الحلم الذي تحول لكابوس.. كيف وصل يوفنتوس إلى هذا الوضع المزري؟

Soccer Football - Champions League - Juventus Stadium Walk Round - Johan Cruijff Arena, Amsterdam, Netherlands - April 9, 2019 Juventus President Andrea Agnelli and Juventus coach Massimiliano Allegri during the walk round REUTERS/Piroschka Van De Wouw

قبل أن نجيب عن هذا السؤال، سنطلب منك شيئين: الأول هو مقارنة قائمة فريق يوفنتوس الحالية بكبار أوروبا، لديك مانشستر سيتي وباريس سان جيرمان وبايرن ميونخ، كرّر الأمر مرة أخرى مع قوائم فرق مثل تشيلسي ومانشستر يونايتد وليفربول وأتلتكو مدريد، افعلها مرة أخيرة وضع البيانكونيري في مواجهة ريال مدريد وبروسيا دورتموند، أو حتى توتنهام، وربما أرسنال.

 

هل انتهيت؟ حسنا، كان هذا طلبنا الأول، أما الثاني فهو محاولة الخروج بقائمة يوفنتوس منتصرة في أي من تلك المقارنات السابقة. غالبا لن تنجح، ببساطة لأنك لن تفضل خط وسط اليوفي على ذلك الموجود في السيتي وباريس، ولن تراهن على خط دفاع يستقبل 16 هدفا في 14 مباراة أمام تماسك تشيلسي وليفربول(1)، ولن تختار هجوما يقوده "ألفارو موراتا" بينما هناك "كريم بنزيما" أو "هالاند" أو "هاري كين".

 

تلك الحالة التي انتهت إليها قائمة الفريق هي إحدى انعكاسات الوضع الذي يعاني منه يوفنتوس، إلى جانب خسارة عرشه المحلي الموسم الماضي (وخسارة السوبر أمام إنتر مؤخرا)، بل وتأهله بالكاد لدوري أبطال أوروبا. أضِف لذلك خسائره المالية بسبب تفشي وباء كورونا، وهو ما قد يؤدي لتراجع قدرته على جذب نجوم الصف الأول إن لم يتم تجريده في المستقبل القريب من أهم لاعبيه، خصوصا بعد إصرار "رونالدو" على القفز من المركب في ذلك التوقيت تحديدا. تُرى، كيف بدأ هذا كله؟

 

4 أيام أم 4 سنوات؟

Soccer Football - Champions League - Group H - Chelsea v Juventus - Stamford Bridge, London, Britain - November 23, 2021 Juventus' Leonardo Bonucci looks dejected after Chelsea's Timo Werner scores their fourth goal REUTERS/Hannah Mckay

بين 23 و27 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، تلقى اليوفي هزيمتين، الأولى كانت هزيمة مذلة أمام تشيلسي في لندن، حين استقبل الفريق 4 أهداف نظيفة، وبدا أن بإمكان البلوز تسجيل المزيد لولا تألق "تشيزني" في بعض اللحظات، أما الثانية فكانت بعد العودة إلى إيطاليا، حيث انتظر أنصاره ردة فعل قوية في ملعبه أمام أتالانتا، لكنهم لم يعودوا لمنازلهم إلا بإحباط شديد بعد الخسارة 1/0. بالطبع رسمت تلك النتائج المخيبة التي تحققت في حيز زمني لا يزيد عن 4 أيام علامة استفهام كبيرة عن صاحب المسؤولية.

 

كان من السهل توجيه أصابع الاتهام نحو المدرب "ماسيمليانو أليغري" ولاعبيه، لكن في الحقيقة جذور هذا الكابوس الذي يعيشه الفريق تعود للماضي، المفارقة أنها تعود إلى لحظة لم يكن يتخيل أحد أنها ستؤدي إلى كل تلك الفوضى، بل على النقيض كان البيانكونيري يمر بفترة ذهبية، وظن الجميع أن المستقبل يحمل له المزيد من السيطرة المحلية، وربما تحقيق الحلم الأوروبي المنتظر.

 

في يوليو/تموز عام 2017، كان يوفنتوس قد أنهى للتوّ موسمه بالتتويج بالدوري والكأس، كما صعد لنهائي التشامبيونزليغ، حين أعلن موقع النادي عن دخوله حقبة جديدة من تاريخه(2). تبدأ هذه الحقبة بثورة في هوية النادي البصرية، تشمل تغيير الشعار الذي أعلن عنه سابقا، وإصدار تصميمات جديدة لقمصان الفريق، كما تشمل تجديد متجر النادي الإلكتروني ليتيح لزواره التبضع بصورة أفضل، بالإضافة إلى تطوير حسابات اليوفي على منصات التواصل الاجتماعي لتصبح أكثر جذبا للجمهور.

 

سلط هذا البيان الضوء على إستراتيجية النادي الجديدة، والتي تسعى للترويج بشكل أكبر لعلامته التجارية، بهدف تحقيق عوائد مالية أعلى. سينعكس ذلك بالضرورة على نشاطه خارج الملعب، لكن ماذا عن داخل الملعب؟

 

لماذا غوارديولا؟

Soccer Football - Champions League Final - Manchester City v Chelsea - Estadio do Dragao, Porto, Portugal - May 29, 2021 Manchester City manager Pep Guardiola reacts after losing the Champions League Final Pool via REUTERS/David Ramosغوارديولا

بصورة مقتضبة للغاية، أكد البيان أن فريق الكرة سيكون مركزا لتلك الإستراتيجية، لكن في الكواليس كان يحدث ما لم يتوقعه أحد. هل تعرف "لوكا مومبلانو"؟ إنه أحد أكثر المصادر الصحفية ثقة فيما يتعلق بأخبار يوفنتوس، وهو يقول إن إدارة "أندريا أنييلي" قدمت عرضا لـ"بيب غوارديولا" عقب خسارة نهائي دوري الأبطال عام 2017(3).

 

نعرف أنك تفاجأت، بل إن الأمر فاجأ "غوارديولا" نفسه، الذي اضطر لرفض العرض لأنه لم يكن قد حقق شيئا مع مانشستر سيتي بعد. وربما ازدادت دهشته عندما عاد له "بافل نيدفيد" و"فابيو باراتيتشي" في العام التالي بعرض جديد، ثم بثالث مطلع سنة 2019 بعدما أثبت جدارته في إنجلترا(4). وبحسب "مومبلانو"، فإن المدرب الكتالوني كان منفتحا هذه المرة على التفاوض(5)، وقد طلب تأجيل رده حتى نهاية منافسات التشامبيونزليغ؛ لأن فريقه السماوي كان قريبا من العبور للنهائي لولا هدف "فيرناندو يورينتي" الذي قطع عليه الطريق.

 

هنا ينبغي لنا أن نسأل: لماذا يسعى يوفنتوس أصلا لضم "غوارديولا"؟ المعروف هو أن البيانكونيري يختار مدربا محليا ينتمي إلى المدرسة الإيطالية التقليدية، وليست له الكلمة الأقوى فيما يخص ضم اللاعبين أو رحيلهم، أما "بيب" فهو يقف على الجهة المضادة لهذا النموذج؛ فهو إسباني، وهو آخر شخص على وجه الأرض قد ينتمي إلى التكتيك الإيطالي التقليدي، كما ازدادت صلاحياته الإدارية بوضوح مع السيتي حتى أصبح مديرا وليس مدربا وحسب، فلماذا الإصرار عليه؟

 

الإجابة عند "غابريال ماركوتي"، محلل شبكة "ESPN" ذائعة الصيت الذي كتب عن رغبة الإدارة في إجراء تحوّل شامل في نظام اللعب(6) يتخلى بموجبه اليوفي عن تحفظه الدفاعي، ومن ثم يعتمد أكثر على الاستحواذ والضغط العالي ومهاجمة مرمى الخصوم بقوة. يؤكد الصحفي الإيطالي أن الهدف هو تقديم كرة قدم ممتعة تجذب المزيد من الجمهور حول العالم، وهو ما يتناسب مع الإستراتيجية التسويقية الجديدة، وفي الوقت نفسه يتسم هذا الأسلوب بالفاعلية، خصوصا بالأدوار الإقصائية والنهائية التي يعاني منها اليوفي. ومن هنا جاءت الرغبة في التعاقد مع "بيب".

 

زلزال رونالدو

Soccer Football - Serie A - Juventus v Torino - Allianz Stadium, Turin, Italy - December 5, 2020 President Andrea Agnelli presents Juventus' Cristiano Ronaldo with 750 goals shirt REUTERS/Massimo Pinca

لو كان ما دار في الكواليس مفاجئا، فما وقع في العلن لم يكن أقل مفاجأة، بل كان مزلزلا، لأنه في يوليو/تموز 2018، وبعد عام واحد فقط من البيان الذي أخبرناك عنه، كان يوفنتوس ينتظر وصول طائرة تحمل على متنها "كريستيانو رونالدو"(7)، بالتأكيد كانت هذه لحظة تاريخية لعائلة "أنييلي". توصل الرئيس "أندريا" لاتفاق مع ريال مدريد، يقتضي دفع ما يزيد عن 100 مليون يورو، نظير خدمات الأسطورة البرتغالي(8). وهذا المبلغ الضخم يصير أكثر ضخامة حين تضيف إليه راتب الدون مع مستحقات الضرائب، ليصل إجمالي ما ينبغي على خزينة اليوفي تحمله عبر أربع سنوات لـ340 مليون يورو تقريبا(9). مرة أخرى، تخالف إدارة البيانكونيري -التي لا تنفق أموالا بهذا البذخ، بل تشتهر بإبرام الصفقات المجانية- إحدى تقاليدها، فلماذا؟

 

يرى "ماركو بيليانزو"، المحلل المختص في شؤون الكرة الإيطالية، أن السبب يعود لرغبة الإدارة في التحليق بالعلامة التجارية للنادي خارج حدود السيري إيه، فبعدما حقق العملاق الإيطالي أكبر استفادة ممكنة من بيع حقوق البث، وكذلك تسويق منتجاته محليا(10)، أراد "أندريا أنييلي" وضع يوفنتوس ضمن قائمة الأندية الأقوى والأغنى في أوروبا، وكي يجد مكانا بين أسماء بحجم ريال مدريد ومانشستر يونايتد وباريس، فإن عليه امتلاك فريق قوي يضم لاعبين ذوي إمكانات فنية متميزة، وكذلك شعبية كبيرة، خصوصا على منصات التواصل الاجتماعي.

 

وكما ترى، فإن "كريستيانو رونالدو" يبدو بهذه المعايير الصفقة الأنسب؛ فهو مِن جِهَةٍ هدّافٌ لسنا بحاجة لتوضيح قدراته، خصوصا في مباريات خروج المغلوب بدوري الأبطال، ومن جهة أخرى صاحب جماهيرية استثنائية ستساعد اليوفي على غزو السوق الآسيوي والأميركي والحصول على عقود أفضل من الرعاة والمعلنين. ولهذا تحديدا أكدت الإدارة أنها للمرة الأولى تُوقِّع مع لاعب بعد أن أخذت في الاعتبار الفوائد المالية المتوقعة من الصفقة، بمعنى أنها تخطط لحصد أكثر مما أنفقته.

 

2.2 مليون في 24 ساعة

UDINE, ITALY - AUGUST 22: Cristiano Ronaldo of Juventus looks on during the Serie A match between Udinese Calcio v Juventus at Dacia Arena on August 22, 2021 in Udine, Italy. (Photo by Alessandro Sabattini/Getty Images)

البداية كانت مبشرة للغاية، تخيل أن عدد المتابعين الجدد لحسابات البيانكونيري تجاوز 2.2 مليون شخص عقب 24 ساعة فقط من انضمام "رونالدو"(11). هذا الارتفاع الجنوني استمر لشهور، حتى سجل حساب إنستغرام قفزة كبيرة من 9.8 مليون إلى 33.5 مليون متابع بنهاية عام 2019، أما قناة النادي على موقع يوتيوب فوصلت إلى 2.3 مليون مشترك بعد أن كانوا 700 ألف فقط. وربما الأهم من هذا وذاك هو صفحة اليوفي على أبرز منصة تواصل اجتماعي في الصين، سينا ويبو، التي باتت تجمع 2.3 مليون مشجع(12).

 

بالطبع انعكست هذه الأرقام بالإيجاب على ميزانية النادي. ففي يناير/كانون الثاني 2019، وقّع "أندريا أنييلي" عقد رعاية جديدا مع شركة أديداس بقيمة 357 مليون يورو، وهو ضعف قيمة العقد السابق(13). وقبل أن يبدأ عام 2020، كان الرئيس قد مدد اتفاقه مع شركة "JEEP" التي ترعى قمصان الفريق، بمقابل مادي وصل إلى 42 مليون يورو بدلا من 17 مليونا فقط(14). هذا بالإضافة لرغبة شركة صناعة الألعاب الآسيوية، كونامي، الحصول على الحقوق الحصرية ليوفنتوس في صفقة تقدر بـ15 مليون يورو خلال 3 أعوام(15).

 

وعلى ذكر آسيا، فالجدير بالإشارة إليه هو أن متابعي كرة القدم هناك يرتبطون باللاعب الأيقونة أكثر من النادي. ظهر هذا للمرة الأولى عند انتقال "ديفيد بيكهام" من مانشستر يونايتد إلى ريال مدريد، ليخلع معه شريحة لا بأس بها من جمهوره قميص الشياطين الحمر، ويهرعون لشراء قميص الميرينغي. ولا بد أن الأمر قد تكرر بصورة أوضح مع لاعب يحظى بجماهيرية أكبر مثل البرتغالي.

 

لذلك عبّر السيد "جورجيو ريتشي"، مسؤول الإيرادات بالنادي، عن اهتمامه الشديد بالسوق الآسيوي أكثر من مرة(16)، حتى إنه افتتح مكتبا في هونغ كونغ لاستقبال الرعاة، ومتابعة أرقام المبيعات عن قرب، وتنظيم الفعاليات التي تدفع الأنصار لدفع المزيد من الأموال لخزينة يوفنتوس(17).

 

حتى هذه اللحظة، بدت الإدارة قادرة على تحقيق استفادة ملحوظة من اسم "رونالدو" خارج الملعب، فبالرغم من التكاليف الباهظة لانتقاله، فإن إستراتيجية البيانكونيري التسويقية كانت تسير للأمام، لكن مرة أخرى نسأل: ماذا عن الاستفادة داخل الملعب؟

 

لماذا لا تفوز بدوري الأبطال في موسمك الأول؟

Soccer Football - Serie A - Juventus v Atalanta - Allianz Stadium, Turin, Italy - May 19, 2019 Juventus celebrate winning Serie A with the trophy after the match REUTERS/Massimo Pinca

نحن الآن في مايو/أيار 2019، يوفنتوس يفوز بالدوري الثامن على التوالي، لكنه سقط أمام أشبال أياكس بربع نهائي دوري الأبطال، ولم يقدم كرة قدم هجومية وممتعة بعد. هنا قرر "أنييلي" توجيه الشكر لـ"ماكس أليغري"، بيد أنه فشل في إقناع "غوارديولا" بالتخلي عن مانشستر سيتي، لذلك كان أمام رهان صعب، لكنه بدا عازما على تنفيذ خطته.

 

الفكرة هي أن تغيير نظام اللعب ليس بتلك البساطة، خصوصا داخل نادٍ يتسم بهوية تكونت عبر سنوات طويلة، لذلك لن يتحقق بمجرد إقالة مدرب والإتيان بآخر، إنما هي عملية معقدة تحتاج إلى تغيير جذري في عقلية ونوعية اللاعبين، وتعامل الإدارة في سوق الانتقالات، وكذلك وجود مدرب صاحب تجارب ناجحة، وشخصية قادرة على فرض الأسلوب الجديد، وطبعا تحتاج إلى الصبر، والاستعداد للتضحية قبل جني الثمار.

 

بحثت الإدارة عن المدرب البديل، لكن لم يكن أحد من مدربي الصف الأول متاحا، لذلك لجأت لمدربي الصف الثاني، ووقع الاختيار على "ماوريزيو ساري"(18). أسباب هذا الاختيار تبدو واضحة، فأولا هو مدرب يميل للاستحواذ والمبادرة، وهو إيطالي يعرف الأجواء ويمكنه الانسجام سريعا، ولن يرهق خزينة النادي براتب كبير، لكن هل هذا كل شيء نعرفه عن "ساري"؟ طبعا لا.

 

فعلى الجهة الأخرى، لا يحظى مدرب نابولي السابق بخبرة كبيرة، وليس له تجربة واحدة مع فريق مطالب بحصد جميع البطولات مثل يوفنتوس. وطبعا تاريخه لا يبشر بخير على مستوى قوة الشخصية، يكفي هنا تذكيرك برفض حارس متواضع الإمكانات مثل "كيبا" الانصياع لأوامره علنا أمام الجميع. وفوق هذا كله، فهو بحاجة للوقت كي يطبق أفكاره التكتيكية، ويسد ثغرات فريقه.

 

بالرغم من معرفة الإدارة بكل ذلك، فإنها راهنت عليه، ثم قامت الإدارة نفسها بالإطاحة به بعد موسم واحد فقط، لماذا؟ لأنه لم يفز إلا بالدوري الإيطالي، بل فعل ذلك بشق الأنفس، وقد ودع دوري الأبطال من دور الـ16، وقدّم أداءً غير مقنع. هنا تقفز إلى الذهن مجموعة من الأسئلة المحيرة: أولها، ماذا كانت تتوقع الإدارة تحقيقه في موسم واحد تحت قيادة "ساري"؟ هل الفوز بثنائية محلية أو الظفر بدوري الأبطال مثلا؟ هل تقديم كرة قدم تضاهي فاعلية ليفربول أو متعة السيتي أو حدة بايرن ميونخ؟

 

المضحك أن مدربين بحجم "غوارديولا" و"كلوب" لم يتمكنوا من إنجاز كل ذلك في موسمهم الأول، بل خرج الثنائي دون الفوز بأي بطولة مع فرقهم الإنجليزية بعدما تعرضوا لخسائر في مختلف المسابقات. وحتى لو سلمنا فرضا بعكس ذلك، فهل يمكن أن يحقق أي منهما الألقاب بفريق مكوّن من "ماتويدي" و"خضيرة" و"رابيو" و"رامسي"؟

 

بلاي ستيشن؟

Soccer Football - Italian Super Cup Final - Inter Milan v Juventus - San Siro, Milan, Italy - January 12, 2022 Juventus' Weston McKennie celebrates scoring their first goal with Manuel Locatelli REUTERS/Alberto Lingria

يجرنا هذا السؤال الأخير إلى سؤال آخر، وهو: لماذا انخفضت جودة اللاعبين الذين يتعاقد معهم يوفنتوس في السنوات الأخيرة؟ لماذا يبدو النادي متخبطا في سوق الانتقالات بهذا الشكل؟ ماذا كانوا يدخنون حين وافقوا على استبدال "كانسيلو" لصالح "دانيلو"؟

 

يلفت "كريس وينتربرن"، الصحفي بجريدة ماركا، الانتباه إلى أمر مهم يخص هيكل يوفنتوس الإداري، أحد أهم أسباب هيمنة البيانكونيري المحلية، وصعوده الأوروبي كذلك، وهو وجود مسؤولين على درجة كبيرة من الخبرة والموهبة والقدرة على سد احتياجات الفريق، لكنهم غادروا واحدا تلو الآخر في الأعوام الأخيرة(19).

 

رحل المدير التنفيذي الكفء "جوزيبي ماروتا"، وكذلك كبير الكشافين المتميز "بابلو لونغوريا"، وقبله "خافيير ريبالتا"، تاركين كثيرا من الصلاحيات في قبضة الرئيس ونائبه "نيدفيد" والمدير الرياضي "باراتيشي"، وهو ما انعكس بالسلب على قائمة الفريق، إذ بدا أن الإدارة لا تمتلك رؤية واضحة تبرم على أساسها الصفقات، وإنما تحاول تقليل النفقات قدر الإمكان؛ بسبب سقف الرواتب الذي ارتفع بعد ضم "رونالدو"، حتى لو اضطرت للتفريط بلاعب جيد، وتعويضه بآخر أقل منه، أو عدم تعويضه من الأساس.

 

نتيجة ذلك هو أن "كريستيانو" بدا وحيدا أغلب الوقت، وبدون منظومة متماسكة من اللاعبين المتميزين الذين يقدمون له الدعم ويخلقون الفرص، كما كان الحال في ريال مدريد. في يوفنتوس، لا وجود لظهير أيسر يصنع جبهة هجومية نارية كـ"مارسيلو"، إنما يوجد "أليكس ساندرو". لا وجود لظهير أيمن لا يتوقف عن إرسال العرضيات مثل "كارفخال"، إنما يوجد "دي تشيليو". لا وجود لثنائي يمرر ويتغول في عمق الملعب بكفاءة "مودريتش" و"كروس"، إنما يوجد "بينتانكور" و"رامسي" و"بيرنارديسكي".

 

تُرى، هل كانوا يظنون أن مجرد وجود "رونالدو" في الملعب يضمن الفوز؟ هذه فكرة ساذجة جدا، لا نظن أن مراهقا يلعب البلاي ستيشن قد يعتمد عليها.

 

نكتة باراتيشي

REGGIO NELL'EMILIA, ITALY - MAY 12: Fabio Paratici, Chief Football Officer at Juventus speaks during a media Interview prior to the Serie A match between US Sassuolo and Juventus at Mapei Stadium - Città del Tricolore on May 12, 2021 in Reggio nell'Emilia, Italy. Sporting stadiums around Italy remain under strict restrictions due to the Coronavirus Pandemic as Government social distancing laws prohibit fans inside venues resulting in games being played behind closed doors. (Photo by Alessandro Sabattini/Getty Images)فابيو باراتيشي

بالرغم من كل تلك الأخطاء التي ارتكبتها الإدارة، فإن الخطأ الأبرز لم يكن قد وقع بعد، كان هذا قرار تولي "أندريا بيرلو" قيادة الفريق. طبعا كان من البديهي أن يتساءل الجميع: هل يوجد أي منطق وراء هذا الاختيار في ذلك التوقيت العصيب؟ وهنا رد "فابيو باراتيتشي" بإجابة لا تقل غرابة عن قرار التعيين(20).

 

قال المدير الرياضي إنهم يؤمنون بأن "بيرلو" سيكون مدربا عظيما كما كان لاعبا عظيما، ثم أكد أنه يريد تقديم كرة قدم ذات جودة عالية، وكأن هناك من يريد تقديم كرة قدم سيئة، ثم ختم قائلا إن "أندريا" يعمل بجدية ويمتلك شخصية رائعة.

 

ما يزيد هذا التصريح غرابة، بل يحوله إلى نكتة، هو حقيقة أن "بيرلو" كان قد حصل على رخص يويفا التدريبية قبل 7 أشهر وحسب، بل إنه لم يكن قد نال الرخص الاحترافية بعد(21)، وكل ما يحظى به من خبرة لا يزيد عن أيام معدودة قضاها رفقة فريق الشباب(22)، ثم توكل له الآن مسؤولية إنقاذ يوفنتوس؛ لأنه فقط يمتلك شخصية رائعة. لو لم تكن هذه نكتة، فما هي النكتة؟

 

بدأ "أندريا" مهمته مع اليوفي وأنهاها ونحن لا نعرف أي أسلوب لعب أراد تطبيقه، إذ ظهر الفريق فاقدا ﻷي هوية تكتيكية. لم نحتج الكثير من الوقت لنتأكد من حتمية فشل تلك التجربة؛ لأن رفاق "ديبالا" حققوا أسوأ بداية في الدوري منذ موسم 92/93 بعد الجولات العشر الأولى(23). طبعا خسروا عرشهم المحلي، وأطيح بهم مرة أخرى من دور الـ16 بدوري الأبطال، وكانوا على وشك خسارة مقعد التأهل الأوروبي.

 

لو كانت الاستعانة بـ"ساري" مغامرة، فإن الاستعانة بـ"بيرلو" كانت انتحارا. لم يَجْنِ النادي من خلفها سوى إنهاء سيطرته المحلية، وإهدار موسم كامل من عقود اللاعبين، وفي مقدمتهم "رونالدو"، وظهور الأخطاء الفردية والجماعية في الملعب أكثر من أي وقت مضى، وكذلك المزيد من الخسائر المالية بسبب توديع المسابقة الأوروبية مبكرا.

 

راية السوبر ليغ

راية السوبر ليغ

ما زاد الطين بلة هو العواقب الاقتصادية المدمرة بسبب توقف كورونا. استهدفت هذه الأزمة ميزانية يوفنتوس بشكل عنيف؛ لأن النادي يعتمد على بيع التذاكر للجماهير الراغبة في زيارة ملعبه، وكذلك تسويق منتجاته، وهو ما لم يعد متاحا بعد قرار استئناف المباريات بمدرجات خاوية.

 

إذا كنت تريد معرفة إلى أي مدى تبلغ خسائر البيانكونيري المالية، فقد نشر موقع "90min" أرقاما صادمة، يقول فيها إنه بنهاية موسم 2019/2020 تعرض النادي لخسارة وصلت إلى 89.7 مليون يورو. هذا الرقم لا يبدو مرعبا لهذه الدرجة إذا قارنته بخسارة اليوفي في الموسم التالي؛ لأنها جاوزت 190 مليون يورو(24).

 

الآن يبدو موقف "أندريا أنييلي" شديد الحرج؛ لأنه كان يحلم قبل بضع سنوات بمكاسب اقتصادية تجعل ناديه في مصاف أندية القمة، ويأمل في استمرار حصد البطولات داخل إيطاليا، والاقتراب أكثر من حلم التتويج القاري، وتقديم كرة قدم جذابة. لم تتحقق أي من تلك الأهداف، بل إن ما حدث هو النقيض تماما.

 

لذلك مثّلت فكرة "سوبر ليغ" طوق النجاة بالنسبة إليه. كان من المفترض أن تضم هذه البطولة عددا معينا من الأندية، تحصل على أموال ضخمة لمجرد اشتراكها فيها، وهو ما سيساعد يوفنتوس على تجاوز تلك الأزمة العسيرة(25)، ومن ثَم بدا "أندريا" أكبر المتحمسين للفكرة، بل حامل راية المشروع الذي يحاول إقناع الأندية والرعاة بجدوى تطبيقها، حتى لو كان الثمن هو الانسحاب من الدوري الإيطالي نفسه.

طبعا أنت تعرف أن الأمر تحوّل إلى سراب، ومعه وجد "رونالدو" أن وقته في تورينو قد انتهى، وأصر على خلع قميص الأبيض والأسود، حتى لو كان توقيت خروجه سيزيد من أزمات النادي. وافقت الإدارة بعد وصول عرض اليونايتد، وبالتأكيد الجانب الإيجابي من مغادرته يتمثل في التخفف من راتبه المرتفع، لكن الجانب الآخر هو التأثير السلبي على الحصيلة التهديفية للفريق داخل الملعب، وكذلك المبيعات خارجه.

 

أمام كل تلك المشكلات المعقدة داخل الملعب وخارجه، تبدو العودة للمربع صفر إنجازا، لذلك استغاث "أنييلي" بـ"أليغري"، ربما لأنه الوحيد بين مدربي الصف الأول الذي يقبل بتولي المهمة في تلك الظروف، إذ لن يشترط ميزانية كبيرة لإعادة بناء الفريق، وسيعمل على إعادة الاستقرار لليوفي بما هو متاح من لاعبين. هذه المرة ابتسم الحظ لـ"أندريا"؛ ﻷن "ماسيمليانو" لم يقبل وحسب، إنما فضل العودة ليوفنتوس على عرض ريال مدريد(26)، وهو قرار يتسم بكثير من العاطفة، وكثير من الشجاعة في آن معا، لقد اختار بإرادته أن يواجه الكابوس.

————————————————————————————————————-

المصادر

  1. نتائج الدوري الإيطالي.
  2. بيان نادي يوفنتوس.
  3. مفاوضات يوفنتوس مع غوارديولا.
  4. المصدر السابق.
  5. المصدر السابق.
  6. تقرير ESPN عن يوفنتوس.
  7. يوفنتوس يعلن انضمام رونالدو.
  8. كلفة انتقال رونالدو ومكاسب يوفنتوس.
  9. المصدر السابق.
  10. المصدر السابق.
  11. المصدر السابق.
  12. المصدر السابق.
  13. المصدر السابق.
  14. المصدر السابق.
  15. اهتمام يوفنتوس بالسوق الآسيوي.
  16. المصدر السابق.
  17. المصدر السابق.
  18. يوفنتوس يتعاقد مع ساري.
  19. تقرير ماركا عن الهيكل الإداري في يوفنتوس.
  20. تصريح فابيو باراتيتشي عن تعيين بيرلو.
  21. رخص بيرلو التدريبية.
  22. سجل بيرلو التدريبي.
  23. يوفنتوس يحقق أسوأ بداية.
  24. خسائر يوفنتوس.
  25. سوبر ليغ.
  26. أليغري يفضل يوفنتوس عن ريال مدريد.
المصدر : الجزيرة