يا لاعبي كرة القدم.. اذهبوا إلى النوم!

كريستيانو رونالدو

التاريخ هو منتصف تسعينيات القرن الماضي، والمكان هو مدينة مانشستر، والبطل هو سير أليكس فيرغسون، والحدث هو القلق من نشاطات لاعبيه المُريبة خارج منشأة التدريبات، حين يستقل كلٌّ منهم سيارته الفارهة وينطلق خارج حدود سُلطاته.

 

الحياة مراتب

نيك ليتلهيلز هو لاعب غولف محترف سابقا، وخبير تسويق في حلول النوم، وهي طريقة مُتكلَّفة لوصف رجل كان يبيع المراتب والمخادع، والسبب الوحيد لاستخدام هذه الصيغة هو أن الرجل قرَّر إجراء تغيير مهم في حياته في منتصف التسعينيات. (1)

 

كأي رجل مُخلِص لوظيفته، كان ليتلهيلز يتحدَّث كثيرا عن أهمية النوم للجميع، قبل أن يُقرِّر التوجُّه إلى الرياضيين بالنصيحة، وعندما بحث عن أقرب مكان يُتيح له ذلك، لم يجد أفضل من النادي المحلي في مدينته، فقط تصادف أن هذا النادي كان اسمه مانشستر يونايتد.

 

بالطبع، في البداية، كان الجميع يتعامل معه باستخفاف؛ مدرب للنوم؟ أي هراء هذا! هل يحتاج النوم إلى تدريب؟ بماذا سيُخبرني هذا المدرب؟ هل التقلُّب من وضعية إلى أخرى وغلق الستائر وضبط المنبه أصبح وظيفة يُؤجر عليها الناس؟ لماذا نحتاج إلى مدرب للنوم وكومان يُدرِّب برشلونة؟

MANCHESTER, ENGLAND - SEPTEMBER 04: Nick Littlehales, Elite Sport Sleep Coach talks during day 1 of the Soccerex Global Convention at Manchester Central Convention Complex on September 4, 2017 in Manchester, England. (Photo by Jan Kruger/Getty Images for Soccerex)نيك ليتلهيلز

ما ساهم في هذا الانطباع الخاطئ في البداية كان حقيقة أن مظهر ليتلهيلز لم يكن موحيا بالثقة؛ شاب وسيم للغاية كان يعمل خبيرَ تسويقٍ وبائعا للمراتب، هذا يضعك أمام تفسيرين لا ثالث لهما؛ إما أنه مُحتال مُحترف يحاول التقرُّب من دوائر المشاهير الأثرياء بسلعة لا قيمة لها، وإما أنه شاب وسيم يعمل خبيرَ تسويقٍ وبائعا للمراتب ولديه ما يُضيفه فعلا، وهذا يخبرك أنه، في الواقع، كان هناك احتمال واحد فقط.

 

في الحقيقة، لم تكن تلك هي وظيفة ليتلهيلز، ولكنه كان بحاجة إلى إثبات واضح يُدلِّل على فائدة ما يفعله، وأتت الفرصة مع غاري باليستر مدافع يونايتد آنذاك، الذي كان يعاني من إصابة مزمنة في ظهره لا يُفلح معها العلاج التقليدي، وكان ليتلهيلز هو مَن اكتشف السبب. (2)

"الطريقة والوضعية التي كان يستخدمها باليستر في النوم كانت تُعطِّل تجدُّد الخلايا، وتُجهِد عضلات ظهره، وكان هذا السبب الرئيس لفشل العلاج التقليدي".

مع الوقت، تحسَّن باليستر كثيرا. طريقة ليتلهيلز لم تكن لتُعالج إصابته أبدا تحت أي ظروف، ولكنها كانت لتساعده على التعافي أسرع، لأن طريقة نومه كانت تُلغي أثر العلاج الإكلينيكي الذي يتلقاه في النادي، وكأن شيئا لم يكن. (1)

غاري باليستر

هذه الواقعة أحدثت ضجة ضخمة في الكرة الإنجليزية آنذاك. بعد فترة، بدأت الصحافة تنتبه للرجل الغريب الذي يقود سيارته من وإلى الكارينغتون، ملعب تدريب مانشستر يونايتد، قبل أن يُصرِّح أرسين فينغر -مدرب أرسنال الذي تحمَّل الكثير من السخرية بسبب طُرقه التدريبية وتحكُّمه في الأنماط الغذائية للاعبيه، التي كان مصدر بعضها فيرغسون نفسه- بابتسامة ماكرة قائلا: "الآن بدأت الأندية تنظر إلى العوامل الجانبية المؤثرة. بعضهم بدأ يبحث في أثر تدريبات اليوغا والبيلاتس".

 

تحت الضغط

في كتابه "علاج وتجنُّب إصابات كرة القدم" (Soccer Injury Prevention & Treatment)، يعتقد جون غالوتشي، المُنسِّق الطبي لأكثر من 600 لاعب محترف في الدوري الأميركي لكرة القدم، وكبير المدربين المساعدين في نيويورك ريد بولز سابقا، أن الحرمان من النوم، أو اضطرابه، له ثلاثة مخاطر رئيسية على الرياضيين، وتحديدا لاعبي كرة القدم. (3)

كتاب "علاج وتجنُّب إصابات كرة القدم"كتاب "علاج وتجنُّب إصابات كرة القدم"

الأول، بداهة، هو بطء ردود الأفعال. خبراء النوم، إن جاز التعبير، ظلَّوا يدرسون أثر الحرمان من النوم واضطراب أنماط النوم لسنوات، ودراساتهم تستنتج أن زمن رد الفعل يتقلَّص بمقدار 300% (ثلاث مرات أقل) في حالة حصول الرياضي على ليلة نوم كاملة ومستقرة وهادئة.

 

هذا الرقم مُرعب طبعا، وهو رقم خادع كذلك؛ ببساطة لأن ردود الأفعال في لعبة مثل كرة القدم عادة ما تستغرق أجزاء من الثانية، وفي مساحة زمنية ضيقة كهذه تصبح الفوارق أقل من أن تحمل قيمة تسويقية، حتى لو كانت مهمة، بالتالي يلجأ أصحاب الدراسة للنسبة المئوية بدلا من الأرقام الحقيقية، لأن القول إن زمن رد الفعل يتقلَّص من 60 جزءا من الثانية إلى 20 جزءا ليس باهرا للقُرَّاء. بالإضافة إلى أن الدراسة غالبا ما قارنت بين أقصى طرفَيْ العصا، أي بين الحرمان التام من النوم لمدة 20 ساعة مثلا وبين الحصول على ليلة نوم كاملة. هذا أشبه بأن تقول إن ارتداء حذائك قبل الخروج في المطر يحميك من البلل بنسبة 500%.

 

في الواقع، لو لم نكن نعلم أن غالوتشي لا تربطه علاقة بليتلهيلز لقلنا إنه هو مَن أشار عليه بهذه الصيغة التسويقية الفعالة. المهم أن المشكلة هنا لم تكن في ارتداء الحذاء قبل الخروج في المطر، بل في أن هناك عالما كاملا من المدربين واللاعبين لم يكن يؤمن أنه يحميك من البلل فعلا.

 

هذه هي خطورة البديهيات التي لا ينتبه لها أحد عادة؛ لذا يعتقد أغلب اللاعبين أن 6 ساعات من النوم لن تختلف كثيرا عن 5 أو 7، وأن يوما واحدا بلا نوم في الأسبوع لن يصنع فارقا ضخما، بل إن بعضهم يعتبر ذلك دليلا على جَلَده وقوة تحمُّله، ومدعاة للفخر أحيانا.

Tennis - China Open men's singles semifinal - Beijing, China - 08/10/16. Britain's Andy Murray rests on the bench during his match against David Ferrer of Spain. REUTERS/Thomas Peter

الحقيقة أن الحرمان من النوم أو اضطرابه يزيد من معدلات الكورتيزول، الهرمون المسؤول عن الضغط العصبي والنفسي، وهذه الزيادة تؤثر على صحة القرارات ودقتها سواء كانت بدنية أو ذهنية أو مزيجا بين هذا وذاك. هذا هو ثاني مخاطر اضطراب النوم بالنسبة للاعبي كرة القدم، فانتظام النوم وجودته قد يكون الفارق بين التصدي لتسديدة صعبة أو مشاهدتها تدخل المرمى، أو بين إكمال المراوغة في منطقة الجزاء وبين الفشل والتسبُّب في مرتدة خطيرة، أو بين استلام الكرة بشكل صحيح أو إساءة التحكُّم فيها ومنحها لمهاجم الخصم في وضعية بناء اللعب، أي باختصار؛ كل ما يحدث في مباريات برشلونة كومان. (4)

 

في هذه المواقف تصبح الأجزاء العشرون من الثانية مهمة فعلا بلا حاجة إلى المبالغة أو الخدع الإحصائية. في الواقع، قد يُدهشك ما يمكن أن يحدث خلال نصف ثانية فقط من المباراة في وضعية صعبة.

 

هذه الزيادة في الكورتيزول تؤثر أيضا بالسلب على معدل تجدُّد الخلايا والتعافي من الشد والتمزق العضلي. كذلك فإن اضطراب النوم يمنع الجسم من تخزين الجلوكوز في العضلات بنِسَب كافية، وبالتالي يؤثر على الطاقة المتاحة في لحظات الجهد البدني العالي، وكل ذلك يزيد من احتمالية التعرُّض للإصابة، ويُقلِّل من معدلات التعافي من الإصابات الحالية. هذا هو ثالث مخاطر اضطراب النوم لدى لاعبي كرة القدم.

 

إلى النوم

"لا يوجد طريقة أفضل للتعافي من النوم".

(ليبرون جيمز)

بالطبع نحن نعلم ما تُفكِّر فيه الآن؛ كل ما سبق هو طريقة مُتكلَّفة للغاية للقول إن النوم مهم، طريقة أشبه بعبارة "خبير تسويق في حلول النوم"، وهو أمر نتوقَّع أنك لم تكن تحتاج إلى قراءة أي تقرير لتعرفه. حتى مقولة ليبرون جيمز تبدو سخيفة إلى حدٍّ ما، أشبه بتصريحات غاريث بيل الصحفية عقب المباريات.

 

هذا يتركنا أمام خيار واحد فقط؛ إخبارك بنصائح ليتلهيلز الثمانية لتنظيم نوم لاعبي كرة القدم والحصول على أكبر فائدة ممكنة منها، وإذا كانت هذه النصائح تصلح للاعبي كرة القدم، فإنها غالبا ستصلح لك. (5)

 

ملاحظة: بالطبع كنا نتمنى أن تكون 10 نصائح حتى نعنون التقرير بـ "10 نصائح مهمة للنوم"، ونجعله أكثر إثارة وقابلية للتسويق، ولكن ليتلهيلز خذلنا في ذلك.

 

  • 1- دورة النوم

النوم الجيد لا يُقاس بالساعات، بل بالدورات (Cycles)، ومدة كل دورة هي 90 دقيقة. بالطبع تفسير ذلك لا علاقة له بمباريات برشلونة كومان، ولكن بحقيقة أن هذا هو الوقت الذي ننتقل فيه بسلاسة بين حالة النوم العميق وحالة النوم الأخف والأقل استغراقا التي تتحرَّك فيها أعيننا بسرعة.

 

بالتالي، من المهم أن يُنظِّم لاعب كرة القدم نومه في مضاعفات الـ90 دقيقة، وأن يحرص على ألا يستيقظ قبل نهاية الدورة.

 

  • 2- إستراتيجية النوم

في كتابه "نوم" (Sleep)، ينصح ليتلهيلز لاعبي كرة القدم بالتخطيط لنومهم على مدار الأسبوع كاملا، بمعنى أن يُدركوا أنهم بحاجة إلى 35 دورة نوم (90 دقيقة أو ما يعادل مباراة كاملة لبرشلونة كومان) عبر الأسبوع. (6)

كتاب "نوم" (Sleep) ليتلهيلزكتاب "نوم" (Sleep)
  • 3- نَم كالأطفال

تُعرَّف الساعة البيولوجية (Circadian Process) بأنها مجموعة الأنماط السلوكية الذهنية والنفسية والبدنية التي تصاحب دورة الـ24 ساعة، وما يقوله ليتلهيلز هو إنها تتأثر بشدة بحركة الليل والنهار، والضوء والظلام. (7)

 

لا جديد هنا، باستثناء قول الرجل إننا نحن البشر، قبل اختراع المصابيح الكهربية، لم نكن ننام كما ننام الآن، بل في نوبات متقطعة (Polyphasically) كالأطفال بالضبط؛ أكثر من مرة، ولفترات أقصر.

 

كريستيانو رونالدو مثلا يُنظِّم نومه في 5 قيلولات خلال النهار مدة كل واحدة منها ساعة ونصف، وأغلب أندية القمة في أوروبا الآن تمتلك غرفا للنوم (Sleeping Pods) مُجهَّزة لقيلولات اللاعبين قبل المباريات على أرضهم، أو بعد التدريبات الشاقة مباشرة، لضمان الحصول على أكبر قدر من التعافي. (8)

ملحوظة: كنا سنعنون التقرير بـ "10 نصائح للنوم مثل رونالدو" ولكننا نعتقد أنك لا تحتاج إلى طُعم لقراءة تقاريرنا.

 

طبعا نحن نمزح، انتظر طُعما في التقرير القادم.

 

  • 4- تأمل

خذ نصف ساعة (ثُلث دورة النوم المعتادة) للراحة كل حين. هذه الراحة تُسهم في تحسين دورة نومك المعتادة حتى لو لم تقضها نائما، مجرد الاسترخاء كافٍ. خبراء النوم يُطلقون عليها اسم "CRPs" أو "Controlled Recovery Periods".

 

  • 5- استيقظ

إذا كنت قد اندهشت لأن هناك مَن يخبرك أنك تنام بشكل خاطئ، فاستعد لكي يخبرك الأشخاص أنفسهم بأنك تستيقظ بشكل خاطئ كذلك.

 

من المهم للغاية أن يكون لك روتين مُحدَّد عند الاستيقاظ، وتحديدا في الـ90 دقيقة التالية لاستيقاظك، وهذا الروتين يجب أن يتضمَّن التالي؛ تأخير الولوج للأجهزة الذكية والإنترنت، وإفراغ الأمعاء، وشرب الماء أو السوائل، والحصول على إفطار مُغذٍّ، وأخيرا، بعض التدريبات الخفيفة.

 

ملحوظة: في حال كان هذا الاستيقاظ عقب مباراة لبرشلونة كومان يُضاف إلى الروتين السابق؛ الصراخ بلا هدف، وحجز موعد مع الطبيب النفسي، وتوجيه اللكمات العنيفة للوسائد وحشية الفراش، خاصة لو كان ليتلهيلز هو مَن باعك إياها.

 

  • 6- شروق وغروب

ماذا تفعل لو كنت تعيش في غرفة مظلمة لا يصلها ضوء كافٍ؟ ليتلهيلز ينصحك بأن تبتاع وحدة إضاءة من التي تحاكي شروق الشمس وغروبها في الوقت المحدد، لأن هذه العملية تضبط ساعتك البيولوجية وهرمونات جسمك، فضوء الشروق مثلا يُقلِّل إفرازات الميلاتونين (هرمون الاسترخاء) ويُحفِّز السيروتونين (هرمون السعادة والنشاط).

  • 7- احصل على مرتبة كبيرة ومريحة

هذه أسهل نصيحة مُمكنة لكنها الأكثر مكرا كذلك؛ ليتلهيلز ينصح لاعبي كرة القدم بشراء أكبر فراش تسمح به غرفهم. ما يقوله الرجل إن الحجم الأقصى للفراش يكفي بالكاد لاثنين من البالغين، لذا فاستخدام حجم أصغر بغرض التوفير سيؤثر مباشرة على جودة نومك.

 

نحن نتفق مع ليتلهيلز في هذه النقطة، لا ملاحظات هنا.

 

  • 8- نَم في هذه الوضعية

نَم في الوضع الجنيني (ذراعان وركبتان مضمومتان إلى الصدر) وعلى جانب ذراعك القوية، وفي الناحية المعاكسة لها من الفراش، والأهم، حاوِل دائما أن تتنفَّس من أنفك لأن التنفُّس من الفم يُقلِّل من استقرار النوم وجودته بداهة.

 

بالطبع إن لم يُقنعك كل ما سبق فتذكَّر التالي؛ نحن الآن بداية العقد الثالث من الألفية الجديدة، بعد ربع قرن من الواقعة الأولى، والبطل لا يزال ليتلهيلز الذي صار يعمل الآن مع كوكبة من أفضل لاعبي كرة القدم في العالم، بالإضافة إلى أندية مثل ريال مدريد وتشيلسي، ومنتخبات مثل الإنجليزي، وقائمة طويلة من الرياضيين الأولمبيين.

————————————————————————————————

المصادر

  1. نيك ليتلهيلز؛ تعرف على الرجل الذي يساعد رونالدو على النوم بشكل أفضل – The Guardian
  2. هل تصيبك محاولات النوم لثمان ساعات متواصلة بالإجهاد؟ – The Daily Mail
  3. أهمية النوم للاعبي كرة القدم – Soccer Today
  4. كيف يؤثر النوم على أدائك كلاعب كرة قدم؟ – Total Football Analysis
  5. كيف تنام مثل لاعبي البريميرليغ – BBC
  6. كتاب Sleep  لنيك ليتلهيلز – Amazon
  7. ما هي الساعة البيولوجية؟ – Sleep Foundation
  8. رونالدو يتناول 6 وجبات وينام 5 مرات يوميًا – Insider
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

كان هناك تناقض واضح بين حياة كريم في الملعب وحياته خارجا، وما اكتشفناه في الأعوام الأخيرة هو أن مسيرة بنزيما الاحترافية لم تكن إلا سوء تفاهم كبيرا حُرم خلاله من الحب الذي يستحقه من جماهير ناديه.

22/9/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة