ما بعد ميسي.. هل تدخل الكرة في الأرجنتين عصور الظلام؟

إنها التاسعة مساء بتوقيت أميركا الجنوبية، الثانية فجرا بتوقيت مصر، وهذا هو النهائي الرابع الذي يخوضه منتخب الأرجنتين خلال السنوات السبعة الأخيرة. ورغم مرارة الإخفاقات الثلاثة المتتالية، فإن هناك مَن لا يزال مُتيَّما بمنتخب الألبيسيليستي، وقد اختار أن يسهر ليلته عسى أن تتغيَّر النهاية تلك المرة ولا يذهب لعمله في الصباح وهو يلعن اللحظة التي شجَّع فيها كرة القدم.

لم تتغيَّر النهاية وحسب، بل تبدَّلت تماما مع إطلاق حَكَم نهائي كوبا أميركا 2021 صافرة النهاية، فكانت أسعد لحظة عاشها ذلك المُتيَّم في تاريخه مع تشجيع المنتخب اللاتيني. ها هو يحاول كتم فرحته كي لا يوقظ أسرته، بينما يشاهد "ليونيل ميسي" يحتفل بصورة درامية، و"دي ماريا" يركض في أرجاء الملعب بسعادة غامرة، و"أغويرو" يصرخ بجنون أمام عدسات المصورين.

كان الأمر أشبه بانتصار ذاتي لهذا الجيل من اللاعبين، بعدما عانوا من اتهامات بالتقصير والأداء المتخاذل مع المنتخب، في حين يتألَّقون ويبهرون العالم رفقة أنديتهم الأوروبية. الآن فقط يتحرَّرون من تلك الضغوط، بعد الفوز بأول بطولة دولية في مسيرتهم، قبل تسليم الراية لجيل جديد، لكن هل يشهد المستقبل القريب على سطوع نجوم أرجنتينيين بحجم هؤلاء الذين يستعدون لتسليم الراية؟

بصراحة ليس لدينا إجابة قاطعة، لأننا ببساطة لا نقرأ الطالع، ولا نعرف ماذا سيحدث غدا، لكن الشيء المؤكَّد هو أن ثمة انحدارا واضحا في عدد المواهب الأرجنتينية التي تجد طريقها إلى ملاعب أوروبا. طبعا لم ينتبه كثير من جمهور الألبيسيليستي لتلك الحقيقة، لأن تركيزهم كان مُنصبًّا على التتويج ببطولة تُنسيهم الخسائر المتكرِّرة، لكن الصحفي "خوان بابلو فارسكي" توقَّف وسط كل هذا الصخب لرصد تلك الظاهرة، وخرج بنتائج جديرة بالانتباه.(1)

أول شيء وجده "فارسكي" كان واضحا جدا، لكنه لم ينل الاهتمام الكافي، وهو خلو تشكيلة أبطال التشامبيونزليغ في السنوات الأخيرة من اللاعبين الأرجنتينيين.(2) هل تمتلك ذاكرة قوية؟ إن كنت لا تملك، فنحن راجعنا أسماء لاعبي تشيلسي الذين تُوِّجوا بالبطولة قبل شهرين، وفعلنا الأمر ذاته مع نسخة بايرن ميونخ المرعبة الموسم الماضي، ثم مرة ثالثة مع بطل أوروبا موسم 2018-2019: ليفربول، ومرة أخيرة مع ريال مدريد في الموسم الذي يسبقه، ولم نجد لاعبا أرجنتينيا أساسيا في تشكيلة تلك الفِرَق.

لم يكتفِ الصحفي ببطل القارة وحسب، إنما أخذ يفتش داخل دوريات أوروبا الكبرى، ليتأكَّد أن هذا الانحدار ليس مصادفة. وهنا أحصى أبناء جلدته من المحترفين بأندية الدوري الإنجليزي، والإيطالي، ثم الإسباني، ليكتشف أن إجمالي عددهم قد وصل إلى نحو 68 لاعبا فقط خلال موسم 2019-2020. (3) وإذا كنت لا تظنه رقما قليلا، فدعنا نخبرك أنه أقل رقم يُحقِّقه المحترفون الأرجنتينيون في السنوات العشرة الأخيرة.

نشرت صحيفة نيويورك تايمز الصورة التالية (4)، ويمكنك من خلالها رؤية حجم التراجع في أعداد الأرجنتينيين بالدوريات الثلاثة بمرور المواسم، ليصل التراجع ذروته خلال الموسم الماضي. اللافت أنه حتى إسبانيا التي تشترك مع الأرجنتين في اللغة، وبالتالي تجتذب اللاعبين المتميزين أسرع من غيرها، باتت تستقبلهم الآن أقل من أي وقت سابق.(5)

 

ما يزيد الأمر تعقيدا هو أن هذا العدد المُتراجِع مرشَّح لمزيد من التراجع، إذ لاحظ "خوان فارسكي" أن نسبة لا بأس بها من هؤلاء اللاعبين قد جاوزوا عامهم الثلاثين، وهو ما يجعل سنواتهم المُتبقية في ملاعب أوروبا معدودة. وبالتالي إذا استمر عزوف الأندية عن التعاقد مع شبان الأرجنتين، فسنصبح أمام رقم أقل من نجوم البيسيليستي في ملاعب أوروبا.(6)

الآن يبدو واضحا أن ثمة مشكلة ما تخص تصدير بلاد الفضة للمواهب، وكي نتعرَّف على أسباب تلك المشكلة وجذورها، فعلينا العودة لعام 2007. لماذا؟ لأن الوضع حينها كان مختلفا للغاية، وكانت أكبر أندية العالم تُحاول الظفر بالمواهب الأرجنتينية، بعدما شهد هذا العام حصول الأرجنتين على مونديال الشباب تحت 20 سنة للمرة الخامسة خلال تسعة أعوام فقط بين 1998-2007.(7)

أخرجت الأرجنتين خلال تلك السنوات أعدادا كبيرة من المواهب الصاعدة نحو أوروبا، بل إن منهم مَن لم يَعُد لناديه الأرجنتيني بعد نهاية المونديال، وطار مباشرة إلى وجهته الجديدة. هذا بالضبط ما حصل مع "أنخيل دي ماريا"، حين كان عمره 19 عاما صيف عام 2007. كان يحتفل رفقة زملائه بكأس العالم على متن الطائرة المتجهة لبيونس آيريس، ثم انتظر في مطار العاصمة الأرجنتينية للحصول على تأشيرة دخول أوروبا، وبعد سويعات قليلة كان يرتدي قميص بنفيكا البرتغالي، والباقي نعرفه جميعا.(8)

أما ما حدث بعد 2007 فكان النقيض، لأن منتخب شباب الأرجنتين لم يَعُد بتلك القوة التي كان عليها. فقط تخيَّل أن أفضل ما حقَّقه منذ ذلك التاريخ هو الصعود لربع نهائي المونديال، بينما أُقصي من دور المجموعات مرتين، وفشل في التأهُّل أصلا للبطولة مرتين أُخريين.(9) وكما ساهمت نجاحات فريق الشباب في تسويق لاعبيه، وبزوغ نجومه الصاعدين بصورة أفضل، فإن إخفاقاته أيضا لعبت الدور المُضاد.

يُعَدُّ هذا التحوُّل في نتائج منتخب الشباب مُثيرا للتساؤل، والحقيقة أن أسبابه معقدة وترتبط بوضع البلد الاقتصادي والسياسي، لكن الكاتب والمُحلِّل "نِك فيتزجيرالد" يرى أن السبب الأهم هو انعدام الرؤية في إدارة منتخبات الشباب داخل الاتحاد الأرجنتيني (10)، إذ لم تكن الأهداف المطلوب تحقيقها من كل فئة عمرية واضحة، ولم يكن هناك أسلوب لعب مشترك بين مختلف المنتخبات، ولم يُعمَل على تطوير المواهب المتميزة بالصورة السليمة. كانت نتيجة كل هذا الإهمال منتخب شباب ضعيفا، يفتقد عناصره التميز والفاعلية التي كان عليها مَن سبقوهم. (11)

بالتأكيد لعبت الظروف الاقتصادية المضطربة دورا في هذا التدهور، لكن "خورخي فالدانو"، أحد أكبر العارفين بالكرة الأرجنتينية، يؤكِّد أن بلاده عانت دوما من ضعف الإمكانيات المادية، لكن ما أوصل الأمور إلى تلك النقطة هو غياب التخطيط، مع اعتقاد زائف بأن الأرجنتين ستُنتج أفضل اللاعبين، وتنافس على الألقاب، وتبقى قوة كبيرة في كرة القدم مهما حدث، حتى لو لم يكن هناك مشروع رياضي من الأساس. (12)

كان هذا نصيب الاتحاد الأرجنتيني من المسؤولية، وربما يكون صاحب النصيب الأكبر لأنه مَن يتحكَّم بمقاليد الأمور، لكنه ليس المسؤول الوحيد عن حالة اللاعبين الشباب. هناك طرف آخر ينبغي لفت الانتباه إليه، وهو الأندية المحلية التي يتكوَّن الناشئ داخل مدارسها، وكي نوضِّح الأمر، علينا أن نحكي لك قصة رجلين أتيا من كوبنهاغن إلى الأرجنتين قبل عدّة سنوات.

جاء الرجلان في مهمة عمل استكشافية للبحث عن المواهب الصاعدة، ثم إعداد التقارير عن أفضل تلك المواهب قبل ترشيحها لأندية الدنمارك، وبالتالي كان من الضروري حضور المباريات من داخل الملاعب. هنا اصطدم الكشّافان بأول مشكلة في الأرجنتين، حين حاولا الاتصال هاتفيا بالأندية للتعريف بنفسيهما، لكن لم يُجِب أحد على الاتصالات، فأرسلا بريدا إلكترونيا يطلبان فيه حجز مقعد مخصَّص لكشّافي اللاعبين، لكنهما لم يستقبلا أي رد.(13)

وحتى لا تضيع الرحلة هباء، اضطر الرجلان لحجز تذاكر عادية، والجلوس إلى جوار الجمهور الذي لا يتوقف عن الغناء والهتاف والصخب، وهو ما يتعارض بالكليّة مع عمل الكشّاف المحترف. الطبيعي هو أن يستقبل النادي الكشّاف، ثم يُقدِّم له بعض البيانات والإحصائيات عن اللاعب، قبل أن يوفر له مقعدا يُتيح له كشف الملعب خلال المباراة، ويُمكِّنه من استخدام الهاتف والحاسوب إذا احتاج إلى تسجيل ملاحظاته. هذا ما يحدث في أوروبا، ويحدث أيضا في أميركا الجنوبية، وتحديدا البرازيل، ألد أعداء الكرة الأرجنتينية، ولم ينل منه كلا الكشّافين المسكينين أي شيء.(14)

يؤكِّد الكاتب "روري سميث" أن هذه ليست حالة فردية، خصوصا بعدما أخبره "دييغو هيرتا"، أحد مسؤولي نادي ريسينغ، بأنه لن يكون من السهل تنظيم جولات دائمة لكشّافي الأندية الأوروبية في الأرجنتين، خصوصا إذا أرادوا مشاهدة المباريات مباشرة من داخل الملاعب.(15) أمر آخر لا يقل أهمية يؤكِّده "سميث"، يتعلَّق باختلاف أساليب تدريب الناشئين بين الأندية البرازيلية وتلك الأرجنتينية، إذ بدأ ينتشر اعتقاد بين الكشّافين ووكلاء اللاعبين في أوروبا بأن أكاديميات البرازيل أكثر تطوُّرا في هذا الشأن، بحيث تقترب معايير تدريب الناشئ وتقييمه عبر نماذج إحصائية متطورة من المعايير الأوروبية، وهو ما يساعد اللاعب الصاعد على سرعة الاندماج حين ينتقل إلى نادٍ أوروبي، بينما لا يبدو الأمر كذلك في أكاديميات الأرجنتين.(16)

وهكذا نجح عدد من لاعبي السليساو في الدخول لتشكيلة أندية أوروبية كبيرة بمجرد الانتقال إليها. لدينا "غابرييل خيسوس" في مانشستر سيتي، و"فينيسيوس جونيور" في ريال مدريد، و"رينان لودي" في أتليتكو مدريد، و"غابرييل مارتينيلي" في أرسنال، و"ريتشارلسون" في إيفرتون، و"لوكاس باكيتا" في ليون، و"أنتوني دوس سانتوس" في أياكس. كلهم أثبتوا كفاءة وأصبحوا لاعبين معروفين في أكبر دوريات العالم، رغم أن بعضهم لم يتم عامه الثالث والعشرين بعد. وإذا حاولت البحث عن محترفين أرجنتينيين في أعمارهم نفسها، فلن تخرج أبدا بهذا العدد، ولا بالقدرة السريعة على الاندماج والتألُّق، خصوصا إذا استثنيت "لاوتارو مارتينيز" من حساباتك.

الأرجنتينيون يؤمنون بالموهبة الفطرية الخارقة، يراهنون على قدرتها الفردية على صناعة الأعاجيب، ولديهم قناعة أنها لن تنضب من بلادهم أبدا. والحقيقة ليس من السهل على الجمهور الذي شاهد ما يُحقِّقه ميسي وأغويرو ودي ماريا خلال السنوات العشرة المنقضية أن يؤمن بغير ذلك، لكن حين لا يكون لدى اتحاد الكرة مشروع رياضي يرعى الناشئين، ولا تكون الأكاديميات المحلية قادرة على مجاراة نظم التدريب الحديثة، ولا تفتح الأندية بواباتها أمام مَن يريد اكتشاف المواهب، ثم تنتظر بعد كل ذلك أن يخرج ميسي جديد في المستقبل القريب، فأنت شخص متفائل جدا.

________________________________________________________

المصادر:

1/2/3/6/النتائج التي توصل إليها الصحفي فارسكي.

4/5/8/تقرير صحيفة نيويورك تايمز.

7/9/نتائج منتخب شباب الأرجنتين.

10/11/12/أسباب تراجع منتخب شباب الأرجنتين.

13/14/15/16/كيف تعمل أكاديميات الشباب والأندية المحلية في الأرجنتين.

المصدر : الجزيرة