يورو 2020.. لماذا لم نعد نتحمس لبطولات المنتخبات؟

لنبدأ بالإجابات البديهية التي يعرفها الجميع؛ أولا، بطولات المنتخبات لا تُعرض على مدار 9 أشهر مثل بطولات الأندية، بل تبدو وكأنها مُقحمة على السياق، وكأنها جملة اعتراضية هدفها الوحيد هو كسر رتابة الدوريات فقط لا غير. ثانيا، بطولات المنتخبات لا تضم مدربين على مستوى عالٍ مثل بطولات الأندية، هذه الحقيقة منفردة كفيلة بنسف أي فرصة للنقاش. ثالثا، لا يمكن لمدرب المنتخب أن يبني فريقا كاملا يعكس هويته وأسلوب لعبه وفلسفته مثل مدرب النادي، وهذا يحد من خياراته وقدرته على التعبير عن أفكاره. (1) (2)

كل هذا ولم نتحدَّث بعد عن حقيقة أن كل هذه البطولات قد فقدت بريقها بعد الفضائح المتتالية للفيفا، التي تنوَّعت ما بين التلاعب في القرعة، مرورا بتعديل اللوائح لخدمة الدعاية الانتخابية، وانتهاء بتلقي الرشى لمنح الدول حق تنظيم البطولات. يمكنك اعتبار ذلك السبب الرابع لتراجع شعبية بطولات المنتخبات. أما خامسا، فلقد أصبح واضحا أن… حسنا، لا نحتاج إلى "خامسا" لأننا نستطيع تسويد مجلدات عن أسباب تراجع شعبية بطولات المنتخبات. في الواقع، السؤال كان يجب أن يكون: "ما الذي يدفعنا لنتحمَّس لبطولات المنتخبات أصلا؟". (3) (4) (5)

في الواقع، كثير من هذه الحجج لا تصمد أمام أي تدقيق حقيقي. على سبيل المثال؛ هل يمكنك أن تُخبرنا كم مدربا في عالم الأندية الآن يستطيع "بناء فريقه كما يشاء وفقا لفلسفته وأسلوب لعبه"؟ الإجابة لن تخرج عن اسمين أو ثلاثة. في الحقيقة، لا يوجد مدرب يملك هذه الرفاهية فعلا سوى بيب غوارديولا. الباقون كلهم يحاولون ترقيع ثغراتهم كيفما اتفق، وكيفما سمحت لهم إمكانيات أنديتهم المادية. هل هذا مختلف عن كرة قدم المنتخبات لهذه الدرجة؟

الفضائح تحدث في كرة قدم الأندية أيضا. كم مرة شاهدت فريقا يفوز بغير استحقاق أو بسبب خطأ تحكيمي في دوري الأبطال؟ في الواقع، لو أعدنا آخر 10 نسخ من البطولة وأزلنا الأخطاء التحكيمية فقط، لأنتج لنا هذا السيناريو بطلا مختلفا في كل مرة تقريبا. هذه حقيقة لا تنال حقها من الحديث أبدا لأن منصات التواصل الاجتماعي علَّمتنا أن طريقة الفوز لا تهم. المهم هو أن تكون النتيجة النهائية في صفك، وهذا يسمح لك باعتبار أي اعتراضات لاحقة مجرد "صياح" مهما كانت منطقية، ولكن هذا كله لا ينفي الحقيقة.

الحجة التي لا مهرب منها فعلا هي أن بطولات المنتخبات تحوَّلت من كونها قمة كرة القدم العالمية في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات إلى مجرد ضجيج مزعج مستمر في الخلفية. بالطبع كان التطوُّر الهائل في تكنولوجيا البث سببا رئيسا لذلك، إذ إن الكثير منّا لم يكن يستطيع مشاهدة الدوريات طوال العام وقتها، وبمجرد أن أصبح ذلك متاحا، تراجعت شعبية كرة المنتخبات ومكانتها لدرجة غير مسبوقة.

هذا يطرح السؤال الأهم؛ هل تراجعت كرة قدم المنتخبات فعلا، أم أنها الآن قد استقرَّت في مكانتها الطبيعية؟ هل كانت شعبيتها السابقة قائمة على ندرة المباريات المعروضة على جمهور كرة القدم في العالم فقط لا غير؟ هل هذا هو ما جعلها بهذه الجاذبية فيما مضى؟ هل يحق لقطاع من جمهور اللعبة أن يضيق بالتركيز المبالغ فيه على كرة الأندية أم أن هذا مجرد حنين إلى ماضٍ لم يَعُدْ من الممكن إحياؤه؟

الحقيقة أن المعركة خاسرة فعلا، كرة قدم المنتخبات لن تعود لقمة اللعبة أبدا مهما حدث. الأمر ليس مُتعلِّقا بانتظامها أو كثرة مبارياتها أو لمعان نجومها وحسب، بل بحقيقة أن أندية كرة القدم تحوَّلت إلى كيانات تفوق المنتخبات قوة وشهرة وشعبية بسنين ضوئية. أيهما أقيم عند الجمهور الآن: منتخب البرازيل أم تشيلسي؟ إسبانيا أم مانشستر سيتي؟ الأرجنتين وفرنسا أم بايرن ميونيخ وريال مدريد؟ (6)

حقيقة أخرى يُخبرنا بها العصر الحالي هي أن حس الوطنية لم يَعُدْ كما كان في الماضي، ليس لأننا أقل وطنية ولكن ببساطة لأن العالم انفتح على بعضه بعضا، وهذا الانفتاح عزَّز إحساس الفرد على حساب الجماعة. منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهاتف الذكي تُغنيك عن التفاعل الفعلي مع دوائر معارفك الصغيرة والمتوسطة، ناهيك بالكبيرة، ولهذا تبدو كيانات مثل الدول، بعيدة كل البُعد عن أذهاننا وعواطفنا.

أضف إلى ذلك أن كرة المنتخبات مُملة فعلا. في تحليله لأداء المنتخب الإنجليزي المتوقَّع في اليورو القادمة، يُذكِّرنا جوناثان ويلسون بحقيقة ترسَّخت في السنوات الأخيرة؛ كرة القدم الهجومية لا تفوز ببطولات المنتخبات. (7)

الجدول المزدحم والوقت الضيق الذي لا يسمح بتدريب الفريق على أي تعليمات مُعقَّدة أو مركَّبة يجعل الجميع يلجأ إلى الحل السهل؛ التحفُّظ والاقتصاد في المحاولات الهجومية على أمل وقوع لقطة فردية هنا أو هناك تُنهي المباراة وتُمكِّن الفريق من قضاء باقي الـ 90 دقيقة في الوضعية الآمنة، حيث يتراكم لاعبوه أمام مرماهم لصد هجمات الخصم الذي يحاول التعويض.

ضيق الوقت المُتاح للإعداد لبطولات المنتخبات، بالإضافة إلى امتداد التصفيات على مدار أعوام متتالية، يحرم المدربين من الاستقرار اللازم لبناء أي فكرة صلبة في أذهان اللاعبين، ببساطة لأن اللاعبين أنفسهم يتغيَّرون باستمرار بناء على الإصابات والمستوى الذهني والفني واللياقي. هذه ظروف يستحيل معها إنتاج أي فكرة دسمة قادرة على إثارة الجدل أو الجذب البصري، خاصة للمُحايدين.

فرنسا، الفريق الذي دجَّجته الضواحي المنتشرة حول باريس بمواهب ذات كثافة غير مسبوقة لم نشهدها في أي فريق في تاريخ اللعبة، لجأ إلى طريقة لعب براغماتية للغاية في المونديال الأخير رغم قدرته على مقارعة أعتى المنتخبات على الساحة بسهولة نسبية، بل أعتى الأندية، حتى فِرَق مثل بايرن ميونيخ وسيتي وريال مدريد وبرشلونة -آنذاك- لم تكن تمتلك عدد المواهب نفسه والتنوع والعمق نفسه الذي تمتلكه قائمة فرنسا، ورغم ذلك فضَّل ديدييه ديشان الاعتماد على أقدم حيلة في الكتاب؛ مراكمة اللاعبين في عُمق الملعب أمام مرماه وإطلاق جحيم مبابي على الخصوم في المرتدات والتحوُّلات السريعة، لدرجة أن الكثير من المباريات بدت منافسةً غير عادلة. (8)

بعض المحللين يجزمون بأن كرة المنتخبات ستعود للواجهة مرة أخرى، لسبب وحيد هو أنها أكثر فوضوية وعشوائية من أن يتوقَّعها أحد. هذه هي المزية الوحيدة التي منحتها لها الجداول المزدحمة وفترات الإعداد المضغوطة والقوائم التي ضربتها الإصابات؛ أنه صار من الصعب توقُّع فوز فرنسا ذاتها باليورو رغم أنها تفوق باقي المنتخبات بأميال على مستوى المهارات والمواهب في كل الخطوط. (9)

هناك الكثير من الاحتمالات التي تتحكَّم فيها عوامل شديدة العشوائية، بالضبط مثل بطولات دوري الأبطال ولكن ببريق أقل، وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم، السؤال الذي كان يجب أن يتضمَّنه العنوان.

كيف يُمكننا أن نجعل كرة قدم المنتخبات أفضل؟ لو سلَّمنا بالأمر الواقع وتقبَّلنا حقيقة أنها لن تعود لعرش اللعبة أبدا، فإن الواقع يقول إن هناك العديد من المباريات تُلعب سنويا ما بين تصفيات المونديال وتصفيات البطولات القارية بالإضافة إلى نهائيات هذه البطولات، ولكنها لا تُحقِّق ما يكفي من المشاهدات ولا المتعة ولا الجذب الجماهيري. كيف يُمكننا أن نستفيد من هذه المباريات استفادة أفضل؟

عبر سلسلة من عدة تحليلات نشرتها "ذي إندبندنت" البريطانية عام 2017، قبيل مونديال روسيا بعدة أشهر، طرح مُحرِّرو الصحيفة مثل جاك بيت بروك مجموعة من الحلول أغلبها تعجيزي وغير واقعي، مثل تحجيم قدرات الأندية على شراء اللاعبين ودفع الرواتب العالية، وبالتالي إعادتهم لـ "مكانتهم الطبيعية"، التي طالما كانت أقل من مكانة كرة المنتخبات. (6)

هذا حل ضروري وعاجل بغض النظر عن الموضوع محل النقاش. كرة القدم عموما بحاجة إلى ضوابط، ولكن ما يقترحه بيت بروك لن يجعل مباريات مثل إنجلترا ضد سلوفينيا أفضل ولا أكثر متعة، ولن يُبرِّر توزيع مجموعات التصفيات في أوروبا بشكل يجعل مبارياتها بهذا الملل، ويضع منتخبا بالغ القوة -غالبا- على رأس مجموعة يلتهم بقية أعضائها بسهولة تندر معها المفاجآت.

الحل الأروع على الإطلاق، والأكثر منطقية وقابلية للتنفيذ، أتى من الصحفي الإنجليزي الرائع تيم ويغمور، وما يقترحه الرجل، هو مثل كل الحلول العبقرية، شديد البساطة. يقترح تيم إلغاء التوقُّفات الدولية في منتصف موسم الأندية، وتحويل تصفيات كأس العالم والبطولات القارية إلى بطولات مُجمَّعة عقب نهاية كل موسم. (10)

خُذ دقيقة أو اثنتين للتفكير في الأمر؛ لا توقُّفات في وسط الموسم، وهذا يجعله أقصر لدرجة انتهائه في مارس/آذار. توقُّفات أقل تعني أيام راحة سلبية أقل وإثارة متصلة مستمرة لموسم الأندية، فضلا عن أن كل هذا الوقت الذي سيُوفَّر سيكون كافيا لإجراء التصفيات عقب نهاية الموسم في صورة بطولة مُجمَّعة متصلة بدورها، بل سيُسمح للمدربين بالحصول على فترة إعداد متصلة مع لاعبيهم عقب نهاية الموسم للإعداد للتصفيات.

المزايا لا تتوقَّف؛ الآن يضطر المدرب لإعلان قائمة لكل توقُّف دولي، وهذه القائمة تعتمد على مستويات اللاعبين في الأندية المختلفة ومدى لياقتهم البدنية عند كل توقُّف. كل هذا الارتباك والتخبُّط سينتهي؛ الآن سيختار كل مدرب قائمته مرة واحدة في نهاية كل موسم، ومع فترة الإعداد المتاحة سيتمكَّن من تطوير أساليب لعبهم بشكل أفضل، وهذا يعني مباريات أفضل وأكثر دسامة وإثارة، بالإضافة إلى إصابات أقل طوال الموسم لأبرز اللاعبين الدوليين، التي ينتج أغلبها من التغيير المفاجئ في عادات النوم والتركيز والتغذية والإجهاد الناتج عن السفر والاحتكاك بلاعبين مختلفين في المعسكرات الوطنية.

حينها سيُتاح للعديد من الدول الصغيرة تنظيم التصفيات على أراضيها كذلك، وهي فرصة لا تُتاح مع البطولات الكبرى التي تجذب أعدادا ضخمة وتتطلَّب مرافق وبنية تحتية عالية الكفاءة، والأهم من كل ذلك أن تنظيم التصفيات في هذا الشكل سيمنحها عنصر الجذب الأهم في أي بطولة كروية، المنافسة والهدف والغاية، وهو أمر يصعب إدراكه في توقُّفات مُتقطِّعة تُقام في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني، ثم تتوقَّف لأربعة أشهر قبل أن تعود في مارس/آذار.

معركة كرة الأندية مع كرة المنتخبات حُسِمت وأُعلِنت نتيجتها، ولكن رغم ذلك، يمكن لكرة المنتخبات أن تعني للمشجعين أكثر مما تعنيه الآن، وأن تصبح أكثر تنظيما وإثارة ومتعة، وأن تعود لاجتذاب كبار المدربين مرة أخرى بعد أن أصبحت مرتعا للمبتدئين ومَن تجاوزهم الزمن.

___________________________________________________________

المصادر:

  1. البريميرليغ هو الملك؛ 5 أسباب لكراهية مشجعي كرة القدم للتوقفات الدولية! – Bleacher Report
  2. 5 أسباب لكراهية التوقفات الدولية – Sportskeeda
  3. سيب بلاتر وميشيل بلاتيني يمنعان من تولي أي مناصب في كرة القدم لمدة 8 سنوات – The Guardian
  4. بلاتيني يعترف بالتلاعب بقرعة مونديال 1998 لضمان نهائي بين فرنسا والبرازيل – The Telegraph
  5. مزاعم جديدة بخصوص تلقي سيب بلاتر رشى لمنح قطر حق تنظيم كأس العالم – Sky Sports
  6. ما الذي يعوق تقدُّم كرة قدم المنتخبات؟ – The Independent
  7. كرة القدم الهجومية لم تَعُدْ تفوز ببطولات المنتخبات.. ماذا سيفعل ساوثغيت إذن؟ – The Guardian
  8. لماذا تُنتج فرنسا العدد الأكبر من لاعبي كأس العالم؟ – Vox
  9. لماذا تُعَدُّ كرة قدم المنتخبات أكثر متعة من البريميرليغ؟ – The Ringer
  10. كيف نستطيع إصلاح كرة قدم المنتخبات؟ – The Independent
المصدر : الجزيرة

المزيد من يورو 2020
الأكثر قراءة