بيدري غونزاليس.. الموهبة الشابة التي تمنحنا دروسًا في الحياة

يحكي الأديب النمساوي ستيفان زفايغ عن دعوة أوغوست رودان له في الأستديو الخاص به لاستعراض أحدث أعماله، ورودان هو نحات وفنان تشكيلي فرنسي الجنسية يعد أحد رواد فن النحت خلال القرن التاسع عشر. أثناء العرض، اكتشف رودان تفصيلة في التمثال أزعجته، ومع حرصه على معالجتها، انهمك تماما في التصحيح للدرجة التي أنسته ضيفه وجعلته مستغرقا بعُمق في محاولة علاج الخلل، هذا التركيز المطلق شبه المنوِّم على العمل هو الملكة الأفضل في أي مجال، خاصة إذا كان عملا فنيا.

حسنا، يعطي بيدري شعورا مماثلا بأنه يلعب بعمق شديد، مستغرقا في اللعب، منعزلا تماما، كل ما يحدث حوله لا يؤثر عليه، محصن من الضغط الذي يشعر به الوافد الجديد، لا يدرك تماما ماذا يعني اللعب بجانب ميسي، تلك الهيبة التي هزت عدة نجوم قبله، غير مكترث بالنظرة الفاحصة للجماهير ووسائل الإعلام، وعلى الرغم من شخصيته الانطوائية الخجولة فإنه ينسى ذلك في الملعب ويتحول إلى وغد بوجه صارم وملامح جادة، ربما لأن كرة القدم بالنسبة إليه ليست مزحة على الإطلاق.

هكذا استغرق اللاعب الأرجنتيني السابق والمحلل الرياضي الحالي خورخي فالدانو في وصف بيدري، الشاب الذي تحولت حياته تماما في أقل من عام من مقارعة الصناديد في السيغوندا إلى اللعب أساسيا بجوار ميسي في برشلونة، مرورا بالاستدعاء لمنتخب شباب إسبانيا، ثم المنتخب الأول، ومن ثم إمكانية المشاركة في بطولة الأمم الأوروبية والأولمبياد وكأس العالم خلال عام من الآن، كل تلك المنحنيات وبيدري لا يركز إلا على ما يمكن أن يقدمه في المباراة القادمة، ما يدفعنا لمحاولة معرفة المزيد عن شخصيته.

إذا ما اتخذنا كرويف مرجعية فإنه يمكننا بسهولة وصف بيدري بالموهبة الفذة. يُعرّف الهولندي الموهبة باختصار شديد على أنها "اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب مع التنفيذ الأدق". حسنا، بيدري موهوب، ليس ذلك فحسب، بل هو اللاعب الذي يجعل غيره أفضل، وتباعا، يجعل الفريق ككل أفضل. كرة بيدري هي كرة اللمسة واللمستين، كرة الوقت والمساحة، كرة الحدس والشعور، ليست كرة المركز والقالب الخططي والهيكل التكتيكي. بيدري متعالٍ على كل ذلك بسبب إجادته لكل شيء، هو يعلم كل شيء مسبقا، لا يحتاج إلى تعليمات ولا صرخات من خارج الخط، فقط أعطه القميص وأفسح له طريقا للملعب، كن عمليا معه، لأنه عملي إلى درجة أنه يرتدي حذاء بلا رباط ولا يرفع الجورب إلى الركبة.

يُسهب فالدانو في مدح بيدري مشيرا إلى أنه لا يمكن تعريفه بشكل دقيق لأنه متسع، هو أكثر من لاعب في وقتٍ واحد، كيف نصف ذلك؟ هو يبرز في أي سياق، في أي خطة، في أي مركز بمنتهى التدفق والتلقائية، وكأنه وُجد في ذلك مسبقا، بحسب فهمه للعبة، فهو لا يهتم إذا كانت الكرة آتية من الأمام أو الخلف لأنه بلمسة واحدة يستطيع الدوران وحل النزاع، لا يهتم إذا كانت المباراة في بدايتها أو نهايتها لأنه لا يتعب، كرة القدم التي يلعبها أشبه بالحوار، قدرته على التعاون تجعله غير مهتم إذا كان في لاس بالماس أم برشلونة، لأنه عندما يبحث عن شركاء للتواصل بالكرة لا يفرق بين أولئك الذين يسافرون بسيارة أجرة أو يسافرون بطائرة خاصة. (1)

يمكنه خلق الفوضى في منطقة الخصم بمراوغة كهربائية أو تمريرة رائعة، وفي المشهد التالي يمكنه تحريكنا من مقاعدنا بعد ارتطامه بالقائم بشكل مؤلم لإنقاذ هدف، وبين المنطقتين يوجد ملعب كرة قدم يحكمه بيدري من البداية إلى النهاية بفضول المستكشف وثقة الطفل وسلطة اللاعب العظيم. للقيام بكل ذلك بشكل طبيعي وتلقائي، يجب أن تكون لاعب كرة قدم من الرأس إلى أخمص القدمين.

كانت مباراة دينامو كييف وبرشلونة في أوكرانيا هي المباراة التي ربما أعادت قصة موتسارت وسالييري إلى الأذهان، تلك القصة التاريخية التي طرحها فيلم "أماديوس (Amadeus)". في هذه المباراة لعب كوتينيو وبيدري منذ البداية في مركزيهما، وربما كان أسوأ ما في موسم كوتينيو هو تلك المباراة، لأنه بوجود بيدري في الملعب كان يمكن رؤية التضاد بسهولة: أحدهما يجيد إجادة تامة بمنتهى التلقائية والتدفق، والآخر يعاني لمجاراة النسق وخدمة السياق بدون الإخلال به، تماما كما رأينا في "أماديوس"، إذ كان موتسارت موهوبا تلقائيا وفذا بدون أي جهد، بينما كان كل همّ سالييري هو محاولة تفسير ذلك بالرغم من كونه من كبار الموسيقيين في عصره. متى وكيف وأين تعلم موتسارت ذلك؟ كانت تلك تساؤلات سالييري، وهي تنطبق أيضا على بيدري، هو ببساطة أصغر من أن يتعلم كل ذلك، كما أنه يلعب بأصالة تامة. (2)

ولد بيدري في نوفمبر 2002 -بعد أسابيع قليلة من ظهور إنييستا لأول مرة مع برشلونة- في تيغيستي، وهي بلدة صغيرة في شمال غرب تينيريفي أكبر جزر الكناري، بدأ ممارسة الكرة في براعم نادي تيغيستي، وما إن وطئت قدماه المستطيل الأخضر حتى جذب انتباه الجميع، بمن في ذلك آباء الأطفال الآخرين من الفرق المنافسة، لدرجة أن البعض كان يأتي -فقط- لمشاهدة بيدري كما يسرد روبين ديلغادو مدربه حينها. (3)

"كان أكثر ما يلفت الانتباه في بيدري ليست مراوغاته أو طريقة إنهائه كما هو شائع في من هم في مثل عمره، ولكن اللافت كان نضجه وطريقة فهمه للعبة وقدرته على اتخاذ القرار الصحيح في كل موقف بمنتهى السرعة بدون تفكير، أنت لا ترى ذلك كثيرا من طفل في التاسعة أو العاشرة من عمره. في إحدى المباريات سجل هدفا خارقا بعدما راوغ كل لاعبي الخصم بطريقة معقدة جعلت كل من في الملعب يحيونه، بعد المباراة سألته: بيدري، كيف فعلت ذلك؟ قال لي: لا أدري، لقد جاء ذلك بشكل طبيعي. قلت له: لا بيدري، لا، ذلك ليس طبيعيا".

روبين ديلغادو (4)

بعد عدة سنوات في تيغيستي أرادت عائلة بيدري أن تضعه في تحدٍ أكبر، وهنا ذهبوا به إلى ناد أكبر وهو لاغونا. لعب بيدري في فريق شباب لاغونا (تحت 18 عاما) بينما كان عمره 14 عاما، وبعد أول مباراة له مع الفريق طلبه مدرب الفريق الأول وقام بتصعيده للمشاركة معه، ورغم قلق والده من أن تُكسر قدماه النحيفتان في تلك المواجهات الصعبة، فإنه سرعان ما أثبت قدرته وأبلى بلاء حسنا. ومع استمرار مشاركاته مع لاغونا بدأت العروض تصل من أندية السيغوندا (دوري الدرجة الثانية الإسباني)، وكان لاس بالماس هو أكثرهم هوسا ببيدري، ومع أن فكرة الانتقال لجزيرة أخرى لم تكن مطمئنة لعائلة بيدري، فإن مانويل رودريغيز، مدير أكاديمية لاس بالماس، أقنعهم بعدما قدم لهم الضمانات كافة بشأن دراسته ومسكنه وأين سيلعب وكيف سيساعده النادي على التقدم في مسيرته.

ربما يبدو ذلك مملا، ولكنه حدث بالفعل، لم يمكث بيدري أكثر من موسم واحد في شباب لاس بالماس قبل تصعيده للفريق الأول بواسطة توني أوتيرو، المدير التقني الأسبق للفريق الأول بلاس بالماس، الذي قال عنه: "كان عمره 15 عاما عندما رأيته لأول مرة، لم نكن نصدق ما نراه، بأي منطق يكون ذلك مستوى لاعب في الخامسة عشرة من عمره، كنا خائفين لأنه كان صغيرا جدا، لكن ما إن رأينا مردوده مع الفريق الأول حتى أدركنا أنه استثنائي".

بدأت العروض تنهال على بيدري في تلك الأثناء من أندية الدوري الإسباني وحتى من خارج إسبانيا، لحسن حظ برشلونة أن أوتيرو كان قد عمل كشافا للمواهب لهم لمدة عامين وتربطه علاقة شخصية بمدير الأكاديمية هناك السيد خوسيه ماريا باكيرو. "سيد باكيرو، أمامي لاعب نموذج بارسا بنسبة 1000%، أنصحك بأن تأتي وتوقع معه، لأن التوقيع معه الآن سيكون أسهل بكثير من التوقيع معه بعد عام"، كان ذلك مضمون المكالمة التي أتت بخوسيه باكيرو إلى لاس بالماس، وبعد 10 دقائق من مشاهدة بيدري اتفق باكيرو مع الجميع في لاس بالماس على أن بيدري أصبح لاعبا للبارسا قبل أن يوقَّع العقد رسميا بقيمة 5 ملايين يورو في سبتمبر عام 2019، أي قبل أن يلعب بيدري مباراته الرسمية الرابعة مع لاس بالماس، وبموجب العقد الجديد أكمل بيدري موسمه مع لاس بالماس على سبيل الإعارة، على أن ينضم بعد نهاية الموسم إلى البلوغرانا. (5)

بيدري غونزاليس

عند وصول رونالد كومان إلى الإدارة الفنية لبرشلونة صرّح ابتداء بأن بيدري أصغر من أن يُعَدّ لاعبا في الفريق الأول لذا ستتم إعارته، وبلغة المنطق، كان كومان منطقيا جدا، أيُّ طفل ذلك الذي سيتحمل ضغوطات موسم عصيب كهذا ويكون قادرا على منافسة من هم في مركزه؟! بل وما احتمالية أن ينجح وافد جديد بعمر الـ17 في برشلونة؟! وما احتمالية أن ينجح لاعب من الأساس بعمر بيدري في بارسا بغض النظر عن كل معطيات الفترة وأزمات النادي الإدارية والهيكلية والرياضية؟

كان كومان عمليا ولا يريد تضييع وقته في ذلك النوع من المشكلات، لأنه بطبيعة الحال لديه ما هو أعقد، لكن لحسن الحظ سُمِح لبيدري بحضور الفترة التحضيرية مع الفريق، وهنا توقع أوتيرو أن يصاب كومان بنفس الذي أُصيب به مسؤولو لاس بالماس عندما رأوه لأول مرة، وهو ما حدث تقريبا، لم يبق بيدري في النادي وحسب، بل أصبح أحد الأعمدة الأساسية في بارسا منذ بداية الموسم، وهو ما أثار دهشة ديلغادو الذي كان متيقنا من أن بيدري سيُثبت نفسه في البارسا ولكن ليس بهذه السرعة، لكن على الرغم من دهشته فإنه بطبيعة الحال كان الأكثر سعادة بما يقدمه صغيره الخجول.

لعب بيدري 45 مباراة مع كومان من أصل 46 مباراة في كل البطولات، بواقع 3.085 دقيقة، أي إنه أكثر لاعب شاب حصل على دقائق لعب في الدوريات الخمس الكبرى، ما يعبر عن أهميته القصوى لفريق برشلونة الحالي. وعلى الرغم من عدم تصدره لأي قائمة إحصائية رنانة، ومساهمته بشكل مباشر في 9 أهداف فقط طوال الموسم ما بين تسجيل وصناعة، فإن بيدري -تقريبا- يتصدر قوائم كل ما دون ذلك، وهو ما أوضحته منصة "The Analyst" في تقرير نُشِر في الأول من أبريل/نيسان الجاري.

وحسب ما جاء في التقرير فإن بيدري يتصدر قائمة لاعبي وسط الليجا المشاركين في أي نوبة استحواذ تنتهى بتسديدة، بمعدل 6.2 مشاركة لكل مباراة. ولمعرفة مدى أهمية مشاركة اللاعب في هذه العملية حساب معدل الأهداف المتوقعة لكل التسديدات التي أنتجتها فترات الاستحواذ، وهنا جاء بيدري ثالثا بمساهمته بمعدل 0.8 هدف متوقع بعد كلّ من فيديريكو فالفيردي وفرينكي دي يونغ، وهو ما يعبر عن دوره في تسهيل هجمات برشلونة وقدرته على العمل كقناة للعب، عوضا عن المشاركة المباشرة في عمليات الإنهاء. (6)

يكمن جمال أداء بيدري في مشاركته الفاعلة في مراحل لعب مختلفة، أثناء بناء اللعب يظهر مُستلِما مباشرا للكرة، يمتلك ما يكفي من الذكاء للعب تحت الضغط والحفاظ على استمرارية التنشيط الهجومي، إذ يأتي بيدري ثانيا بين لاعبي وسط الليغا في المشاركة في عمليات بناء اللعب بمعدل 3.8 مشاركة في المباراة الواحدة، لا يعلوه في ذلك إلا زميله المخضرم سيرخيو بوسكيتس الذي يلعب في مواقع متأخرة من الملعب بطبيعة الحال.

يُكمل فالدانو وصفه لبيدري بأنه "شريك الجميع" لدرجة أنه عندما يخطو إلى منطقة جزاء الخصم ينسى أن هناك مرمى ويستمر في توزيع التمريرات، وهو ما لا تعبّر عنه أرقام صناعته للأهداف (3)، لكن عبرت عنه إحصائية صناعة الفرص، إذ يُعد بيدري ثاني أكثر لاعبي الدوري الإسباني صناعة للفرص (12) بعد لوكا مودريتش، أي إنه صنع من الفرص 4 أضعاف ما سجّله رفاقه، علاوة على إسهاماته العريضة في التمريرة التي تسبق التمريرة الحاسمة (Pre-assists)، حيث يأتي ثانيا بعد ليونيل ميسي بمعدل 26 تمريرة بوصفه أكثر المساهمين في هذا النوع من التمريرات في المسابقة لهذا الموسم، ما يثبت فعليا أنه شريك الجميع كما وصفه فالدانو، إذ تتنوع مساهماته في كل مراحل اللعب بطول الملعب وعرضه.

ورغم بنيته الجسدية الهشة ظاهريا، يظهر تميز بيدري في العمليات الدفاعية أيضا، فقد أظهرت إحصاءات "StatsBomb" أن الإسباني الشاب يتصدر كل أرقام الضغط لبارسا هذا الموسم بواقع 22 محاولة ضغط لكل مباراة، علاوة على 7 محاولات للضغط المضاد، وأخيرا 4 استردادات للكرة من محاولات الضغط هذه، كل ذلك بجانب تفرده في إحصائية الإجراءات العدوانية (Aggressive Actions)، وهي إحصائية توضح محاولات التدخل والضغط والمخالفات المرتكبة تجاه الخصم بعد ثانيتين من استلامه الكرة، ويُعد بيدري أكثر لاعبي البلوغرانا تنفيذا لتلك الإجراءات بمعدل 24 مرة في كل مباراة، ما يعكس أهميته الكبيرة في العملية الدفاعية لكومان. لا تصدق صورته، صحيح أنه فنان صغير من جزر الكناري حيث الكرة الشاطئية، ولكنه يملك بداخله محركا ألمانيا، ما يجعله فريدا بشكل أو بآخر. (7)

يمكننا التخمين بأن بيدري ربما لامسته الملائكة من اليوم الأول فهُدي إلى كل صواب واستقامت له نفسه، لا يملك رغبات الشباب اليافع في حب الظهور أو هوس إثبات الذات، لا يبحث عن تمرير الكرة بين الأرجل، ولا عن مراوغة يتحدث عنها الجميع بعد المباراة، ولا احتفال مثير للجدل يجعله محور الحديث حتى المباراة التالية، وهو لا يصطنع ذلك، يبدو أصيلا تماما، إلى الدرجة التي تشعرك أنه -لربما- لا تحدثه نفسه بسوء في حياته الشخصية خارج المستطيل الأخضر أيضا، الأمر الذي يؤكده من هم حوله بأنه دائما ما كان خجولا ملتزما ويعشق إنييستا، في الوقت الذي كان جميع رفاقه مغرمين بميسي. كان بين بيدري ووالده اتفاق كامن على أن إنييستا هو النموذج الذي يجب أن يكون عليه كل الشباب.

"دائما ما أحاول الهروب من حقيقة وضعي الحالي ومن أُزاملهم، أحاول أن أكون نفسي وأن أعيش بالطريقة نفسها التي كنت عليها في لاس بالماس، لا أحب الخروج كثيرا، أحب المكوث في المنزل رفقة العائلة. أنا مدين لعائلتي بكل شيء، بسبب القيم التي غرسوها لديّ، وبسبب نصائحهم الجيدة التي ما زلت ألمسها حتى الآن، كما أن وجود أخي يساعدني على أن أبقى هادئا وأن أتحلى بالتواضع، لقد كنت دائما هكذا، فلِمَ أتغير في كامب نو؟!"

بيدري غونزاليس (8)

يحكي ديلغادو أن بيدري دائما ما كان لديه شيء مختلف بخلاف أدائه الفريد، وهو الطريقة التي كان يحترم بها الجميع، الزملاء والخصوم والحكام والمدربين، يُفسر ديلغادو ذلك بتأثير البيئة المحيطة وظروف نشأته، حيث تُعد تيغيستي قرية صغيرة قائمة على التقارب والود، يعرف كل فرد بها جيرانه، بالإضافة إلى نادي العائلة الذي -بالتأكيد- كان له دور في غرس تلك القيم في بيدري، إذ كان جده رئيسا لنادي تيغيستي، بينما لعب والده حارس مرمى للفريق لسنوات، لذا كان بيدري دائما تحت السيطرة، وهو ما يؤكده توني أوتيرو أيضا، مشيرا إلى أن بيدري يحظى بأشخاص جيدين من حوله، بما في ذلك وكلاؤه الحريصون على إبعاده عن كل الجوانب القبيحة لكرة القدم الحديثة، وحتى مع تزايد الاهتمام به من قطاع كبير من فرق أوروبا، أصر اللاعب ووالده على أن برشلونة هي الوجهة باختصار ودون فتح المزاد استغلالا للموقف. (9)

يبدو ذلك أمرا نادرا في عالم كرة القدم الحالي، عالم ما بعد الحداثة حيث لا يُكمل الشاب عامه الأول في المستوى الاحترافي دون أن يطلق علامته التجارية الخاصة ويسلّع نفسه جيدا بما يؤهله لترويج نفسه على أوسع نطاق. تتمحور اللعبة اليوم في عقول الشباب حول العوائد المادية والصلاحيات والنفوذ، بلا أي مضمون أو قيمة ملموسة لذاتها، ناهيك بالفضائح الأخلاقية والرغبات الجامحة بالانفلات، سواء بالسهر والحفلات الجنسية، أو بالدخول في خلافات حادة مع المدربين ومن ثم تكوين روابط تمرد داخلية للإطاحة بهم، ليعود الإنسان بذلك سنوات إلى الوراء، إلى عصر القرود، حيث لا قيمة سوى المادة ومطاردة اللذة وعبادة الذات.

يعتقد البعض أن تلك علامات التقدم، والسؤال هو: أي تقدم؟ وفي أي اتجاه؟ إذا كان ذلك تقدما فهو يسير في اتجاه مروع بكل تأكيد، ولكن هذا الاتجاه هو التطور التلقائي للمعطيات الاقتصادية والتضخم الذي تشهده اللعبة، لكن الحديث هنا عن غياب القيمة وليس عن التضخم، فالأموال لم تفسد اللعبة بذاتها، ولكنها أخرجت الأطماع، وسهلت الرغبات، وأظهرت البواطن، وجعلت ما نعيشه حاليا مُشوها لا معنى له. لحسن الحظ إذن أن هناك نموذجا مثل بيدري وقع في أحضان الملائكة ولم تتلقفه الشياطين. فبعيدا عن مسيرته الرياضية الواعدة، يعطينا بيدري دروسا حول القيمة، عائلة بيدري تعطينا النموذج التربوي الأمثل، وكلاء بيدري يمثلون النموذج الإداري الأمثل، حتى العملية التكوينية بهدوئها كانت العملية الأمثل. لعل حالة بيدري وبداياته النموذجية تكون انعكاسا لبرشلونة ككل، النادي الذي يولد من جديد من رحم معاناة عصيبة، ويشهد بداية جديدة بعد استئصال الزوائد السرطانية التي كادت تفتك بالنادي العريق.

_________________________________________________________________

المصادر:

  1. حديث فالدانو عن بيدري
  2. فيلم "أماديوس"
  3. النشأة الجغرافية لبيدري
  4. تصريحات مدربه روبين ديلغادو
  5. مسيرة بيدري في المستويات الدُنيا
  6. أرقام بيدري الهجومية مع برشلونة في الدوري هذا الموسم
  7. أرقام بيدري الدفاعية مع برشلونة في الدوري هذا الموسم
  8. تصريح بيدري بشأن عائلته
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

هناك وفرة ملحوظة بالمواهب الشابة من المتوقع تألُّقها خلال بطولة كأس الأمم الأوروبية “يورو 2021″، نجوم مستقبلية جديدة قد تُلقي حجرا ضخما في مياه اللعبة الراكدة منذ سنوات. تعرف على المزيد بهذا التقرير.

31/3/2021

الخلط بين حقيقة أن برشلونة لم يكن ليفوز دون ميسي، ولا ريال مدريد دون رونالدو، ولا الأرجنتين دون مارادونا، وبين حقيقة أنهم فازوا وحدهم. الأولى حقيقة لا تقبل الجدل، والثانية كذبة لا علاقة لها بالواقع.

6/4/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة