تأييد متأخر وتغريدة مائعة.. هل خيب صلاح توقعات العرب والفلسطينيين؟

WATFORD, ENGLAND - FEBRUARY 29: Mohamed Salah of Liverpool looks dejected during the Premier League match between Watford FC and Liverpool FC at Vicarage Road on February 29, 2020 in Watford, United Kingdom. (Photo by Julian Finney/Getty Images)

مبدئيا، نعتقد أن العنوان مربك للغاية. لقد اعتدنا أن نناقش عناويننا معك لأن العثور على عنوان مناسب يصبح صعبا في مثل هذه المواقف، وهذه هي المشكلة هنا، ما السؤال الذي نرغب في طرحه بالضبط؟

 

هل كان تأييد صلاح متأخرا؟ هل كان تأييدا أصلا؟ مَن العرب؟ هذا سؤال حقيقي، هل يمكن اعتبار العرب كيانا موحدا؟ ماذا توقعوا من صلاح؟ وهل خيب صلاح هذه التوقعات أم بالعكس، فعل ما كان متوقعا منه؟

 

يقول متخصصو فوربس (Forbes)، الدورية الاقتصادية الأشهر في العالم، إن دعاية شخصية مشهورة لعلامة تجارية ما، قادرة على زيادة قيمتها لحظيا بنسبة 4% في المتوسط. بالطبع هناك الكثير من الأسئلة حول ملابسات هذه الإحصائية، أي شخصية مشهورة بالضبط نتحدث عنها؟ وأي علامة تجارية؟ وكيف يمكن حساب التأثير في مثل هذه الأمور؟ (1)

 

لا بأس، نحن لا نحتاج لفوربس أو غيرها لنعلم أن المشاهير لديهم قدرة هائلة على التأثير. في الواقع، قد تكون المفارقة هنا أن الرأسمالية تكافئ الأكثر قدرة على التأثير في الجموع، لا الأكثر قدرة على إفادتهم. حتى لفظة "تأثير" قد لا تكون دقيقة، فمخترعو لقاح كوفيد-19 قد يكونون أكثر مَن أثّر في الجموع في آخر قرن من الزمان مثلا، ولكن لا أحد يهتم بأي نوع من الأحذية يرتدون، ولا شكل الوشم الجديد الذي رسمه أحدهم على ذراعه أو ساقه، لن يتقاضى أحدهم 200 ألف يورو كلما نشر إعلانا على إنستغرام، ولن ينتظر أحد رأيهم في انتفاضة الفلسطينيين الأخيرة.

 

نعم، الرأسمالية سيئة للغاية، ربما تكون أسوأ ما أنتجه البشر على الإطلاق. الفكرة ذاتها كابوسية، تحويل البشر إلى أرقام صماء تدل على قيمتهم هو ابتكار غير إنساني بالأساس، ولكنه في الوقت ذاته يعبر عن حقيقتنا في كثير من الأحيان، يطلق العنان لنزواتنا ورغباتنا، ويعكس الواقع الذي نصنع جزءا لا بأس به منه باختياراتنا. هؤلاء المشاهير الذين ننتظر دعمهم لم يصبحوا مشاهير لأن السلطة أرادت ذلك، أو لأن الرأسمالية فرضتهم علينا، بل لأننا قررنا ذلك.

 

لا تقلق، هذه ليست مقدمة لجولة أخرى من جولات جلد الذات، وليست محاولة للدفاع عن صلاح كذلك. في الواقع، القضية التي نحن بصدد مناقشتها هنا ليست قضية أصلا، لا يوجد مبرر لشاب مثل صلاح للتردد في دعم الفلسطينيين في موقف كهذا، قاعدة "أن تأتي متأخرا أفضل من ألا تأتي على الإطلاق" لا تنطبق هنا كذلك، حتى التأخر ليس مبررا لأن الحدث ليس بجديد ولا يحتاج إلى دراسة أو فحص من أي نوع، خاصة عندما يعقب هذا التأخير تغريدة مائعة صِيغت بعناية من أحد خبراء العلاقات العامة لكي لا تحمل أي إدانة ولا تثير غضب الرعاة الكبار، تغريدة طرحت مزيدا من الأسئلة بدلا من أن تجيب عن بعضها.

Soccer Football - Premier League - Manchester City v Everton - Etihad Stadium, Manchester, Britain - May 23, 2021 Manchester City's Riyad Mahrez with a Palestine flag as he celebrate after winning the Premier League Pool via REUTERS/Dave Thompson EDITORIAL USE ONLY. No use with unauthorized audio, video, data, fixture lists, club/league logos or 'live' services. Online in-match use limited to 75 images, no video emulation. No use in betting, games or single club /league/player publications. Please contact your account representative for further details. TPX IMAGES OF THE DAY
رياض محرز رافعا العلم الفلسطيني

في الواقع، لن تكون مفاجأة ضخمة إن كان أحد مسؤولي هؤلاء الرعاة الكبار قد أسهم في صياغتها بهذا الشكل. الموقف صعب كما ترى، خذلان الفلسطينيين وتجاهل الحدث يعني أن صلاح قد يفقد قدرا كبيرا من شعبيته في العالم العربي، وإدانة المحتل قد تدفع أذرعته للتنكيل بصلاح بالطرق المعهودة، تسريب هنا أو هناك قد يكون منبتّ الصلة عن الحدث ولكنه قادر على تحطيمه في الوقت ذاته. لذا، كان من الضروري الوصول لصيغة توازن بين هذا وذاك، ومن معرفتنا بصلاح فهو ليس أفضل من يقوم بهذا الدور.

 

سنعذرك إن كنت قد بدأت تشعر بالغثيان بعد الفقرة الماضية. لا شك أن إرث القضية الفلسطينية التاريخي والعاطفي لا يتناسب إطلاقا مع مشهد صلاح وهو محاط بمجموعة من المستشارين يساعدونه لإيجاد الصيغة المناسبة لتغريدة بائسة، هذه درجة لا إنسانية من البرود والبراغماتية. حرفيا، أي إنسان آلي قادر على الربط المنطقي وتحليل المعلومات الصماء كان سيخرج برد فعل أكثر إنسانية ووضوحا في موقف كهذا. نكرر، حرفيا.

 

نحن لا نتحدث عن معلومات القضية الفلسطينية ذاتها بالطبع، تلك لا تحتاج لإنسان آلي أصلا. المفارقة أننا نقصد التالي: لو كانت مشاعرنا وعواطفنا وإنسانيتنا قابلة للتحول إلى بيانات ومعلومات وإحصائيات، وكان هناك إنسان آلي قادر على تحليلها، لنصح صلاح بتقديم أكبر دعم ممكن للقضية طوال الوقت ودون تردد.

 

فكر في الأمر لدقائق من فضلك، أو دعنا نفكر معا بصوت عال، بقواعد الرأسمالية الحالية فإن صلاح قد يكون أكثر شخصية مؤثرة في تاريخ بلاده، لم يحدث أن حظي مصري آخر بهذا الكم من المتابعة والتقدير العالمي من قبل، لا قادة السياسة ولا الحرب ولا الاقتصاد ولا حتى مشاهير الطب والهندسة والعلوم والفنون. نعلم أنك ربما لم تدرك ذلك من قبل، ولكنه حقيقي. بحسابات القوة الناعمة، فإن صلاح قد يكون أقوى شخص مر على مصر في تاريخها.

LIVERPOOL, ENGLAND - MAY 23: Mohamed Salah of Liverpool during the Premier League match between Liverpool and Crystal Palace at Anfield on May 23, 2021 in Liverpool, England. (Photo by Gareth Copley/Getty Images)

دعنا نستمر في التفكير ونتجاهل ذلك. فلنفترض أن إنجازات صلاح في الملعب عبر السنوات الماضية لن تكفل له أي حماية من بطش أذرع الاحتلال، سواء كان ذلك البطش إعلاميا أو في صورة أخرى. لنفترض أن زياش وبوغبا والنني وحكيمي ومحرز وحتى مانيه لم يتسابقوا في دعم الفلسطينيين واكتفوا بالصمت، ولنفترض أن دعم القضية الفلسطينية بوضوح وحسم كان سينهي مسيرة صلاح في أوروبا لحظيا بضغطة زر، أسوأ ما كان سيحدث لصلاح وقتها هو أن يعود إلى بلده بصفته بطلا متوجا، ليلعب مع الأهلي أو الزمالك ويتقاضى ملايين الجنيهات شهريا بعد أن يكون قد منح الفلسطينيين أفضل دعاية ممكنة لقضيتهم، وفي أثناء ذلك، يكون قد تحول إلى بطل شعبي لا يشق له غبار.

 

هل هناك ظروف أفضل من هذه لتقديم أقصى دعم ممكن للفلسطينيين طوال العام وبلا شروط؟ في العادة، يكون الاختيار أكثر صعوبة وتطرفا من ذلك، ونضطر لطرح السؤال الأخلاقي التقليدي عن قيمة الأموال والشهرة والنجومية إن لم تكن ستكفل لصاحبها الحرية في التصريح برأيه في موقف إنساني كهذا، ولكن في الحقيقة، الموقف أبسط من هذا بكثير، صلاح إن خسر فلن يخسر الكثير، وليس بصدد اختيار صعب.

 

في الواقع، فمن ضمن كل من يهتمون بشأن الفلسطينيين وقضيتهم، فإن صلاح قد يكون أكثرهم تأثيرا، وأقلهم عرضة للضرر المتوقع في الوقت ذاته. ما يملكه صلاح الآن هو درجة من القوة والتأثير لم يملكها الفلسطينيون يوما خلال عقود من النضال، قوة أكبر من عشرات الجلسات في مجلس الأمن ومن بنود القانون الدولي ومن معاهدة أوسلو، قوة لا نعتقد أن صلاح نفسه يدرك حجمها.

 

Soccer Football - Premier League - Manchester United v Liverpool - Old Trafford, Manchester, Britain - May 13, 2021 Liverpool's Mohamed Salah looks dejected after Nathaniel Phillips scores an own goal and Manchester Uniteds first Pool via REUTERS/Michael Regan EDITORIAL USE ONLY. No use with unauthorized audio, video, data, fixture lists, club/league logos or 'live' services. Online in-match use limited to 75 images, no video emulation. No use in betting, games or single club /league/player publications. Please contact your account representative for further details.

منذ ثلاثة أعوام طرحت ناتالي برولكس، مدرّسة الفنون واللغة، سؤالا مهما عبر نيويورك تايمز: هل يجب على المشاهير أن يدلوا برأيهم في الشؤون السياسية؟ (2)

 

دعك من أن الشأن الفلسطيني ليس سياسيا ولا علاقة له بالسياسة من قريب أو بعيد، ولكن سؤال برولكس كان محملا بأفكار مهمة يمكن تطبيقها على أي قضية عامة، وأهمها على الإطلاق هو التساؤل المنطقي حول إذا كان "مشاهير" هذا العالم قادرين على إدراك أبعاد هذه القضايا أصلا، وما إذا كان تدخلهم -بالتبعية- مفيدا أو مضرا.

 

جاسمين تيلور، محررة "The Standard"، تطرح السؤال ذاته بصيغة مختلفة. في أكتوبر/تشرين الأول 2019 تلقت المغنية الأمريكية ديمي لوفاتو دعوة مدفوعة التكاليف لزيارة إسرائيل، وطبقا لمجلة رولينغ ستون الأمريكية، كانت لوفاتو قد تلقت 150 ألف دولار من وزارة شؤون القدس الإسرائيلية لنشر محتوى متعلق بزيارتها على وسائل التواصل الاجتماعي، ولكي يتم تعميدها في نهر الأردن.

 

بعد الزيارة، تلقت لوفاتو الكثير من الانتقادات من داعمي الحق الفلسطيني بسبب الدعاية التي منحتها لدولة الاحتلال، ما دفعها لنشر اعتذار علني عن الزيارة زعمت فيه أنها لم تكن تدرك أبعاد الأمر وحيثياته. هذا هو عكس ما فعلته نيكي ميناج بالضبط عندما دُعيت لمهرجان جدة الترفيهي بالمملكة السعودية، فبعد موافقتها المبدئية نشرت على إنستغرام لتخبر الجميع أنها جمعت معلوماتها عن البلد التي تلقت دعوتها، واكتشفت أن النساء يتعرضن لقمع غير مسبوق هناك، ومن ثم قررت إلغاء الزيارة تضامنا معهن. (3)

هذا هو ما تسأل عنه برولكس وتيلور، إذا نظرنا لطريقة تحول هؤلاء المشاهير إلى مشاهير فهي عملية لا تضمن أن يكون لأي منهم وعي أو ثقافة بقضايا كتلك، نيكي ميناج هي الاستثناء هنا لا القاعدة، الأغلبية من المشاهير لا يعتقدون أنهم مدينون للجماهير أو المجتمع بأي شيء، ولا يظنون أنهم مطالبون بالتحقق من جودة منتج ما قبل الدعاية له، أو في حالة لوفاتو، التحقق من مدى إجرام دولة قبل الدعاية لها.

 

بالطبع يبدو السؤال المنطقي هنا هو: ما علاقة كل ذلك بصلاح وبالقضية الفلسطينية؟ للوهلة الأولى لا يبدو أن هناك أي علاقة فعلا. لوفاتو كانت جاهلة تماما بحيثيات القضية، أو هكذا تزعم، ولكن السؤال الذي طرحته كل من برولكس وتيلور لم يكن فقط عن مدى وعي المشاهير بقضايا مجتمعاتهم، ولكن -بالأحرى- عن قدرتهم على تحمل مسؤولية قوتهم وتأثيرهم. (4)

 

صلاح على عكس لوفاتو، كان يدرك حيثيات القضية بالطبع، ولكن هل كان يدرك أن تغريدة واحدة منه كانت أقدر على التأثير في العالم من هدم البيوت والقصف الإجرامي للعزل؟ دعك من صلاح، هل يمكن لأي إنسان أن يتخيل أن هناك ما هو أكثر تأثيرا من جثة طفل رضيع متفحمة؟ هل أتى البشر منذ وضعهم الله على هذه الأرض بقصة أبشع من تلك؟

 

مع الأسف الشديد المخزي، نعم. التجربة المريرة أثبتت أن تغريدة واحدة من صلاح أو شخص بالحجم نفسه ستكون أكثر تأثيرا في العالم وأقدر على دعم الحقوق المهدرة. هذه قصة مروعة تخلع القلوب، ولكنها حقيقية تماما، ولو كان صلاح يدرك ذلك فهو عاره، ولو لم يكن يدركه فهو عاره وعارنا لأننا توقعنا العكس.

——————————————————————————————————

المصادر

  1. يجب على المشاهير أن يكونوا صوتًا للقضايا الإجتماعية – The Standard
  2. هل يجب على المشاهير أن يدلوا بآرائهم في السياسة؟ – New York Times
  3. ديمي لوفاتو تعتذر عن زيارتها لإسرائيل – Instyle
  4. هل مساندة المشاهير مؤثرة في قرار الجماهير؟ – PsyPost
المصدر : الجزيرة