من كرويف ومارادونا إلى شانكلي وغوارديولا.. لماذا يتفوَّه المشاهير بالهراء؟

صورة الغلاف؛ مارادونا وكرويف وغوارديولا ومدرب ليفربول الأسطوري بيل شانكلي

إن كنت قد شاهدت مسلسل "نظرية الانفجار العظيم" (The Big Bang Theory) فأنت قطعا تعرف شيلدون كوبر، عالم الفيزياء النظرية الذي يدرس في معهد "MIT" الشهير، الذي يتمحور المسلسل حول شخصيته، وإن كنت تعرف شيلدون كوبر فغالبا ستتذكَّر واحدة من أشهر مقولاته: "أنا لا أُخطئ، لأنني قبل أن أرتكب الخطأ، أكتشف أنني على وشك ارتكاب خطأ". (1)

 

في المسلسل، قُدِّمت هذه العبارة بوصفها دليلا مضحكا على غرور كوبر، الذي يلعب دوره الممثل جيم بارسونز، ولكن في الواقع، لم تكن هذه الفكرة سوى تنويع على مقولة أخرى بالمعنى ذاته ليوهان كرويف، الرجل الذي كان يعتقد أنه يملك القدرة على تجنُّب الأخطاء قبل ارتكابها. (2)

Chivas' sporting consultant Johan Cruyff attends the presentation of the club's new signings at the Valle Verde training facilities in Guadalajara June 13, 2012. Johan Cruyff, sporting consultant from Guadalajara Chivas, the most popular football club in Mexico, said on Wednesday that young people lack technique and good vision of the field, which is why they hired the experienced Marquez and Perez as reinforcements for the Apertura championship which starts on July 20. REUTERS/Alejandro Acosta (MEXICO - Tags: SPORT SOCCER)
يوهان كرويف

كرة القدم للفقراء

المشكلة أن ما قاله كرويف لا يمكن تفسيره بتأثير داننغ-كروغر الشهير (The Dunning-Kruger Effect)، الذي نال عنه الثنائي، ديفيد داننغ وجاستن كروغر، جائزة نوبل عام 2000، وهو يتحدَّث في المقام الأول عن قدرة الإنسان على الوعي بذاته وقدراته، إذ يعتقد الباحثان أن أصحاب الكفاءة المنخفضة غالبا ما يبالغون في تقدير ذواتهم، بينما العكس يحدث مع أصحاب الكفاءة العالية، إذ غالبا ما يبالغون في تقدير الآخرين، مما يقودهم للتقليل من ذواتهم، والنتيجة باختصار أن العالم يمتلئ بالحمقى الذين يظنون أنهم يعلمون كل شيء، والأذكياء الذين يتشكَّكون في كل شيء. (3)

 

كرويف لم يكن أحمق بالطبع، على الأقل في كرة القدم، بالتالي يصعب وضعه أسفل أحد التصنيفات السابقة، ولكن كروغر يعود ليؤكِّد أن اهتمامنا بما يقوله المشاهير أيًّا كان هو تصرُّف طبيعي ومنطقي تماما، ومستمر منذ مجتمعات الصيد البدائية التي كانت تختار زعماءها وتخضع لهم طبقا لمعايير القوة وقتها. طبقا لكروغر، فإن معرفة قواعد المجتمع الذي تعيش فيه، كباره وصغاره وقوانينه وخطوطه الحمراء، أمر مهم للبقاء على قيد الحياة. (4)

 

ربما كان هذا هو ما دفع ناصر الخليفي، رئيس نادي باريس سان جيرمان ومالِكه، للتفوُّه بعبارة من أغرب ما يمكن عن كون كرة القدم للجميع. قالها إبان أزمة السوبرليغ الأخيرة بعد أن أعلن الستة الكبار في إنجلترا وأقرانهم الثلاثة في إيطاليا وإسبانيا عن انضمامهم لمسابقة جديدة تضم نخبة أندية القارة. (5)

الرجل الذي أنفق 220 مليون يورو على لاعب واحد، وتستأثر شبكته التلفزيونية ببث كل المسابقات في الشرق الأوسط، يعلم تماما أنه لن يكون مُمثِّلا لصوت "الجميع" بأي معيار ممكن، ولكنه استغل الفرصة السانحة، وقرَّر الوقوف في صف أهم الخطوط الحمراء التي اخترقها مقترح السوبرليغ، أي الجماهير، حتى ولو بتصريح يُخالِف الواقع.

 

قد يكون أيضا السبب نفسه الذي دفع غوارديولا لتصريح آخر مضحك إبان الأزمة نفسها، فطبقا للمدير الفني الإسباني، فإن مشكلة السوبرليغ أنه يُحصِّن أنديته من الخسارة، وإن لم تكن هناك احتمالية للخسارة فلا داعي للعب كرة القدم. هذا التصريح صدر من رجل قضى السنوات الخمس الماضية في محاولة تعجيز خصومه في سوق الانتقالات، معتمدا على إمداد مادي لا نهائي من أمراء أبو ظبي ومجموعة سيتي فوتبول غروب. (6)

 

أكثر من حياة أو موت

هذا ما يعتقده كروغر، ولكن ثمة اختلاف واضح بين مشاهير المجتمعات البدائية وزعمائها وبين مشاهير العصر الحالي؛ في المجتمعات البدائية كانت القوة الجسدية هي ما يحكم تسلسل السلطة، أما الآن، فما يملكه مشاهير منصات التواصل والتلفزيون والسينما هو سلطة اعتبارية، يمكن، نظريا، التمرد عليها بسهولة، وهذا هو ما يجعل التمرد عليها عمليا في غاية الصعوبة لكثير من الناس، إذ إنها لا تقهرهم بقدر ما تتسلَّل إلى وعيهم.

 

دعنا نضرب لك مثالا أوضح؛ بيل شانكلي، مدرب ليفربول الأسطوري الذي شُيِّد له تمثال خارج ملعب النادي، له مقولتان شهيرتان: "الأول هو الأول، والثاني هو لا شيء" (First is First and Second is Nowhere)، و"البعض يقولون إن كرة القدم مسألة حياة أو موت، وأنا أقول لك إنها أكثر جدية بكثير من ذلك" (Some would say that football is a matter of life and death. I assure you, it’s much more serious than that).

 

هاتان المقولتان هما من أكثر المقولات تداولا بين مهاويس اللعبة على منصات التواصل، الإنجليز منهم على الأقل، رغم أن أي تدقيق بسيط يكشف مدى سذاجتهما وبُعدهما عن الحقيقة. في الواقع، هاتان المقولتان لا تُخبراننا بأي شيء إلا أن شانكلي كان متعصِّبا من الطراز التقليدي المنتشر في الستينيات والسبعينيات، أي عكس ما توحي به العبارة بالضبط من أنه كان رجلا متميزا في كل نواحي الحياة، وكلماته تستحق أن نعاملها معاملة الحكمة التي تتوارثها الأجيال.

ما الذي قد يكون أكثر جدية من الحياة والموت؟ هذا سؤال استفهامي تماما. هذه العبارة ليست إلا مزايدة بلهاء على مزايدة بلهاء تفترض أن كرة القدم بأهمية أمور مثل الحياة والموت وجدّيتهما. بعض الناس قد يقولون إن فقد طفل أو أب أو أم أو عزيز قد يكون أكثر إيلاما من الموت، وربما يكون هذا صحيحا أحيانا، ولكن ما علاقة ذلك بكرة القدم؟ لو كان شانكلي يحاول نفاق الجماهير فهو أمر مفهوم، حتى لو كان مُستهجَنا، أما لو كان جادا في حديثه فإن هذا يجعلك تُشفق عليه، لا أن تُعجب به.

 

في الواقع، هناك شك كبير بأن شانكلي قال هذه العبارة أصلا، رغم أن ليفربول أوردها على لسانه على موقعه الرسمي في الذكرى الحادية والثلاثين لوفاته في 2012، ورغم ذلك، يتداولها المشجعون بشغف كبير وكأنهم يشعرون بما قاله. (8) (9)

 

هذا ينطبق كذلك على مقولته الأخرى؛ لماذا لا نعترف بأن صاحب المركز الثاني هو فريق حاول واجتهد ولم يوفَّق؟ كيف يكون ما حقَّقه هو لا شيء بينما يمكنه البناء عليه في موسم قادم واحتلال المركز الأول؟ ما قيمة اللعبة، أو أي تنافس عموما، لو لم يكن هناك مركز ثانٍ أو لو كان المركز الثاني هو لا شيء؟ لماذا يجب أن تتحوَّل كرة القدم إلى معادلة صفرية تحصل فيها على كل شيء أو لا شيء على الإطلاق؟

 

الإجابة؛ لأن هذا يروق للمُنتصرين، ويُشبِع هوسهم بالمُطلَق والنهائي، لدرجة أنه يدفعهم للتقليل من انتصارهم دون أن يُدركوا، وفي نشوتهم يُسفِّهون ممَّن تغلَّبوا عليهم، مُعتقدين أن هذا يمنح فوزهم قيمة أكبر، بينما العكس أقرب للحقيقة.

 

كم أنا رائع!

في مطلع الألفية، صكَّت لين ماكاتشيون، كبيرة محرري "ذا نورث أميركان جورنال في سايكولوجي" (The North American Journal of Psychology)، رفقة فريق من الباحثين مصطلحا جديدا في طب النفس هو "عبادة المشاهير" (Celebrity Worship)، بعد بحث حول ظاهرة الهوس بنجوم التلفاز والسينما. جيمز هوران، أحد الأطباء النفسيين الذين شاركوا في هذا البحث، يعتقد أن سبب جاذبية المشاهير هو كونهم حلا سريعا وسهلا لمشكلاتنا، أشبه بالمخدرات على حد تعبيره. (10) (11)

يعتقد هوران أن الأشخاص الخجولين المنطوين أكثر عُرضة للهوس بالمشاهير، ببساطة لأنهم يملكون كل ما لا يملكونه بداهة، من جرأة ووقاحة وحب الناس وقدرة هائلة على التأثير على الجموع، ولكن هذه الفكرة لا تكتمل إلا بمفهوم آخر مهم في طب النفس هو "تأثير هالو" (The Halo Effect)، وهو يُفسِّر الأهمية التي نُعامِل بها تصريحات المشاهير ومقولاتهم حتى لو كانت خارج نطاق تفوُّقهم. (4) (12) (13)

 

مثال بسيط؛ في 2009 صُدمت الجماهير الأميركية بعد أن علمت أن نجمها المحبوب ولاعب الغولف الأشهر في التاريخ، تايغر وودز، قد أقام علاقات عاطفية وجنسية متعددة، وغير مشروعة طبعا، أثناء زواجه. هذه الصدمة نتجت من افتراض الجماهير بأنها تعرف وودز، وأن تفوُّقه الرياضي يجب أن ينعكس على باقي نواحي حياته، فأصبح من الصعب التخيُّل أن وودز قد يكذب أو يخدع أو يخون زوجته.

 

هذا هو "تأثير هالو" باختصار؛ التخيُّل بأن معلومة واحدة عن شخص واحد مشهور يمكنها أن تخبرك كل شيء عن حياته، أو التخيُّل بأن التفوُّق في مجال واحد يكفل التفوُّق في البقية، كأن تفترض أن بيل غيتس مثلا لا بد أن يكون زوجا رائعا، أو أن مورينيو يُعامِل عائلته وأصدقاءه بعجرفة المؤتمرات الصحفية نفسها. هذا يشبه أيضا انحياز المعلومة الأولى (Anchor Bias)، إذ يرفض الإنسان تصديق كل ما يُخالِف انطباعه الأول، خاصة عندما يدوم لفترة طويلة قبل انكشاف ما يُخالِفه، وهو ما حدث في حالة وودز، والنتيجة هي ما تعرفه بالفعل؛ خيال مليء بالملائكة والشياطين لأن المعلومة الأولى هي ما تُحدِّد كل شيء غالبا. (14)

هذا هو ما يُفسِّر الحفاوة المُبالَغ فيها إزاء مقولات مارادونا عن كون الحظ لا يلعب دورا في النجاح والمقولات المشابهة التي تمنح الجماهير تفسيرات سطحية بلهاء للحياة، وتُشعِرهم بأن النجاح واضح وبسيط وسهل في مفهومه. هذه المقولات تُمنَح حجما أكبر من حجمها فقط لأن قائلها هو مارادونا، أعجوبة عصره والرجل الذي يَعتبره الكثيرون أفضل مَن مارس اللعبة عبر تاريخها، وحتى لو كان في الوقت ذاته أحد أشهر غشَّاشيها كذلك. (15)

 

لا شك أن الخبرات الحياتية لشخص مثل مارادونا هي كنز ثمين يمكن الاستفادة منه، ولكن تقع المشكلة عندما نخلط ما بين روعة مارادونا اللاعب وأمور أخرى مختلفة تماما؛ مثل مدى قدرته على إسداء النصيحة فيما يخص النجاح والعمل والاجتهاد، أو مدى التزامه بالمعايير الأخلاقية المجتمعية، وفي رحلة بحثنا عن الكمال، يرفض عقلنا أن يُصدِّق أن هناك ما يُسمى بلاعب كرة قدم عظيم أو مدرب ناجح وحسب.

———————————————————————————————-

المصادر

  1. مسلسل The Big Bang Theory – IMDB
  2. مقولة يوهان كرويف: "قبل أن أرتكب الخطأ، لا أرتكب هذا الخطأ" – Brainy Quote
  3. نظرة عامة على تأثير داننغ-كروغر – Very Well Mind
  4. طب نفس الأوسكار؛ لماذا يبهرنا المشاهير؟ – Live Science
  5. ناصر الخليفي: "كرة القدم للجميع" – BeIn Sports
  6. غوارديولا: "ليست رياضة إن لم تكن الخسارة محتملة!" – The Guardian
  7. أبرز مقولات بيل شانكلي – Inspiring Quotes
  8. موقع ليفربول الرسمي يستشهد بمقولة بيل شانكلي الشهيرة في ذكرى وفاته الحادية والثلاثين – موقع ليفربول الرسمي
  9. القصة خلف مقولة بيل شانكلي الشهيرة عن الحياة والموت – The Daily Mirror
  10. متلازمة عبادة المشاهير – Psychology Today
  11. لين ماكاتشيون – LinkedIn
  12.  لماذا نحن مهووسون بالمشاهير؟ – Psychology Today
  13. تأثير هالو Halo Effect – Psychology Today
  14.  كيف يجعلك انحياز المعلومة الأولى (Anchoring Bias) غبيا؟ – Psychology Today
  15.  مقولة مارادونا – Vocal Media
المصدر : الجزيرة