قفاز عائشة.. كيف مهَّدت أم "رايس مبولحي" الطريق للبطل؟

AL KHOR, QATAR - DECEMBER 18: Rais Mbolhi of Algeria receives the Adidas Golden Glove award following the FIFA Arab Cup Qatar 2021 Final match between Tunisia and Algeria at Al Bayt Stadium on December 18, 2021 in Al Khor, Qatar. (Photo by Shaun Botterill/Getty Images)

لم تمر ثوانٍ على إطلاق حكم مباراة الاتفاق واتحاد جدة صافرة النهاية إلا وكان حارس الاتفاق "رايس وهاب مبولحي" يركض بأقصى سرعة نحو مقاعد بدلاء لاعبي الاتحاد. من غير المعروف عن "مبولحي" افتعال المشكلات مع لاعبي الخصم، لكنه هذه المرة كان يلاحق لاعبا بعينه، ويريد الوصول إليه تحديدا. كان ذلك هو المهاجم البرازيلي "رومارينيو"، الذي تعرَّض بالسب لوالدة الحارس الجزائري خلال المباراة.(1)

 

طبعا هذه ليست المرة الأولى، ولم تكن الأخيرة، التي يُسيء فيها أحدهم إلى الآخر على ملاعب كرة القدم. وليست المرة الأولى التي يُفلت فيها المُسيء من العقاب والإدانة، ثم حين يحاول الآخر الدفاع عن اسم أمه أو أبيه، يبدو في صورة المشاغب الذي يخرج عن أخلاقيات الرياضة، وكأن الطبيعي هو أن يتقبَّل الإنسان إهانة أقرب الناس إليه بصدر رحب.

 

المهم أن "رومارينيو" لم يستطع مواجهة "مبولحي"، بل ارتسم الذعر على ملامح وجهه كلما اقترب الأخير، وأخذ يحتمي بزملائه خوفا من الوقوع في قبضته. ربما قصد اللاعب البرازيلي أن يستفزه وحسب، حتى يخرج عن تركيزه وبالتالي يرتكب الأخطاء أثناء المباراة، لكن كان عليه أن يتوقع أن تكون ردة فعل أي إنسان سوي بهذه الحِدَّة حينما تُسب أمه، خصوصا حين تكون الأم هي "عائشة" التي كانت الدافع الأكبر وراء كل نجاح يُحقَّقه "رايس".

 

عائشة.. وعبد الحميد ومصطفى أيضا

البداية كانت هناك في باريس، في أسرة مكوَّنة من أبوين مهاجرين. الأم من أصول جزائرية، والأب يحمل جنسية الكونغو، وقد رُزقا بـ"رايس" في منتصف الثمانينيات. وهنا بدلا من أن تعم الفرحة أرجاء البيت، انفجرت المشكلات سريعا، إذ انفصل الأب عن الأم، تاركا لها مسؤولية تربية الابن وتوفير احتياجاته، ولعب دورين وليس دورا واحدا فقط.(2)

 

وكما هو متوقَّع، وضع ذلك الأم "عائشة" أمام أزمة حقيقية، فبات يتحتم عليها الآن تحمُّل عبء مادي ومعنوي ثقيل للغاية، قد يعجز كثير من الناس عن مواجهته، خصوصا في بلد أجنبي. والحق أنها رفضت من اللحظة الأولى أن تلعب دور الضحية، ولكنها شرعت في تسخير كل ما تملك لخلق بيئة صحية حول ابنها، وكأن أباه لم يتخلَّ عنه قبل أن يفتح عينيه على الدنيا.

 

كانت "عائشة" تعمل في أحد البنوك الفرنسية، وهو ما جعل وضعها المالي لا بأس به، وقد قرَّرت أن تضع راتبها كله لسد متطلبات المولود الجديد، وبذلك استطاعت تجاوز العبء المادي.(3) أما على الصعيد المعنوي، فلم يكن الأمر سهلا أبدا، لأن الأب هو صمام أمان أي أسرة، والشخص الذي يشارك الابن استكشاف العالم من حوله في فترات الطفولة والمراهقة، فيُقوِّم سلوكياته ويحميه من طريق الانحراف الأخلاقي، وبالتالي سيخلق غيابه حالة مُفزعة من الفراغ المعنوي.

 

هنا جاء دور "عبد الحميد" و"مصطفى"، وهما أشقاء "عائشة" اللذان احتضنا الصغير مبكرا جدا، وحاولا ملء هذا الفراغ كي لا يشعر الولد بالحرمان وسط أقرانه، وربما كانا أول مَن شجَّعه على ممارسة الرياضة، حتى تنمو شخصيته وتتوسَّع مداركه، حيث اصطحبه الخالان إلى أحد النوادي التي يلعبان فيها الملاكمة، وسرعان ما أحب "رايس" تعلُّم أساسيات اللعبة، فارتدى قفازا لأول مرة في حياته.(4)

 

لعلك تتفاجأ إذا عرفت أن "مبولحي" لا يزال مُحبا للملاكمة حتى اليوم. فقد ظهر في حوار مع قناة "كليك تي في" قبل بضعة أعوام ليتحدَّث عن نشأته وحياته في العاصمة الفرنسية، قبل أن ترافقه القناة لساحة الملاكمة ليتدرب على تسديد اللكمات. ربما لو شاهد "رومارينيو" هذا المقطع لحمد الله كل يوم ألف مرة على إفلاته من عقاب "رايس".

 

رهان السيد "زياني"

رغم حبه للملاكمة، أدرك رايس مبكرا أنها لم تكن شغفه الحقيقي، إذ كان كغيره من الأطفال مولعا بكرة القدم، وكغيره من الأطفال أيضا لم يحب أن يكون حارس مرمى، بل إنه اكتشف موهبته في هذا المركز بالمصادفة. وقع ذلك حين ارتكب خطأ معينا، فعاقبه زملاؤه بالفريق بأن أرغموه على العودة للخلف. حينها تفاجأ بنفسه وهو يقفز قفزات سريعة ويتصدى للكرة بقدميه كما يديه، فقرر ألا يترك المرمى أبدا.(5)

 

طبعا كانت "عائشة" تتابعه وهو يستكشف هوايته المفضلة، وتُشجِّعه على التمكُّن منها بصورة أفضل، حتى إنها ألحقته بمدرسة لتعليم أساسيات كرة القدم في بريطانيا.(6) ربما لم تكن تعرف أي شيء عن اللعبة، لكنها حاولت تهيئة الظروف من حوله كي يُقدِّم أفضل ما لديه، لذلك فهي تُعتبر أول مَن آمن بقدرة "رايس" على النجاح.

 

عاد الولد من تلك الرحلة ليخضع لاختبارات في نادي تروا ثم أوكسير، لكنه لم يُقنع المدربين. في الواقع لم يكن هناك مَن هو مقتنع بموهبة "رايس" سوى "رابح زياني".(7) لو كان هذا الاسم مألوفا بالنسبة إليك، فإنه والد "كريم زياني"، قائد منتخب الجزائر السابق، وقد أخذ على عاتقه مسؤولية إيجاد فرصة جديدة لـ"مبولحي"، قبل أن يتسرَّب اليأس إلى قلبه.

 

اقترح "رابح" أن يتجه بالصغير نحو الجنوب. لماذا؟ ليلتحق باختبارات مارسيليا. طبعا كان هذا الاقتراح غريبا حتى بالنسبة لـ"رايس"، لأنه لم يُثبت جدارته في أندية أقل شأنا، فكيف سيكون الأمر في نادٍ بحجم مارسيليا الذي يشتهر بتميُّز فِرَق الناشئين والشباب؟! على كل حال، خاض الولد هناك فترة تجريبية، ويبدو أن رهان السيد "زياني" كان في محله. فبعد وقت قليل، استقبلت أمه نبأ نجاحه في الاختبار، ولا بد أن شعورا عميقا بالفرح والفخر كان يسيطر عليها في تلك اللحظة.(8)

 

بالتأكيد ازداد هذا الشعور يوما بعد الآخر، لأن "رايس" كان يؤكد -يوما بعد يوم- كفاءته الفنية في فِرَق الناشئين. صعد الشاب سريعا من فريق إلى الآخر، بل وحصل على استدعاء لتمثيل منتخب فرنسا تحت 17 سنة، ثم تحت 18 سنة، قبل أن يحرس مرمى رديف مارسيليا، ليبقى له خطوة وحيدة فقط وهي الصعود للفريق الأول. انتظر "مبولحي" ليحصل على الفرصة، لكنها لم تأتِ أبدا. لذلك قرَّر أن يبحث عنها في مكان آخر، بعد أن فك الارتباط مع النادي الجنوبي في 2005.(9)

 

وحش أسود في اليونان

epa04263037 Goalkeeper Rais Mbolhi of Algeria makes a save during the FIFA World Cup 2014 group H preliminary round match between Belgium and Algeria at the Estadio Mineirao in Belo Horizonte, Brazil, 17 June 2014.

أتت الفرصة من مكان بعيد، تحديدا من اسكتلندا، حيث نادي هارت أوف ميدلوثيان، الذي كان يملكه رجل الأعمال الليتواني "فلاديمير رومانوف".(10) كان المالك مهووسا بإبرام الصفقات، فقدَّم عرضا لـ"رايس" كي يصبح لاعبا محترفا لأول مرة في حياته. لم يُفكِّر صاحبنا كثيرا، ووافق على خوض هذه المغامرة. حزم أمتعته، وطار إلى هناك، وانتظم في التدريبات.

 

لم يشارك في أي مباراة خلال الشهر الأول، ثم انتهى الثاني والثالث وهو على مقاعد البدلاء، ليفقد صبره بعد ستة أشهر ويُقرِّر فسخ التعاقد مع الفريق الذي بات مُتخما باللاعبين.(11) عاد أدراجه لفرنسا، وكانت هذه المرة الأولى التي يتساءل فيها عن مستقبله؛ هل يتوقف عن لعب كرة القدم نهائيا؟ أم يواصل البحث عن فرصة جديدة؟

 

لم تتأخر الإجابة كثيرا، حيث أتاه اتصال هاتفي من اليونان يُفيد برغبة نادٍ صغير يُدعى إثينكوس بضمِّه. مرة ثانية، قرر "مبولحي" أن يطارد حلمه خارج فرنسا، حتى لو كلَّفه ذلك الابتعاد عن أهله وأصدقائه، وقطع كل تلك المسافة من باريس إلى أثينا. وعلى الرغم من تلك الآمال التي رافقته أثناء الرحلة، فإنه لا يحمل عن فترة إقامته في اليونان سوى الذكريات الصعبة، وربما المؤلمة.

 

قضى "رايس" عامين في البلد الذي يطل على البحر المتوسط؛ في البداية لعب للنادي الذي أخبرناك عنه، ثم انضم لاحقا إلى نادٍ آخر اسمه بانيتوليكوس، وقد عانى الأَمَرَّين سواء في هذا أو في ذاك، إذ لم يكن يتحصَّل على راتبه بصورة منتظمة، بل كان يعتمد غالبا على أموال تصله من فرنسا، وكان يسكن في منزل متواضع للغاية يقول إنه كان أشبه بحظيرة دجاج، وفوق ذلك كله لم ينل العدد الكافي من المشاركات حتى يكتسب الخبرة، لكن الأكثر إيلاما من كل ذلك كان العنصرية.(12)

 

"مبولحي" مسلم، ذو أصول عربية، وأسمر اللون. تلك الثلاثية تجعله في مواجهة عنيفة مع العنصرية، وتُحوِّله إلى هدف سهل أمام كل مَن يريد النيل منه. أحس ذلك بوضوح في اليونان، بل إنه يقول إن بعض الناس كانوا يبذلون جهدا حتى يشعروه بالدونية، إلى درجة أن بعضهم تجرأ على المطالبة بطرده خارج البلد. حتى الأطفال لم يسلموا من الأمر، فذات مرة كان "رايس" يسير في الشارع، ليصرخ ولد صغير بعد أن رآه: "أمي! هناك وحش يمشي إلى جانبنا!".(13)

 

اتصال من أليكس فيرغسون.. وآخر من رابح سعدان

Soccer Football - Arab Cup - Semi Final - Qatar v Algeria - Al Thumama Stadium, Doha, Qatar - December 15, 2021 Algeria's Rais Mbolhi makes a save as Hocine Benayada looks on REUTERS/Ibraheem Al Omari

إذا لم تكن تجربة اللعب في اسكتلندا، ثم اليونان، غريبة بالقدر الكافي بالنسبة لك، فمؤكد أنك ستندهش حين تعرف أن خطوته التالية كانت اللعب في دوري الدرجة الثالثة الياباني. لا يبدو أن رايس تلقَّى عروضا محلية بعد عودته من أثينا، هذا هو التفسير الوحيد لموافقته على الرحيل نحو آسيا كي يلعب في نادٍ لم يسمع عنه من قبل!

 

لم تكن إقامته في اليابان سيئة، كان على الأقل يحصد بعض النقود، ولا يتعرَّض لسخافات عنصرية. المشكلة أن مستوى كرة القدم كان ضعيفا للغاية، حيث لا يوجد أي فرصة ليتطور أداؤه، ولن يستطيع الانتقال إلى خطوة أكبر بسبب قلة التسويق. ولهذا كان مصير تلك التجربة في النهاية مطابقا للتجربتين السابقتين.(14)

 

لا بد أنه كان محبطا للغاية، هو الآن على مشارف الـ25 دون أن يُحقِّق شيئا يُذكَر. لم يلعب باستقرار أبدا، لم يلفت انتباه نادٍ أو مدرب أو حتى وكيل في فرنسا، وطبعا لم يربح أموالا على الإطلاق. رغم كل ذلك، لم تكن الأسرة ناقمة على قراراته، بل على العكس، كانت الأم والخالان يشجعونه على المحاولة من جديد بعد كل إخفاق. كانوا يسألونه: إذا لم يكن أمامك فرصة هنا، وهناك أخرى في الخارج، فماذا تصنع هنا؟(15)

 

ذات يوم، رنَّ هاتف صاحبنا مرة أخرى، إنه صديق يسأله: "مبولحي، هل تمانع اللعب في بلغاريا؟"، يضحك "رايس" حين يتذكر الموقف، لأنه في تلك اللحظة سأل نفسه: "ما أسوأ شيء قد يحدث؟ أن أفشل مجددا؟ حسنا، أنا مُعتاد على ذلك".(16) بالتأكيد لم يكن يعرف ماذا يخبئ له القدر، كانت حياته على وشك أن تتحوَّل تماما.

 

لم تختلف ظروف المعيشة هناك عما عانى منه في اليونان، الشيء المختلف هو أنه كان يشارك باستمرار في دوري جيد نسبيا، ورفقة نادٍ معروف وله جماهيره مثل سلافيا صوفيا، ثم مع آخر أكثر شهرة وجماهيرية مثل سيسكا صوفيا. كان هذا دافعا كافيا كي يتألق الشاب من مباراة إلى أخرى، ويضاعف جهوده في التدريبات ليعالج عيوبه، ثم يعود للملعب بأداء أكثر قوة وثباتا. نتيجة هذا العمل المتراكم كانت حصوله على لقب أفضل حارس مرمى في بلغاريا بموسم 2009-2010، بجانب جائزة أفضل لاعب بتصويت الجمهور.(17)

 

لم يكن هذا كل شيء، فقبل نهاية الموسم، تفاجأ بوصول استدعاء دولي لمعسكر منتخب الجزائر. كيف حدث ذلك؟ حدث بعدما تواصل "محمد روراوة"، رئيس الاتحاد الجزائري آنذاك، مع سفارة بلده في بلغاريا، طالِبا منهم إرسال مقاطع تخص "مبولحي". شاهد المدرب الوطني "رابح سعدان" تلك المقاطع، ورأى أنه أمام حارس موهوب ومجتهد، ويستحق أن يخضع للتقييم عن قُرب.(18) لا بد أن صاحبنا همَّ بالاتصال بـ"عائشة" ليخبرها، لا نعرف بالضبط ماذا دار في تلك المكالمة، لكن يمكننا أن نتخيَّل كيف تتفاعل أي أم مع نجاح ابنها بعد كل هذه الإخفاقات.

 

كان هذا الاستدعاء مفاجئا، لكن استدعاء آخر سيحمل مفاجأة أكبر. هذه المرة جاء من "أليكس فيرغسون" شخصيا، ليقوم "رايس" بفترة معايشة تحت أعين السير ومدرب حراس المرمى "إيريك ستيل". كان قبل عام واحد ينشط مع نادٍ ياباني بالدرجة الثالثة، وها هو يقف الآن في مركز كارينغتون التدريبي، أمام أحد أكبر مدربي كرة القدم في العالم.(19) صحيح لم ينتهِ به المطاف في اليونايتد، لكن بدا أنه يعيش حلما لا يُصدَّق.

 

النكرة الذي أصبح بطلا

Soccer Football - Arab Cup - Final - Tunisia v Algeria - Al Bayt Stadium, Al Khor, Qatar - December 18, 2021 Algeria's Rais Mbolhi lifts the trophy as they celebrate winning the Arab Cup REUTERS/Suhaib Salem TPX IMAGES OF THE DAY

"- لماذا اخترت تمثيل الجزائر وليس فرنسا؟

– لماذا اخترت؟! لا، أنا لم أفاضل بين منتخبين. أنا كنت أعرف مَن أريد أن أُمثِّله، مَن أريد أن ألعب له. كان الأمر بالنسبة لي: إما الجزائر، وإما لا شيء".

(من حوار "رايس مبولحي" مع قناة كليك تي في)

لم يكن "رايس" قد زار الجزائر أبدا، ولم يكن هناك مَن يعرفه حين ظهر اسمه في قائمة الخضر بمونديال 2010. تفاجأ الجمهور والإعلام بشاب مجهول، اسمه غير مألوف، يرسم الوشم حول ذراعه، ويرتدي قميص منتخبهم.

 

أنت تعرف بالضرورة أن الناس أعداء ما يجهلون، لذلك يمكنك أن تتوقَّع تلك الحملات التي شكَّكت في ديانة "مبولحي" تارة، وفي جزائريته تارة أخرى، وفي أحقيته الفنية تارة ثالثة. أكثر من ذلك هو أن الانتقادات امتدت لتشمل "سعدان" و"روراوة"، حين تجرَّأ البعض على اتهامهم بالخيانة والتفريط في دماء الشهداء، وكأنهم ضموا جنديا من جيش الاستعمار الفرنسي.(20)

 

رغم هذا الهجوم الحاد، الذي كان ليُشتِّت تركيز أي لاعب شاب ويثبط طموحه، فإن "رايس" كان مُدرِكا أنها فرصة لن تُعوَّض لإثبات جدارته. لا يتعلَّق الأمر هنا بمشاركته في بطولة بحجم وأهمية كأس العالم وحسب، إنما يتعلَّق بالنجاح في تمثيل البلد الذي أحبه بسبب أمه، والثقافة التي تعرَّف إليها من خلال حكايات "عبد المجيد" و"مصطفى"، والقيم التي اختار أن ينتمي إليها طواعية ولم تُفرض عليه.

 

انطلق المونديال و"مبولحي" يجلس على مقاعد البدلاء، لكن بعد 79 دقيقة من مباراة ثعالب الصحراء الافتتاحية، اتجهت الأنظار إليه. كان ذلك بعدما ارتكب الحارس الأساسي "فوزي الشاوشي" خطأ فادحا كلَّف فريقه خسارة اللقاء الأسهل بدور المجموعات أمام سلوفينيا، ليتساءل الجميع: مَن سيحرس مرمى الجزائر أمام إنجلترا؟ هل يستمر الشاوشي؟ أم سيُعتَمد على ذلك المغمور معدوم الخبرة؟

 

في الثامن عشر من يونيو/حزيران 2010، جلست "عائشة" أمام التلفاز في ترقُّب شديد. كانت تشاهد ابنها يلعب مباراته الدولية الأولى، في مواجهة نجوم بحجم "واين روني"، "فرانك لامبارد"، و"ستيفن جيرارد". ربما تتسبَّب هذه الظروف في توتر أي لاعب، لكن على عكس المتوقَّع، بدا "رايس" هادئا للغاية. يتخذ قراراته بثقة، يتحرَّك من مرماه بتركيز، يقوم بالتصدي تلو الآخر بلا مشكلات، وترتسم البسمة على وجهه وكأنه في نزهة.

 

حافظ صاحبنا على نظافة شباكه لتفوز الجزائر بنقطة ثمينة، بيد أنه لم يكن قد قدَّم أحسن عروضه. فبعد خمسة أيام، سيُسجِّل ظهورا ثانيا أكثر إبهارا أمام المنتخب الأميركي. هذه المرة جاءته التسديدات من كل مكان، وظهر أن الخضر مُعرَّضون لخسارة كبيرة، لكنه كان في أعلى حالات يقظته وثباته. منع "مبولحي" هز شباكه في أكثر من موقف، وحرم الأميركيين من تسجيل هدف الانتصار، إلا في الدقيقة الأخيرة، وهو ما نال عليه تحية واحترام الحارس "تيم هاورد"، الذي وصف ما قدَّمه "رايس" بالأداء الاستثنائي.(21)

 

وهكذا تبدَّل حاله خلال أسبوعين فقط. فحين بدأت البطولة، استنكر كثيرون مجرد وجوده في القائمة. أما بعدما انتهت، أجمع الكل على أنه أفضل لاعبي الجزائر، وبات اسمه وصوره مادة للتباهي والفخر في الصحف والقنوات التلفزيونية وعلى ألسنة الجمهور. وهنا يكمن جانب من سحر وشاعرية كرة القدم، أنها منحت الفرصة للاعب غير مرغوب فيه بأن يتحوَّل إلى بطل.

 

وصية عائشة

لعل "عائشة" عاشت أجمل أيام حياتها وهي ترى ثمرة جهودها وتضحياتها عبر سنوات طويلة، وأحسَّت بأهمية ما قدَّمه ابنها، وبالسعادة التي تغمره الآن بعد البطولة. هذه السعادة التي لم تحب أن تُفسدها على "رايس"، فأخفت عنه خبر إصابتها بالمرض الخبيث في المعدة، وتظاهرت أنها بأفضل حال كلما اتصل بها.

 

وذات يوم، في أغسطس/آب 2010، كان "مبولحي" يستعد للدخول في معسكر دولي، فهاتف أمه، لكن رد على الخط صوت آخر يبلغه أنها تمر بأزمة صحية. لم يفكر الابن وطار مباشرة إلى باريس، وهناك اصطدم بالحالة الصحية المُزرية التي وصلت إليها "عائشة". كان المرض قد استفحل في جسدها، وبات على وشك أن يضرب ضربته القاضية.(22)

 

لم يمضِ وقت طويل وعاد "رايس" إلى معسكر المنتخب، بدا كتوما ومنعزلا وشاردا بذهنه في عالم آخر، ثم ذهب إلى "رابح سعدان" وأخبره: "والدتي ماتت!". طبعا تفاجأ المدرب، قبل أن يسأله: "لماذا لم تطلب إذنا لمغادرة المعسكر وأنت في هذه الحالة؟"، لكن رد "مبولحي" سيزيد من مفاجأة "سعدان"، حيث قال له: "إنها وصية أمي قبل الوفاة، لقد أوصتني ألا أترك أي معسكر للجزائر، وأنا لا أستطيع مخالفة الوصية".

ربما كانت تعرف "عائشة" أن "رايس" قد يترك كرة القدم بعد وفاتها، لذلك أرادت أن تُلزمه بأن يواصل الاجتهاد والتطور، حتى يجد لنفسه مكانا دائما بالمنتخب. هذا المنتخب الذي مَثَّل رابطة بين الأم والابن، هو أحبه وقرَّر تمثيله لأجلها، وهي شعرت بالفخر والامتنان بسببه، وأرادت ألا تنقطع هذه الرابطة أبدا.

 

قفاز ولقبان

نحن الآن في صيف 2014. احتفظ صاحبنا بعهده لأمه، وبمركزه الأساسي في قوام ثعالب الصحراء قبل انطلاق مونديال البرازيل. كان التحدي هذه المرة أكبر بوقوع الجزائر في مجموعة تشمل بلجيكا وكوريا وروسيا، لكن "مبولحي" ورفاقه كانوا أيضا أكثر جاهزية وفاعلية وجراءة.

 

خسر الخضر بصعوبة 2/1 أمام بلجيكا، ثم حقَّقوا فوزا كبيرا على كوريا 4/2، وأخيرا تعادلوا مع الروس. ولعب صاحب الـ29 سنة دورا رئيسيا في تحقيق هذا التأهُّل التاريخي من دور المجموعات، بفضل ردة فعله السريعة، وتوقُّعه الدقيق لمسار التصويبات على مرماه، بيد أن ظهوره الأبرز سيكون في الدور الـ16، وفي مواجهة أقوى منتخبات العالم آنذاك: ألمانيا.

 

ربما يكون أهم ما يُميز "رايس" هو قوته الذهنية، التي تجعله في أعلى حالات التركيز والحضور خلال المباريات مهما كان خصمه. ولذلك لم ينهر أمام تسديدات "أوزيل"، و"مولر"، و"غوتزة"، التي وصل عددها إلى 28 قذيفة، بل نجح في إيقاف أغلبها بشجاعة وقدرة فنية يُحسَد عليها. استطاع بذلك تطويل أمد اللقاء، وإجبار منتخب الماكينات على اللجوء إلى وقت إضافي، قبل الخسارة بشرف 2/1، ليصفق له ولزملائه الألمان قبل غيرهم.(23)

 

 

بعد تلك المباراة بنحو خمسة أعوام، كان "رايس" على متن طائرة متجهة إلى مصر لخوض غمار كأس الأمم الأفريقية. اكتسب بتلك السنوات مزيدا من الخبرة والنضج، ليُعتَمد عليه في قيادة المجموعة داخل الملعب، وتوجيه زملائه في الأوقات العصيبة. والحق أن وجود شخصية قيادية في تلك البطولة كان ضروريا للجزائر، فهذا المنتخب عجز عن التتويج بالكأس الأفريقية سوى مرة وحيدة قبل 30 عاما، وهم بحاجة إلى مَن يجعلهم يُصدِّقون أن بوسعهم تكرار الإنجاز.

 

لم يظهر "مبولحي" فقط بتلك الشخصية، إنما أيضا ارتدى قفازا يحمل اسم "عائشة"،(24) لتكون رفقته وهو يؤمِّن لفريقه العبور من دور المجموعات، ثم وهو ينجح بتجاوز نصف النهائي في أصعب المباريات وأكثرها توترا أمام ساحل العاج، وأخيرا وهو يرفع كأس البطولة ويحصد لقب أفضل حارس في أفريقيا.(25)

لم يكتفِ صاحبنا بذلك، بل إن هذه البطولة لم تزده إلا عزيمة، فحافظ على موقعه في تشكيل ثعالب الصحراء قبل كأس العرب 2021، وقدَّم ما نعرفه عنه من أداء قوي ظهر بوضوح في إنقاذه لركلة جزاء بمباراة السودان، وفي ترجيح كفة فريقه أمام المغرب، وفي حماية مرماه من تسديدات التونسيين، ليضم لقبا جديدا لبلده، ولقبا آخر لنفسه، وهو أفضل حارس عربي.(26)

 

من المؤكَّد أن "عائشة" لم تشهد أعظم ما حقَّقه ابنها، لكن صحف العالم كتبت عن تألُّقه أمام ألمانيا، وكيف صار بطلا يهتف الجزائريون باسمه بعد التتويج القاري، ومصدرا للفخر لكل المهاجرين العرب والأفارقة، ومُلهِما للكثير من الناس في الوطن العربي. هذه قصة عائشة بقدر ما هي قصة رايس، ويبدو أن الحارس الجزائري يُدرك ذلك، وهو لم يتوانَ يوما عن نسبة الفضل إلى أمه في كل ما يُحقِّقه من نجاحات.

————————————————————————————

المصادر

  1. أزمة مبولحي مع رومارينيو.
  2. نشأة رايس مبولحي.
  3. المصدر السابق
  4. المصدر السابق
  5. مقابلة رايس مبولحي مع قناة كليك تي في.
  6. مسيرة رايس مبولحي في فِرَق الناشئين.
  7. مقابلة رايس مبولحي مع قناة كليك تي في.
  8. المصدر السابق
  9. مسيرة رايس مبولحي في فِرَق الناشئين.
  10. تجربة رايس مبولحي في اسكتلندا واليابان.
  11. المصدر السابق
  12. مبولحي عن فترة لعبه في اليونان وبلغاريا.
  13. المصدر السابق
  14. تجربة رايس مبولحي في اسكتلندا واليابان.
  15. مبولحي عن فترة لعبه في اليونان وبلغاريا.
  16. المصدر السابق
  17. مبولحي يفوز بجائزة أفضل حارس في بلغاريا.
  18. انضمام مبولحي لمنتخب الجزائر.
  19. معايشة رايس مبولحي في مانشستر يونايتد.
  20. الهجوم على مبولحي.
  21. تصريحات تيم هاورد عن رايس مبولحي.
  22. مرض عائشة.
  23. إحصائيات مباراة الجزائر وألمانيا.
  24. قفاز رايس مبولحي.
  25. مبولحي يفوز بجائزة أفضل حارس أفريقي.
  26. مبولحي يفوز بجائزة أفضل حارس عربي.
المصدر : الجزيرة