لويس كامبوس.. رحلة عبقري ريال مدريد المنتظر والرجل الذي هزم باريس سان جيرمان مرتين

هل تفهم جيدا في كرة القدم؟ ما رأيك في كرسي المدير الفني؟ ماذا؟ جزء منهم لا يفهم كرة القدم فهما كافيا؟ إذن فالحل أن تكون مُحلِّلا للأداء بأحد الأندية، هذه هي النظرة الدائمة لمراكز القوة في كرة القدم، فأصحاب المدرسة القديمة يميلون إلى سلطة مطلقة للمدرب، أما مواكبو تطورات اللعبة فيبحثون دائما عن فريق تحليل أداء قوي يشاركه اتخاذ القرارات، ولكن في أحيان كثيرة يغفل كلاهما عمَّن تبدأ اللعبة في الدوران من عنده.

مَن هو؟ المدير الرياضي أم ربما المدير التنفيذي؟ أم المدير التقني؟ ربما يكون كشاف المواهب؟ تتعدَّد الأسماء وفي النهاية كلٌّ منهم لديه دور في المنظومة، فهي سلسلة متصلة الحلقات لا يمكن إغفال أيٍّ من أجزائها، ولكن ماذا إذا اجتمعت الحلقات كلها في شخص واحد؟ ألا يجعل ذلك الأمر أسهل؟ الآن يمكننا أن نُقدِّم لك بطل الرحلة؛ لويس كامبوس.

مقدمة لا بد منها

حتى تُدرك مَن هو لويس كامبوس عليك إلقاء نظرة أولا على سجل المتوجين بالدوري الفرنسي، ستجد أنه منذ بداية سلسلة سيطرة باريس سان جيرمان على اللقب مع الاستثمار القطري لم تتوقَّف تلك السلسلة إلا في مرتين، الأولى كانت على يد موناكو في 2017، والثانية على يد ليل في 2021. معلومة تبدو قيمة، ولكن ماذا بعد؟ (1)

النقطة الأهم هنا أن العنصر المشترك في فقدان باريس سان جيرمان لقبَيْ الدوري الفرنسي في 2017 و2021 كان شخصا واحدا وهو لويس كامبوس، الرجل الذي تولَّى منصب المدير الرياضي متعدد الصلاحيات مع موناكو فتسبَّب في ثورة هناك، وحط الرحال في ليل فلم تختلف الخطوات والنتائج كثيرا باختلاف المكان.

ولاستكمال فقرة "أضف إلى معلوماتك" يجب أن تعرف أن لويس كامبوس في الوقت الحالي مرتبط بأخذ خطوة للأمام وتولِّي المنصب ذاته في ريال مدريد، في ظل حاجة إلى ثورة حقيقية بعد سنوات من العشوائية. فرغم أن الفريق جلب بالفعل ألقابا تاريخية في السنوات الأخيرة، فذلك لن ينفي أبدا عشوائيته والطريقة غير المفهومة التي كان يُدار بها، ولعبت المصادفة دورا لا يمكن إنكاره في تحوُّل حالة الفوضى التي تُنذر بكارثة كبرى إلى ألقاب وإنجازات تُخفي كل شيء خلفها. (2)

ولأن اسم ريال مدريد كافٍ تماما ليُضيف اهتماما بالغا بأي شخص يرتبط به، من هنا باتت مناقشة مستقبل لويس كامبوس محور اهتمام الصحفيين والجماهير أحيانا، لكننا قبل أن نتحدَّث عن مستقبله، لدينا محطات في ماضيه يجب الوقوف عندها، على الأقل لتعرف مَن ذلك الرجل الذي يرتبط اسمه بإحداث ثورة أينما حل وارتحل.

مدرب فاشل

لا، لا، هي ليست قصة توماس إديسون الذي أجرى آلاف المحاولات الفاشلة ونجح أخيرا، فالرجل امتلك رؤية في اللعبة منذ البداية ولكنه أعاد تشكيلها بمرور الوقت حتى تمنحه الوظيفة المناسبة، بالطبع بعد أن سلك الطريق التقليدي أولا، ليُعيد تعريف عبارة "يفهم جيدا في كرة القدم" التي أصبحت تلتصق بأي شخص يعرف الفارق بين المهاجم الوهمي وثمرة الجوافة!

مدرب شاب يبدأ مسيرته في السابعة والعشرين من عمره، وبعد عدد من التجارب يصبح مثار سخرية، أو تشاؤم بالأحرى، فيُطلق عليه لويس "كامباس" بدلا من كامبوس، وهي تعني "القبر" باللغة البرتغالية، لماذا؟ لأنه اعتاد الهبوط للدرجة الأدنى مع كل الأندية التي درَّبها، تجربة تكرَّرت مع أندية فيتوريا دي سيتوبال، وفارزيم، وبيرا مار في البرتغال. (3)

تلك التجارب الفاشلة أنهت علاقته بالتدريب، ولكنها بدأت علاقته الحقيقية بكرة القدم، حيث دفعته لأخذ الخطوة التي بنى عليها كل شيء فيما بعد، حين تعاون مع مدرب آخر بتأسيس شركة باسم "Training to Play" تكون مهمتها هي توفير المعدات والبرامج التكتيكية لأندية كرة القدم. (4)

من خلال الشركة، خرجت العديد من التطبيقات إلى النور، منها تطبيق يُسمى لوحة مورينيو التكتيكية، ذلك الذي عرَّف المدير الفني البرتغالي على كامبوس وأصبح فيما بعد صديقا له، وقبل أن نغلق صفحته مع التدريب، وعلى ذِكر مورينيو، لا يمكن أن ننسى أن كامبوس بصفته مدربا لنادي جل فيسينتي قد أوقف سلسلة اللا هزيمة الخاصة بالسبيشيال وان عند الرقم 27، وذلك في 2004 حين أحرز دوري الأبطال مع بورتو، بالطبع تتذكَّر ذلك جيدا. (5)

 

نظرة ثاقبة وأكثر

بالحديث عن العلاقة بين جوزيه مورينيو وكامبوس تتضح قدرات الرجل مُتعدِّد المهام أكثر، حيث إنه رافق السبيشيال وان في رحلته إلى ريال مدريد لمدة عام ونصف بصفته مُحلِّل أداء وكشاف مواهب في آنٍ واحد، علما بأنه قام قبل ذلك بالدور نفسه تقريبا من خلال توطيد علاقته بالوكيل الشهير خورخي مينديز لجلب العديد من المواهب إلى بورتو، ليلمع اسمه أكثر على مستوى كرة القدم البرتغالية، ويبدأ في التحرُّك خطوة إلى خارج حدود بلاده. الخلاصة؟ هو يلعب كرة القدم في مجالات مختلفة، بصفته مدربا ومحلِّلا ومديرا رياضيا وكشافا للمواهب، تماما كما وصفه أيتور كارانكا مساعد مورينيو في ريال مدريد. (6)

في هذا السياق يوضِّح أليكس هايز، الذي كان نائب الرئيس التنفيذي لنادي لوريان في الفترة ما بين 2015-2017، أن كامبوس لديه مهارتان عظيمتان. أولاهما النظرة الثاقبة التي تستطيع تحديد موهبة اللاعب المميز من تفاصيل صغيرة دون الحاجة إلى مشاهدته كثيرا، والثانية هي الاتصالات والعلاقات التي يمتلكها، هذا بخلاف قدرته الجبارة على الإقناع، لذلك فهو ليس قادرا على تحديد اللاعب الجيد فحسب، بل إنه قادر أيضا على التفاوض وإتمام الصفقة، ثم مواكبة تطوره بعد أن ينضم من أجل تطويعه داخل منظومة الفريق. (7)

خلال فترة موناكو تحديدا، أثبت كامبوس أنه يستطيع شراء المواهب بميزانية كبيرة أو صغيرة، وأن المشروع يتشكَّل بناء على حجم الأموال التي تُقرِّر الإدارة ضخَّها، وفي كل الأحوال هو قادر على قيادة مشروع حقيقي وفقا لما هو متاح، وفي نهاية المطاف لن يضع سقفا لطموحاته يتناسب مع سقف الإنفاق، لأنه حتما سيتجاوز ذلك.

نجح كامبوس في إحداث ثورة حقيقية بإعادة اكتشاف أسماء كجيرمي تولالان وإيريك أبيدال وريكاردو كارفاليو.

لماذا موناكو تحديدا؟ لأن الرحلة بدأت بضخ ضخم للأموال بفعل الاستثمار الروسي، حينها كان الرجل قادرا على جلب نجوم مثل خاميس رودريجيز وراداميل فالكاو من بورتو، وبالمناسبة كان هو مَن أتى بهم إلى النادي البرتغالي من الأساس، وبعد أن تغيَّرت سياسة النادي إلى البحث عن الشباب والمزج بينهم وبين متجاوزي الثلاثين، نجح في إحداث ثورة حقيقية بإعادة اكتشاف أسماء كجيرمي تولالان وإيريك أبيدال وريكاردو كارفاليو، فضلا عن أسماء شابة باتوا نجوما للعالم اليوم، مثل كيليان مبابي وبيرناردو سيلفا وفابينيو وبقية مَن شكَّلوا جيلا تاريخيا وصل إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، إلى جانب الفوز بالدوري الفرنسي في 2017. (8)

 

بعض من الكلاسيكية يُفيد

لكن كامبوس ليس رجلا مهووسا بالبيانات والحسابات فقط كما يبدو لك، فهو يحب المزج بين تحليل الحاسوب والطرق القديمة في الكشف عن المواهب، حيث يستخدم منصته البرمجية الخاصة "scouting System" التي يفتخر موقعها الإلكتروني بجعل موناكو "أحد أكثر الأندية ربحية على المستوى الاقتصادي في العالم"، وإلى جانب ذلك، يرى الرجل أنه لا بديل عن مراقبة المواهب مباشرة من خلال السفر والترحال وراءهم بين مختلف الملاعب. (9)

هو مهووس بعمله لدرجة أنه يُضحِّي بالاستقرار في سبيل الحصول على حرية التنقُّل، يقضي حياته بين الفنادق ولا يعيش في سكن خاص، والسبب بسيط للغاية، وهو متابعة اللاعبين الشباب عن قُرب وإعداد تقارير تفصيلية عنهم، لتحديد الأسماء الأكثر تأهيلا لتصعيدهم للفريق الأول، أمر مُشابه لما يحب مارسيلو بييلسا فعله، ولكن الفارق أن بييلسا يفعله مع الفريق الأول بصفته مديرا فنيا وليس كشافا للمواهب. (10)

مثل هذه الأشياء قد يبدو مبالغا فيها بالنسبة للمؤمنين بالتكنولوجيا، حيث إنها تختصر الطريق الطويل لمراقبة المواهب، ولكن كامبوس يمتلك الحل الأبسط للمعركة الدائمة بين الكلاسيكية والحداثة، تلك التي يغيب عنها المنطق كأي معركة بين طرفين يعتقد كلٌّ منهما أنه الصواب المطلق، وأنه لا مزيج أبدا بين هذا وذاك، رغم أن المزج بين طريقتين يكون هو الإجابة الصحيحة الوحيدة في أغلب الأحيان.

لويس كامبوس

وفي توضيح لذلك يقول كامبوس إنه لا بديل عن مراقبة المواهب مباشرة من الملعب، والسبب في ذلك أن هناك بعض التصرفات البسيطة التي توضِّح شخصية اللاعب، على سبيل المثال تحتاج إلى مراقبة سلوكه أثناء عملية الإحماء قبل المباراة لو كان أساسيا أو أثناء المباراة لو كان بديلا، وسلوكياته كذلك إذا كان بديلا وفريقه متأخر في النتيجة، مثل هذه الأشياء لا تنفصل أبدا عما يمتلكه اللاعب من موهبة وإمكانيات. (11)

 

رحلة من موناكو إلى ليل

تجربة موناكو لم تكن نتيجتها مجرد بطولة دوري في 2017، لكنها أخرجت جيلين مميزين من اللاعبين في ظرف 4 سنوات فقط، في البداية كان الجيل الذي ضم يانيك كاراسكو وكوندوجبيا وأنتوني مارسيال، ثم رحلوا وجاء الجيل الأبرز بقيادة كيليان مبابي وبيرناردو سيلفا وباكايوكو وميندي.

في ليل لم يكن أيضا لقب الدوري في 2021 محض مصادفة، فالأمر بدأ في 2016 حين أصبح جيرار لوبيز رئيسا للنادي وجلب معه كامبوس ليستنسخ تجربة موناكو، الرحلة كان من المفترض أن تبدأ بقيادة مارسيلو بييلسا، ولكنه رحل سريعا كعادته، وجاء كريستوف غاليتييه فقط ليُنقذ الفريق من الهبوط ويحتل المركز السابع عشر بشق الأنفس، ليظن الغالبية أن المشروع انتهى، ولكنه في هذا اللحظة بدأ لتوه. (12)

أكاديميات أندية أوروبا وأميركا اللاتينية كانت المصدر الرئيسي لحصوله على المواهب، تلك التي صنعت عمودا فقريا للفريق من ناحية، وكسب النادي من خلالها قدرا كبيرا من الأموال من جهة أخرى، وبالطبع الحديث عن العمود الفقري للفريق يتضمَّن الأسماء التي أزال الغبار من فوقها، ثم أضافها إلى مجموعة الشباب لزيادتهم بعنصر الخبرة، ويُعَدُّ الهداف بوراك يلماز هو الاسم الأبرز في هذا السياق.

أما على المستوى الاستثماري، فالقدرة على جلب نيكولاس بيبي من أنجيه مقابل 9 ملايين يورو وبيعه مقابل 80 مليون يورو، ثم تعويضه بفيكتور أوسيمين مقابل 22 مليون يورو وبيعه مقابل 70 مليون يورو كفيلة بتوضيح كل شيء، هذا بالإضافة إلى أسماء أخرى مثل رافائيل لياو المنتقل إلى ميلان وأنور الغازي المنضم إلى أستون فيلا وأسماء أخرى جلبت عوائد مادية للنادي، ربما كانت أقل مما حدث في حالتَيْ بيبي وأوسيمين، ولكن في كل الأحوال كان الناتج دائما أضعاف الإنفاق. (13)

في النهاية، هذا ليس ضامنا لنجاح كامبوس في ريال مدريد، ليس ضامنا لانتقاله إلى هناك أصلا، هو فقط إعادة لتعريف كلمة مشروع التي تاهت داخل عشوائية الحاضر، وسواء فيما يتعلَّق بالملكي أو بغيره، فإن الثابت الوحيد في الأمر أن التخطيط الجيد ثم العمل هما الطريق المنطقي الوحيد للنجاح، وأنّ العشوائية، حتى إن حققت نتائج باهرة لفترة، فإن ذلك لن يصبح قانونا في أي وقت.

______________________________________________________

المصادر

  1. سجل المتوجين بالدوري الفرنسي 
  2. ارتباط لويس كامبوس بريال مدريد 
  3. لويس كامبوس: عبقري الانتقالات الذي يعد أحد أكثر رجال كرة القدم المطلوبين – بليتشر ريبورت 
  4. المصدر السابق
  5. كامبوس حليف لمورينيو وصانع العجائب في فرنسا – ذا أثلتيك
  6. المصدر السابق
  7. المصدر السابق
  8. المصدر السابق
  9. لويس كامبوس: صعود المدير الرياضي لكرة القدم الأكثر استخفافا – breaking the lines
  10. لويس كامبوس: سوق الانتقالات بلمسة خاصة – سكاي سبورتس
  11. كامبوس حليف لمورينيو وصانع العجائب في فرنسا – ذا أثلتيك
  12. المصدر السابق
  13. سجل انتقالات ليل في فترة لويس كامبوس – ترانفسير ماركت 
المصدر : الجزيرة