صانع لعب خلفي وهداف خارج الخط.. كيف فكَّكت إيطاليا الشفرة الإنجليزية؟

"لم تعد الكأس إلى بيتها"، حيث لم تكن أبدا هناك، ولكنها تلك الأغنية التي طوَّعها الإنجليز لصالحهم ونجحوا بذلك في استجلاب سخط العالم بسبب الضجيج القادم من خارج ساحات ملعب ويمبلي في لندن، وصل المنتخب الإنجليزي بالفعل إلى النهائي، في استمرار لمظاهر التقدُّم التي تشهدها الكرة الإنجليزية، بعدما وصلوا إلى المربع الذهبي للمونديال الأخير في روسيا، مُعبِّرين عن أنفسهم كقوة حقيقية صاعدة على المستوى الدولي، ومُستمرين في حصد ثمار المشروع الشهير "England DNA" الذي بدأ قبل عقد من الآن، لكنهم واجهوا مشروعا آخر واعدا يحصد أيضا ثمار بذوره التي زُرعت قبل سنوات بأيادٍ أمينة من قِبَل أريجو ساكي وماوريتسيو فيشيدي. (1) (2)

 

على المستوى الخططي، لم تكن تلك مباراة الضربة القاضية، أو النمط المحدد مثل بعض مباريات البطولة، لذلك تأخَّرت معظم التحليلات التي على الأغلب كنت تنتظرها، إذ كانت مباراة التفاصيل الصغيرة خاصة بعدما حدَّد الهدف المبكر سياق اللعب وحالة المباراة، فتحوَّلت إلى مباراة بين فريق يدافع عن أفضليته في محاولة لتسيير اللقاء إلى بر الأمان، وفريق يبحث عن معادلة النتيجة ليدخل إلى اللقاء مرة أخرى بعدما بدأ خاسرا.

 

لعب الفريقان بالهيكل التكتيكي نفسه المُعتاد لكلٍّ منهما: 4-3-3 هي مسألة مبدأ بالنسبة للإيطاليين، كييزا مكان بيراردي وإيمرسون بديلا لسبيناتزولا الظهير الطائر الذي أُصيب أمام بلجيكا، بينما لعبت إنجلترا بالرسم الذي يوفِّر لها التوازن والأمان الدفاعي 3-5-2 لكن تلك المرة مع ماونت أساسيا وساكا على دكة البدلاء، والآن دعونا نحاول فهم وتفسير كيف سارت المباراة حقيقة، بعيدا عن اعتبارات النتيجة. (3)

ليوناردو سبينازولا الإيطالي بعد تعرضه لإصابة

 

 

بدأت إنجلترا اللقاء بالفكرة نفسها التي لعبت بها إسبانيا أمام الطليان، حينما أشرك لويس إنريكي داني أولمو مهاجما بدلا من موراتا، لعدم إعطاء كيليني وبونوتشي المرجعية التي يبرزون من خلالها ويحققون التفوق لصالحهم، ألا وهي مرجعية المهاجم، حيث يبرز الثنائي بشدة في ذلك السياق، وحينما يُحرَمون من تلك المرجعية فإنهم يدخلون في نوبات الارتباك والحيرة، بين قرار الصعود للمطاردة وترك أماكنهم، أو البقاء وترك المهاجمين مع كل الوقت والمساحة للاستلام والدوران في معزلٍ عن أي ضغط.

 

لعب الإنجليز في البداية بالتوجُّه نفسه أثناء فترات الحيازة، لكن ذلك الهرب للأسفل لم يكن حصريا لهاري كين فقط، ولكن للثنائي الذي يسكن جواره أيضا؛ إذ عمل رحيم ستيرلينج ومايسون ماونت على ذلك السقوط الحر للأسفل لمساعدة الفريق في الخروج من الضغط العالي للإيطاليين، من خلال الاستلام خلف خط الضغط الأول -مثلما كان يفعل كين-، أو خلف خط الضغط الثاني وتحديدا في المساحة خلف فيراتي وجورجينيو وباريلا.

يمكننا هنا رؤية الثلاثي الأمامي للإنجليز يعيش بين خطوط المنتخب الإيطالي الذي افتقد لعنصرَيْ التكتل والاستباق خلال فترات الشوط الأول، حيث لم يستطع كيليني وبونوتشي تحقيق التكتل والاندفاع للأمام خلف لاعبي الوسط لتضييق المساحة بين الخطين، ومطاردة رحيم أو كين وذلك بسبب نزول الثنائي الأخير لمناطق متأخرة للتسيير والمساندة.

في الوقت نفسه، استمر جون ستونز في ممارسة إحدى هواياته في مقاومة الضغط وكسر خطوط الإيطاليين بتمريراته المتقنة من الثلث الأول إلى رحيم، الذي ترك مكانه بالأعلى لمساعدة الفريق في الخروج بالكرة من خلال استغلال غياب المطاردة من الدفاع الإيطالي.

وعلى الرغم من أن لُعبة الهدف كانت من تحوُّل هجومي للمنتخب الإنجليزي، فإنها تضمَّنت الفكرة نفسها، من خلال وجود كين في مناطق متأخرة لتحقيق التفوق العددي اللازم للمساعدة في الخروج من الضغط ونقل الكرة للثلث الأخير إلى تريبير سواء مباشرة أو عن طريق لاعب ثانٍ بينهما.

كان ذلك هو النهج الذي اتبعه الإنجليز في مواجهة ضغط الطليان، وعلى الرغم من نجاحه فإن فكرة التدرج بالكرة باستخدام المهاجمين لم تكن مبدأ ثابتا لدى المدرب ساوثجيت، بل كانت فكرة موقفية تُنفَّذ بحسب توافر ظروف تنفيذها، وإلا فإن الكرات العالية ستكون حاضرة، في محاولة لفض الاشتباك قبل بدايته واختصار العملية ومحاولة كسب الكرة الثانية في مناطق متقدمة بدلا من خوض مخاطرة البناء في ظل ضغط الطليان.

يوضِّح ذلك الرسم مسار التمريرات وعددها التي لعبها جوردان بيكفورد خلال الشوط الأول، ومن بين 15 تمريرة للحارس الإنجليزي، كانت هناك فقط 5 تمريرات قصيرة لزملائه المجاورين، والبقية كرات طويلة للمهاجمين، 4 منها فقط كانت صحيحة (باللون الأحمر)، اثنتان لهاري كين، واثنتان للوك شو على الطرف الأيسر الذي كان يسحب بدوره دي لورينزو ليهاجم ماونت المساحة من خلفه، الأمر الذي تكرَّر أكثر من مرة، لكن تغطية جورجينيو خلف دي لورينزو كانت ناجحة كل مرة في وأد محاولة الاختراق الإنجليزية.

 

ليوناردو بونوتشي

كان للهدف المبكر دور في تقرير سياق اللعب، فأصبح اللقاء منذ البداية بين فريق خاسر يبحث عن التعديل وآخر متقدِّم يلعب بالشكل الذي يحافظ له على النتيجة، وعلى الرغم من الغارات الإنجليزية من حين لآخر فإن ذلك لم يستمر لأكثر من نصف ساعة منذ بداية اللقاء، حينها بدأ الإنجليز بالتراجع في كتلة متوسطة إلى منخفضة واستمرت إيطاليا في نوبات الحيازة الطويلة التي كانت تستهدف الجهة اليُسرى في محاولة التنشيط والاختراق.

 

في تلك الجهة، يعيش صانع اللعب الطرفي لورينزو إنسيني في صحبة إيمرسون بالميري المُصاب بعدوى سبيناتزولا في الانطلاق المستمر من وراء إنسيني لعمل الـ "Overlap" وتحرير زميله الجناح الذي يملك عادات قديمة في القطع للداخل للتمرير القُطري أو التسديد، أو الدخول في العمق في محاولة للهرب من خلال القنوات خلف دفاع الخصم في انتظار تمريرة إنسيني أو جذب أحد المدافعين في محاولة لتحرير شيرو إيموبيلي، لكن ذلك لم يكن فعالا بسبب التكتل الدفاعي لإنجلترا وبراعة الإنجليز في دفاع الأطراف حينما يتكتل الفريق في مناطق منخفضة، حيث يُغلَق عرض الملعب بخماسي دفاعي بجانب مساندات لاعبي الارتكاز ولاعبي الخط الأمامي إن تطلَّب الأمر، ما يُصعِّب عملية الاختراق.

 

وحتى بعد التنشيط الذي أحدثه مانشيني في الشوط الثاني حين بدأت المداورة بين إنسيني وكييزا في الدخول لقلب الملعب للاستفادة من العُمق الهجومي الذي يوفره إيموبيلي وتثبيت مدافعي إنجلترا في الخط الأخير لتوفير فرصة للاستلام بين الخطوط دون رقابة، احتاجت إيطاليا إلى أكثر من ذلك، حيث شرع الطليان في مهاجمة المساحة في ظهر دفاع الإنجليز قبل أن يتراجع أصحاب الأرض وينجحوا في التكتل في مساحات أضيق، وهو ما منحه لهم ليوناردو بونوتشي من خلال تمريراته العابرة للقارات التي نجح من خلالها في تحقيق الأفضلية لزملائه، ليس فقط من خلال وضعهم في مواقف أفضل على المستوى النوعي، ولكن أيضا لأنه كان يوفر لهم ذلك في مساحات أوسع.

هنا يستغل بونوتشي اهتمام خط الضغط الأول للمنتخب الإنجليزي بمحاصرة فيراتي وجورجينيو، وتمركز تريبير في منتصف المسافة للضغط على إيمرسون إذا ما تم التمرير له، لإرسال الكرة القُطرية إلى إنسيني الذي يضعه من خلالها في الحالة المثلى لمهاجمة واكر في موقف 1 على 1.

بالفعل، الوضعية نفسها، أريحية تامة لبونوتشي، واهتمام الإنجليز بمحاصرة جورجينيو، ليتم ضربهم في الكرة المكشوفة، ويُوضع إنسيني في وضعية نموذجية ضد كايل واكر.

هذه المرة لعب فيراتي رمية التماس عرضيا بسرعة لبونوتشي الذي لا يُمارَس عليه أي نوع من أنواع الضغط، لم يتوانَ المُمَرِّر القدير في وضع بيراردي منفردا بالحارس بيكفورد، قبل أن يسدد الأخير الكرة في المدرجات.

يوضِّح الرسم خريطة التمريرات الطولية لبونوتشي خلال اللقاء -الصحيحة والخاطئة-، كانت جميعها إلى الأمام، سواء عمودية أو قُطرية، تُظهِر الخريطة أيضا استهدافا واضحا للجهة اليسرى للاعب الأبعد القابع في المساحة هناك خلف خطوط الإنجليز. لم تتوقف مساهمات بونوتشي الهجومية عند هذا الحد، فقد أظهرت إحصاءات "ستاتس بومب" (StatsBomb) تفرُّده في نموذج "xGChain" الذي ينسب قيمة الأهداف المتوقعة للتسديدات إلى جميع اللاعبين المشاركين في الاستحواذ، وكان نصيب مساهمات بونوتشي من تسديدات فريقه 1.55 هدف متوقع من معدل 2.1 للمنتخب الإيطالي خلال اللقاء، بوصفه أكثر لاعب مثَّلت قراراته إضافة لقيمة استحواذ فريقه ضد الإنجليز سواء بتفرُّد خياراته أو دقة تنفيذه، فكان بمنزلة صانع اللعب الخلفي، الدور الذي دائما ما كان حاضرا في الثقافة الكروية الإيطالية. (4)

 

"اللاعب الذي يُسجِّل 20 هدفا في الموسم من الممكن أن يُصاب، أو يُطرد فيُوقَف، لكن الكرات الثابتة حتمية في كل مباراة، وهو أفضل مَن يستغلها، هو بارع جدا بها وقد تمكَّن عديد اللاعبين من التسجيل بفضله، ولولاه لم يكونوا ليُسجِّلوا أبدا".

(والتر زينغا، الحارس السابق للمنتخب الإيطالي الذي يعمل حاليا مدربا)

كانت تلك كلمات والتر زينغا في إشارة إلى رفيقه جياني فيو، المصرفي الذي ترك عمله البنكي قبل أن يعمل معه متخصصا في الركلات الثابتة في كاتانيا. كان القدر وحده هو الذي جمع بين الثنائي، بعدما وقع في يد زينغا كتاب بعنوان "الـ30 في المئة الإضافية"، استقبل زينغا، المدرب آنذاك، الكتاب حينها بخلفية حارس المرمى، إذ كان دائما مفتونا بالتحديات التي تُشكِّلها المواقف الثابتة، ولا سيما كيف استغلها الخصوم لجعل حياته أصعب على المستطيل الأخضر. التهم زينغا الكتاب في جلسة واحدة، وبعدما فرغ، وجد عنوان البريد الإلكتروني للكاتب على الغلاف، فأرسل إليه وشرعا في تبادل الأفكار، وهنا فُتن زينغا من إضافات جياني، فأرسل إليه أثناء توليه تدريب العين الإماراتي ليذهب إليه ويعطي لاعبيه تدريبا مكثفا لمدة 20 يوما على الركلات الثابتة. (5)

والتر زينغا

سنحت لزينغا بعدها فرصة الظهور الأول في دوري الدرجة الأولى الإيطالي في صيف عام 2008 عبر بوابات نادي كاتانيا، حينها سأله الرئيس التنفيذي بيترو لو موناكو عما إذا كان يريد إحضار طاقمه الخاص، قال له زينغا: "أريد رجلا واحدا فقط، إنه يُدعى جياني فيو وهو متخصص في الكرات الثابتة". نجح كاتانيا في ذلك الموسم في تفادي الهبوط والبقاء في الدوري الإيطالي بحصيلة أهداف بلغت 44 هدفا 17 منها (38.6%) كانت عبر ركلات ثابتة.

 

كانت المواقف الثابتة هي العلامة التجارية لكاتانيا، لذلك كان الأمر لافتا للأنظار بشكل ملحوظ. أحد خلفاء زينغا، فينشينزو مونتيلا، عرض على جياني فرصة العمل معه عندما أصبح مدربا لفيورنتينا، وهي تلك الفترة التي يعتز بها فيو كثيرا، حيث يعتبر نفسه محظوظا بالعمل مع بورخا فاليرو وجونزالو رودريغيز ومانويل باسكوال، الذين ترجموا سريعا أعماله على أرض الميدان ولعبوا دورا كبيرا في احتلال فيورنتينا المركز الرابع موسم 2012-2013 حيث أحرز الفريق 40.3% من أهدافه عبر اختراعات فيو.

 

في السادسة والستين من عمره، يحب جياني أن يُعرِّف نفسه جَدًّا لأحفاده، كان ذلك قبل المكالمة الهاتفية التي وصلته من مانشيني شخصيا في سبتمبر/أيلول الماضي، راغبا في خدماته للعمل متخصصا للركلات الثابتة للمنتخب الإيطالي، المكالمة التي ربُما غيَّرت مصير جياني للأبد، لأن هدف التعادل ضد الإنجليز في نهائي اليورو جاء من ركلة ثابتة صُمِّمت وهُندِست كليا من قِبَل الجد جياني فيو، ليصبح رصيد مساهماته من أهداف المنتخب في البطولة 3 أهداف من أصل 11 (27.3%)، وهي تقارب نسبة الـ 30% الإضافية التي كانت عنوان كتابه الذي كان بوابته للعالم، ليس ذلك فحسب، بل إن ذلك يجعله هداف المنتخب في اليورو، حيث لم يُسجِّل أي لاعب خلال البطولة أكثر من هدفين، بينما سجَّل ذلك العجوز من خارج الخط 3 أهداف دفعة واحدة وكان سببا رئيسيا في تتويج بلاده ببطولة الأمم الأوروبية الغائبة منذ سنوات.

 

قبل هذا النهائي، لم تستقبل إنجلترا خلال البطولة إلا هدفا وحيدا، ولم تستقبل مُعدل أهداف متوقعة أكثر من 0.96 وكان ذلك أمام ألمانيا، بينما استقبلت ضد إيطاليا فرصا وصل تراكمها إلى 2.1 هدف متوقع، وهو رقم جديد كليا أكبر من ضِعْف أكبر رقم استقبله الإنجليز خلال البطولة، كما لم ينجح المنتخب الإنجليزي في تهديد مرمى الإيطاليين بأكثر من معدل 0.42 هدف متوقع خلال 120 دقيقة، وهو أقل معدل تهديد خلقه الإنجليز خلال البطولة، وربما يعود ذلك للهدف المبكر الذي حدَّد سياق اللعب مبكرا وجعلنا نشاهد مباراة بين طرف يريد اللعب والآخر لا، لكننا اتفقنا ابتداء على أنها مباراة التفاصيل، وحتى مع حسمها بركلات الجزاء فإن مساهمات ليوناردو بونوتشي وجياني فيو من داخل الملعب وخارجه كانت حيوية وحاسمة لهز شباك الإنجليز في الوقت الأصلي والانتقال إلى ملعب صامت وحارس على أتم الاستعداد، وحكم مجاور على وشك إطلاق صفارته. (6)

—————————————————————————————–

المصادر

  1. مشروع England DNA
  2. مشروع نهضة إيطاليا بقيادة ساكي وماوريتسيو فيشيدي
  3. تشكيلة إيطاليا وإنجلترا في النهائي
  4. أرقام ليوناردو بونوتشي خلال المباراة
  5. جياني فيو السلاح السري للمنتخب الإيطالي
  6. معدل الأهداف المتوقعة لإيطاليا وإنجلترا في النهائي
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ميسي فاز بلقب بطل الكوبا لأن زملاءه ساعدوه بعد أن ساعدهم، ولولاه ولولاهم لما رفع أيٌّ منهم الكأس. لذا فإن طريق التعافي من الغباء المُسيطر على الساحة منذ 2010 يبدأ من إدراك هذه الحقيقة والتسليم بها.

14/7/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة