يورو 2020.. لماذا يصرخ الإيطاليون أثناء غناء نشيدهم الوطني؟

لأنهم إيطاليون طبعا، يصرخون أثناء الغناء، ويصرخون في الأفلام، ويصرخون أثناء شراء الطماطم، ويصرخون بعد استخلاص الكرة، وقبل ركنية خطيرة، وبعد ركنية خطيرة، ولأن أحدهم سدد، أو لأن أحدهم لم يسدد، ويصرخون وهم يتجادلون مع الحكم، أو لأنهم فازوا بكأس العالم، أو لأنهم خسروا مباراة ودية، ويصرخون لأن المدرب سيئ ولا يصلح لقيادة فريق مدرسي، أو لأن المدرب هو أعظم مدرب في العالم.

في الواقع، يبدو السؤال سخيفا للغاية، لأنه من ضمن كل ما سبق، فالصراخ أثناء غناء النشيد الوطني هو الأمر المنطقي الوحيد.

في عام 2003، أجرت الباحثة في سيكولوجيا الرياضة، ساندي وولفسون، دراسة عن تأثير عنصر الأرض في نتائج مباريات كرة القدم. بشكل عام، أفضلية أصحاب الأرض في مباريات كرة القدم ترتكز على ثلاثة عناصر: الجمهور، وعناء السفر للضيوف، والألفة. والأخير هو ما كانت وولفسون تحاول دراسته بمعزل عن العاملين الباقيين. (1) (2)

وولفسون سحبت عينات من لعاب اللاعبين قبل العديد من المباريات لتحليلها، واكتشفت أنها تسجل معدلات أعلى للتستوستيرون -هرمون الذكورة- عندما يكون اللاعبون على وشك استقبال ضيف في ملعبهم، وحتى لو لم يكن الجمهور حاضرا، وفُسّر الأمر بظاهرة "منطقة النفوذ" أو "Territoriality" لدى الذكور من الحيوانات، حيث يشهد دمهم ارتفاع معدلات الهرمون نفسه عند تعرضهم لهجوم من ذكور آخرين في نطاق مناطق نفوذهم.

غالبا، كان هذا هو ما دفع الطليان للصراخ بهذا الشكل في افتتاح نسخة اليورو الحالية أمام تركيا على ملعب الأولمبيكو في روما. صحيح أن الجمهور كان حاضرا -ولو بشكل جزئي- ولكن لا يوجد أي تفسير آخر للأمر. إلى اللقاء إذن، نراك في تقرير قادم.

لم تقتنع؟ هذه مفاجأة، ولكنها متوقعة بصراحة. أولا لأن لا أحد يصرخ مثل الطليان عندما يلعب على أرضه، لا الإنجليز ولا البرتغاليون ولا الهولنديون ولا حتى اللاتينيين. وثانيا لأن الإيطاليين يصرخون في كل الملاعب وفي كل المباريات، في حضور الجمهور وفي غيابه. وثالثا لأن المنتخب النسائي الإيطالي يفعل الشيء ذاته عند عزف النشيد الوطني أيضا، لذا لا يمكن تفسير الأمر بالتستوستيرون مع الأسف.(3)

أيضا التستوستيرون لا يفسر لماذا ينفعل ويتحمس الكثيرون في بيوتهم مع الطليان حين يغنون نشيدهم الوطني. على سبيل المثال، يقول ريان كونواي، محرر "ذا أثلتيك (The Athletic)"، إن الـ"كانتو ديلي إيتالياني (Canto degli Italiani)" أو "نشيد الطليان" كما يُسميه أهل روما، يشعره بالفخر لكونه إيطاليا. طبعا أنت تتساءل الآن: كيف يمكن لـ"ريان كونواي" أن يكون إيطاليا؟ وهو سؤال منطقي لأن كونواي ليس إيطاليا فعلا، ولكنه يؤكد أن النشيد يشعره بأنه كذلك. (4)

هذا الحماس وهذه الحدة تُشعر كونواي، وكثيرين غيره، أنهم على وشك مشاهدة مباراة استثنائية، وتعدهم بإثارة فنية وكروية تعادل تلك التي يشهدونها أثناء غناء النشيد، وإن أضفت لذلك حقيقة أن اللاعبين في أكثر منتخبات أوروبا لا يغنون نشيدهم الوطني بهذا الحماس، أو لا يغنونه على الإطلاق في حالة فرنسا مثلا، فستفهم لماذا يُعجَب الكثيرون بالطليان، ببساطة لأنهم يداعبون نزعاتنا القومية التي نشعر بأنها تندثر شيئا فشيئا في عصر العولمة وسيولة الهوية. (5) (6) (7)

هذا جميل ورائع ومنطقي وواقعي، ولكن الأكثر منطقية وواقعية هو كون السبب في حماس الطليان الشديد أثناء عزف نشيدهم الوطني هو -للمفاجأة- نشيدهم الوطني ذاته.

 

مثل كل الأناشيد الوطنية الحماسية، كُتب الـ"Canto degli Italiani" في زمن الحرب بوصفه دعوة لأبناء البلد لحمل السلاح وخوض المعارك، ولهذا السبب يُعرف النشيد الإيطالي أيضا باسم "Fratelli d’Italia" أو "إخوة إيطاليا"، وهو الاسم الأكثر شيوعا بين الطليان. كتبه الشاعر الإيطالي جوفريدو ماميلّي في 1847، لذا يعرف أيضا باسم "Inno di Mameli" أو "ترنيمة ماميلّي"، والذي لم يكن ذائع الصيت في زمنه ولم يُنتج أي معزوفة يمكن أن تكون قد سمعت عنها، وتوفي بعد كتابة النشيد بعامين. (8)

المفاجأة الأولى هنا أن أكثر الموسيقيين والمؤلفين داخل إيطاليا يعتبرون النشيد رديئا من حيث التكوين الموسيقي والكلمات. سنخبرك عن السبب طبعا خلال بضعة سطور، ولكن الجدير بالذكر أنهم يعتبرونه حماسيا كذلك، بسبب إيقاعه العسكري، وأيضا بسبب المقطع الأخير الذي تميزه تقنية "الكريشندو (Crescendo)" الشهيرة في الأوبرا، حيث يعلو الإيقاع ويتسارع وصولا للنهاية الحماسية بلفظة "Si!" أو "نعم" بالإيطالية. (9)

المفاجأة الثانية والأهم: لا أحد يفهمه، لا الطليان ولا غيرهم. جوفريدو ماميلّي كان شاعرا محدود الموهبة، إن جاز وصفه بالموهوب ابتداءً، وربما ما أراد فعله هو دمج تاريخ حروب الإمبراطورية الرومانية في مقطوعة واحدة قصيرة، فخرجت بهذه الركاكة وهذا الغموض.

ربما لا تتعجب إذن حين تعرف أن أومبرتو بوسّي، السياسي الإيطالي والزعيم السابق لحزب "ليغا نورد (Lega Nord)" الساعي لاستقلال شمال إيطاليا، كان قد سعى لتغيير النشيد عدة مرات بعد اعتماده رسميا في 2005، لسبب واحد بسيط من وجهة نظره، هو أنه لا أحد يفهم كلماته على أية حال! (10)

طبعا يمكنك الإشارة لنوايا بوسي الخبيثة المدفوعة بأجندته السياسية، ولكن الحقيقة أن النشيد غير مفهوم فعلا، وفي الواقع، لو كان الطليان يفهمون النشيد حقا لاتُّهموا بالعنصرية فورا، ببساطة لأن النشيد الإيطالي، مثله مثل أناشيد أغلب الدول الاستعمارية، يحمل تلميحات عنصرية تشير إلى عصور العبودية في روما.

بالمناسبة، هذا هو السبب ذاته الذي طالما دفع مهاجري فرنسا، وعلى رأسهم كريم بنزيما، للصمت أثناء نشيدهم الوطني "لامارسييز (La Marseillaise)"، تحديدا بسبب بيت "لتغرق الدماء غير النقية حقولنا" في المقطع المتكرر، والذي يفسره الكثيرون على أنه إشارة للعبيد وكل من لا ينتمون لطبقة النبلاء. (11) (12) (13) (14)

"إخوة إيطاليا.. إيطاليا قد استيقظت

وقد وضعت خوذة شيبيو مربوطة على رأسها

أين الانتصار؟ فلندعها تنحني

لأن الرب قد خلقها أمَة لروما!"(8)

إذا كنت أحد هؤلاء الذين لم يفهموا شيئا من هذا المقطع فقد فهمت وجهة نظر أومبرتو بوسّي، ولكن دعنا نحاول الفهم على أية حال.

إيطاليا قد استيقظت، لا بأس. من هو شيبيو الذي وضعت خوذته على رأسها؟ غالبا هذه إشارة إلى بوبليوس كورنيليوس شيبيو أفريكانوس، الإمبراطور الروماني الذي هزم هانيبال القرطاجي وسيطر على شمال أفريقيا وجزء كبير مما يعرف الآن بإسبانيا، وخوذته هي تلك الخوذة الرومانية المميزة التي يعلوها العرف الأحمر. حتى الآن يبدو كل شيء مفهوما. (15)

الارتباك يبدأ في البيت الثالث. ماميلّي، مؤلف النشيد، قرر استخدام تشبيه بلاغي شديد التعقيد دون أن يخبرنا عنه. البعض يزعم أن التفسير المنطقي الوحيد للبيتين الثالث والرابع هو البيت الخامس الذي حُذف حديثا من النشيد، والذي يقول فيه ماميلّي: "فلتحلق رأسها"، وفيما يبدو أنه يُشَبّه الانتصار نفسه بامرأة من العبيد تخضع لروما، وطبعا هي حليقة الرأس لأن هذا هو ما كان يميز نساء العبيد عن الـ"أحرار" في روما القديمة.

 

يستمر التخبط في المقطع الثاني حينما يتحدث ماميلّي عن الوحدة بين أبناء إيطاليا، فيقول:

"من الألب إلى صقلية

لينيانو في كل مكان

الجميع من فيرّوكيو.. يملك القلب ويملك اليد

الأطفال في إيطاليا يُسمون باليّا

كل الأبواق صوتها مثل الصلوات"

البيت الأول يبدو وكأنه السبب الحقيقي لاعتراض بوسّي، الداعي للانفصال، إذ إن ماميلّي يدعو صراحة لتوحيد الطليان من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ثم يتحدث عن معركة لينيانو لسبب غير مفهوم، ببساطة لأنها لم تكن معركة مهمة في تاريخ روما، وكان تعداد جنودها لا يزيد عن ستة آلاف جندي من الجانبين، ولا يميزها سوى وجود الإمبراطور الروماني الشهير فريدريك بارباروسّا على رأس جيش الرومان. ماميلّي يمنحنا المزيد من الألغاز بلا سبب واضح. (15)

الجدير بالذكر هنا هو إشارة ماميلّي إلى فرانشيسكو فيرّوكيو، والذي كان أحد أشهر المرتزقة في القرن السادس عشر، يحارب لمن يدفع أكثر، وقضى أكثر حياته يحارب الإيطاليين أنفسهم!

الآن يحين موعد المقطع الأفضل على الإطلاق في هذا النشيد، والذي قد يكون السبب في حماس لاعبي إيطاليا بهذا الشكل. مقطع مباشر وواضح وصريح، ولا يحمل أي إشارة خفية أو صورة بلاغية أو اسما مُعقّدا لقادة حرب رومانيين، ويمكن لأي شخص فهمه بسهولة.

"فلنتحد.. نحن مستعدون للموت

نحن مستعدون للموت.. إيطاليا قد نادتنا

فلنتحد.. نحن مستعدون للموت

نحن مستعدون للموت

إيطاليا قد نادتنا

نعم"

إن لم تكن قد لاحظت ذلك، فإن الطليان مستعدون للموت لأن إيطاليا قد نادتهم، وعندما يأتي هذا المقطع بعد المقطع الأول الذي تستيقظ فيه إيطاليا من غفوتها وتستعبد الانتصار، فإن التصاعد الموسيقي الحماسي يصبح ملحميا فعلا.

بالطبع سنتفهم الأمر لو كانت الكلمات ركيكة من وجهة نظرك، ماميلّي -كما قلنا- كان شاعرا متواضع الرؤية تُعجزه الكلمات. المثال الأوضح على ذلك هو وعيده للنمسا في مقطع آخر بأنها ستصاب بـ"حروق في قلبها" إن "شربت دماء إيطاليا"، هذا ليس تهديدا خطيرا كما ترى، وغالبا، لم يُشعر النمساويين بالقلق، في الواقع، يبدو أن أقصى ما يصفه ماميلّي هنا هو آلام الحموضة المعتادة بعد وجبة دسمة.

حسنا، لقد انتهينا، وهذا هو تفسيرنا الوحيد لغناء الطليان نشيدهم بهذا الحماس المتفرد، وهو ليس تفسيرا مقنعا كما ترى، ولكن يمكنك استخدامه في النفي بالاستبعاد، بمعنى أنك لو كنت تظن أن الطليان يصرخون أثناء نشيدهم لأنه قطعة فنية استثنائية من الشعر والموسيقى فهذا ليس صحيحا على الأغلب، هناك سبب آخر فشلنا في العثور عليه، ولكنك لا تستطيع أن تلومنا لأننا قد حاولنا.

__________________________________________________________

المصادر:

1- التستوستيرون ومناطق النفوذ وأفضلية أصحاب الأرض – Science Direct

2- أفضلية أصحاب الأرض..هل يصنع المشجعون فارقا فعلا؟ – Tifo Football

3- منتخب إيطاليا النسائي لكرة القدم يخيف الأطفال أثناء غناءه للنشيد الوطني! – Sport Bible

4- الشغف الإيطالي والزئير الويلزي والقِرَب الاسكتلندية..تقييم الأناشيد الوطنية في اليورو! – The Athletic

5- هؤلاء الناس لم يغنوا النشيد الوطني! – BBC

6- لماذا لا يغني بعض الناس النشيد الوطني؟ – BBC

7- المشجعون الإنجليز يسخرون من أداء غاريث ساوثغيت ولاعبي إنكلترا الباهت أثناء عزف النشيد الوطني! – The Daily Mail

8- كيف تتعلم النشيد الوطني الإيطالي؟ – Explore Italian Culture

9- لماذا يصرخ اللاعبون الطليان أثناء عزف نشيدهم الوطني؟ – Goal 90

10- سيناتور إيطالي يرغب في تغيير النشيد الوطني – Christian Science Monitor

11- هل تملك كرة قدم فرنسا مشكلة اسمها اللاعبون العرب؟ – Foreign Policy

12- الجبهة الوطنية الفرنسية تستهدف كريم بنزيما لرفضه غناء النشيد الوطني – The Daily Mail

13- هل حان الوقت لتغيير النشيد الوطني العنصري؟ – The Local France

14- لا مارسييز؛ هل وصل النشيد الوطني الفرنسي المثير للجدل إلى النغمة الصحيحة أخيرا؟ – The Guardian

15- القصة الغريبة وراء النشيد الوطني الإيطالي! – مدونة إيفان ألفاريز

المصدر : الجزيرة

المزيد من يورو 2020
الأكثر قراءة