أولمبياد طوكيو 2020.. لِمَ يكون الحاصل على الميدالية البرونزية أكثر سعادة من الحاصل على الفضية؟

واحدة من الملاحظات التي كثيرا ما يُشير إليها هواة مشاهدة الألعاب الأولمبية هي أن الحاصل على الميدالية البرونزية (المركز الثالث)، في أثناء استلام الجوائز، عادة ما يكون أكثر سعادة مقارنة بالحاصل على الفضية (المركز الثاني)، الذي يكون شاردا بعض الشيء، في الواقع فإن هذه الملاحظة حقيقية ولا تنطوي على خطأ يقع فيه المشاهد، وتتبَّعها عدد من علماء النفس ليكتشفوا أننا، نحن البشر، لا نُفكِّر فقط في واقع الأمور، بل في بعض الأحيان نُعيد خلق عالم كامل يشبه عالمنا -مع فوارق بسيطة- تحت شعار "ماذا لو؟". في هذا التقرير، يشرح لنا ألين ماكنيل، أستاذ علم النفس من جامعة ميامي الأميركية، تلك الطريقة المدهشة في التفكير.

يبدو أن الألعاب الأولمبية التي تُقام حاليا تجذب الكثير من اهتمام العالم، وبغض النظر عما إذا كانت رياضتك المفضلة هي التزحلق على الجليد أو الهوكي أو التزلُّج لمسافات طويلة عبر البلاد أو الكيرلنغ (لعبة جماعية تعتمد على دفع صخرة مدورة ملساء على ساحة من الجليد بهدف جعلها تستقر في مركز الدائرة)، ستجد الكثير من الإثارة والدراما الإنسانية في انتظارك بمجرد انتهاء وقت المنافسة، أو إعلان الحُكام للنتيجة التي تُحدِّد مَن سيبدأ رحلة الصعود إلى المنصة لعزف النشيد الوطني.

غالبا ما تكون المشاعر التي تظهر على اللاعبين في هذه اللحظات من أكثر الصور انتشارا في الألعاب الأولمبية، ومع ذلك، توصَّل عدد من الأشخاص إلى بعض الملاحظات الغريبة: ابتهاج الفائز بالميدالية الذهبية نتيجة لشعوره بالفخر والإثارة لا يُعَدُّ غريبا، بل على العكس، فإن رد فعله متوقَّع، لكنَّ الغريب حقا الحالة التي يبدو عليها الفائز بالميدالية البرونزية حينما تنتابه سعادة أكبر من صاحب الميدالية الفضية في كثير من الأحيان.

أليس غريبا الاعتقاد بأن المتسابق الذي يحتل المركز الثالث قد يكون أكثر سعادة من شخص أدَّى أداء أفضل (فاز بالمركز الثاني)؟ إذن كيف لهذا أن يحدث؟ يمكن للعمليات النفسية المتمحورة حول الذات، وطريقة تفكيرنا في الظروف التي أدَّت إلى هذه النتائج أن تساعدنا في تفسير هذا التأثير المُثير للانتباه.

يمكن أن يوفِّر البحث في التفكير المخالف للواقع (Counterfactual thinking‏) بعض الأفكار المهمة في هذا السياق، والتفكير المخالف للواقع هو مفهوم في علم النفس يُشير إلى ميل الإنسان للتفكير في بدائل ممكنة لأحداث الحياة التي انتهت بالفعل، وتتكوَّن هذه الأفكار من أسئلة على شاكلة "ماذا لو؟".

لكي نفهم عالمنا ونُدرك خياراتنا، غالبا ما نتخيَّل كيف يمكن للأشياء أن تحدث بشكل مختلف، فربما تتساءل المُطلَّقة: "هل سأكون أسعد اليوم لو كنت قد تزوَّجت من شخص آخر؟!"، وبالمثل قد يفكِّر الطالب المُتخبِّط: "ماذا لو اخترت فقط تخصُّصا آخر؟ لربما توفَّرت لي حينها فرصة أفضل للالتحاق بكلية الدراسات العليا". باختصار، يسمح لنا التفكير المخالف للواقع بمحاكاة بدائل للواقع الحالي داخل عقولنا في محاولة منا لفهم الجوانب التي شكَّلت السبب الأكبر في تحقيق النتيجة الحالية.

فيما يتعلَّق بالألعاب الأولمبية، فإن "ماذا لو؟" التي يواجهها المتسابقون تختلف تماما من متسابق إلى آخر، سنجد مثلا أن الفائز بالميدالية الذهبية إن واجه سؤال "ماذا لو؟"، فسيكون على هيئة واحدة؛ ماذا لو لم يحتل المركز الأول؟ إذن، أي تفكير مخالف للواقع سيجعل هذا الرياضي أكثر امتنانا لوضعه الحالي، وإدراكا لمدى التوفيق/الحظ الذي حظي به.

أما الحائز على الميدالية البرونزية (الشخص الذي يحتل المركز الثالث) فإن أبرز الاحتمالات التي سيتضمَّنها سؤال "ماذا لو؟" ستكون عدم الوجود على المنصة على الإطلاق، ولكن لحُسن الحظ فهو موجود الآن، لذا تمتلئ نفسه أيضا بمشاعر إيجابية نسبيا.

لكن المشكلة الحقيقية هي تلك التي يواجهها الفائز بالميدالية الفضية عند طرحه لسؤال "ماذا لو؟"، حيث سيكون أقرب للتفكير أو تخيُّل كيف ستكون الأمور مختلفة إذا كان قد حصل على الميدالية الذهبية، (سيظل يُردِّد على نفسه مثلا؛ ماذا لو تدرَّبت بجهد أكبر، ماذا لو لم أرتكب هذا الخطأ الصغير، ماذا لو كان حكم المباراة من جنسية مختلفة؟)، وبالتالي، فإن "ماذا لو؟" التي تتبادر إلى ذهن اللاعبين الحائزين على المركز الأول والثالث تعود عليهم بأثر إيجابي، على عكس أصحاب المركز الثاني الذين يواجهون عددا من البدائل غير المُرضية لواقعهم، فيشعرون جرّاء ذلك بسعادة أقل في لحظة انتصار عظيمة كهذه.

اختبر علماء النفس في جامعة كورنيل هذا المنطق عن طريق تجارب أجروها على الرياضيين المشاركين بالفعل في منافسات، فقد تعاونت الدكتورة فيكتوريا ميدفيك، وهي أستاذة في إدارة الأعمال بكلية كيلوغ في جامعة نورث ويسترن بالولايات المتحدة، مع سكوت مادي، وهو أستاذ فخري في علم النفس بجامعة شيبنسبورغ بالولايات المتحدة، وتوماس جيلوفيتش، أستاذ علم النفس بجامعة كورنيل، لإجراء تجربة فحصوا خلالها شرائط فيديو لمتابعة الاستجابات العاطفية للرياضيين الأولمبيين (من الألعاب الصيفية في برشلونة بإسبانيا) الذين تلقّوا لتوِّهم نتائج المنافسة (أُجريت التجربة على السباحين الذين تلقّوا نتائجهم فور انتهاء المباراة)، واستمروا في فحص ردود أفعالهم على المنصة وقت منحهم الميداليات.

أظهرت النتائج أن الحائزين على الميداليات البرونزية عبَّروا عن مشاعر إيجابية بمقدار أعلى من أصحاب الميداليات الفضية، بالرغم من الحقيقة التي تنص على أن أداء الحاصلين على البرونزية كان أقل من رفاقهم الحاصلين على الميدالية الفضية، والمُثير للانتباه أن النتائج نفسها تكرَّرت مرة أخرى في حدث وطني للرياضيين الهواة في ولاية نيويورك.

يُعَدُّ الميل إلى التفكير المخالف للواقع بعد حدث معين أمرا شائعا، وبالنسبة للحائزين على الميداليات الفضية، فإن الكثير من أفكارهم التي تتضمَّن "ماذا لو؟" تتسم بالسلبية، والجدير بالذكر أيضا أن الكثير من جوانب الألعاب الأولمبية تزيد من ميل الرياضيين إلى تخيُّل بدائل لواقعهم الفعلي، الأمر الذي بدوره سيُضخِّم من المشاعر السلبية التي يُعاني منها أصحاب الميداليات الفضية.

أظهرت الأبحاث، على سبيل المثال، أننا نميل على الأرجح إلى التفكير المخالف لواقعنا بشأن الأحداث التي تقع تحت نطاق سيطرتنا (وهذا يوضِّح السبب الذي من أجله يُخصِّص الرياضيون آلاف الساعات لمزاولة الروتين، وتقوية مهاراتهم، في سبيل لحظة مشرقة واحدة تضمُّهم على المسرح العالمي).

من المُرجَّح أيضا أن يلجأ الناس إلى التفكير المخالف للواقع بعد مواجهتهم للأحداث غير الاعتيادية، لذلك عندما يرتكب الحائز على الميدالية الفضية خطأ طفيفا في ممارسته لروتين ما أو قفزة تزلُّج، فإن انحرافه عن الأداء الممتاز الذي اعتاده أثناء التدريب سيجعله يتخيَّل بسهولة كيف كان سيفوز بالميدالية الذهبية لو لم يتعثَّر في هذه العقبة الصغيرة (لو لم يرتكب هذا الخطأ الطفيف).

في نهاية المطاف، نخضع جميعا بالطبع إلى عملية التفكير المخالف لواقعنا، إذ لا يقتصر هذا التفكير فقط على لاعبي الأولمبياد، واعتمادا على حقيقة أن النتائج الجيدة والسيئة في كثير من الأحيان لا تُحَدَّد على الفور، أو لا تُوَثَّق بوضوح حتى يشهد عليها المليارات، فإن تأثير هذه النتائج قد يظهر أخف وطأة أو أقل إثارة. ونظرا لأن التفكير المخالف للواقع هو إحدى الطرق القليلة التي نمتلكها للحصول على سبب منطقي لما يحدث لنا، فقد نكتشف أننا جميعا نلعب دور الفائزين بالميدالية الفضية في حياتنا اليومية، فنصبح بذلك أقل رضا عن الواقع الأفضل الذي نحياه بسبب سيناريوهات مُتخيَّلة حول حياتنا التي كان من الممكن أن تصير أفضل من ذلك إذا اتخذنا خيارا ما، أو تجنَّبنا فعل شيء ما.

___________________________________________

هذا التقرير مترجم عن: Psychology Today ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ميسي فاز بلقب بطل الكوبا لأن زملاءه ساعدوه بعد أن ساعدهم، ولولاه ولولاهم لما رفع أيٌّ منهم الكأس. لذا فإن طريق التعافي من الغباء المُسيطر على الساحة منذ 2010 يبدأ من إدراك هذه الحقيقة والتسليم بها.

Published On 14/7/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة