ميداليات مستحيلة وفرص ضائعة.. لماذا يفشل العرب في الأولمبياد؟

إنها نهاية صيف عام 1984، في أحد أقدم أحياء الإسكندرية في مصر، حيث اصطفت الجماهير لتُصفِّق للبطل الأولمبي محمد علي رشوان بعد تحقيقه الميدالية الفضية في دورة الألعاب الأولمبية بلوس أنجلوس الأميركية في رياضة الجودو بعد انقطاع تام عن الفوز بأي ميدالية أولمبية منذ دورة عام 1960 في روما، الكثير من الاحتفاء والمحبة سادت الأجواء، رغم أن غالبية الواقفين لم يعرفوا الكثير عن الجودو.

أربعة وعشرون عاما من الحرمان الأولمبي قطعها محمد رشوان بميدالية مُحمَّلة بالكثير من الشهرة والروح الرياضية رغم هزيمته الشهيرة في المباراة النهائية أمام الأسطورة اليابانية ياسوهيرو ياماشيتا حين رفض استغلال إصابة منافسه في قدمه قبل المباراة، مُفضِّلا خسارة الميدالية الذهبية على تحقيق فوز مشوب بالاستغلال.

تمر السنوات ويأتي عام 2008، وعلى مسافة كيلومترين فقط من المكان الذي شهد احتفال المصريين بفضية رشوان الشهيرة، يشهد المكان احتفالية أخرى لبطل مصري آخر في رياضة الجودو نفسها وهو البطل هشام مصباح بعد فوزه ببرونزية وزن 90 كيلوغراما في دورة ألعاب بكين الأولمبية.

أربعة وعشرون عاما بين ميداليتين أولمبيتين لبطلين مصريين من الحي والمدينة نفسها، وتتلمذا على يد المدرب نفسه وهو عبد المنعم الوحش، لم تكن كفيلة لإقناع مسؤولي اللعبة في مصر أن في يدهم طرف الخيط لبداية عهد جديد والبناء على ما تحقَّق، كذلك لم تُقنع أحدا من مسؤولي الرياضة في مصر ببداية بناء مشروع رياضي للجودو في أنحاء مصر عامة، وفي الإسكندرية بصفة خاصة بدلا من السعي غير المُجدي وراء ألعاب لم ولن تكون في متناول الدول العربية يوما من الأيام.

كل ذلك يقودنا إلى سؤال مهم: لماذا تتجه الدول العربية جميعا للخوض في منافسات رقمية صعبة وأحيانا مستحيلة رغم وجود كنز كبير في أيديهم مُتمثِّل في الرياضات النزالية التي نستطيع أن نُجابه بها كل دول العالم ونتفوَّق عليها فيها؟

قبل الإجابة عن السؤال الصعب يجب أن ننظر إلى حصيلة مصر من الميداليات الأولمبية عبر التاريخ. فعلى مدار تاريخها الأولمبي بالكامل، حقَّقت مصر 32 ميدالية أولمبية قبل دورة طوكيو الحالية، وباستثناء فضية وبرونزية لبطل الغطس المصري محمد فريد سميكة في دورة أمستردام عام 1928، لم تخرج الميداليات عن 6 ألعاب فقط لا غير هي: التايكوندو، والجودو، والملاكمة، ورفع الأثقال، والمصارعة، والشيش، وكلها ألعاب نزالية يتبارى فيها متنافسان أمام بعضهما بعضا ما عدا رفع الأثقال، وهي، بالمناسبة، اللعبة الأهم والأقوى والأكثر تحقيقا للميداليات في مصر. (1)

ومع ذلك نجد أن هناك إصرارا شديدا من القائمين على الرياضة على تركيز الاهتمام على رياضات صعبة وشديدة التخصُّص وتحتاج إلى مصروفات ضخمة لصناعة بطل أولمبي فيها كلعبة الفروسية، وهي الأكثر تكلفة بين كل الرياضات بسبب اعتمادها بداهة على الخيول التي تتطلَّب مدربا متخصِّصا ونقلا آمنا والكثير من الأموال، رغم عدم وجود تاريخ تنافسي حقيقي لمصر في هذه الرياضة خلال أي دورة أولمبية سابقة.

لنتحدَّث على سبيل المثال عن أندريه سكاكيني، وهو اسم تردَّد كثيرا في مصر لأربع دورات أولمبية. كان الرجل يسافر لخوض المنافسات بآمال وطموحات كبيرة مشفوعة بدعم مادي ومعنوي وحديث عن ميدالية وشيكة، ليفشل ويعود مرة بعد مرة، وبدلا من تعلُّم الدرس، وقع اتحاد الفروسية في الخطأ نفسه أربع مرات متتالية بدون تحقيق أي ميدالية أو منافسة على مركز، لينتهي الحال بأندريه سكاكيني، بعد أن فرغ من مصر، بالتوجُّه إلى إيطاليا واللعب باسمها دون نجاح أيضا، ولكنّ الإيطاليين لم يسمحوا له بالاستمرار، ليتوقَّف الرجل عن لعب دور البطل الأولمبي للأبد، ولكن كان هذا بعد أن استنزف الكثير من الأموال المخصَّصة للرياضة وحرم رياضيين حقيقيين من الدعم المالي المُستحَق. (2)

لكن الأزمة ليست في رياضة الفروسية وحدها، فهناك عدة رياضات أخرى لم ولن يكون لمصر باع كبير فيها في المضمار الأولمبي، كلعبة الترياثلون والتجديف والقوس والسهم، بالإضافة إلى السباحة والعدو في المسافات القصيرة، وفي المقابل، هناك رياضات تمتلك فيها فرصا كبيرة لكنها لا تحظى بالاهتمام اللائق على ما يبدو.

لا يتعلَّق الأمر فقط بالإمكانات المادية، فهناك دول أكثر فقرا وأقل تقدُّما من مصر ولكنها نجحت في حجز أماكن بارزة في الأولمبياد. خذ على سبيل المثال كينيا التي شاركت في الألعاب الأولمبية لأول مرة في تاريخها عام 1958، أي بعد أول مشاركة مصرية بـ 46 عاما، ومع ذلك نجحت في تحقيق 103 ميدالية أولمبية، منها 96 ميدالية في ألعاب القوى وحدها، وهو عدد يقترب كثيرا مما أحرزته كل الدول العربية مُجتمعة. تُعَدُّ كينيا أيضا الدولة الأكثر تحقيقا للميداليات في أفريقيا، وقد بلغت هذه الإنجازات ذروتها في دورة بكين الأولمبية عام 2008، حيث احتلَّت كينيا المركز الـ 13 كأفضل مركز حققته دولة أفريقية في الدورات الأولمبية تاريخيا. (3)

كل تلك الأرقام تقودنا إلى حقيقة واحدة وهي أن كينيا أدركت أن قوتها الحقيقية تتمثَّل في ألعاب القوى، وأن تفوُّقها يكمن في تمتُّع لاعبيها ببنية جسمانية مميزة، لو رُكِّز عليها واستُغِلَّت الاستغلال الأمثل فستصنع تاريخا كبيرا للدولة الأفريقية الفقيرة، وهو ما حدث بالفعل؛ حيث اهتمت كينيا بالعَدْو وتفرَّغت له وركَّزت جهودها عليه حتى باتت القوة العظمى الأولى في العالم في هذا المجال. لم تتشتَّت نيروبي ولم تُنفق أموالها القليلة في ألعاب غير مُجدية من أجل الممارسة فقط، وإنما صبَّت كل جهودها في ألعاب القوى، حتى إنها بدأت منذ فترة ليست بالقصيرة في الاهتمام أكثر بسباقات السرعة القصيرة التي لا تتفوَّق فيها، حيث صرَّح فرديناند أومنيالا، حامل الرقم الوطني لسباق 100 متر عَدْو، بأن العالم ينظر إلى الكينيين باعتبارهم غير قادرين على الركض السريع، ولكننا سنُغيِّر قريبا من مفاهيمهم عنا. (4)

لا يختلف الحال في إثيوبيا عن كينيا، بل إن الفقر الأكثر شراسة في الدولة التي عانت لعقود من المجاعة دفع الكثير من مواطنيها لامتهان رياضة العَدْو على أمل تغيير الواقع المرير وتحقيق إنجازات تنتشلهم من براثن الجوع، وهو ما جعلها المنافس الدائم لكينيا أفريقيًّا في الأولمبياد والأكثر تقديما لأبطال الماراثون في العقود الأخيرة، وأصبحنا نرى الدولتين بصفة دائمة على منصات التتويج، في حين أننا لا نشاهد أبدا متسابقا إثيوبيا أو كينيا في ألعاب أخرى إلا فيما ندر.

هشام الكروج

عاش المغرب عقودا من التألُّق في مضمار ألعاب القوى، بدأت بعبد السلام الراضي، أول مغربي حقَّق لبلده ميدالية في سباقات العَدْو، مرورا بالأسطورتين سعيد عويطة، ونوال المتوكل، أول سيدة عربية تُتوَّج بميدالية أولمبية، وصولا إلى هشام الكروج وحسنة بنحسي، لكن حال ألعاب القوى المغربية انتهى إلى شكل لا يُرضي أحدا.

انصرفت الدولة عن ألعاب القوى وأُهمِلت بدلا من تعميم الاهتمام بها في أنحاء الدولة، حتى اختفت الأسماء الكبيرة من الساحة وحلَّ مكانها أنصاف الموهوبين. يُصيبك التعجب حين ترى كينيا تُحافظ على كيانها الرياضي وتُقاتل رغم فقرها للحفاظ على ما وصلت إليه من شهرة عالمية، بينما دول أغنى وتمتلك العنصر البشري والأجواء المناسبة كمصر والمغرب ولا تستطيع استكمال نجاحات حقَّقتها من قبل.

"هل نُنفق لنبحث عن بطل أم نُنفق لنوسِّع قاعدة الممارسة؟"، هذا هو السؤال الذي يتبادر إلى ذهن الكثير من محبي الرياضة ومتابعيها. ما الأولوية في الإنفاق المالي على الرياضة؟ هل البحث عن مايكل فيليبس جديد بين ربوع الشعوب العربية؟ أم أن تُوجَّه الأموال نفسها لتوسيع قاعدة الممارسة المُهمَلة؟

إذا كنا نبحث عن المستحيل فصناعة بطل أولمبي، أقل كثيرا حتى من مايكل فيليبس، تُكلِّف الملايين من الدولارات وساعات طويلة من التدريبات والانتظار، خصوصا أننا، في وطننا العربي، نفتقد للعين الخبيرة التي تختار البطل بعناية وسط جموع الرياضيين العاديين، لذا يبقى الحل المنطقي هو الإنفاق على مراكز الرياضة المتخصِّصة لزيادة عدد ممارسي اللعبة.

القاعدة الذهبية تقول إنه كلما زاد عدد ممارسي الرياضة في دولة ما سمح ذلك بخروج العديد من المواهب من بين صفوفهم، وبالتالي الموهبة هي مَن تفرض نفسها وتُجبِر الجميع على الاهتمام بها ورعايتها، حينها سنجد أبطالا حقيقيين مستحقين للدعم المالي والمساندة.

السبَّاح التونسي أسامة الملولي

حصد العرب في تاريخهم الأولمبي الممتد منذ عام 1912، حين شاركت مصر في أول دورة أولمبية، عدد 109 ميدالية متنوِّعة، وباستثناء ميداليات الغطس المصرية وتتويجات السبَّاح التونسي أسامة الملولي في المسافات الطويلة سواء داخل الحمام الأولمبي أو في الهواء الطلق، لم تخرج 90%؜ من الميداليات العربية عن الألعاب النزالية المعتادة وألعاب القوى ورفع الأثقال، بالإضافة إلى القليل من ميداليات الرماية للدول الخليجية. (5)

كل ذلك لم يُغيِّر في الأمر شيئا، ولم يدفع البعض للتفكير في كيفية التركيز على صناعة هشام كروج آخر، أو سعيد عويطة جديد، أو خليفة لكرم جابر، أو امتداد لمحمد علي رشوان وحسيبة بولمرقة وحسنة بنحسي. لم يتفتَّق ذهن القائمين على الرياضة في الدول العربية عن أن التركيز على خمس ألعاب وتحقيق نجاحات كبيرة فيها، وتركيز الدعم المالي عليها، أفضل كثيرا من الإنفاق الكبير على مجموعة من الألعاب الصعبة التي لا تتناسب مع الطبيعة الجسمانية للإنسان العربي، ولكن أحيانا يكون للأمر حسابات أخرى لا تتعلَّق بالرياضة ولا بممارستها.

في هذا الصدد، تناقل رواد مواقع التواصل الاجتماعي ورقة بها قائمة بالإنفاق على إعداد بعثة مصر في الدورة الأولمبية المُقامة حاليا في طوكيو، لم يتسنَّ لنا التأكُّد من صحتها، لكن لم يُنكرها أحد من القائمين على الرياضة في مصر، وأكَّدها أحد أعضاء مجلس النواب المصري، وأكَّد الأرقام المذكورة بها التي تُثير العديد من التساؤلات. (6)

تتعلَّق معظم هذه التساؤلات بالطبع بأولوية الإنفاق على الرياضات المختلفة. على سبيل المثال، كيف تُخصِّص اللجنة الأولمبية المصرية مبلغا ماليا للعبة الترياثلون يُمثِّل 50%؜ من إجمالي المبلغ المخصَّص للتايكوندو رغم تنافسية التايكندو وقدرته على تحقيق ميداليات، وهو ما تحقَّق بالفعل، بينما ظهر ضَعْف بعثة الترياثلون التي تُمثِّلها رياضية واحدة فقط هي بسمة السلاموني التي لم تُحقِّق أي نجاح يُذكَر وفشلت في اجتياز السباق وانسحبت منه؟ ليس منطقيا أن تساوي اللجنة الأولمبية الاتحادات التي لم تُقدِّم أي ميدالية أولمبية عبر التاريخ باتحادات أخرى ذاهبة للمنافسة وتحتاج إلى المزيد من الإعداد والمزيد من الإنفاق على المعسكرات.

 

الحل من وجهة نظر العامة سهل، والتطبيق أيضا سهل ولا يحتاج إلى كل هذا التأخير، ويتمثَّل في عدة مبادئ؛ منها مثلا التركيز على عدد محدود من الألعاب والبدء بوضع أُسس وقواعد لاختيار الموهوبين فيها، وإنشاء مراكز متخصِّصة في تلك الألعاب التنافسية، على سبيل المثال: مركز للجودو فقط في الإسكندرية، ومركز لرفع الأثقال في محافظة الغربية، ومركز متخصِّص في العَدْو للمسافات المتوسطة والطويلة في أعالي الجبال في المغرب للاستفادة من الطبيعة الجسمانية لأهالي تلك المناطق، وهكذا في كل مكان في الدول العربية.

على جانب آخر، يُفضَّل أن يُقلَّص الإنفاق على الألعاب التي لا تُحقِّق نجاحات ولا إنجازات، مع عدم الإهمال فيها وتوجيه المبالغ الموفَّرة منهم لدعم الألعاب الناجحة لإخراج المزيد من الأبطال. نعلم جميعا أن صناعة بطل أولمبي ليس بالأمر السهل، فهو يحتاج إلى الكثير من الجهد والعمل والصبر والكفاح والإنفاق المادي، ولكننا في بلادنا العربية نستطيع اختصار الكثير من تلك الأمور التي لا طاقة لنا بها لأننا نمتلك المواهب الطبيعية والبنية الجسمانية لرياضات نستطيع النجاح والمنافسة فيها ويكون لنا باع كبير.

دائما حين نرى رفع الأثقال نتذكَّر بلغاريا، وتُذكِّرنا الملاكمة بكوبا، والمصارعة بروسيا، والعَدْو بكينيا وإثيوبيا، نريد مثلهم أن يرتبط اسم مصر بالجودو، والمغرب بألعاب القوى، والأردن بالملاكمة، وتونس بسباحة المسافات الطويلة. نحتاج إلى التركيز على ما نبرع فيه حتى نلفت أنظار العالم إلينا، ونحفر أسماء أبطالنا بفخر على جدران الملاعب الأولمبية وفي كتب التاريخ الأولمبي.

________________________________________________________________

المصادر:

  1. عدد ميداليات مصر الأولمبية عبر التاريخ – أولمبيديا
  2. نتائج أندريه سكاكيني في جميع مشاركاته الأولمبية – الأرشيف الأولمبي
  3. جميع ميداليات كينيا الأولمبية تاريخيا – أولمبيديا
  4. تصريح فيرديناند أومنيالا عن مخطط كينيا المستقبلي – رويترز
  5. قائمة ميداليات الدول العربية عبر تاريخها الأولمبي – روسيا اليوم
  6. تحرُّك برلماني بسبب إنفاق 280 مليون جنيه على البعثة – الوطن
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

واحدة من الملاحظات التي كثيرا ما يُشير إليها هواة الألعاب الأولمبية هي أن الحاصل على الميدالية البرونزية عادة ما يكون أكثر سعادة مقارنة بالحاصل على الفضية! تتبع علماء النفس الأمر ليفسروه لنا.

Published On 28/7/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة