إقالته لن تغير شيئا.. هل المدرب هو أهم قطعة في فريقك فعلا؟

أهلا بك. القصة واضحة هذه المرة، سنحاول أن نقنعك بأن الأهمية التي تمنحها لعمل مدرب فريقك مبالغ فيها، وأنه لا يتحكم في نجاح فريقك أو فشله بالدرجة التي تتخيلها، وأنه في أكثر الحالات فإن استبدال مدرب بآخر لن يحقق فارقا يُذكر.

 

بالطبع سترفض، ستحدثنا عن كلوب في ليفربول، وغوارديولا في برشلونة، وساكّي في ميلان، وكلوب مرة أخرى في دورتموند، وليبّي مع يوفنتوس، ومانشيني رفقة إيطاليا في اليورو الأخير، وآخرين غيرهم، لن تستسلم، ولا نحن، وسنقنعك عاجلا أو آجلا.

المدرب "مارتشيلو ليبي"

 

المدرب العادي

إن كنت تتابع ما يُكتب هنا عادة، فلقد قرأت اسم "باش تير فيل" مرة واحدة على الأقل، وإن لم تكن، فهو اقتصادي هولندي قرر إجراء بحث واسع عن كرة القدم في بلاده، ببساطة لأن كم الأموال المهدر في عملية تعيين المدربين وإقالتهم في الدوري الهولندي كان يستفزه(1).

 

على سبيل المثال، أياكس يتعاقد مع مدرب جديد بلا خبرة ولا مؤهلات باستثناء كونه نجما سابقا للفريق، ويوقع معه عقدا مدته عامان على الأقل، تتحسن النتائج ثم يحدث المتوقع ويتراجع الفريق بلا سبب مفهوم لأنه تحسن بلا سبب مفهوم كذلك، ثم يضطر أياكس لإقالة المدرب قبل نهاية الموسم الأول، وبالطبع يدفع له مقابل ما تبقى من عقده، ثم يذهب لمدرب آخر متعاقد مع فريق آخر ليدربه، وطبعا يشترط المدرب الآخر أن يدفع أياكس مقابل المتبقي من عقده لناديه الحالي لكي يحصل على خدماته، والنتيجة؛ ملايين مهدرة في استبدال مدرب بآخر، وهناك احتمالية نسبتها 80% على الأقل أنه لن يحقق نتائج أفضل، بل ربما العكس.

 

لماذا لن يكون استبدال المدرب مؤثرا؟ في دراساته، يعتمد "تير فيل" على مبدأ اقتصادي مهم يمكن ترجمته حرفيا بالانحسار إلى العادي (Regression Towards The Ordinary)، وهو يعني أن أي تغير طارئ متطرف يخالف المنطق هو مؤقت بالضرورة، ولا بد له من لحظة ينحسر فيها إلى العادي أو المتوسط قياسا بالتاريخ الاقتصادي للشركة محل التغيير.

 

تير فيل يعتقد أن المبدأ ذاته يمكن تطبيقه على أندية كرة القدم. على سبيل المثال، إن كنا نتحدث عن مانشستر يونايتد، فهو نادي عريق له جماهير ضخمة وأرباح سنوية خيالية وأكاديمية ممتازة، لذا فإن انحداره السريع المؤسف عقب اعتزال سير أليكس فيرغسون في 2013 هو أمر مؤقت لا يتماشى مع إمكانيات النادي المادية والجماهيرية والبشرية، ومن ثَم فإن انحساره للعادي مسألة وقت، حتى لو استغرق الأمر 10 سنوات، لأنها فترة قصيرة بالنسبة إلى عمره. هذا ما يعتقده كذلك ديفيد سالي وكريس أندرسن، مؤلِّفَا كتاب لعبة الأرقام(2).

 

المثال الأبرز الذي يتمرد على هذه القاعدة هو أرسنال، وهو يتمرد عليها لسبب بسيط، هو أن التغيُّر في عقلية النادي وطموحاته ومستوى فريقه الفني لم يكن طارئا ولا متطرفا، بل تم بالتدريج الممل منذ البدء في بيع نجوم الفريق عقب نهائي أبطال 2006 المشؤوم، وفي هذه الأعوام الخمسة عشر يصعب تحديد لحظة واحدة كانت السبب الرئيس لوصول أرسنال إلى وضعه الحالي، على عكس يونايتد الذي يمكن في حالته تعريف لحظة اعتزال فيرغسون في 2013 بأنها بداية الانهيار.

المدرب "مايكل أرتيتا"

قفزة الثقة

المهم أن تير فيل قرر دراسة 18 موسما متتاليا من الدوري الهولندي بين عامي 1986 و2003، جمع إحصائيات النتائج لكل الفرق، ثم اختار منها الفرق التي مرت بفترات هبوط حاد مفاجئ في المستوى، وبعدها قسّمها من حيث ردود أفعالها على هذه الفترات بين فرق أقالت مدربها، وفرق أبقت على مدربها، وفرق رحل عنها المدرب باختياره؛ والمفاجأة أن النتائج كانت متشابهة إلى حد كبير، تلاحظ هنا طبعا أن كل الفرق التي مرت بفترات هبوط في المستوى استطاعت التعافي، سواء كانت قد أقالت مدربها أو أبقت عليه أو رحل باختياره.

 

بالطبع، وكما هو متوقع، لم يهتم أحد ببحث تير فيل في 2003 ولا بعدها، ليس لأنهم استمروا في إقالة المدربين وتعيين غيرهم، فهذا مفهوم لأن إقالات المدربين تتم لأسباب جماهيرية بالأساس، فإذا قررت كتلة حرجة من المشجعين أن مدرب الفريق عليه أن يرحل فسيرحل، وحتى لو لم تكن إدارة النادي مقتنعة بالأمر، ولكن السبب الذي يجعلنا نجزم بأن بحث تير فيل لم يكن مؤثرا هو أن الأندية ظلت تمنح مدربيها الجدد عقودا طويلة الأجل بناءً على نجاحات قصيرة الأجل.

 

يكفيك أن تعلم أنه منذ استحواذ رومان أبراموفيتش على تشيلسي في 2003، دفع الرجل ما يعادل 70 مليون جنيه إسترليني (80 مليون يورو) للمدربين بعد إقالتهم، ناهيك بـ… لحظة! كان هذا حتى 2015 فقط، الرقم الصحيح هو 110 مليون جنيه إسترليني بإضافة تعويضات كل من كونتي وسارّي ولامبارد(3)(4).

"رومان أبراموفيتش" مالك نادي "تشيلسي"

لم يهتم أحد ببحث تير فيل، ولكن في أوساط مثقفي كرة القدم -إن جاز التعبير- طفا مصطلح جديد هو "New Manager’s Bounce" أو "ارتداد المدرب الجديد" بالترجمة الحرفية، والمقصود به طبعا هو التغير اللحظي الذي تشهده نتائج الفريق بمجرد إقالة المدرب عاثر الحظ الذي عانى من تراجع النتائج قبل أن يرحل. إن كنت تفكر في أمثلة فيمكننا أن نساعدك؛ سولشاير في يونايتد، ولامبارد في تشيلسي(5)(6).

 

طبعا أنت لم تقتنع لأنك لا تعرف مَن باش تير فيل، ولن تبني قناعاتك الكروية بناءً على رأي اقتصادي لا يعلم شيئا عن كرة القدم. لا بأس، لقد توقعنا ذلك. في الواقع كان بحث تير فيل هو المرحلة الأولى فقط من محاولة إقناعك، المرحلة التي نكتفي فيها بتعريفك على مصطلح "ارتداد المدرب الجديد"(7).

 

حظ متوقع

المرحلة الثانية أتت بعد بحث تير فيل بخمسة عشر عاما تقريبا. في موسم 2016-2017 قامت مؤسسة أبحاث علم البيانات الشهيرة "21ST Club" بدراسة المباريات الثمانية التي سبقت إقالة المدربين في الدوريات الخمسة الكبرى، ثم قارنتها بالمباريات الثماني التي تلت إقالتهم، وللوهلة الأولى بدا التحسن واضحا وبدا قرار الإقالة صحيحا، المدرب المُقال كان يحقق متوسط 0.8 نقطة في المباراة قبل إقالته مقابل 1.2 نقطة للمدرب الجديد، هذا يعني زيادة قدرها 50% في معدل حصد النقاط(8).

 

هذا هو ما حدث فعلا، لا خدعة في الأمر، المشكلة الوحيدة فقط أن إحصائيات الأهداف المتوقعة للفرق ذاتها في الفترة ذاتها، قبل تغيير المدرب وبعده، أظهرت أن المتوسط المتوقع للنقاط كان متماثلا. بمعنى آخر، لو كان الفريق يستغل الفرص المتاحة للتسجيل بالمعدل نفسه مع كلا المدربين، الجديد والمُقال، لحصل كل منهما على متوسط النقاط ذاته في المباراة الواحدة: 1.2 نقطة.

المدرب "روبرتو مانشيني" أثناء تدريب مانشستر سيتي سابقا

مجموعة أخرى من الباحثين الهولنديين -لا نعلم سر هوس الهولنديين بالأمر- قرروا إجراء التجربة ذاتها على الإقالات التي وقعت في البريميرليغ ما بين 2000 و2015، واكتشفوا -مفاجأة- أن الفرق التي عانت من هبوط حاد في المستوى مقارنة بالمعتاد، قد تحسنت بالقدر ذاته والسرعة ذاتها، سواء قررت الإبقاء على مدربها أو إقالته.

 

هل يعني ذلك أن المدربين غير مؤثرين على الإطلاق؟ ليس بالضبط، ولكن أغلبهم كذلك. الباحث الإنجليزي ستيفان زيمانسكي قام بدراسة أوسع رفقة زميله سايمون كوبر في الكتاب الشهير "Soccernomics" حول قدرات المدربين الحقيقية في تغيير نتائج فرقهم، الدراسة شملت المواسم من 1973 إلى 2010 -سنة صدور الكتاب- في الكرة الإنجليزية، ووضعت مقياسا لرواتب اللاعبين المتاحين لكل مدرب ومركزهم المتوقع في الجدول بناءً على هذه الرواتب، واكتشفوا في النهاية أن نسبة 10% فقط من المدربين هم من فاقوا التوقعات، كان على رأسهم بالطبع سير أليكس فيرغسون(9).

 

بالطبع يمكنك الزعم بأن الرواتب لا تعبر دائما عن جودة اللاعبين، ولكننا سنخبرك بأن دراسة عدد ضخم من المواسم يقارب الأربعين سيلاشي أي ضوضاء إحصائية على المدى البعيد. دراسة زيمانسكي وكوبر أثبتت أن النتائج مرتبطة بالرواتب، ومن ثم جودة اللاعبين، أكثر بكثير من ارتباطها بالمدرب، تحديدا بنسبة 90% من الحالات التي درسوها.

 

10 نقاط

المدرب "بيب غوارديولا"

ويبقى السؤال الآن: لماذا تستمر الأندية في فعل الشيء نفسه وتوقع نتائج مختلفة؟ والجواب: لأن الأندية غبية.

 

الأمر بهذه البساطة، كرة القدم تعاني من آفة لا يبدو أن لها علاجا، اسمها اللاعبون السابقون. إن كنت لاعبا سابقا فاحتمالية تحولك إلى مدرب تزداد بنسبة تفوق الـ50% مقارنة بمدرب آخر لم يسبق له اللعب، خاصة لو كنت نجما سابقا. لا نعتقد أنك تحتاج الاطلاع على أي دراسات لتعلم ذلك.

 

في الواقع، هذا التمييز غير المنطقي لا يفعل شيئا سوى إجبار هؤلاء -الذين لم يسبق لهم اللعب بوصفهم محترفين- على مراكمة قدر أكبر من الخبرات والمهارات التدريبية قبل تولي المسؤولية في أي نادٍ. بمعنى آخر، الشعور بالاستحقاق الذي يحمله النجوم السابقون، وإحساسهم بسهولة اقتحام عالم التدريب مقارنة بغيرهم، قد أضرّ بهم، وملَأَهم بإحساس زائف بالتفوق، وجعلهم أكثر مقاومة للمعرفة.

 

هذا ما تثبته دراسة أخرى حاولت الإجابة عن السؤال ذاته "إلى أي درجة يمكن للمدرب أن يكون مؤثرا؟"، الدراسة نُشرت في أغسطس/آب 2018 عبر "جورنال أوف سبورتس إيكونوميكس (Journal of Sports Economics)"، وفيها قام مجموعة من الباحثين الألمان بدراسة دقيقة لكل مدرب في البوندزليغا الألمانية في العقدين ما بين موسم 1993-1994 و2013-2014، وشملت النظر لميزانيات الأندية التي دربوها، والمبالغ التي أنفقوها على التعاقدات، وحالة الفريق قبل توليهم المسؤولية وبعده، بالإضافة إلى مسيرتهم وهم لاعبون قبل احترافهم التدريب(10).

 

النتائج لم تكن مختلفة كثيرا عما سبق ذكره، ولكنها كانت أكثر تفصيلا. باختصار، هناك 20% من المدربين يمكن اعتبارهم من الصفوة في هذه الفترة، من ضمنهم يورغن كلوب ولوسيان فافر بالمناسبة، وهناك 20% آخرون يمكن اعتبارهم الأسوأ، وبمقارنة الفئتين كان أمثال كلوب وفافر قادرين على زيادة حصيلة فرقهم من النقط بمعدل 0.3 نقطة إضافية في المباراة الواحدة، أي ما يعادل 10 نقاط كاملة في نهاية موسم البوندزليغا التقليدي المكون من 34 مباراة(11).

المدرب "يورغن كلوب" والمدرب "لوسيان فافر"

نعم، 10 نقاط ليس رقما هينا أبدا، ولكن لاحِظ أن هذا الفارق ليس بين الأفضل والعاديين، بل بين الأفضل والأسوأ، وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم: ما الذي يصنع الفوارق الضخمة التي تشاهدها عادة في البوندزليغا خصوصا وباقي الدوريات عموما؟ والإجابة سهلة رغم أنها قد تكون مفاجئة: النادي نفسه.

 

فكر في الأمر، إن كنت تملك أفضل اللاعبين وأكبر الميزانيات وتفوقا تاريخيا وجماهيريا، فلأي مدى يمكنك استثمار هذا التفوق؟ الأمر لا يعدو كونه عملية حسابية بسيطة قائمة على قانون الاحتمالات. بالطبع هناك مدربون أكثر تأثيرا من غيرهم حتى في الـ20% التي تعد من الصفوة، وبالطبع لا يمكن مقارنة الأثر الذي أحدثه كلوب في ليفربول بذلك الذي أحدثه غوارديولا في سيتي مثلا، ولكن في الوقت ذاته، ماذا كان سيفعل كلوب من دون "إيان غراهام"، رئيس وحدة علم البيانات في النادي، وهو من كان السبب في التعاقد معه أساسا؟ أو من دون مايكل إدواردز الذي تمكن من توفير الأموال اللازمة للتعاقد مع كل صفقاته بعد أن باع أغلب المطرودين من الفريق بأسعار خيالية؟(12)(13)(14)(15)(16)

 

من فضلك لا تخبرنا بأنك قد صُدمت، ففي النهاية، لم يكن هذا التقرير ليصبح ضروريا لولا هوسنا بصناعة الأبطال الخارقين الذين يستطيعون تغيير كل شيء بمفردهم. واقعيا، المنطق يقر بأن منشآت النادي وموارده البشرية والفنية والجماهيرية هي الأكثر تأثيرا في نتائجه من أي مدرب مهما كان، وإن لم يكن تير فيل وزيمانسكي وكوبر والباحثون الهولنديون قد أقنعوك، فقط انتظر حتى تتم إقالة مدربك.

—————————————————————————————————-

المصادر

  1. هل هناك منطق إحصائي في إقالة المدرب؟ – BBC
  2. كتاب لعبة الأرقام لديفيد سالي وكريس أندرسن: The Numbers Game: Why Everything You Know About Football Might Be Wrong – Amazon
  3. كم أنفق رومان أبراموفيتش على تعويضات المدربين المُقالين منذ استحواذه على تشيلسي في 2003؟ – The Independent
  4. رومان أبراموفيتش مالك تشيلسي أهدر 110 مليون باوند على تعويضات المدربين المُقالين بعد رحيل لامبارد – The Sun
  5. ارتداد المدرب الجديد (New Manager’s Bounce).. حقيقة أم أسطورة؟ – Infogoal
  6. New Manager’s Bounce.. الأمر كله متعلق بالحظ – Reuters
  7. شرح مفهوم New Manager’s Bounce – What is psychology
  8. لا جدوى من إقالة المدرب لأن الأمر متعلق بالحظ.. الإحصائيات تثبت ذلك – The Independent
  9. كتاب Soccernomics لستيفن زيمانسكي وسايمون كوبر – Amazon
  10. كم عدد النقاط التي يضيفها المدرب للفريق فعلا؟ – The Guardian
  11. دراسة: مساهمة المدربين في النجاح المؤسسي في أندية كرة القدم في البوندزليغا – Journal of Sports Economics
  12. خلف الكواليس.. عالم الفيزياء الذي يقود قسم البيانات في ليفربول – Liverpool FC
  13. كيف ساعد علم البيانات وكرة القدم الخاطفة للأنفاس ليفربول على الوصول للمجد؟ – New York Times
  14. الرجل الذي يقف خلف سياسة تعاقدات ليفربول والذي لم تسمع عنه من قبل – Liverpool Echo
  15. مايكل إدواردز.. رحلة الرجل الذي ساعد كلوب على بناء فريقه – Blecher Report
  16. مايكل إدواردز وإدارته المبنية بعناية يساعدون ليفربول في تغيير معايير سوق الانتقالات – Liverpool Echo
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يدرك مخرج الأفلام والمالك الجديد لروما “دان فريدكين” بكل تأكيد الفارق بين شركة الإنتاج السينمائي ونادي كرة القدم، لكن لماذا اختار “مورينيو” تحديدا؟ وهل يمكن لتجربة روما أن تكون مختلفة؟

25/8/2021

مَن هو؟ المدير الرياضي أم ربما التنفيذي؟ أم التقني؟ ربما يكون كشاف المواهب؟ تتعدَّد الأسماء وفي النهاية هي سلسلة متصلة الحلقات لا يمكن إغفال أيٍّ من أجزائها، ولكن ماذا إذا اجتمعت كلها في شخص واحد؟

7/9/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة