مدير الإعارات.. كيف وجد "اللمبي" طريقه لأندية كرة القدم؟!

في تسعينيات القرن العشرين، أحدث جوزيه مورينيو ثورة في عالم التدريب، على الرغم من أنه كان مجرد مساعد للسير بوبي روبسون في برشلونة، والسبب في ذلك أنه كان أول مَن اهتم بدراسة وتحليل طريقة لعب الخصم قبل مواجهته من أجل تحضير الخطة المضادة. نعم، كان ذلك يُمثِّل ثورة وقتها، لا تضحك أرجوك. (1)

ومع مرور السنوات، أصبح تحليل أداء الفريق وخصومه مسؤولية فريق كامل من محللي الأداء، وأُنشئت شركات خاصة تتعاقد معها الأندية لتأخذ منها البيانات التفصيلية التي لم يصبح محللو الأندية مطالبين بالبحث عنها، بل باتت تصل لهم منقحة وجاهزة، وكل ذلك يصل إلى مكتب المدير الفني ليضع فقط اللمسات النهائية عليه، ويتخذ القرارات بناء على ما تم تحليله على مدار أيام.

قبل نحو 30 عاما كان منصب محلل الأداء خياليا، وربما لو اقترحته على أحد المدربين لاعتبر أنك لا تحترمه وتنتقص من قدراته، لكن اليوم لا يكاد يخلو أي نادٍ من فريق كامل لتحليل الأداء، وبمد الخط على استقامته، هناك منصب آخر حديث العهد بكرة القدم، ألا وهو منصب مدير الإعارات، ويبدو أنه لن يحتاج إلى سنوات كثيرة حتى يصبح من أساسيات الطاقم التدريبي لأي نادٍ.

يقول كلاوديو كيليني مَن يشغل منصب مدير الإعارات للسيدة العجوز إنه يعتبر هذا الدور مزيجا بين وظيفة مدير رياضي وكشاف مواهب ووكيل لاعبين

ربما يُسبِّب وقوع لفظ مدير الإعارات على مسامعك بعض الحيرة، ولكن لا بأس، كل شيء في كرة القدم يبدأ كذلك قبل أن يتحوَّل إلى مألوف، وبالطبع قد لمست ذلك كثيرا في كل حديث يجمعك بوالدك حول أسعار اللاعبين، إذ يقص عليك دائما قصة ذلك اللاعب الذي انتقل من نادٍ إلى آخر مقابل زجاجتَيْ مياه غازية ونصف دجاجة في كل مرة يتفاجأ فيها بمئات الملايين التي باتت تُدفع من أجل لاعبي الكرة، تماما كما ستفعل أنت مع نجلك مستقبلا حين يعمل مديرا للإعارات بأحد الأندية، فتبدأ في الحديث معه حول عدم وجود مثل هذه الأشياء قديما.

وبما أننا هنا للإجابة عن سؤال مَن يكون صاحب ذلك المنصب الحديث بعالم كرة القدم؟ فإن الأمر باختصار يمكن تعريفه بأنه شخص يتولَّى مهمة متابعة اللاعبين المُعارين إلى الخارج في أيٍّ من الأندية، سواء بالبحث عن الأندية المناسبة لهم والظروف الأمثل وتهيئة الأجواء قبل أن يذهبوا، ومراقبتهم والتواصل معهم ومع مدربيهم بعد إعارتهم، تذكَّر أن تلك الإجابة هي اختصار شديد وتعريف موجز، ولكننا نمتلك الكثير من التفاصيل التي تجعل دوره أكثر تعقيدا مما يمكنك تصوُّره.

وفي هذا السياق، فإن كلاوديو كيليني -الشقيق التوأم لمدافع يوفنتوس جورجيو- مَن يشغل منصب مدير الإعارات للسيدة العجوز، قال لصحيفة "ذا أثلتيك" (The Athletic) إنه يعتبر هذا الدور مزيجا بين وظيفة مدير رياضي وكشاف مواهب ووكيل لاعبين، أول دورين لأنه يحتاج إلى تحديد المواهب وأفضل مكان لتطوُّرهم، وجانب الوكيل لأن هناك مفاوضات وشروط وأشياء تخص العقود والرعاية وما إلى ذلك. (2)

يشرح دين هاموند صاحب المنصب ذاته سابقا مع ليستر سيتي كيف يؤدي أدوارا مركبة، حيث إنه اعتاد الوجود في ملعب التدريبات يومين أو ثلاثة أيام في الأسبوع لمشاهدة فريق تحت 23 سنة والتعرُّف على اللاعبين الشباب الذين مَن الممكن أن يخرجوا على سبيل الإعارة، إضافة إلى ذلك يقضي بقية وقته في مشاهدة المباريات ويذهب لرؤية اللاعبين المُعارين بالفعل إلى أندية أخرى ومتابعة ما يقومون به والتواصل مع مدربيهم وأنديتهم، باختصار يُقسِّم مدير الإعارات وقته بين اللاعبين وطواقم وملاعب التدريب المختلفة، وبين الاجتماعات والغرف المغلقة لمناقشة خطط المستقبل.

دين هاموند

يحكي هاموند في السياق نفسه أنه عندما كان صغيرا وخرج على سبيل الإعارة من برايتون إلى ألدرشوت وليتون أورينت، لم يكن لديه سوى اتصال ضئيل للغاية مع ناديه الأصلي، حيث كان الجهاز الفني مشغولا ومُركِّزا اهتمامه بالدرجة الأولى على الفريق الأول، نتيجة لذلك، قد ينتهي الأمر ببعض اللاعبين الذين يخرجون على سبيل الإعارة إلى الشعور بالوحدة والعزلة. وأيضا الحيرة والدخول في دوامة من التساؤلات؛ هل أرسلوني مُعارا لأنهم يريدونني أن أكون جزءا من المستقبل؟ أم أن النادي يرسلني لأنني لست جزءا من خططه؟ (3)

هذه التساؤلات وحالة الوحدة تنتهي بمجرد أن يكون لدى هؤلاء مدير إعارات، يشاهد مبارياتهم ويراقب تدريباتهم، ويتحدث إلى المدير الفني للنادي الذي يلعبون له على سبيل الإعارة، ويتحدث إلى مدير النادي الذي استُعيروا منه، إنه ذلك الرجل الذي يُمثِّل الوسيط بالنسبة للاعبين وأي شخص آخر تقريبا.

السؤال الآن؛ ما الذي يُحدِّد على أساسه مدير الإعارات إن كان هذا النادي مناسبا لإعارة هذا اللاعب أو لا؟ في هذا الصدد يكمل دايموند أن هناك مراحل تسبق الموافقة على عروض الإعارة، أولاها مراقبة مباريات الأندية المهتمة بلاعبي فريقه، من أجل التعرُّف على الأسلوب والخطة وطريقة عمل المدرب، ومن خلال ذلك استنتاج هل ستكون تلك الخطوة مناسبة لهذا اللاعب أم لا. نظرا لأن بعض اللاعبين قد لا يتناسبون مع مدربين مُعينين، فإن عليك أن تتحدث إلى أي شخص يمكنك التواصل معه في ذلك النادي لمعرفة كيف تدور الأمور، وماهية الأجواء، وكيف يعمل اللاعبون. كل هذا يساعدك على معرفة ما إذا كان اللاعب سيستقر في تلك البيئة ويتطور فيها أم سيعود كما ذهب. (4)

وماذا بعد ذلك؟ إذا استقر النادي على الخطوة وتأكد من ملاءمة الأجواء وانتقل لاعبه بالفعل مُعارا إلى أحد الأندية، هنا تبدأ مرحلة جديدة لصاحب المنصب الشاق، حيث يبدأ هنا في التواصل مع النادي الجديد ومدربه والاطمئنان على الأجواء في غرف الملابس هناك وعدم وجود أي توترات بين لاعبه المُعار وبين بقية اللاعبين، أما مع اللاعب نفسه فيبدأ في أخذ دور المدرب الشخصي أو محلل الأداء، من خلال توجيه بعض النصائح والإرشادات بالتنسيق مع المدير الفني لفريقه الجديد. (5)

بعض الأندية أيضا باتت تضع قائمة بالأشياء التي يجب أن يكتسبها اللاعب خلال فترة الإعارة، ويُبحَث من خلال تلك الأشياء عن النادي المناسب لتزويد اللاعب بها، اعتمادا على الثورة الإحصائية في كرة القدم والقدرة على توفير الأرقام والإحصائيات الخاصة بأي دوري وأي مرحلة سنية بمجرد التعاقد مع إحدى شركات تحليل الأداء، ستدور الدائرة وتعود دائما للتحليل الإحصائي في كل ما يخص كرة القدم اليوم.

وماذا عن حياتهم الشخصية؟ تلك نقطة أخرى، حيث إن الانتقال على سبيل الإعارة، خاصة إن كان من بلد إلى آخر، يعني عاما أو 6 أشهر من الحياة في مكان آخر، وهنا يعمل مدير الإعارات على معرفة إجابة بعض الأسئلة، فهل مثلا يقيم اللاعب في فندق أم في شقة؟ هل يرى عائلته بشكل كافٍ؟ هل يجلس في غرفة بمفرده أم لديه شريك؟ هل لديه زوجة وأولاد؟ هذه أشياء بسيطة يجب أن تكون مؤمَّنة لأي لاعب خارج الملعب حتى تكون لديه فرصة للتركيز داخله. (6)

وبعد المباريات، يقوم مدير الإعارات في كل أسبوع بدور محلل الأداء مرة أخرى، حيث يشاهد المباراة، ثم يشاهدها من جديد، ثم يحلل المواقف فرديا ويرسل تلك المقاطع إلى اللاعب مرفقة بتقرير يستطيع النادي الاطلاع عليه، ولا بأس من مكالمة هاتفية بها بعض النصائح. ربما تضحك الآن وتكمل بأنه بعد ذلك يُشرِف على عشائهم واستحمامهم ونومهم في أَسرّتهم، على قول الفنان المصري محمد سعد في فيلم "اللي بالي بالك"، ولكننا سنخبرك أنه صحيح لا يقوم بذلك مباشرة، ولكن له دور به أيضا، المهم أنها ليست نكتة. (7)

" ليس باري" مدير الإعارات في مانشستر يونايتد

في هذا الإطار، عليك أن تضع في اعتبارك أولا أن الإعارات -في الظروف الطبيعية- تتم من أندية كبرى لأندية أصغر، وبالتالي فإن اللاعب يجد نفسه قد انتقل فجأة من مستوى رفاهية إلى ما هو أقل، أو حتى مستوى رفاهية شبه منعدم في بعض الأحيان، ويحدث ذلك في سن صغيرة، ومع مسيرة يتحسَّس خُطاها الأولى، وبناء عليه، فإن نمطا أكثر صعوبة من الحياة يتشكَّل منذ استيقاظ اللاعب وحتى خلوده للنوم، في كل تفصيلة هامشية من حياته وليس فقط ما يتعلق بكرة القدم.

وهنا يأتي مدير الإعارات في مانشستر يونايتد ليس باري ليتحدث عن خطوة ما قبل إعارة إيدان بارلو إلى نادي ترومسو النرويجي، حيث جلس باري قبل إتمام الصفقة رفقة الطبيب النفسي لمعرفة كيف ستكون الآثار الناتجة عن هذا الانتقال إلى نادٍ صغير في بلدة بعيدة وأجواء مختلفة تماما، ضع اللاعب في خانة الإنسان أولا وحاوِل أن تتخيل ماذا يمكن أن يفعل تغيير نمط الحياة بين ليلة وضحاها. (8)

وفي حديث لـ "ذا أثلتيك"، قال مدير الإعارات بنادي وولفرهامبتون سيي أولوفينجانا إن النادي اعتاد أن يتابع العوامل الحياتية المؤثرة على حياة لاعبه المُعار، حيث من الممكن أن يكون لا يعرف كيف يطهو ولا يجد في ناديه المُعار له مَن يقوم بهذه الأمور، يعيش وحده بعدما اعتاد العيش مع أسرته، لا يستطيع التعامل مع وسائل الإعلام، كل هذه العوامل لا يمكن التغاضي عنها ثم التساؤل لماذا لم تنجح فترة الإعارة ولم يُقدِّم فيها اللاعب كل ما لديه. (9)

أولوفينجانا أكَّد أن هناك نظاما غذائيا يُعَدُّ للاعبي الأكاديمية ولا يُنتظر حتى يصعدوا للفريق الأول، فعلى سبيل المثال يذكر أن الفريق قد أرسل لاعبا مسلما للإعارة منذ عامين، وعليه يجب أن يكون طعامه كله حلالا، هذه التفاصيل يُحضَّر لها جيدا بالتعامل مع اللاعبين المُعارين حتى يوضعوا في بيئة مريحة وبلا معوقات تسمح لهم بالاستفادة والتطوُّر وتحقيق المردود المنتظر من فترة الإعارة.

اللاعب الإنجليزي "جاك بارمبي"

يوضِّح اللاعب الإنجليزي الشاب جاك بارمبي أنه نشأ في أكاديمية مانشستر يونايتد، الأمر الذي كان رائعا بالنسبة له، ولكن ما فتح عينيه على شكل آخر من كرة القدم كان انتقاله على سبيل الإعارة إلى هارتلبول في عام 2014، وبوصوله إلى هارتبول فوجئ أنه مُطالَب بغسل ملابسه بنفسه، حيث لا يوجد موظفون مختصون بذلك كما هو الحال في مانشستر يونايتد، الأمر أشبه بقصة سينمائية يضطر فيها أحد الأثرياء للعيش بمنزل أحد الفقراء ويتفاجأ بما بات مُطالَبا بفعله لنفسه من أشياء اعتاد أن تأتيه دون أن يُلقي لها بالا. (10)

في هارتلبول أنت مضطر لتناول الطعام الذي تحصل عليه في ملعب التدريب، الذي لم يكن جيدا، أما في مانشستر يونايتد فليس عليك أن تُحرِّك ساكنا، لديهم الكثير من الموظفين والمسؤولين عن كل صغيرة وكبيرة، إنهم يطعمونك بالطريقة الصحيحة، ويدربونك بالطريقة الأمثل، ويشرفون على يومك بالكامل، على الجانب الآخر، في هارتلبول ستجد الجو قارس البرودة، وستتدرَّب على أسوأ الملاعب، بالأحرى ستنتقل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

بارمبي رأى في ذلك جانبا مضيئا، حيث إن الحياة في شقة النادي في هارتلبول لم تكن الأمثل، لكنها تجربة ممتعة لكونك تصنع كل شيء لنفسك، تُحضِّر لنفسك المعكرونة والوجبات الصحية وتغسل ملابسك، وفي المقابل، كان الكثير من اللاعبين الآخرين يأتون من أندية كبيرة ولا يمكنهم طهي الفاصوليا على الخبز المحمص ولا يستطيعون تنظيف ملابسهم، دروس الطبخ فكرة جيدة حقا، وهو جزء مما يؤهل به مانشستر يونايتد لاعبيه، أما مَن لا يهتم، فمن الممكن أن تفسد إعارته فقط لأنه لا يستطيع تحضير وجبة عشاء.

في نهاية الأمر، ستجد نفسك تتحدث عن مدير فني تارة، وعن وكيل أعمال تارة أخرى، سيُشعرك منصبه أنه محلل أداء أحيانا، وربة منزل في أحيان أخرى، ربما تستنتج أنه كشاف مواهب أو عضو إداري، ستجده شيئا من كل شيء، ولكن الأهم أنه بالنظر إلى حجم الاستثمارات في الأكاديميات مؤخرا وما تُنتجه من مواهب تحتاج إلى الإعارة من أجل خوض التجربة الأولى، يظهر هنا أن الأمر لم يعد رفاهية، بل أصبحت هناك ضرورة لزيادة عدد أفراد الطاقم المسؤول عن الإعارات مع مزيد من التخصص، وإذا شعرت أننا نبالغ قليلا، فتذكَّر أن مسيرة بعضهم تعطَّلت حين خرج من ناديه مُعارا فقط لأنه لم يكن يُجيد طهي الفاصوليا.

_______________________________________________________

المصادر: 

  1. كيف تحوَّل مورينيو من مترجم إلى السبيشيال وان؟ – فور فور تو 
  2. خطط النظام الغذائي ودروس الطبخ – صعود مديري الإعارات في كرة القدم – ذا أثلتيك
  3. شرح دور مدير الإعارات: دين هاموند يتحدث عن سبب أهميته – سكاي سبورتس 
  4. المصدر السابق
  5. المصدر السابق
  6. المصدر السابق
  7. آلان باتولو: مديرو الإعارات هم أحدث صيحات كرة القدم
  8. خطط النظام الغذائي ودروس الطبخ – صعود مديري الإعارات في كرة القدم – ذا أثلتيك
  9. المصدر السابق
  10. المصدر السابق
المصدر : الجزيرة