أنا سمير هاندانوفيتش.. رجل الظل الذي وقف أخيرا تحت الأضواء

مرحبا، أنا سمير هاندانوفيتش، أو باتمانوفيتش كما يُطلِق عليّ جمهوري القليل نسبة إلى باتمان، فهم -على قلّتهم- يرونني خارقا ولا أعلم لماذا، أنا ذاك الحارس الذي اعتاد الظهور بقبعة فوق رأسه في تلك المباريات التي تلعب تحت أشعة الشمس. أعتقد أن ذاك هو أفضل ما يُمثِّل مسيرتي، فأنا رجل معتاد على الظل، ربما لا أحب الشمس، بالأحرى لم أعتدها. أظن أنكم تعرفون ذلك، ولكنني اليوم أقف لأول مرة تحت الأضواء، لذا، اسمحوا لي أن أقص عليكم حكايتي.

أعلم أنكم لا تألفون صوتي، هذا متوقَّع بالطبع كوني لم أتحدث إليكم كثيرا من قبل، وربما لم أتحدث أبدا، لا، لا، لقد حدث ذلك لمرات تُعَدُّ على أصابع اليد الواحدة، وأتذكَّر أنني لم أقل فيها الكثير، كلمات بسيطة في سياق مباراة أو حدث كبير. نعم، حدث كبير، لقد عشت عددا منها رغم قلّتها، وغالبا لا أكون أنا الشخص الذي تُوجَّه إليه الكاميرات ليتحدَّث، لكنني اليوم أشعر برغبة مُلِحَّة في القيام بذلك، فهل أنتم مستعدون؟

لا أعلم من أين أبدأ، ولكن إنتر ميلان حقَّق لقب الدوري الإيطالي، كان اللقب الأول لهم بعد 10 سنوات عجاف. أما شخصيا، فكانت البطولة الأولى لي، لم أقف على منصة تتويج من قبل، لم تلمس يداي كأسا ولم أرتدِ ميدالية ذهبية، كانت الأولى على الإطلاق؛ لذلك قرَّرت التخلي عن عاداتي الصامتة والتحدُّث إليكم، ستكون أول مرّة أقص عليكم قصتي التي يعلمها القليل، ويهتم بها القليل أيضا.

تخيّلتم أنني بعد اللقب الأول سأجول الدنيا كلها وأركض كالمجنون؟ أعذركم لأنكم لا تعرفونني جيدا، أنا أهدأ مما تظنون، لا أعرف طريقا للسعادة سوى قفزة في الهواء وقبضة يدي في الأعلى مثل باتمان، بداخلي الكثير من المشاعر ولكنني هادئ الطباع، أبتسم دائما فيعرف مَن حولي أنني سعيد، أحب العزلة، وأحب الجلوس وحدي والتأمل، لم أعتد الصخب، لذا لم أبحث عنه في أفضل لحظات مسيرتي على الإطلاق. (1)

سمير هاندانوفيتش

خارج الملعب؟ هادئ تماما كما أنا بداخله، أحب القراءة حول كرة القدم والرياضة وعلم النفس، الكتب دائما ما تكون رفيق عزلتي، دوستويفسكي هو كاتبي المفضل، أحب المثلجات أيضا، أتناولها يوميا في الصيف ولا بأس من مرة أسبوعيا في باقي الأوقات. أعتقد أنه لا مبرر بعد ذلك لأن تتفاجؤوا بميلي للهدوء والعزلة، فهذا لا يُعَدُّ غريبا على الإطلاق بالنسبة لرجل يقضي أوقاته في القراءة وتناول المثلجات، أليس كذلك؟ (2)

ولكي لا تُخطئوا فهمي، هذا لا يعني موقفا سلبيا تجاه الناس. ربما تجعلني العزلة، التي أذهب إليها إراديا، أكثر إحساسا بمَن يُجبَرون على ذلك، وقد يكون ذلك سببا في تطوّعي لخدمة الصم والمكفوفين بإحدى الجمعيات الخيرية في إيطاليا، حيث إني أعدُّ ذلك من أهم أنشطتي خارج الكرة. عادة ما أهتم بالتواصل معهم من حين لآخر لكسر العزلة التي يعيشونها وتعويض عجزهم عن الاندماج في المجتمعات المختلفة. أيضا أقوم بالترويج لحملات لكي تتفهَّمهم المجتمعات أكثر ويتشجع المزيد من الناس للتواصل معهم ليعيشوا حياة طبيعية، فكلما تواصل معهم الناس ساعدوهم على الخروج من الظلام والصمت الذي أُجبروا عليه. (3)

طفولتي؟ ليس بها الكثير من التفاصيل، قصة حياتي ليست درامية، ولم أعانِ ويلات الحروب والمجاعات حتى أنقذتني كرة القدم. لم تكن الحياة قاسية عليّ وفي الوقت نفسه لم أنعم بالكثير من الرفاهية، لقد سارت سنواتي الأولى في الحياة كما سارت رحلتي مع الكرة، حياة عادية هادئة بلا صخب، وبلا أضواء. طفل صغير يحب كرة القدم وينظر إلى الحياة من منظورها، ولديه العديد من الأحلام التي يريد تحقيقها من خلالها، ليس أكثر من ذلك.

وعلى ذِكْر كرة القدم، أعتقد أنه حان الوقت لنبدأ في الحديث عن رحلتي معها، فمسيرتي مع إنتر بدأت قبل أشهر من وصولي لعامي التاسع والعشرين. البداية كانت في بلادي سلوفينيا، وفي 2004 تعاقد معي أودينيزي، وقتها لم ألعب معهم، بل قضيت 3 سنوات مع الإعارات في إيطاليا. انتقلت إلى لاتسيو وأيضا لم ألعب كثيرا، فلم يكن لي ملاذ سوى دوري الدرجة الثانية؛ عدة رحلات قصيرة كانت كافية لكي أصبح مؤهلا للعودة إلى أودينيزي وبدء رحلة شائقة، تلك التي أخذت الشق الأكبر من مسيرتي، قبل رحلة إنتر التي يعرفها عني الجميع. (4)

العودة إلى أودينيزي لم تكن سوى تتويج لموسم استثنائي لعبته مع ريميني، استقبال 36 هدفا فقط في 39 مباراة مع فريق صغير ليس بالأمر السهل، لقد كان ذلك في 2006-2007، الموسم الذي مَثَّل البداية الحقيقية لي، وكان عنوانا ظل معي طوال مسيرتي حتى الآن، القليل من الأهداف والكثير من المباريات بشباك نظيفة حتى وإن كان فريقي يُعاني، وحتى وإن لعب أمامي خط دفاع يجعلني في مواجهة أكثر من 20 كرة على مرماي في كل مباراة. (5)

في أودينيزي كانت لدي نقطة تحوُّل هائلة، فهناك التقيت بأدريانو بونايوتي مدرب الحراس الذي ترك بصمته على مسيرتي أكثر من أي شخص آخر، هو رجل لديه فلسفة خاصة في كرة القدم وفي رؤية المباريات من منظور حارس المرمى، هذا جعلني أُغيِّر طريقة تفكيري وتدريبي أيضا، والسبب هو نهج عمله الذي يصعب شرحه ببضع كلمات لأنه مفصَّل للغاية؛ من تطوير حراس المرمى جسديا ومن حيث تمركزهم في المرمى، إلى الدورات التدريبية المكثفة التي قد لا يتخيل البعض أن الحارس يحتاج إليها ليتطوّر، ربما كانت رحلتي هناك انفجارا في مستواي، وبالطبع لا يمكن أن أحصل على المديح وحدي بخصوص ذلك، فلولا بونايوتي لما حدث ما حدث. (6)

كوني لم أُحقِّق أي لقب قبل دوري هذا العام يجعلني لا أمتلك الكثير من الأرقام القياسية، ولكن قلبي مُعلَّق بواحد من هذه الأرقام القليلة كونه يشبهني تماما، في ديربي ميلانو الذي خضناه في أكتوبر/تشرين الأول عام 2020 تمكَّنت من التصدي لركلة جزاء سدَّدها زلاتان إبراهيموفيتش، لأصبح أكثر حارس تصديا لركلات الجزاء في تاريخ الدوري الإيطالي بواقع 25 ركلة جزاء في 511 مباراة، مُحطِّما رقم جيانلوكا باليوكا، الذي كان حارسا للإنتر أيضا، ولكن هل تعلمون ما الطريف في الأمر؟ أن ركلة الجزاء تلك تابعها إبرا بنجاح وسجَّل هدفا، وخسرنا المباراة في نهاية المطاف بهدفين لهدف، كانت هذه هي كواليس تحطيمي لرقم تاريخي صمد لعقود من الزمن، هل هناك شيء أكثر قدرة على وصف مسيرتي أكثر من ذلك؟ (7)

وبالحديث عن هذا الرقم التاريخي، أشعر برغبة في الاسترسال، لا أريد أن أُغلِق صفحته سريعا، كونه، كما أخبرتكم، قريبا من قلبي ويُشبهني كثيرا. في ماذا؟ في قدرته على تقديم عملي حارس مرمى مجردا؛ في ركلة الجزاء لا مجال للحديث عن وضع الفريق، عن مستواه من حيث المنافسة، عن جودة خط الدفاع الذي يلعب أمامي، في تلك اللحظة تكون حارسا في مواجهة لاعب والغلبة للأفضل بينكما، لحظات فردية تماما أتجلَّى فيها وأشعر بقدرتي على القيام بما أنا بارع فيه، حيث لا مجال للشكوى والظهور في دور الضحية، بل فرصة ذهبية لإنقاذ الفريق ولعب دور البطولة، دون الاهتمام بالأضواء التي ستُسلًّط عليّ بعد ذلك، كوني لا أمنحها اهتماما كما تعلمون.

قبل أن أنسى، وعلى ذِكْر الأرقام، هل تعلمون أنني أفضل حارس مرمى في الدوري الإيطالي 3 مرات؟ اثنتان منهم في ظل أوج تألُّق جيانلويجي بوفون الذي يعتبره كثيرون الأفضل في التاريخ، وفي إحداهما خطفت الجائزة بقميص أودينيزي، لا أتذكَّر حارسا كان بمقدوره منافسة جيجي في قمة عطائه، ولكنني قمت بذلك في مواسم كنت أُنهيها سابعا وثامنا للدوري الإيطالي وأحيانا خارج العشرة الأوائل، ويُقال إنني سبب رئيسي في ذلك، حيث إنه بنزع تصدياتي تبدو الأمور أسوأ بكثير، لأكون صريحا، أحب مثل هذه الأشياء، كونها تُشعرني بقيمة ما قدَّمته، أسمعها وأبتسم، وأمضي في طريقي. (8)

في 2020 احتفلت بعيد ميلادي السادس والثلاثين، لم يُفاجئني الرقم كثيرا، بعض الشعرات البيضاء منحتني إشارة باقتراب الأربعين، والأهم، أشياء اعتدت القيام بها بكل سهولة لم تصبح كذلك، وكرات وقفت أنظر إليها لصعوبة التحرُّك نحوها برد فعل سريع، لا أتذكَّر أن الأمور كانت كذلك قبل سنوات، لقد كانت مقدمات لأن الرحلة أوشكت على الانتهاء، بلا ذهب، وبلا لحظة أُتوِّج بها سنوات الصبر، تلك التي عشتها بإرادتي ولم أُجبَر عليها كليا، بصراحة.

كيف عشتها بإرادتي؟ حين رفضت عروضا كانت ستجعلني أفضل حالا، سواء على المستوى المادي أو مهنيا برفع لقب أو اثنين. ليفربول مثلا أرادني وجاءتني العديد من العروض الإنجليزية، ولكنني لم أقبلها، فضلا عن اهتمام برشلونة بي في وقت من الأوقات، خطوات كانت تضمن لي الوقوف على منصة التتويج مرة على الأقل، ولكنني أحببت الإنتر. لماذا؟ لأنه فريد من نوعه؛ خاص ومثير، ويُشبهني تماما في جنونه. (9)

علاقتي بإنتر لم تبدأ في حقبة وردية، ولكنني ذهبت في فترة صعبة، تغيير ملكية وإحلال وتجديد، ولأكون صادقا استطعت وسط كل ذلك أن ألمس الجانب الإيجابي، فبكل تأكيد ذلك يجعل التحدي أكثر إثارة وصعوبة، ويجعل للنجاح طعما خاصا، نعم، وضع المزيد من الضغوطات عليّ، ولكن لا بأس، هذا جزء من حياة أي رياضي، ويمكن التخلُّص منه بسهولة بجلسة استرخاء مسائية أو بتناول بعض المثلجات. شخصيا أجد الحياة أبسط مما يتخيل الكثيرون.

ولكن بينما كانت تتوجَّه الرحلة نحو نهايتها في الظل، جاءت تلك اللحظة، لامست الذهب بعدما حكم علينا الزمان بقسوته لسنوات عابسة، وحان الوقت أن تبتسم أخيرا. رفعت لقب الدوري الإيطالي قائدا لإنتر، أخبروني أن آخر مَن فعل ذلك كان خافيير زانيتي فتضاعفت فرحتي، لم أكن أتخيَّل بعد أن زاملته لفترة قصيرة أنني سأكون مكانه حين يرفع الفريق اللقب المقبل، يقولون إن في الحياة خيالا يتجاوز السينما، وبصراحة لم أكن أُصدِّق ذلك حتى تجسّد أمامي، لحظة، هو لم يتجسّد أمامي، لقد عشته بنفسي، ولعبت فيه دور البطولة.

على كل حال، ما زال في العمر بقية، لا يهم كيف ستمر السنوات القليلة التي تتبقى على نهاية الرحلة، لم أعد أهتم، أنا راضٍ تماما أن تكون النهاية هكذا، هكذا حلمت، ولم أعتد الطمع لأبحث عن المزيد، خاصة وأنا بيني وبين الأربعين من عمري 3 سنوات فقط. أرجو ألا أكون أصبتكم بالملل، الآن أنهيت حكايتي، أنهيتها تحت الأضواء، لأول مرة، أنا سمير هاندانوفيتش، أهدتني الحياة أضواء في آخر النفق، تماما كما رسمت في أحلامي، ولكنني لأكون صادقا أيضا، كنت أظنها ستظل للأبد مجرد أحلام، وليس أكثر.

_______________________________________________________________

المصادر:

  1. هاندانوفيتش عن براعة ضربات الجزاء، إنتر وشمايكل – 360 سبورت
  2. السيرة الذاتية لسمير هاندانوفيتش – ستور موب
  3. المصدر السابق 
  4. سمير هاندانوفيتش – سيرة ذاتية – بولا دوت نت
  5. السيرة الذاتية لسمير هاندانوفيتش – ستور موب
  6. المصدر السابق 
  7. الرقم التاريخي لسمير هانداوفيتش في ركلات الجزاء بالدوري الإيطالي 
  8. إحصائيات هاندانوفيتش مع أودينيزي 
  9. هاندانوفيتش عن براعة ضربات الجزاء، إنتر وشمايكل – 360 سبورت
المصدر : الجزيرة