المدافعون في الكرة الحديثة.. ماذا تعرف عن الكلاب التي لا تنبح؟

الصورة الرئيسية: باولو مالديني مدافع ميلان سابقا، وسيرجيو راموس مدافع ريال مدريد سابقا، وفان دايك مدافع ليفربول الحالي.

تُساعدنا أعيننا في رصد وتمييز سلوكيات اللاعبين بسهولة كلما كانت الكرة بحوزتهم، وذلك لأننا غالبا ما نكون أسرى لحركة الكرة؛ إذ يميل العقل اللا واعي إلى مراقبة تلك البقعة البيضاء في تنقُّلها من موضع إلى آخر، وبذلك يفوتنا الفصل الأثرى من القصة. صحيح أننا بتلك الكيفية قد أتممنا غايتنا في مشاهدة المباراة، لكننا أضعنا فرصة معايشة العديد من المباريات الداخلية في الوقت ذاته.

 

لقد رأينا الهدف، لكننا لم نرَ كيف تسلَّل جناح الخصم في ظهر مدافعينا ليستقبل العرضية الآتية من الجانب المعاكس، ولسوء الحظ لم نلتفت للكيفية التي استطاع من خلالها مدافعو الخصم منع وصول الكرة إلى أخطر لاعبينا. في الواقع، نحن نرى القليل جدا من كرة القدم في تسعين دقيقة، فبما أن متوسط حيازة اللاعب للكرة خلال المباراة لا يتعدى 3 دقائق، فإننا نادرا ما نرى المباراة الأخرى التي يخوضها كل لاعب من دون الكرة.

 

المدافعون هم من ضمن هؤلاء الذين يؤدون أغلب عملهم من دون الكرة، خارج فترات الحيازة، أثناء الدفاع عن مرمى فريقهم في مختلف الوضعيات، والعجيب أنه حتى وقت قريب لم تكن شركات التحليل الإحصائي قادرة على تقييم عمل المدافعين بلغة البيانات، إذ تعتمد قواعد بيانات تلك الشركات على ما يُعرف بـ "Event Data" المرتبطة بموقع الكرة، وبالتالي لا يُسجَّل أي إجراء يقوم به المدافع إذا كان غير متداخل مع الكرة، لكن مع ظهور "بيانات التتبع" (Tracking Data) بدأ العمل على عدة نماذج تساعد المختصين على فهم أوسع وقياس أدق لما يقوم به المدافعون، خاصة أولئك الأخفياء، الذين لا يتداخلون كثيرا بينما يملكون أسرار حسم المباريات. (1) (2)

 

خداع

إذا أردنا التفتيش عن هوية أفضل مهاجمي العالم فلن نستغرق وقتا طويلا للوصول إلى نتيجة بعد مشاهدة مقاطع الفيديو وتفقُّد البيانات والتقارير التكتيكية، وذلك لأن قيمة أفعال المهاجم يمكن تمييزها فوريا، لكن عندما يتعلَّق الأمر بالبحث عن المُدافع الأفضل فإن الأمر يأخذ منحى آخر من التعقيد لعدة أسباب، منها كثرة المتغيرات عندما يتعلَّق الأمر بالعملية الدفاعية، وأحد أهم تلك المتغيرات هو السياق؛ كيف يلعب الفريق الذي يلعب له المدافع؟ المبادئ الدفاعية؟ المرجعيات؟ زملاؤه المجاورون؟ الثقافة الكروية للبلد؟ نوعية الخصوم؟ إلخ.

 

علاوة على أنه لا توجد إحصائيات محددة نستطيع بها تحديد هوية أفضل المدافعين بسبب عدم توافر بيانات "التتبع" للجميع في الوقت الحالي، وبالتالي سنعتمد بيانات "الحدث" المتاحة، وهنا يمكن خداعُنا بسهولة لأننا سنُقيِّم المدافع كما نُقيِّم المهاجم، كُلما تداخل فقط مع الكرة، فإننا نواجه مشكلة أخرى لا تقل أهمية. فمن المعروف أن مساهمات لاعبي الهجوم أثناء الحيازة أقيم من لاعبي الدفاع، لذلك يسهل نسبيا تقييمهم في حالات الإجادة والإخفاق، بناء على حجم المردود الذي يمكن قياسه بالأرقام؛ مراوغة، تمريرة حاسمة، عرضية، تسديدة، إلخ.

 

وبتطبيق الأمر ذاته على المدافع، سيُقيَّم بالسلب أو الإيجاب بناء على معايير محدودة جدا مثل؛ كمية الاستخلاصات، والاعتراضات، والتشتيتات، وهنا يبحث الجميع عن المدافع صاحب أعلى الأرقام باعتباره أفضل من غيره، ولا يُنظر إلى مَن لا يملك أرقاما عالية في تلك البنود، على الرغم أنه في كثير من الأحيان قد لا يكون المدافع مضطرا لمراكمة تلك الأرقام من الأساس لأنه يُدافع بشكل مثالي، لذلك لا يضطر للقيام بالعديد من الإجراءات الدفاعية "الملحوظة".

 

يمكننا استحضار وضعية فان دايك في المرتدة الشهيرة ضد توتنهام مثالا؛ فباستثناء ما تُظهره بيانات شركة "ستاتس بومب" (StatsBomb)، التي تنفرد بإحصائيات الضغط، فإن الهولندي لم يقم بأي إجراء في تلك الوضعية بالنسبة لبقية شركات ومواقع تجميع البيانات، بينما بالنسبة لكثير من المتابعين، فإن سيسوكو هو مَن تصرَّف بحماقة خالصة!

 

صحيح أن سيسوكو تصرَّف بحماقة، لكن الهولندي هو مَن أجبره على تلك الحماقة، بداية من تغطيته زميله الذي أخطأ في توقيت الخروج وراء المهاجم، ومن ثم تعديل موقعه سريعا من أقصى اليسار إلى منتصف المسافة بين مهاجمي الخصم، وأثناء ذلك كان يتواصل مع روبرتسون ليُخبره أن يلحق بمَن في ظهره، ثم تراجع لكسب الوقت اللازم لارتداد زميله، وإدارة سرعته لمطابقة سرعة حامل الكرة، وتفقد المهاجم القابع خلفه، وإغلاق زاوية التمرير، مع ضبط المسافة، وفي الوقت نفسه كان يستعد للالتحام بتخفيض مركز ثقله، وثني الركبتين، مُجبِرا الخصم على اتجاه واحد -للخارج-، وهو اتجاه لا يُفضِّله، حيث عليه التصرُّف بالقدم الضعيفة، وفي النهاية، انقض فان دايك عليه فور دخوله منطقة الجزاء. هل تستوعب كم المفاهيم والإجراءات "غير الملحوظة" التي نفَّذها الهولندي في تلك الوضعية؟

 

اللافت بعد ذلك على الجانب المعاكس أنه يُتَعامَل مع الإجراءات الملحوظة على أنها صميم عمل المدافع، ويُبَالَغ كثيرا في شأن المدافعين الذين ينجحون في التصدُّر بتلك الإجراءات لمجرد أنها سهلة الملاحظة من المتابع، كما أن المدافع نفسه قد يثق في صحة أساليبه بهذا التأكيد الرقمي، ومن هنا يُعامَل كل ما لم يُلاحظ على أنه غير موجود، ولو وُجد فإنه بالتأكيد أقل أهمية، وهنا يُصاب بعدوى الاختزال، ويتجاهل غالبية المبادئ الدفاعية سواء الفردية أو الجماعية، كالتدرج، والتغطية، والمقابلة، والتأخير، والمضاعفة، والأخيرة تعني مساندة مَن يواجه حامل الكرة لصنع التفوق العددي اللازم ضده (Double Tag).

 

 

الاستنتاج الذي وصلت إليه عند هذه النقطة صحيح غالبا، فقد وصلنا إلى النقطة التي تُحتم علينا تغيير المعايير الشائعة لتقييم المدافعين، فالمُدافع الأفضل قد لا يكون بالضرورة متصدرا على يوتيوب، وقد لا يملك سجلا حافلا من الاستخلاصات، أو قدرا وفيرا من المشاهد الساخنة وهو يصفع المهاجمين. بات من الضروري أن نُزيح أعيننا قليلا عن مطاردة الكرة، ومحاولة استكشاف ما يحدث في كل ركن من أركان الملعب؛ تلك الرهانات التي يتخذها كل لاعب لمواجهة الآخر، وكل خط في مواجهة نظيره، وخاصة ذلك الخط الخلفي ومحاولة تفسير نيَّاته ومبادئه وتكتيكاته الفردية والجماعية، وقتها سنكون أقرب إلى الحقيقة، وبعيدين عن الابتذال.

 

الدفاع الجيد

يرى أنشيلوتي أن هناك نوعين من المدافعين؛ المتفائل، والمتشائم. يوضِّح الإيطالي أن النوع الأول يلعب بقدر أكبر من الحرية والشجاعة وقليل من الحسابات، إذ يشعر دائما أن كل شيء سيكون على ما يُرام في النهاية، بينما يلعب النوع الثاني بكثير من الحذر، وقائمة من التساؤلات؛ "ماذا لو تقدَّمت؟ ماذا لو ذهبت خلف المهاجم؟ ما مصير الجناح؟ ماذا لو لم تُلعب له الكرة؟"، الأخير يشعر دائما أن هناك أمرا ما على وشك الحدوث، وهو ما يجعله على درجات أعلى من الاستعداد والتركيز. (3)

 

يرى الكاتب والمحلل الإنجليزي مايكل كوكس المدافعين في كرة القدم بالمنظور نفسه؛ إذ يرى كوكس أن المدافعين إما كلاب متهورة وحيوية تريد استعادة الكرة فورا بالمطاردة والحصول عليها بقسوة مهما أمكنهم ذلك، وإما قطط تتعامل بمكر وحساب، وتنقض فجأة، تسترجع الكرة بصبر من خلال تمركزها الذكي، ثم تحتفظ بها، مؤكِّدا أن غالبية الشراكات الدفاعية الناجحة دائما ما كانت تتضمَّن ذلك المزيج. (4)

 

تعرَّض كوكس في طرحه للنواحي الإيجابية لدى كل نوع، لكن بالنظر إلى الوجه الآخر من العُملة، فإن النوع الأول من السهل رصده، لقيامه عادة بكثير من الإجراءات الملحوظة بسبب اندفاعه، وميله الدائم للمواجهة والافتكاك، لكنه أكثر عُرضة للخداع والاستدراج خارج موقعه، وهو ما يُكلِّفه الكثير، بينما النوع الثاني عادة ما يكون جيدا في قراءة وتفسير مواقف اللعب، لكن ميله الدائم للتغطية في كل الأحوال يجعله ضعيفا في بقية المبادئ الدفاعية الفردية؛ الاستباق، والثنائيات، والاعتراض، والالتحام.

 

كما نرى، هناك وجهان لكل شيء، ما يقودنا إلى سؤال جوهري؛ لماذا ظهرت تلك التصنيفات من الأساس؟ التاريخ يقول إن الدفاع بوصفه ثقافة وفنًّا وخصائص قد تراجع بشكل كبير مؤخرا، وهو أمر يمكن ملاحظته بشدة بالنظر إلى جودة وخصائص المدافعين حاليا، ما يدفع المدربين لترقيع عيوب أحدهم بمزايا الآخر حتى يستقيم الأمر.

 

هذا يقودنا إلى تصريح باولو مالديني القائل: "إذا اضطررت للتدخل والاستخلاص، فأنا أعلم حينها أنني قد ارتكبت خطأ". ما يمر علينا مرور الكرام أحيانا أن مالديني كان جيدا في كل شيء، وحينما يضطر للتدخل والاستخلاص فإنه كان يقوم بذلك على الوجه الأمثل، فقد كان يُتقن المبادئ كافة، لكن فهمه العميق لجوهر العملية الدفاعية لم يكن مرتبطا بالقيام بإجراء، فالأمر غير قائم على الإجراءات التي تتخذها مدافعا، بل التي تمنعها!

فهم باولو أن دليل إجادة المدافع لا يتعلق بتاتا بكمية تدخُّلاته، أو بكثرة الظهور، بل بالنوعية، حيث إن القليل يعني الكثير جدا بالنسبة للاعب الخط الخلفي الذي يختلف جوهر عمله تماما عن المهاجم، أدرك مالديني أن سر كفاءة المدافع يكمن في التلوُّن وعدم الاستسلام لمحدودية القوالب، وذلك لن يحدث إلا بالسعي للكمال، وتحقيق قدر من الشمولية من خلال إتقان المبادئ كافة.

 

بناء على ما سبق، فإن مالديني لا يتفق كثيرا مع كوكس، فلا يُمكن للمدافع أن يكون ساذجا أهوج، ولا يُمكن كذلك أن يُصنَّف بوصفه قطة، ليس فقط في كرة القدم، بل في العموم، وإذا ما كنا في حاجة إلى الإسقاط، فيمكننا الاستعارة من كتاب "The Numbers Game" القائل إن المدافعين العظماء قد أدركوا أن فن الدفاع الجيد لا تقوده قطط، بل كلاب، ولكنها كلاب لا تنبح! (5)

 

القرار الإستراتيجي

من اللافت أن أفضل المدافعين في اللعبة حاليا موجودون في الفئة العمرية من 28 عاما فأكثر، لأن المتعارف عليه أن ذروة اللاعب عادة ما تكون بين سن 25 إلى 28، وهو ما أثبتت الإحصاءات أنه عمومي للغاية، إذ يختلف سن الذروة للاعب بحسب المركز الذي يلعب به، لأن كل مركز له خصائص ومتطلبات مختلفة، بالتالي لا يصل كل اللاعبين إلى الذروة في العُمر نفسه.

 

يؤكِّد "مايكل كالي"، الكاتب المتخصِّص في التحليل الإحصائي وعلوم البيانات أن الأجنحة تصل إلى الذروة والانحدار في وقت مبكر، حيث تلعب الأجنحة تحت 23 عاما دقائق أكثر من لاعبي بقية المراكز في الفئة العمرية نفسها، لكنهم أيضا الأكثر ندرة بين لاعبي مختلف المراكز المتجاوزين لسن الـ30، في حين أن منحنى المدافعين على النقيض من ذلك، لا يبدأ في الانخفاض إلا بحلول سن 31 أو 32 عاما. (6)

 

وبناء عليه، فإن ترتيب المراكز من الأكثر إلى الأقل حساسية للعمر يكون كالآتي: الجناح، ويليه لاعب الوسط المهاجم، ثم الظهير، ثم لاعب الوسط المركزي، وبعده المهاجم، ويليه قلب الدفاع، وأخيرا حارس المرمى. يُشير ذلك إلى قاعدة عامة بديهية: يصبح اللاعبون أبطأ ويفقدون لياقتهم عموما مع تقدُّمهم في العمر، لكن الوجه الآخر للعُملة يكمن في أنهم يكتسبون تعزيزا على مستوى المهارات والمعرفة من خلال المراكمة، وهو ما يُمكِّنهم من تحقيق قدر من التوازن، ما يعني أن المراكز التي تتطلَّب قدرا أكبر من البدنيات هي مراكز الشباب، في حين يعيش أولئك الأكبر سِنًّا هناك في المواقع التي تحتاج إلى قدر أكبر من الدهاء والحنكة.

 

 

وهنا يمكن للاعب أن يتحايل بالمكر على تراجع قدراته البدنية، وإحدى طرق التحايل هي تغيير المركز إلى واحد من المراكز الأقل حساسية للعمر لتغيير منحنى الذروة، وهي طريقة اتَّبعها عدة نجوم، أبرزهم سيرخيو راموس، وجيروم بواتينغ، وخافيير ماسكيرانو الذي مدَّد مسيرته في المستوى العالي بالانتقال من الوسط إلى قلب الدفاع. الطريقة الأخرى تكمن في سعي المدافع لتطوير "قراره الإستراتيجي"، وهي طريقة فعالة جدا للاعبي الخط الخلفي الذين يملكون عادة وقتا أكبر للتفكير في أثناء اللعب مقارنة ببقية اللاعبين.

 

إذن، ما القرار الإستراتيجي؟ حسنا، في التكتيكات الفردية، هناك نوعان من القرارات؛ الأول هو القرارات التفاعلية، التي تُتخذ سريعا بدون تحليل، إذ لا تسمح طبيعة الموقف للمدافع بالوقت الكافي للتوقُّف والتفكير. تأتي هذه القرارات من الذاكرة، وتُخزَّن التجارب السابقة في الدماغ، وعندما يواجه المدافع موقفا مشابها، فسوف يستجيب بالطريقة التي فعلها سابقا في ذاك الموقف.

 

 

النوع الثاني هو القرارات الإستراتيجية، وتُتخذ من خلال تحليل الاحتمالات المختلفة واستنتاج القرار الأفضل بطريقة منهجية بعدما يقضي المدافع عشرات الساعات من التدريبات الإدراكية التكتيكية تحت إشراف مُتخصِّص حتى يصل إلى الكفاءة اللا واعية في الوضعية المُرادة. المُثير في الأمر أن المدافع عندما يُعزِّز قراراته الإستراتيجية، فإنه يتخذ قرارات تفاعلية أفضل بسبب المخزون الذي اكتسبه.

 

فبعدما أتقن التصرُّف الأمثل من خلال تلك التدريبات، يستطيع اللعب بكفاءة تحت الضغط وفي الأوقات شديدة التوتر، هناك حيث لا يرتقي اللاعبون لمقدار توقُّعاتهم، بل لمستوى تدريبهم، إذ يستند اللاعب وقتها إلى القرارات اللحظية التفاعلية المُخزَّنة في اللا وعي الخاص به، وبذلك يتعلَّم الحكمة ويصبح مدافعا أفضل، ووقتها فقط يكف عن النباح.

—————————————————————————————-

المصادر

  1. بيانات الحدث
  2. بيانات التتبع
  3.  تعريف أنشيلوتي للمدافعين
  4. المدافعين إما كلاب او قطط – مايكل كوكس
  5. كتاب لعبة الأرقام – The Numbers game
  6. تقرير مايكل كالي عن نموذج تحليل أعمار اللاعبين
المصدر : الجزيرة