دوري السوبر الأوروبي.. مَن قال لا للتنانين السماوية؟

تقول الأسطورة إنه خلال قرن مفقود من التاريخ، اتَّحدت 20 عائلة ملكية لإسقاط "المملكة المزدهرة"، وبنهاية الحرب أسَّسوا ما عُرف بحكومة العالم، ثم صعدوا للعيش وحدهم على جزيرة "ماريجوا" التي تعلو الأرض في منتصف العالم، وأطلقوا على أنفسهم "التنانين السماوية"، وصاروا فوق كل قانون في واحدة من أعظم صور الفساد المطلق، ثروات طائلة في أيدي أفراد غير قابلين للمساس. هذه ليست أسطورة للأمانة، بل أحد الأحداث الرئيسية للمسلسل الياباني "ون بيس"، وإن لم تكن قد شاهدته فلا تقلق، فقد كنت على وشك مشاهدته في واقعك.

اختصار شديد للغاية لكل ما جرى الأسبوع الماضي، أعلن 12 من كبار أندية أوروبا انضمامهم إلى مشروع إطلاق دوري السوبر الأوروبي، الذي لا يمكن وصفه إلا أنه جلاء مطلق عن دوري أبطال أوروبا، بل وحتى عن الدوريات المحلية مهما حاول مُروِّجو الفكرة أن يُصوِّروا العكس، كونها البطولة التي تضم "الفِرَق الأكبر"، بالتالي ستصبح الأكثر متابعة والأكثر درًّا للأموال، ولتتعفنْ بقية البطولات في الدرك الأسفل من سلم الأولويات. (1)

الحديث هنا عن ممارسة احتكارية منقطعة النظير في تاريخ كرة القدم العالمية، حيث سيحصل 15 ناديا على حق مكتسب شبه أبدي بالمشاركة في هذه البطولة الأضخم أيًّا يكن مستواهم، فقط لأنهم "الأندية الأكبر". ما تعريف الكبار هنا؟ هل هي العراقة والألقاب؟ هذا يُفسِّر وجود ميلان والإنتر وأرسنال مثلا رغم تراجعهم على مر الأعوام الأخيرة، هذا أيضا يُفسِّر وجود أتلتيكو مدريد وتوتنهام و… ماذا؟ توتنهام؟

المعيار واضح ولا علاقة له بالعراقة أو بوصف الكبار التاريخيين، فالفِرَق الـ12 ستجدها بسهولة في قائمة أعلى 20 فريقا من حيث القيمة السوقية، كونها مجموعة مُنتقاة ومتوازنة بين الجماهيرية الجارفة والقدرة المالية وعناصر الجذب، وهذا ببساطة ما يُفسِّر سر مناقشة انضمام نادٍ يكبره لاعب برشلونة الشاب أنسو فاتي في العمر مثل لايبزيج. (2) (3)

الأثر؟ أثر واضح لم يرَ الأندية سواه، مئات الملايين بصورة فورية، والمزيد من الملايين لأعوام أطول، هل نتحدث الآن عن إقصاء الصغار؟ ثمن بخس أمام هذه المنفعة الجماعية، نعم، فالأندية الكبار تُعاني، وما دام الكبار يعانون فلن يمكنهم شراء لاعبي الصغار، وبالتالي الهرم الكروي بأكمله يستفيد من هذا المشروع وليس الكبار فقط، فالحقيقة التي لا تخفى على أيٍّ من أي سكان المحيطات هي أن ازدياد الحيتان توحشا لا يصب إلا في مصلحة بقية الأسماك.

النقطة الرئيسية التي تبنَّاها فلورنتينو بيريز رئيس ريال مدريد في حديثه هي خطر انقراض كرة القدم بسبب تدهور أحوال الكبار ومواجهتهم لخطر الإفلاس خصوصا في مواجهة الجائحة، وكأن الديون الطائلة وقعت فوق رؤوس هذه الأندية فقط حين حلت الجائحة، وكأن مشروع دوري السوبر الأوروبي لم يكُن مطروحا قبل الجائحة، كل ما فعلته الجائحة هو التعجيل بدفع هذا المقترح إلى الواجهة وإلباسه رداء الإنقاذ عوضا عن إظهاره على حقيقته: معركة اقتصادية قرَّرت الأندية خوضها ضد المملكة المزدهرة التي تحتكر 60% من عوائد البطولات الأوروبية. (4)

في هذه النقطة بحد ذاتها هناك وجاهة واضحة للغاية، فدوري أبطال أوروبا ما كان ليدر كل عوائده الخرافية بدون كبار الأندية، لا تخبرنا أن نهائي بورتو وموناكو عام 2004 قد يملك فرصا تسويقية أعلى من نهائي يضم برشلونة ويوفنتوس أو ريال مدريد وليفربول. ما الذي يفعله الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، يويفا، ليستحق الانفراد بالنسبة الأكبر من هذه الكعكة؟ يُنظِّم البطولة؟ أهلا وسهلا.

بكل بساطة إن توقَّفت هذه الأندية عن الظهور في الأدوار الإقصائية لدوري أبطال أوروبا واستمرت المسابقة بدونهم، هل سيكترث عموم المشاهدين لنهائي بين إيفرتون ونابولي؟ سيظل الاتحاد الأوروبي هو المنظم، ولكن كيف سيجلب هذا المنظم الأموال نفسها من زمرة الأندية المتبقية؟ كل هذا على فرض أن كبار الأندية قد قرَّروا فقط مقاطعة دوري أبطال أوروبا، فما بالك بتنظيم بطولة موازية تضمهم جميعا؟ مَن سيترك كلاسيكو فاصلا في دوري السوبر الأوروبي لمتابعة نهائي دوري أبطال أوروبا في سيناريو كهذا؟

مبادرة أندية دوري السوبر هي أسوأ كوابيس يويفا، وبالتالي ما كان الكيان الحاكم ليتورَّع عن استخدام كل الطرق المشروعة وغير المشروعة لنسف هرم بيريز الجديد. ليس لأنه هرم مغلق على مؤسسيه بنظام يشبه كرة السلة الأميركية، في سلسلة أشبه بـ "ميجور ليج" الخاص بكرة القاعدة الأميركية أيضا، الذي يسكن أسفله دوريات أقل قيمة تلعبها الفِرَق بهدف واحد لكل اللاعبين وهو الوصول إلى "ميجور ليج"، ليخلق لنا لعبة هجينة لا نعرف لها أي معالم. ليس لأنه هرم يُثري كباره بصورة فاحشة ويُحوِّل صغاره للأبد إلى مفرخة لتطوير اللاعبين من أجلهم مقابل أموال أكثر، ما يحمل في طياته وفاة فكرة المنافسة للأبد وحصرها على مجموعة من الكبار صادف أنهم كبار هذه المرحلة وسيظلون كذلك إلى قيام الساعة، كونهم التنانين السماوية.

فلورنتينو بيريز

زعم بيريز أن دوري السوبر ليس مغلقا، وبالطبع وجود 15 فريقا يملكون حق المشاركة الدائمة لا يعني الانغلاق، فهناك 5 مقاعد سواء بالدعوات أو بطرق تأهل تُحدَّد لاحقا، مجرد وجود شرفي لا قيمة له أمام هؤلاء العمالقة بالتزامن مع ازدياد فجوة الموارد، كل الأندية ستطمح لرشفة من هذا النبع ولو مؤقتة، وكل اللاعبين بطبيعة الحال سيتصارعون لحجز مقاعدهم في 15 فريقا فقط، ولكن لا تفكر ولو للحظة أن الاتحاد الأوروبي قد كشَّر عن أنيابه لأجل أحلام بورتو ومارسيليا، أو لأجل رؤية المزيد من ليستر وفياريال في دوري أبطال أوروبا، بل ببساطة لأن أول ما سيطوله هذا الأثر التدميري هو سلطة يويفا على الأندية وعوائده المهولة من بطولاته الرئيسية.

إنجلترا أيضا كانت أبرز دولة زأرت علنا في وجه دوري السوبر، ولا تُصدِّق أيضا أن هذا كان حرصا على تطلُّعات ليستر وإيفرتون ووست هام في مقارعة الكبار وانتزاع بطاقات دوري أبطال أوروبا من بين أنيابهم، فكل ما في الأمر أن دوري الأبطال لن يكون الضحية الوحيدة، بل البريميرليغ نفسه وسائر الدوريات الكبرى، فدوري السوبر سيفوق عوائد الدوريات أيضا، وبالتالي تتجه له الأولوية، وقد يأتي يوم تجد فيه التقدُّم مركزا للأمام في هذا الدوري أكثر ربحا من الفوز بالبريميرليغ كله، فلمَ العناء؟ أصارع على مقعد أوروبي؟ أنا تنين سماوي يلعب كل عام بالحق المقدس في ماريجوا، ما الذي يجبرني على مصارعة العامة في الوحل؟

وتماما كما تسلَّحت التنانين السماوية في كرة القدم بحجة أنها إن أفلست فلن تستطيع إرضاع الصغار، وأنها يجب أن تذوق أقصى مستويات رغد العيش حتى تنهض بمكونات الهرم الكروي كافة، تسلَّحت المملكة المزدهرة بالصغار أنفسهم، فخرجت الأندية مُندِّدة بهذه الانتقائية، وخرج اللاعبون والمدربون تباعا حتى في صفوف الستة الكبار أنفسهم مُندِّدين بهذا المشروع، وخرج رئيس يويفا نفسه ألكساندر شيفيرين يسب أندريا أنييلي رئيس يوفنتوس علنا، فيرد بيريز بأنه لا يريد رئيسا كهذا لليويفا، ليجيبه الأخير بأن هذا دافع أكبر لاستمراره، كون بيريز يريد دمية توافقه على كل شيء، كما استقال إد وووارد من رئاسة مانشستر يونايتد، كل ذلك بالتزامن مع مظاهرات جماهيرية أمام مقرات كبار إنجلترا. (4) (5) (6) (7) (8) (9)

السيناريو الأكثر منطقية كان استمرار ضغط الأندية لينقاد بقية الأطراف إلى طاولة مفاوضات تكفل بقاء دوري أبطال أوروبا مع زيادة عوائده وحصول كبار الأندية على المزيد من الامتيازات، مفاوضات وشد وجذب يمتد لشهرين أو أكثر، ولكن ما حدث كان مذهلا لأقصى درجة في سرعة تطوُّره، فقد سقطت ماريجوا في غضون ثلاثة أيام فقط من إطلاق مبادرة تأسيسها. تقول الأسطورة إن إحدى العائلات العشرين وهي عائلة "كوبرا" رفضت العيش في السماء واستمرت في مملكتها بصورة طبيعية، ولم يكن الأمر يحتاج إلا إلى "كوبرا" وحيدة حتى ينفرط العقد بأكمله.

قال بيريز إن أحد الأندية الإنجليزية لم يكن مقتنعا حين وقَّع، وبمجرد انسحابه بات الأمر مُعديا في إنجلترا بأكملها. أول المنسحبين رسميا كان مانشستر سيتي ولكن رئيس الميرينجي رفض أن يسميه، وقد يكون محقا في هذا، فأول مَن انتشرت أخبار انسحابه كان تشيلسي، وآخر مَن أعلن انسحابه الرسمي كان تشيلسي أيضا، ولكن لإحقاق الحق، هل تريد إخبارنا أن أندية وقَّعت اتفاقا يكفل لهم تقاسم 3 مليارات يورو في العام الأول فقط من تنفيذه، قد تراجعت عنه لأن 100 رجل هتفوا ضده؟ (10) (11)

لا تزال هناك نقطة تائهة بشأن عقوبات الانسحاب من المشروع، فبيريز لا يزال مُصِرًّا أنها موجودة وأنه لم يفعلها لأنه لا يوجد من انسحب فعليا حتى الآن، ولكن بحسب تسريب "فاينانشال تايمز" فإن عقوبة الانسحاب هي رد المبالغ التي تلقَّتها الفِرَق من كعكة البداية الكبرى، وكما هو واضح لم يتلقَّ أحد شيئا حتى الآن، فما الذي سيردونه؟ نقطة أخرى محيرة للغاية، هي "الضغوط" الذي زعمت الأندية أنها تعرَّضت لها ولكننا لن نعرف أبدا ما هي هذه الضغوط ومَن هم أصحابها. (12) (13)

أوراق الضغط التي نعرفها كانت منع لعب مباريات البطولة الجديدة في إنجلترا والتهديد بالطرد من البريميرليغ. ورقة الضغط الأخرى التي سمعناها من شيفيرين هي إقصاء فِرَق المؤامرة من نصف نهائي دوري الأبطال، وهذا مستحيل، وهو يعرف ذلك جيدا لأن الرعاة وأصحاب حقوق البث سيأكلونه حيًّا إن أقدم على تلك الخطوة. (14) (15) (16)

ماذا عن الفقراء؟ ماذا سيحل بهم؟ الفقراء الذين صنعت بهم ومن أجلهم هذه اللعبة؟ "صنعها الفقراء وسرقها الأغنياء"، أليس كذلك؟ لنتوقف هنا للحظة ونضع تعريفا واضحا لكلمة "الفقراء" في هذه المعركة، فهناك فقراء الأندية، وهناك الفقراء الأصليون، المشجع العادي الذي تقوم كل هذه الصناعة على حقيقة أنه يشاهدها، يشتري التذاكر والمنتجات واشتراكات البث، ويُوجِّه الرعاة إعلاناتهم عبر الأندية لمخاطبته، ولننظر الآن فيما حقَّقه كلٌّ منهما.

الكل تشدق وتاجر بالجماهير، وفي حقيقة الأمر كانت الجماهير أول وآخر ما يعنيهم في الوقت ذاته. الحقيقة هي أن الجماهير تظل في نهاية المطاف العنصر الأهم، فلو توقفوا عن متابعة اللعبة فسوف تموت، ولو قرروا مقاطعة أحد الأندية فهذا يعني نهايته، وعلى الرغم من ذلك، فإن الأغلب الأعم لن يفعل هذا أبدا، لن يتوقف عن متابعة اللعبة بشكلها الحالي، ولن يقاطع بطولة الأغنياء التي تعده بمواجهات لا صغار فيها للأبد، فهي أيضا موجهة للجماهير، سيشترون تذاكرها واشتراكات بثها ومنتجاتها الجديدة، وستستمر الحياة، الدليل على ذلك هو كم المؤيدين لهذا المشروع من مشجعي الفِرَق الكبيرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذن أين هو انتصار الجماهير المزعوم؟ (17) (18)

 

الجمهور هو الحلقة الأقوى والأضعف في هذه الدائرة، فأندية مثل ميلان بوضعه الاقتصادي، وبرشلونة بأكبر دين في تاريخ الرياضة، وريال مدريد المُحمَّل بثقل الملعب، وإنتر الذي يبحث عن شريك جديد لضخ الأموال، كل هؤلاء أرادوا المزيد من المال، والمال سيأتي من المواجهات الأقوى واستقلال العوائد، والعوائد ستأتي من الجمهور، حتى لو على حساب قتل أحلام الصغار للأبد، ولكن لأن "أحلام الناس لا تنتهي أبدا"، ليس لأن الكيان الحاكم -يويفا- يخشى فقدان العوائد التي تأتي من الجمهور نفسه لا سمح الله، فقد المشروع الجديد كل أوراق ضغطه وبات تحت الحصار، وبدلا من أن يتفاوض أطرافه مع يويفا من موقف قوة، باتت تلك الأطراف مُذعنة مجبرة على التفاوض من موقع المستسلم الذي يخشى العقوبة، هل أوقعت كل هذه الأندية نفسها في هذا المأزق وسمحت للطاولة أن تنقلب رأسا على عقب؟ أيًّا كان ما حدث أو سيحدث، لا تدع أحدا يخبرك أن هذه المعركة كانت لأجل كرة القدم. (19) (20)

___________________________________________________________________

المصادر:

  1. إعلان إطلاق دوري السوبر الأوروبي
  2. قائمة أكثر الأندية قيمة – ترانسفير ماركت
  3. تاريخ تأسيس لايبزيج
  4. تصريحات فلورنتينو بيريز في برنامج إل تشيرينجيتو
  5. تصريحات اللاعبين والمدربين ضد دوري السوبر الأوروبي
  6. تصريحات ألكساندر شيفيرين رئيس يويفا
  7. رد ألكساندر شيفيرين رئيس يويفا على بيريز
  8. استفالة إد وودوارد من مانشستر يونايتد
  9. احتجاجات جماهيرية ضد دوري السوبر الأوروبي.
  10. تصريحات بيريز في برنامج "إل لارجيرو"
  11. انسحاب أندية البريميرليغ من دوري السوبر الأوروبي
  12. انسحاب أتلتيكو مدريد من دوري السوبر الأوروبي
  13. انسحاب إنتر من دوري السوبر الأوروبي
  14. منع مباريات دوري السوبر من اللعب في إنجلترا
  15. التهديد بطرد أندية دوري السوبر من البريميرليغ
  16. التهديد بإقصاء أندية دوري السوبر من نصف نهائي دوري أبطال أوروبا
  17. طائرات جماهير آرسنال فوق ملعب الإمارات
  18. الهجوم على منزل إد وودوارد
  19. حجم ديون برشلونة
  20. الإنتر يبحث عن شريك لشراء حصة من الأسهم
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة