ركلات الجزاء الحديثة.. لماذا نطالب محمد صلاح بتحمل الضرب كمارادونا؟

كرة القدم جزء من الحياة، أليس كذلك؟ والطفولة هي أقرب شيء إلى الفطرة الإنسانية، أليس كذلك أيضا؟ حسنا، دعنا نضرب مثالا سيعيدك إلى أيام الصبا، لأنك حتما إما قمت به أو شاهدت أحدهم يقوم به: هل تتذكر في أي شجار مع أخيك في صغركما تلك اللحظةَ التي يلمح فيها الوالد أحدكما يضرب الآخر، أو يسمع صوت ضربة أو شيء يسقط فيُسرع لمعرفة ماذا جرى؟ في كلتا الحالتين يتمادى الضحية في الصراخ والبكاء، وحبذا لو وُجدت آثار لتلك الضربة على الجسد، سيبالغ ويصرخ ويشكو أكثر من اللازم في حال كان هناك عين ترصد الحدث ويمكنها أن تتخذ إجراء في حق الطرف المخطئ، حتى وإن لم يكن خطؤه يستدعي أقصى عقوبة.

 

هذه الحيل تكبر مع الإنسان وتظل معه في مختلف مراحل حياته، فقط نوعية المكاسب التي يحققها من خلالها والطريقة التي يستخدمها بها هي التي تختلف بتغير المرحلة العمرية، ولكن في كل الأحوال تذكَّر دائما أن المبالغة في إبراز الخطأ تستدعي دوما عقوبة أكبر من المستحقة، خاصة إن كانت هناك عين ترصدها، فكيف إن كان الخطأ مسجلا ويمكن الرجوع إليه؟ نظن أنك قد بدأت تدرك ما جئنا للحديث عنه، نعم، هي ركلات الجزاء في عصر تقنية الفيديو.

 

عقب مباراة مانشستر سيتي وتوتنهام في يناير 2021، أو مباراة جوارديولا ومورينيو بالأحرى، علّق المدير الفني البرتغالي كالعادة تعليقا جدليا حول ركلة جزاء احتسبها الحكم لصالح جوندوجان لاعب السيتي، تلك التي وصفها بأنها ركلة جزاء حديثة (modern penalty) نظرا إلى أنها لم تكن لتحتسب قبل سنوات، حيث كانت توصف مثل هذه المناوشات بأنها احتكاكاتٌ ناعمة (soft penalties)، إلا أنها أخذت بالفعل مفهوم الحداثة لكونها باتت ناتجة عن تغير حقيقي في كرة القدم. (1)

"إيلكاي جوندوجان" لاعب السيتي

لماذا أصبحت حديثة؟ حسنا، الأرقام تخبرك. احتُسبت 92 ركلة جزاء في موسم 2020 من الدوري الإنجليزي الممتاز، بينما وصلنا في 2021 وقبل النهاية بـ8 جولات إلى 106 ركلات جزاء. قفز المعدل لكل مباراة من 0.24 إلى 0.33، أي من ركلة جزاء كل أربع مباريات إلى واحدة كل ثلاث مباريات. (2)

 

هذه الزيادة ليست عبثية، خاصة أن الموسم الماضي والحالي كليهما شهدا تطبيق تقنية الفيديو، لذا لا يمكن تفسير تلك الظاهرة بأن هناك بعض اللقطات التي كانت تحدث دون رؤية الحكم وجاء الـVAR ليحل هذه المسألة، هذا ليس ما حدث، ولكنه جزء من الحقيقة، تقنية الفيديو لها دور بالفعل، ولكن لا يتعلق فقط بإعادة اللقطات أمام الحكم، بل بما يقوم به اللاعبون قبل حدوث ذلك.

 

يشرح مايكل كوكس في تقريره لـ"ذا أثليتك" هذا الأمر موضحا أن أغلب ركلات الجزاء المحتسبة بالبريميرليغ خلال موسم 2021 كانت من أركان منطقة الجزاء، وتحديدا في تلك المناطق التي لا يشكل فيها اللاعب -عادة- خطورة كبيرة على المرمى، حيث لا يكون عموديا عليه، وهنا نصل إلى لُب الموضوع، حيث التغير في كرة القدم الذي حدثناك عنه في البداية. (3)

 

يرى مايكل كوكس أن المفتاح في هذه القصة هي كلمة "الصندوق"، أي تحديد منطقة الجزاء بمساحة مستطيلة طولها 18 ياردة وعرضها 44 ياردة، لذا فإن المسافة بين أي نقطة فيها وبين خط المرمى ليست متساوية، على عكس ألعاب أخرى ككرة اليد والهوكي تُحدَّد فيها منطقة الخطورة بنصف دائرة، بحيث تكون المسافة بين أي نقطة على الدائرة وبين نصف قطرها -خط المرمى- متساوية، ومن ثم يمكن اعتبارها منطقة تمثل الخطورة نفسها على المرمى أيا كانت زاوية الوقوف بين اللاعب والمرمى. (4)

وبناء على ذلك، فإن زوايا منطقة الجزاء في كرة القدم عادة ما تكون مناطق أقل خطورة، أي إنك كلما تحركت عرضيا إلى اليمين واليسار من نقطة الجزاء فإن الخطورة تقل وتصبح نسبة تحويل الفرصة إلى هدف أقل، ومن ثم فإن ركلة الجزاء تصبح خيارا أكثر جدوى بالنسبة إلى اللاعب، وعليه فإنه يبحث عنها أكثر من بحثه عن التصرف بالشكل الأمثل في الكرة ومحاولة ترجمتها إلى هدف.

 

حتى الآن، فإن حديثنا عن تباين نسب الخطورة داخل منطقة الجزاء يبدو مثل حديث أصدقاء جالسين في المقهى، مجرد استنباط منطقي ليس أكثر، ولكن ماذا إن تمكنّا من قياس ذلك بالتحليلات والإحصائيات؟ هنا ينتقل الأمر من كونه مجرد استنتاج إلى مساحة أخرى تماما تجبرك على أخذها على محمل الجد، وهو ما يمنحه لنا مفهوم التهديد المتوقع الذي شرحه "كارون سينغ" محلل كرة القدم الحاصل على درجة علمية في علوم الحاسب من جامعة كورنيل. (5)

 

في هذه النقطة، تجد ما يشبه فكرة الأهداف المتوقعة (xG) ولكنه يخص التهديد المتوقع (xT)، الفارق بينهما بسيط للغاية، حيث إن فكرة التهديد المتوقع هي تطور أكثر تفصيلا من مسألة حساب الأهداف المتوقعة، فهنا لا يتعلق الأمر -فقط- بالحكم على احتمالية تسجيل هدف مباشرة من منطقة معينة من خلال توجيه اللاعب لتلك الفرصة نحو المرمى مباشرة، ولكن بالحكم على احتمالية هدف ينشأ من مجموعة الإجراءات، سواء لعبتان أو ثلاث أو أربع أو خمس، أي من خلال التمريرات أو العرضيات أو المراوغات أو التسديدات… إلخ من منطقة معينة.

 

بمثال بسيط، يمكننا توضيح ذلك من خلال لاعب يقف في زاوية منطقة الجزاء اليمنى أو اليسرى، فإن نسبة تحويله الكرة إلى هدف من خلال الـ"xG" ستكون ضئيلة، لأنه في هذه الحالة سنفترض أنه سدّد من زاوية مغلقة وغير مواجهة للمرمى بشكل عمودي، ولكن إذا توفّر لاعب في الجهة المقابلة، فإنه من خلال مقياس "xT" لديه خيار التمريرة التي ستضع زميله أمام المرمى شبه الخالي، وهنا تزداد نسبة التهديد المتوقع لهذه الفرصة، من خلال لمستين للكرة وليست لمسة واحدة، وهذا هو الفارق بين المصطلحين.

بالطبع يمكنك ملء الكثير من الصفحات حول إمكانية استخدام هذا المقياس في مساعدة اللاعبين على اتخاذ قرارات أفضل، وبناء نمط معين للعمل الجماعي في مناطق الخطورة، ولكن في المساحة التي نتحدث حولها فإن هذا المقياس يمنح اللاعبين تأكيدا لما يستنتجونه بداهة، وهو أنه كلما اقتربت من زوايا منطقة الجزاء باتت الفرصة أقل خطورة، وعليه فلتبحث عن ركلة جزاء أفضل.

 

"في ظل وجود تقنية الفيديو، تبحث عن ركلة جزاء بهذه الطريقة؟ يا رجل، أنت نفسك لا تصدق أنها ركلة جزاء". هذه العباراة للمعلِّق السوداني "سوار الذهب" تم تداولها بشكل كوميدي بين الجماهير، والسبب أن أحد لاعبي إشبيلية قرر التحايل على حكم اللقاء في مواجهة ريال مدريد للحصول على ركلة جزاء دون حدوث التحام مع مدافع الخصم، ولكن السؤال هنا: ماذا لو كان هناك التحام؟ هل تبحث عن ركلة جزاء بهذه الطريقة يا رجل في ظل وجود تقنية الفيديو؟ (6)

 

في أحد ستوديوهات "سكاي" التحليلية لموسم 2021، قال جيمي كاراجر إنه دائما كانت هناك قاعدة غير مكتوبة في كرة القدم، وهي أن الخطأ في منطقة الجزاء يجب أن يكون واضحا أكثر من الخطأ خارجها، ولكن كل ذلك لم يعد له وجود الآن، والسبب هو تقنية الفيديو -بكل تأكيد- واحتساب ركلات الجزاء من خلالها. (7)

 

في عصر الـVAR أصبح أي تدخل يساوي ركلة جزاء غالبا، لأن الحكم سيشاهده من أكثر من زاوية وبالتصوير البطيء، وإذا تأكد من وجود إعاقة فسيحتسب الخطأ على الفور، إعاقة بسيطة أم شديدة أم خفيفة أم لطيفة أم ظريفة؟ لا يهم ما دام أن المدافع تدخل بصورة غير شرعية أعاقت المهاجم عن إكمال الهجمة بالشكل الطبيعي، اتفقنا؟ هنا نعود لنحصل على استنتاج من كل ما قلناه سلفا.

في البداية، تحدثنا عن الشكوى الطفولية والمبالغة في إظهار خطأ الآخرين لكي تكون العقوبة مضاعفة، ثم ناقشنا انخفاض نسبة خطورة الكرة كلما اقتربت من زوايا منطقة الجزاء وخطوطها، ثم إتاحة الفرصة أمام الحكم لرؤية الاحتكاكات البسيطة داخل المنطقة من خلال تقنية الفيديو والعودة لاحتسابها، وفي حال أخذنا من كل خيط طرفه وحاولنا ربط الخيوط الثلاثة ببعضها، فهل يَنتج شيء؟ فلنجرب هذه اللعبة.

 

لاعب داخل منطقة الجزاء، يلاحظ أن هجمته لن تسفر عن شيء، يضع المدافع يده على كتفه أو يصطدم به صدمة لا تكفي لإسقاطه أو تعطيله، يقرر هو المبالغة بمنطق الطفل الشاكي نظرا إلى أن الحكم سيشاهدها بالتفصيل، يذهب الحكم ويلاحظ وجود إعاقة بالفعل، تُحتَسب ركلة الجزاء، ويحصل اللاعب على فرصة هدف، نجحت اللعبة؟ فلنكررها، نجح التكرار؟ فليصبح ذلك نمطا للاعبين، هل أصبح الأمر نمطا حقا؟ ارتفاع نسبة ركلات الجزاء المحتسبة نتيجة أخطاء في زوايا المنطقة يجيبك عن هذا السؤال.

 

تدور كرة القدم منذ مهدها في فلك التطور مثلها مثل أي شيء في الحياة، فكرة حماية اللاعبين هي محور أصيل للقوانين المستحدثة، وهي التي جعلت لاعبي اليوم لا يواجهون مدافعا مثل كلاوديو جينتيلي مثلا، والذي كان يستخدم منطق إما أن يمر اللاعب أو الكرة، أما الاثنان معا فلا، اليوم ذلك سيكلفك -حتما- بطاقة حمراء، وربما تتطور الأمور إلى إيقاف لعدد من المباريات في حال تعمُّد الأذى. (8)

 

دييغو أرماندو مارادونا مثلا قضى مسيرته في عصر جينتيلي ورفاقه، لذا كان مطالبا بتحمل الضربات، لم تكن عرقلة بقدر ما كان ضربا بمعنى الكلمة، لم يكن يستطيع الهرب منها، ولكنه استطاع التحايل على العالم كله حين سجل هدفا بيده في ربع نهائي كأس العالم، لم يترفع عن ادعاء السقوط بشكل متكرر لأسباب أخلاقية، ولكنه أدرك فقط عدم جدوى ذلك، حيث كان يُضرب أحيانا دون أن يحصل على شيء، فما بالك بأن يلقي بنفسه أرضا دون أن يلمسه أحد؟ (9)

"دييغو ماردونا" و"كلاوديو جينتيلي"

أما اليوم، فإن محمد صلاح يلعب في ظل وجود تقنية الفيديو، ولا يمكنه خداع العالم بتسجيل هدفٍ بيده، ولكنه يستطيع التحايل والسقوط بمجرد تعرضه للمس. ربما يُطلَق عليه فيما بعدُ السقوط التكتيكي أو الميتافيزيقي، فكل تكتيكات كرة القدم، الأخلاقي منها والخبيث، ظهرت بوصفها نوعا من التحايل على قانون اللعب أو أسلوبه، ثم اعتُمدت فيما بعد بمسمى حين أصبحت نمطا تكراريا. الحكاية ليست مارادونا وصلاح، ولكنها رحلة مستمرة من المكر والتحايل الذي سيظل موجودا، سواء صاحبه القبول أو الرفض أخلاقيا.

 

أما بالعودة إلى صلاح ومارادونا، تجد أن تأثير فكرة ركلات الجزاء الحديثة سيمتد إلى ما هو أبعد من تلك النقطة، فمثلا قانون حماية اللاعبين قلل من حدة التدخلات العنيفة في اللعبة، ما صب في صالح التطور التكتيكي لها، حيث تعددت مفاهيم الضغط -بوصفه محورا رئيسيا لكرة القدم اليوم- بطريقة تهدف إلى عدم ترك الحرية والمساحة لحامل الكرة في أي مكان بالملعب، ما يمنحك قانونا غير مكتوب يفيد بأنه كلما قلّت مساحة الاحتكاكات البشرية استُبدل ذلك بما هو أكثر تطورا ودون الحاجة إلى أن يعرقل اللاعب خصمه.

 

بالوصول إلى هنا، وإيمانا بأن اللعبة تدور في فلك التطور، وأن أغلب مدربي العالم وكل مدربي الصف الأول لديهم الإيمان الكافي بالإحصائيات، نجد أن هناك مساحة منتظرة لمزيد من تطور التكتيكات الدفاعية في مناطق الخطورة بهدف تقليل الاحتكاكات، مع وجود ميزة جديدة للمهاجم الذي أصبح يتمتع بالرفاهية أكثر مقارنة بالماضي، حيث باتت منطقة الجزاء أكثر حماية، يستطيع داخلها صلاح أن يسقط بمجرد اللمس، ولا يحتاج إلى أن تُكسر ساقه كمارادونا حتى يلجأ إلى الشكوى.

——————————————————————

المصادر

  1. وصف جوزيه مورينيو لركلات الجزاء الحديثة "modern penalty"
  2. "ركلات الجزاء الحديثة" ولماذا يجب على المدافعين تجنب أي احتكاك في زوايا المنطقة – ذا أثلتيك 
  3. المصدر السابق 
  4. المصدر السابق 
  5. شرح مقياس التهديد المتوقع (xT)
  6. تعليق خليل البلوشي الشهير "تبحث عن ركلة جزاء بهكذا طريقة" مع الفيديو 
  7. جيمي كاراغر وركلات الجزاء ما قبل وبعد تقنية الفيديو 
  8. كلاوديو جينتيلي: اللاعب والكرة لا يمران معًا 
  9. هدف مارادونا باليد أمام إنجلترا "يد الرب"
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة