقطات "كيري" مرارا وتكرارا، لأنه لا أحد يُجبرهم على وضع أيديهم على رؤوسهم أكثر من "ستيفن كيري". (11)

—————————————————————————————

المصادر

  1. ترتيب هدافي الـ NBA التاريخيين.
  2. كلمة لاري بيرد في وداعية ديرك نوفيتسكي.
  3. تسديدة نوفيتسكي التي عُرف بها.
  4. تطور مركز صناعة اللعب في الـ NBA
  5. تقرير "the atlantic" عن الثورة التي أحدثها "ستيفن كيري"
  6. ترتيب مسددي الثلاثيات في الموسم المنتظم بالـ NBA
  7. مسيرة "كيري" منذ الجامعة وحتى تحطيم الأرقام في الـ NBA
  8. تحركات "ستيف كيري" بدون الكرة.
  9. ستيفن كيري: الرجل الذي غيَّر الـ NBA – جريدة marca
  10. ?تقرير ESPN عن تفرد "كيري" في الثلاثيات
  11. اتهام "ستيفن كيري" بتدمير كرة السلة
المصدر : الجزيرة