مورينيو في روما: أعطِه الفرصة.. إنه يطلب الفرصة

"ما يُعتبر كارثة بالنسبة لي يُعتبر نجاحا كبيرا للآخرين. ليس لديّ ما أقوله، في آخر ثلاثة أندية، فزت بالدوري مع تشيلسي، وثلاث كؤوس في يونايتد، ونهائي في توتنهام لم يُسمح لي بخوضه. ما يُعتبر كارثة بالنسبة لي هو شيء لم يُحقِّقه الآخرون، إنه خطئي".

(البرتغالي "جوزيه مورينيو" عند تقديمه مدربا جديدا لنادي روما)

الكلمات نفسها، الغرور نفسه، الرجل نفسه، فلماذا قد يتوقَّع أحد نتيجة مختلفة؟ ولماذا بالأساس يُقرِّر أحدهم أن يمنحه فرصة جديدة وتركه يهرب بالشرط الجزائي مثل كل مرة؟ قد تزول بعض دهشتك إن علمت أن "دان فريدكين" المالك الجديد لروما هو مخرج أفلام، وبالطبع لا يوجد أنسب من "مورينيو" وفقا لمعايير هوليوود. (2)

بالتأكيد نحن نمزح، فالملياردير الأميركي يدرك بكل تأكيد الفارق بين شركة الإنتاج السينمائي ونادي كرة القدم، لكن لماذا اختار "مورينيو" تحديدا؟ وهل يمكن لتجربة روما أن تكون مختلفة؟ أم أنها مجرد أوهام اعتاد محبو "السبيشل وان" على ترديدها دون جدوى؟

آخر سقوط

دعنا نَعُد بالذاكرة إلى الوراء قليلا، حيث مشهد السقوط الأخير لـ "مورينيو" مع توتنهام. كانت النهاية متوقَّعة بسبب انحدار النتائج، لكنها تحوَّلت إلى مفاجأة بسبب توقيتها الغريب، إذ كان العالم جُلّه منشغلا بفوضى إعلان مشروع السوبر ليغ، وفجأة قرَّر "داني ليفي" إقالة المدرب البرتغالي، ليصبح "جوزيه" أول وآخر مدرب يُقال في عصر السوبر ليغ، الذي دام لثلاثة أيام فقط.

بحسب ما نشرته شبكة "ذا أثلتيك"، فإن بداية النهاية كانت بين شوطَيْ لقاء مانشستر سيتي على ملعب "الاتحاد" بتاريخ 13 فبراير/شباط 2021، حيث كان توتنهام متأخرا بهدف مقابل لا شيء، لكنه بالكاد شارك في المباراة، لا تسديدات على المرمى، لا ضربات ركنية، مع الاكتفاء بنسبة استحواذ بلغت 35.9% فقط، ورغم ذلك ووفقا للنتيجة، كانت حظوظ السبيرز قائمة للعودة. (3)

لن تحتاج إلى أكثر من ثانيتين للتفكير وتوقُّع رد فعل المدرب بين الشوطين؛ غضب، وصراخ، ثم محاولة لإضافة أي تعديل تكتيكي لإنقاذ الفريق من هذه المأساة. ثم لن تحتاج إلى أكثر من ثانية واحدة لتخيُّل شخصية حادة مثل مورينيو وهي تثور، لكن ما حدث أنه دخل بكل هدوء وأخبر لاعبيه أنهم يقومون بعمل جيد وعليهم الاستمرار! نعم، ما قرأته هو ما حدث فعلا، وكانت نتيجته المنطقية فوز السيتي بنتيجة 3-0 مع الرأفة.

عكست تلك اللحظة الانقسام بين اللاعبين ومدربهم، وكأن كل طرف قد ملَّ من الآخر، ولم يبقَ أحد في صف مورينيو سوى القائد والهداف "هاري كين". وللتذكير، كان توتنهام يبتعد عن المركز الرابع بخمس نقاط فقط، ويستعد لمواجهة مانشستر سيتي بعد ستة أيام في نهائي كأس رابطة الأندية الإنجليزية، لكن "داني ليفي" رأى أن التشبُّث بالأمل غير ضروري، وأن تجربة "مورينيو" يجب أن تنتهي فورا.

قرار مفاجئ

أُعلِن القرار وهرولت الكاميرات إلى مقر النادي، لترصد "مورينيو" وهو يُلملم أغراضه رافضا الإجابة عن أي أسئلة، باستثناء سؤال واحد كان يتعلَّق بموعد عودته للتدريب، حين أخبر شبكة "سكاي" بكل ثقة: "لا راحة، أنا دائما في كرة القدم". بدا الأمر وكأن البرتغالي على تواصل مع نادٍ ما بسرية دون أن تدري جريدة أو شبكة رياضية بالأمر، ولو حتى من قبيل الشائعات المعتادة.

على الجانب الآخر، كانت إيطاليا تستعد للإعلان عن إنهاء هيمنة يوفنتوس وتتويج الإنتر بلقب السكوديتو بجانب عدد من التغييرات على مستوى المدربين. كانت التقارير الصحفية تُشير إلى اقتراب "ماوريتسيو ساري" من تولي زمام الأمور في روما، إلى أن فوجئ الجميع بإعلان "مورينيو" وتوجُّه "ساري" إلى الجار "لاتسيو". (4)

"عندما أصبح جوزيه متاحا، انتهزنا الفرصة على الفور للتفاوض مع أحد أعظم المدربين في كل العصور".

(تياجو بينتو، المدير العام لنادي روما)

منذ الإعلان المفاجئ، كان هناك موضوع واحد فقط في روما، العروض التلفزيونية والإذاعية الخاصة تعمل إلى ما لا نهاية؛ المشجعون مبتهجون وقد نسي معظمهم كل صراعاتهم الأخيرة. لا عجب في ذلك، لأنهم لم يحظوا بمدرب بمثل هذه المكانة منذ "فابيو كابيلو" عام 2001، حتى إيطاليا نفسها لم تحظَ بمثل هذه الضجة منذ قدوم "كريستيانو رونالدو".

في النهاية، كان المشهد عبارة عن كلام معسول هنا وهناك، الإدارة ترى "جوزيه" الرجل المناسب، و"مورينيو" يرى روما المشروع المناسب، والغريب أن كل ما يتعلَّق بهذا المشروع لا يبدو مناسبا لـ "جوزيه" الذي نعرفه، فلماذا قد يكون الأمر مختلفا هذه المرة؟

 

محاولات التغيير

بالنسبة لمورينيو، فإن إيطاليا لم تتغيَّر كثيرا بعد 11 عاما من رحيله، كل عمليات الصعود والهبوط انتهت بعودة الحال إلى ما كان عليه. رحل مورينيو في 2011 والإنتر بطل الدوري، وعندما عاد وجده كذلك، لم تحدث أي طفرات اقتصادية، وحتى دوري أبطال أوروبا لم يتمكَّن نادٍ إيطالي من الفوز به طوال تلك المدة، وبالتالي فإن وقع المطالبات بالاحترام وكلمات "respect, respect respect" التي وجَّهها مورينيو إلى الصحفيين سيكون أقوى في إيطاليا منه في إنجلترا.

لكننا لا نتوقَّع هذه الخطوة الآن، فهي ستحدث فقط عندما تسوء الأمور بشكل غير قابل للإنقاذ. أما الآن، فنحن أمام مشهد غريب، نتج عنه قبول المدرب البرتغالي العمل مع إدارة لن تُنفق الكثير من الأموال، ولن تجلب له أفضل اللاعبين في التو واللحظة، والأغرب أن "مورينيو" لم يكتفِ بذلك لإزالة الضغط عن كاهله، بل إنه تبرأ ضمنيا من طريقة عمله قديما.

"أتحدث عن الوقت، عن المشاريع، عن العمل. اللقب ليس هو المغزى، إنه سهل للغاية، إنه وعد سهل للغاية لكن الحقيقة شيء آخر. مع المشاريع والعمل ستأتي الألقاب بالتبعية. يتفهَّم المالك ذلك لأنه لا يريد نجاحا منفردا. يريد الوصول إلى القمة والبقاء هناك". (5)

(جوزيه مورينيو مُتحدِّثا عن مشروع روما)

 

تبدو كلمات مورينيو وكأنه يريد الابتعاد -ولو مؤقتا- عن التصنيف الذي وُضع فيه مُجبرا بسبب نجاحاته السريعة في الماضي، ويريد الحصول على فرصة من أجل الفشل دون تعليق المشنقة. ومع نظرة سريعة إلى التشكيلة الحالية، ومعرفة أن روما لم يفز بأي لقب منذ عام 2008، فإن المسرح مُهيَّأ، ما لم يُقرِّر مورينيو إفساد الأمور. (6)

 

تزيد المشاهد الأولية من تفاؤل جماهير روما، حيث الشاشة الموجودة بالملعب لاستعراض المشكلات والتعديلات التكتيكية أمام اللاعبين، وطائرة "درون" لتصوير التفاصيل من الأعلى، بالإضافة إلى فتح صفحة جديدة مع الأرميني "هنريك مختاريان"، والتعاون مع شركة "Stats Bomb" للبيانات والأرقام. (7)

لدى مورينيو 3 سنوات (مدة العقد) للعمل على مشروعه ونقل ثقافة الفوز الخاصة به إلى النادي، نزولا على رغبة المالك "دان فريدكين". في المقابل، يمتلك روما مجموعة مميزة من اللاعبين الشباب، مثل المدافعين جيانلوكا مانشيني وماراش كومبولا، ولاعبي الوسط جوردان فيرتو وجونزالو فيار، والقائد لورنزو بيليجريني، والموهوب سيئ الحظ نيكولو زانيولو، بالإضافة إلى الوافد الجديد "تامي أبراهام".

 

تحوُّل تكتيكي

من المتوقَّع أن نرى روما يتغيَّر على صعيد طريقة اللعب، والأفكار الهجومية والدفاعية، حيث سيتحوَّل الفريق من 3-4-2-1 التي اعتاد اللعب بها مع المدرب السابق "باولو فونسيكا" إلى 4-2-3-1 المفضلة لـ "مورينيو". وبداهة، سيتحوَّل ذئاب العاصمة من الاستحواذ إلى اللعب المباشر وضرب الخصوم بالمرتدات، كما هي عادات مدرب الإنتر الأسبق.

افتتح فريق العاصمة الإيطالية موسمه مبكرا بالفوز على "طرابزون سبور" التركي بهدفين لهدف، في البطولة التي استحدثها الاتحاد الأوروبي "UEFA" تحت اسم "دوري المؤتمر الأوروبي". ورغم أنها مجرد مباراة افتتاحية لكن يمكننا الخروج منها بعدة ملاحظات.

على الورق، كانت طريقة اللعب هي 4-2-3-1، بالاعتماد على "فيرتو" و"كريستانتي" (الفائز بيورو 2020 رفقة المنتخب الإيطالي) بوصفهما ثنائي ارتكاز في وسط الميدان، و"بيليجريني" تحت المهاجم الجديد "إلدور شومورودوف" مع وجود "هنريك مختاريان" يسارا و"زانيولو" يمينا.

لكن عند الاستحواذ، تحوَّل شكل الفريق إلى 3-2-5، حيث يعود "كريستانتي" بين قلبَيْ الدفاع لتشكيل خط من ثلاثة لاعبين، والسماح للظهيرين بالتقدُّم، ويعود "بيليجريني" بجوار "فيرتو" ليصبح الشكل عند الاستحواذ 3-2 (ثلاثي دفاع + ثنائي وسط ملعب)، ومع تقدُّم الظهيرين، يدخل الثنائي "زانيولو" و"مختاريان" في العمق، ليصبح الخط الأمامي مكوَّنا من 5 لاعبين (ثلاثي بالعمق يحجز رباعي دفاع الخصم، ويفسح المجال على الأطراف أمام الظهيرين). (7)

بدون الكرة، نادرا ما تضغط فِرَق مورينيو عاليا، لذا مال الفريق إلى الضغط في منطقة الوسط (Mid. Block)، مع تقارب واضح بين الخطوط الثلاثة (Compact)، يصعد "بليجريني" بجوار "شومورودوف"، ليصبح شكل الفريق عند الضغط أقرب إلى 4-2-4، مع تركيز كبير على غلق العُمق، وإجبار الخصم على الخروج عبر الأطراف.

بالتأكيد سيحتاج الفريق إلى وقت كافٍ للانسجام مع أفكار "مورينيو"، لكن بما أن كبار إيطاليا غيَّروا مدربيهم باستثناء ميلان وأتلانتا، فإن التوقُّعات التي كنت تنتظرها منا ستكون أشبه بالمراهنات على مجموعة من الخيول لا تعرف فقط سوى لونها، وبالطبع سيظل "خيل" جوزيه مورينيو أصعبها توقُّعا، لأننا لا ندري هل سيُكمل السباق لآخره أم لا؟

_____________________________________________________

المصادر:

  1.  تصريحات مورينيو أثناء تقديمه مدربا لروما – ESPN
  2. الملياردير الأميركي "دان فريدكين"، مالك نادي روما
  3. كواليس آخر فترة مورينيو مع توتنهام – The Athletic
  4. لماذا ستكون وظيفة روما مختلفة؟ – BBC
  5. مورينيو ما زال محبوبا في إيطاليا – The Athletic
  6. مورينيو يستطيع إعادة اكتشاف نفسه في روما – The Guardian
  7. تعاقد روما مع "Stats bomb".
  8. ملاحظات من مباراة روما الأولى في دوري المؤتمر الأوروبي.
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ميسي كان من المُسلَّمات، هذا هو مكمن عظمته ولعنته في الوقت ذاته؛ ليس فقط لأنه كان قادرا على تغيير الأوضاع وقلب المعادلات لدرجة غير مسبوقة في اللعبة، ولكن أيضا لأنه أشعرنا بتلقائية الأمر وعفويته.

Published On 9/8/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة