صناعة البطل الأولمبي.. هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟

حسنا، عُدنا من جديد إلى موسم الدورة الأولمبية، نعرف أنه يتكرَّر كل 4 سنوات، لكن هذه المرة كانت استثناء، حيث تسبَّب فيروس كورونا في تأجيل دورة الألعاب الأولمبية في طوكيو عاما كاملا لتنطلق في 2021 بدلا من 2020، وبظروف غير معتادة، حيث غابت الجماهير عن المدرجات الأولمبية لأول مرة في التاريخ.(1)

في الموسم الأولمبي لا صوت يعلو فوق صوت الميداليات، التي تشهد صراعا تاريخيا بين بعض الدول الكبرى، وعادة ما ينحصر الأمر بين الثلاثي؛ الولايات المتحدة وروسيا والصين، في المقابل تذهب الجماهير العربية للتساؤل عن سبب فشل بعثاتها في إحراز عدد أكبر من الميداليات.

لا تتجاوز حصيلة البعثات العربية مجتمعة عادة حاجز الـ20 ميدالية، وهو ما يجعل الإجابة عن سؤال "كم سنحصد في دورة الألعاب الأولمبية في باريس؟"، على سبيل المثال، أمرا سهلا للغاية.(2) لذا فنحن هنا للإجابة عن سؤال أصعب قليلا، سنحاول من خلاله فهم الأمر فهما أعمق، والسير في رحلة الظفر بالميداليات الأولمبية، ألا وهو: "كيف يُصنع البطل الأولمبي؟"، هل الأمر بتلك السهولة؟ وهل الإنجاز الأولمبي يستحق كل هذا العناء حقا؟

تختلف تكلفة إعداد بطل أولمبي من لعبة إلى أخرى، وهذا الأمر يُعَدُّ منطقيا للغاية، حيث تتطلَّب كل لعبة رياضية أدوات وتدريبات وأجواء خاصة تُميِّزها عن نظيراتها، ولكنها تشترك جميعا في التكلفة الباهظة التي يتطلَّبها إعداد لاعب يستطيع الوصول إلى الدورة الأولمبية أولا، ثم المنافسة على ميدالية ثانيا.

في عام 2012، نشرت مجلة "فوربس" تقريرا عن تلك التكاليف، وأوضح أن إعداد لاعب أولمبي في لعبة القوس والسهم يستطيع الصعود لدورة لندن يتطلَّب إنفاق ما لا يقل عن 25 ألف دولار أميركي سنويا، إلى جانب أكثر من 4 سنوات متواصلة من التدريب الشاق.(3)

"لقد أنفقت منذ عام 2018 وحتى الآن ما يقرب من 35 ألف دولار أميركي على تكاليف السفر والتنقل فقط، أنفق أكثر من 38 ألف دولار أميركي خلال العام الواحد.. بالنسبة للرياضات الأولمبية التي لا تحظى بشعبية كبيرة، فإن العثور على تمويل ورعاية لاستكمال تكلفة التدريب والمنافسة يمكن أن يكون صعبا للغاية".

(شاي هاتشيت، بطلة التجديف الأميركية)(4)

في لعبة أخرى مثل تنس الطاولة، فإن اللاعبين احتاجوا إلى إنفاق أكثر من 20 ألف دولار سنويا، وبدء ممارسة اللعبة في الفترة ما بين 8 إلى 12 عاما من أعمارهم، حتى يتسنَّى لهم المنافسة الأولمبية، في الوقت الذي بلغت فيه تكلفة الإعداد في لعبة سلاح المبارزة 20 ألف دولار أميركي سنويا، ولمدة من 5 إلى 8 سنوات من التدريب.(5)

سيمون بايلز

الأمر نفسه في الجمباز، إذ أنفقت سيمون بايلز، أنجح لاعبة جمباز أميركية في التاريخ، التي استطاعت حصد 4 ذهبيات وبرونزية في أولمبياد ريو دي جانيرو 2016، أكثر من 15 ألف دولار سنويا، في حين اضطرت والدة زميلتها غابي دوغلاس إلى إعلان إفلاسها في عام 2012، وذلك بعد تتويج ابنتها بثلاث ميداليات أولمبية.(6)

الأمور في الصين تختلف قليلا عن باقي الدول، فالهدف هناك هو الذهب مقابل أي ثمن، حيث تأتي الألعاب الأولمبية في طليعة اهتمامات الحكومات الصينية المتعاقبة، التي تهدف إلى توفير كل الإمكانيات المتاحة من وسائل تدريبية ومدربين وبنية تحتية، والتنقيب عن المواهب في كل أرجاء البلاد.

تضم الصين ما يقرب من 3000 مدرسة رياضية، إلى جانب 20 برنامجا تدريبيا متخصِّصا، وغيرها من البرامج الفرعية التي تعمل على استقطاب الآلاف من الأطفال في أعمار مبكرة، لا لشيء إلا إعدادهم للمنافسة الأولمبية، حيث لا تُقدِّم تلك المدارس جودة جيدة في مجال التعليم غير الرياضي.

يضطر الطفل إلى ترك والديه في سن السادسة لفترات طويلة على أمل أن يعود إليهم بطلا أولمبيا بعد ذلك، ويتعيَّن على الطفل التخصص في لعبة معينة من بين التخصصات الكثيرة التي يشملها نظام الدراسة، الذي يُقسِّم الأطفال حسب موهبتهم منذ البداية إلى (7): رياضي دولي (international master sportsman)، ورياضي وطني (national master sportsman).

"يجب أن نضمن بحزم حصولنا على المركز الأول في الميداليات الذهبية".

(جيو تشونغ، رئيس اللجنة الأولمبية الصينية)(9)

هذا النظام شديد الاحترافية يقابله أسلوب عنيف في التدريبات التي يتلقَّاها الأطفال الصينيون، التي على الأغلب تتعارض مع مبادئ حقوق الأطفال، حيث تستنزف تلك التدريبات الأطفال استنزافا مبالغا فيه، لا سيما في أعمارهم الأولى التي تتطلَّب حرية ترفيهية أكبر، وممارسة الرياضة تحت ضغوط أقل، ولكن هذا لا يتوافر في تلك المدارس.

في الوقت نفسه يعجز أهل الطفل عن إنقاذه من هذا التدريب العنيف، لأن أغلب تلك العائلات من الطبقة الفقيرة التي تُعوِّل على هذا الطفل في انتشالهم من الفقر مستقبلا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه إذا لم يصبح بطلا أولمبيا فلن يقدروا على تعليمه ودعمه في مجال آخر، تلك الحالة المعقدة هي التي تتسبَّب في خلق الرغبة في الهيمنة والظفر بالذهب لدى البطل الأولمبي في الصين.(8)

لا تقتصر الصعوبات على التكلفة المالية والبرامج التدريبية القاسية، ولكن هناك الإصابات أيضا. فوفقا لدراسة نشرها باحثون بريطانيون في "المجلة البريطانية للطب الرياضي"، التي تناولت الإصابات التي تعرَّض لها 3357 بطلا أولمبيا من 131 دولة حول العالم، وذلك في الفترة من دورة الألعاب الصيفية في لندن 1948 وحتى دورة الألعاب الشتوية في بيونغ تشانغ عام 2018، فإن كل لاعب أولمبي يتعرَّض على الأقل لإصابة واحدة طوال مشواره.

أظهرت النتائج أن 23.6% من هؤلاء اللاعبين استطاع الاستمرار في المنافسة أثناء تعرُّضه للإصابة مع انخفاض الأداء، في حين اضطر 21.6% إلى إيقاف جميع التدريبات حتى التعافي التام منها، في الوقت الذي لجأ فيه باقي الرياضيين إلى استخدام المسكنات الطبية، ومضادات الالتهابات المختلفة، من أجل التعايش مع تلك الإصابة.

"يجب أن أفعل ما هو مناسب لي، وأن أُركِّز على صحتي النفسية، وألا أُعرِّض صحتي وحياتي للخطر".

(سيمون باليز، عن انسحابها في طوكيو بسبب مشكلات نفسية)(10)

خطورة التعرُّض للإصابة لا تكمن في الوقت الذي يستغرقه البطل الأولمبي في العودة، أو التكاليف التي يضطر لإنفاقها على العلاج فحسب، حيث قال ثلث الرياضيين محل الدراسة إنهم يعانون من آلام مزمنة أثَّرت تأثيرا مباشرا على أدائهم الوظيفي بعد اعتزال الرياضة، وذلك بسبب إصاباتهم أثناء المنافسات الأولمبية.

الأمور قد تتطوَّر إلى مضاعفات نفسية يُصاب بها الرياضيون على إثر الإصابات العضلية، إذ أبلغ 6.6% من اللاعبين عن إصابتهم باكتئاب حاد أثناء مسيرتهم الأولمبية، في حين أُصيب 9.5% منهم بالاكتئاب بعد التقاعد. وأرجع أغلبهم السبب إلى التعرُّض إلى إصابة كبرى أثناء ممارسة اللعبة، في حين أرجع 16.3% الاكتئاب لأسباب أخرى غير الإصابات.(11)

حسنا، هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟ يجدر بنا في البداية أن نؤكِّد أن اللجنة الأولمبية الدولية لا تدفع دولارا واحدا للفائزين بالميداليات خلال الدورات الأولمبية، لكن البطل الأولمبي يستطيع جني أرباح طائلة بعد الظفر بالميدالية، التي تختلف بطبيعة الحال من دولة إلى أخرى، حيث تأتي في شكل امتيازات دبلوماسية واجتماعية، أو مكافآت مالية كبيرة، أو عقود رعاية ضخمة، إلى جانب الشهرة الواسعة التي يحظى بها أيضا.

على سبيل المثال؛ الرباعة الفلبينية هيديلين دياز، التي ظفرت بأول ذهبية في تاريخ مشاركات بلادها الأولمبية بدورة طوكيو، تُشير التقارير إلى حصولها على ما يقرب من 600 ألف دولار من قِبَل اللجنة الأولمبية في الفلبين، إلى جانب منزلين من جهات أخرى، ورحلات طيران مجانية مدى الحياة.

أما في سنغافورة التي تشارك بـ23 لاعبا ولاعبة فقط في دورة الألعاب الأولمبية الحالية في طوكيو، فالمكأفاة تصل إلى 737 ألف دولار أميركي للفائز بالذهبية، و369 ألف دولار للفضية، و184 ألف دولار للبرونزية، وتخضع تلك الأرقام إلى الضرائب التي يدفعها الفائزون إلى اتحادات لعباتهم الوطنية من أجل التطوير وتنفيذ الخطط المستقبلية.(12)

 

في هذا السياق، يُعَدُّ مايكل فيلبس واحدا من أفضل نماذج النجاح للثراء من خلال التتويج الأولمبي، حيث تُشير التقارير إلى أن أسطورة السباحة الأميركية، الذي ظفر بـ28 ميدالية أولمبية متنوِّعة، استطاع حصد أكثر من 60 مليون دولار، وفي حين يختلف راتبه من عام إلى آخر، فإنه يبلغ في المتوسط 9.3 ملايين دولار، يأتي الجزء الأكبر منها من عقود الرعاية.(13)

ختاما، مشوار الميدالية الأولمبية ليس سهلا، حيث يتطلَّب تراكما طويلا من التدريبات والمشاركات إلى أن يصل البطل الأولمبي إلى قمة مستواه ويُحقِّق أهم إنجاز رياضي في مسيرته، ولكن خوض هذا المسار يُعَدُّ سلاحا ذا حدين، فإما أن يظفر بلذة انتصاره ويجني عوائده، وإما أن يتعرَّض لعقبات تعوقه عن الوصول إلى تلك المرحلة، وبين هذا وذاك اللاعب الرياضي هو فقط مَن يملك القرار؛ متى يستمر في طريق حلمه الطويل، ومتى يتوقف عنه.

______________________________________________________

المصادر:

  1. الأولمبياد بلا جماهير لأول مرة في التاريخ
  2. أي الدول العربية الأكثر تتويجا في الأولمبياد؟
  3. تكلفة بناء بطل أولمبي
  4. لاعبة في فريق الولايات المتحدة الأميركية يكشف التكاليف الخفية للذهاب إلى الأولمبياد
  5. إليك تكلفة حضور الألعاب الأولمبية للرياضيين الأميركيين
  6. والدة لاعبة الجمباز غابي دوغلاس تتقدم بطلب الإفلاس
  7. على الطريقة الصينية: كيف تصنع بطلا أولمبيا؟
  8. داخل "المدارس الرياضية" الصينية المرهقة حيث يصبح أطفال المزارعين أبطالا
  9. الهدف الوحيد للآلة الرياضية الصينية: أكبر عدد من الميداليات الذهبية بأي ثمن
  10. "الصحة النفسية" تجبر أسطورة الجمباز على "ترك" الأولمبياد
  11. دراسة لإصابات أبطال أولمبيين في الفترة من 1948 وحتى 2018
  12. إليك مقدار ما يكسبه الرياضيون الأولمبيون عند الفوز بالميداليات
  13. ما هو صافي ثروة مايكل فيلبس؟
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

واحدة من الملاحظات التي كثيرا ما يُشير إليها هواة الألعاب الأولمبية هي أن الحاصل على الميدالية البرونزية عادة ما يكون أكثر سعادة مقارنة بالحاصل على الفضية! تتبع علماء النفس الأمر ليفسروه لنا.

28/7/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة