ما بعد العاصفة.. كيف انتصرت أندية السوبر ليغ رغم الهزيمة؟

في كتابه "التفكير بسرعة وببطء" (Thinking Fast & Slow)، يقول دانيال كانيمان، الفيلسوف والاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، إن هناك مسارين رئيسين للتفكير في أي حدث؛ أولهما عاطفي ومُتسرِّع، ينشأ في لحظة إدراكنا لهذا الحدث، وغالبا ما يخلو من المنطق، والثاني بطيء وطويل المدى، يمكنه أن يصل إلى استنتاجات صحيحة أو قريبة من الحقيقة، لو كان صاحبه يمتلك القدر الكافي من التجرُّد. (1)

 

نسيم نيكولاس طالب، الفيلسوف الأميركي من أصل لبناني، يتفق مع كانيمان في المضمون ذاته. في كتابه "البجعة السوداء" (The Black Swan)، يقول طالب إن تفكيك أي حدث معقد يحتاج إلى وقت طويل وتفكير عميق، وإن أسوأ ما يمكن فعله عند التعرُّض لواقعة ضخمة، مثل مقترح السوبر ليغ مثلا، أن نُسارع إلى تكوين النظريات والاستنتاجات دون قدر كافٍ من التأني. (2)

 

السبب بسيط، وهو أن تلك الأفكار المُتعجِّلة لا تكون نظريات أبدا، بل مجرد حكايات خيالية بعيدة عن الواقع نربط عبرها الأحداث ببعض ليسهل علينا فهمها وتذكُّرها، ولكي نشعر أن ما يحدث حولنا منطقي وقابل للتفسير، وهذه العملية يقودها انحياز غير واعٍ لأنفسنا، يجعلنا نبالغ في تقدير ذكائنا، ويُهيئ لنا أن عقولنا قادرة على استيعاب الأمور بهذه السرعة وبأقل مجهود.

هذا هو ما حدث بالضبط بمجرد انهيار مقترح السوبر ليغ خلال 48 ساعة من إطلاقه؛ بدأت عقولنا تربط بين عدة مشاهد رأيناها تباعا وتنسج قصصا تجمعها في سياق منطقي. أحد محرري مجلة "ذي أثلتيك" تحدَّث عن تظاهرات مشجعي تشيلسي قبل مباراة فريقهم ضد برايتون، التي انتهت، للمفارقة، بالتعادل السلبي، وفي وسط المشاعر المشتعلة، كان هذا كافيا للكثيرين لكي يعتبروه دليلا على عبثية فكرة السوبر ليغ أصلا. أي سوبر ليغ تتحدَّث عنه وأنت لا تستطيع الفوز على برايتون في ملعبك؟ (3)

أرأيت ما حدث الآن؟ هذا هو بالضبط ما تحدَّث عنه كانيمان وطالب؛ استخدام معطيات سطحية في تكوين نظريات سريعة تتوافق مع قناعاتنا في لحظة عاطفية يصعب التفكير فيها أصلا. ربط التظاهرات وحالة الرفض العامة التي سيطرت على منصات التواصل الاجتماعي والحكومات والاتحادات المحلية وحتى المدربين واللاعبين بفشل المقترح في النهاية.

 

هذا هو أول استنتاج خاطئ في هذه الحكاية، ما حدث فعليا أن المقترح لم يولد أو يكتمل حتى يفشل. مقترح السوبر ليغ وُلد ميتا، بلا رؤية حقيقية، وبلا محاولات جادة لقراءة المشهد أو توقُّع الصعوبات التي ستُقابله. الجماهير انتصرت فعلا، ولكنها انتصرت على اللا شيء.

 

نعلم أن تلك النظرة تبدو أكثر تشاؤما من اللازم، ولكن حاول أن تُفكِّر في الأمر للحظة بعد أن هدأت العاصفة وعاد كل شيء إلى نصابه. فلنفترض أن أحدا لم يعترض على المقترح، فهل كانت هناك خطة حقيقية لتمويله؟ الإجابة هي لا. كل ما امتلكته هذه الأندية هو قرض من بنك جي بي مورغان آند تشيس الأميركي بقيمة 2.5 مليار دولار. قرض سهَّلته علاقات إد وودوارد بحُكم عمله السابق في البنك قبل انضمامه للغليزرز في مانشستر يونايتد، وهو أيضا قرض كانت أقساطه ستُدفع من عوائد البث المتوقَّعة لهذه الأندية في السنوات القادمة. (3)

 

من فضلك ضع أسفل "المتوقَّعة" ألف خط، لأن تلك هي المفاجأة الثانية؛ لا أحد تقدَّم بمقترح حتى للتنافس على عقد البث لهذه البطولة، وعلى عكس المتوقَّع، لم تجذب فكرة جمع "أكبر أندية القارة" في بطولة واحدة أيًّا من المعلنين الكبار أو مسؤولي قنوات البث، ولم نشهد صراعا على حقوق مباريات السوبر ليغ باعتبارها صيدا ثمينا، بل إن بعض التقارير الصحفية أكَّدت أن أندية مثل ليفربول تلقَّت تهديدات من رُعاة حاليين بفسخ العقود إن استمروا في دعم المقترح. (4)

عندما تنفي شركة مثل أمازون برايم وفيسبوك أي صلة لها بالمشروع وأي نية للحصول على حقوق مبارياته، فهناك حقا ما يدعو للشك، وعندما تزعم هذه الشركات أنها لم تفعل ذلك لأنها "تحترم مشجعي كرة القدم حول العالم" فإن هذا يؤكد الشك. ببساطة لأنها سعت من قبل للحصول على حقوق بث البريميرليغ عبر الإنترنت، ولم تُلقِ بالا باعتراضات الكثيرين آنذاك. (5) (6)

 

السبب في كل تلك الاعتراضات كان بسيطا، إنشاء بطولة جديدة تجمع "أكبر أندية القارة" يعني أن الكثير من عقود الرعاية والبث الحالية ستفقد جزءا كبيرا من قيمتها؛ عندما يكون هناك سوبر ليغ يضمن مباريات بين بايرن ميونيخ وباريس وريال مدريد كل أسبوع فلن يشاهد أحد مباريات سيتي ضد بيرنلي أو برشلونة ضد غرناطة، ولن يرى أحد إعلانات الرعاة على قمصانهم بالتبعية. باختصار؛ إنشاء سوبر ليغ يعني إعلان الحرب على الرعاة الحاليين لأندية السوبر ليغ، أو إجبارهم على إلغاء العقود الحالية وإبرام أخرى جديدة تضع في اعتبارها الجذب العالمي المزعوم للبطولة.

 

بالطبع، لن يُخاطِر هؤلاء الرعاة والمُعلنون بالمراهنة على بطولة لا يعلم أحد كيف تمويلها، وعند هذه النقطة تحديدا أُقفلت الدائرة وانتهت الحرب قبل أن تبدأ. أضف إلى كل ما سبق حقيقة أننا لم نعرف أبدا كيفية توزيع عوائد البث، إنْ وُجدت، في السوبر ليغ. لو كانت ستُوزَّع بعدالة وتساوٍ فإن تلك كانت لتصبح أكبر مزحة أنتجتها كرة القدم منذ عقود. هذا هو بالضبط ما اعترضت عليه أندية مثل ليفربول ومانشستر يونايتد منذ عام واحد بالضبط، وقدَّمت مشروع "الصورة الكبيرة" لتعديله وفشل بدوره. (7)

قِف للحظة وتخيَّل الأمر من فضلك؛ هذه أندية ترفض أن يحصل بيرنلي وويست بروم وفولهام على القدر ذاته من أموال البث رغم أن هذه الأندية لا تُشكِّل أي تهديد فعلي على مراكزها أو قدرتها الدائمة على المنافسة، لا في المدى القريب ولا البعيد. هل ستحاول الأندية ذاتها منح الفرصة ذاتها لأندية أقوى بكثير مثل أرسنال وتوتنهام وميلان وإنتر؟ أم أنها ستكون أكثر شراسة في التمييز ضدها؟

 

أحد المسؤولين في أحد أندية السوبر ليغ صرَّح لـ "ذي أثلتيك"، دون كشف هويته، بأنه وافق على الانضمام للرابطة لأنه خشي أن "يتخلَّف عن ركب الأندية الكبيرة في القارة"، لكنه فعليا "لا يرى وسيلة واقعية تستطيع بها تلك الأندية الاثنا عشر التعايش معا في سلام". هذه بطولة بلا تمويل حقيقي، وبلا خطة لبث مبارياتها من الأصل، وبلا وسيلة حقيقية للتعايش بين أنديتها، والجماهير لم تنتصر على خطة جشعة للسيطرة على كرة القدم، بل على مقترح فاشل لم يقضِ أصحابه ساعة واحدة في التفكير فيه أو التخطيط له، ولم يكن لينجح على أي حال. (4)

 

 

الأمر، كل الأمر، أن حكاية الأغنياء الجشعين الذين أرادوا السيطرة على العالم ووقفت لهم الجماهير المكافحة وأنقذت كرة القدم، هي حكاية جذابة للغاية يصعب مقاومتها. حكاية من تلك الحكايات التي نُكوِّنها في لحظات عاطفية دون كثير من التفكير، بينما تكون الحقيقة بعيدة كل البُعد عن ذلك في الواقع.

هذه لم تكن خطة جشعة لزيادة الأرباح أو السيطرة على كرة القدم، أي إنسان عاقل، مهما بلغ غباؤه، يعلم أن اقتراض 2.5 مليار دولار بلا تخطيط حقيقي لكيفية ردها لن يزيد الأرباح، بل العكس. في الحقيقة، لم يكن السوبر ليغ سوى محاولة يائسة من حفنة مسؤولين لإنقاذ أنفسهم من توابع قراراتهم الخاطئة وفشلهم الإداري. هذا ما يُفسِّر خروجه بهذه الهستيرية والانفعالية والبدائية؛ أنه كان محاولة للبقاء فقط لا غير.

 

ماذا عن خطة السيطرة على العالم إذن؟ هذا هو المُفزع في الأمر؛ خطة السيطرة على العالم كانت قد اكتملت بالفعل قبل إطلاق السوبر ليغ. في تقرير مرعب لميغيل ديليني كبير محرري الإندبندنت، نُشر منذ عام تقريبا، سُردت مجموعة من الحقائق تخبرك أن سيطرة هذه الأندية على كرة القدم العالمية وصل إلى درجة غير مسبوقة في تاريخ اللعبة، درجة وسَّعت الفجوات بينها وبين باقي الأندية لدرجة لا يمكن استيعابها، وأوصلت كرة القدم إلى وضع لا يمكن التراجع عنه أو عكس آثاره. (8)

في العقد السابق لصدور التقرير، أي منذ 2010 تقريبا، شهدت كرة القدم الأوروبية أول ثلاثية في تاريخ إيطاليا، وثاني ثلاثية في تاريخ إسبانيا، مع العلم أن الأولى كانت في 2009 والاثنتين كانتا للفريق ذاته، بالإضافة إلى أول وثاني ثلاثية في تاريخ ألمانيا، وأول ثلاثية محلية في تاريخ إنجلترا، وثلاث ثلاثيات محلية في 4 سنوات لباريس سان جيرمان في فرنسا، ودوريات تمكَّن أبطالها من جمع 100 نقطة في إنجلترا وإسبانيا وإيطاليا، ودوريات بلا هزيمة في إيطاليا والبرتغال واسكتلندا وسبعة دوريات أوروبية أخرى، ناهيك بحقيقة أن 13 دوريا من أصل 54 في القارة الأوروبية يشهدون حاليا أطول سلسلة فوز متتالٍ باللقب في تاريخ كلٍّ منهم.

 

كان موسم 2018-2019 أيضا هو أول موسم في تاريخ الدوريات الخمس الكبرى يشهد احتفاظ جميع الأبطال بلقبهم، وفي الموسم ذاته، كان هناك 67 مباراة في البريميرليغ حصل أحد طرفيها على 70% من الاستحواذ أو أكثر، وهو أمر مُفزِع إذا علمنا أنه قبل 15 عاما كان هناك مباراة واحدة فقط بهذا الوصف. على مستوى رواتب اللاعبين مثلا، ففي أول موسم رسمي للبريميرليغ باسمه الجديد 1992-1993 كانت رواتب فِرَق القمة تبلغ 2.85 مرة رواتب القاع. الآن ارتفع هذا الرقم إلى 4.7 مرة، وفي إسبانيا وصل إلى أكثر من 17 مرة، و20 مرة في دوريات متوسطة مثل سويسرا. (8)

 

يدفع الستة الكبار في إنجلترا الآن ما يعادل نصف إجمالي الرواتب في الدوري كاملا، فيما انخفض عدد الأندية التي تمكَّنت من احتلال المراكز الأربعة الأولى في البريميرليغ من 15 ناديا خلال السبعينيات و13 خلال التسعينيات إلى 7 فقط خلال العقد الأخير. (8) أضف إلى ذلك حقيقة أن نسبة المباريات التي يفوز بها الأربعة الكبار في البريميرليغ بثلاثة أهداف أو أكثر أصبحت تُمثِّل خُمس مبارياتهم تقريبا، وهي ضِعف النسبة المُتحقِّقة في التسعينيات مثلا. شيء مشابه حدث في إسبانيا مع ريال مدريد وبرشلونة، حيث ارتفعت النسبة من 20% خلال التسعينيات إلى 38% خلال العقد الحالي، الضعف أيضا بالتقريب. (8)

 

لدينا من هذه الأرقام ما يمكنه أن يملأ مجلدات، والخلاصة أن السوبر ليغ كان قائما بالفعل من قبل إطلاق المقترح؛ هناك مجموعة من الأندية تركَّزت فيها الثروات بشكل جعل من منافستها أمرا مستحيلا، وأدخل كرة القدم في متوالية رأسمالية لا تنتهي تزيد ثروات الأغنياء وتفرض المزيد من الفقر على الفقراء، وبالتبعية فإنها تزيد من الفجوات الفنية والتكتيكية في الملعب بين الطرفين.

المفارقة الأكثر قسوة هي أن هذا بالضبط هو ما اشتكى منه فلورنتينو بيريز في لقائه التلفزيوني المنحط قبيل انهيار البطولة فوق رأسه بساعات؛ أن الفوارق مع باقي الأندية أصبحت ضخمة لدرجة أن المواجهات معهم صارت مُملة، ولا يريد أحد مشاهدتها، وكأن بيريز وأمثاله لم يكونوا أحد أسباب هذا الوضع أصلا، ولم يستغلوا كل لحظة تحوُّل وكل جلسة مفاوضات وكل قانون جديد أو عقد للبث لتوسيع هذه الفجوة، وكأنهم لم يكونوا السبب في وصول كرة القدم إلى وضعها الحالي. (9)

 

السوبر ليغ الحقيقي هو ما كان قائما بالفعل منذ سنوات، وهو الذي حوَّل الدوريات المحلية إلى منافسات مُملة بلا معنى يحتكرها فريق أو اثنان على الأكثر، وهو ما حوَّل دوري الأبطال ذاته إلى مسابقة نادرة المفاجآت تشهد درجات غير مسبوقة من الاحتكار نتيجة تراكم الثروات والنفوذ وتركُّزها في أندية بعينها.

منذ عامين تقريبا، كتب جوناثان ويلسون في صحيفة الغارديان عن مباراة نهائي كأس الاتحاد التي انتهت بفوز مانشستر سيتي بثمانية نظيفة على واتفورد. عنوان ويلسون كان مُعبِّرا للغاية عن اللحظة الحالية: "سحق سيتي لواتفورد بثمانية يُثبت أن كرة القدم قد فسدت". (10)

 

يقول ويلسون إن الفجوات اتسعت لدرجة أنه لم يعد من الممكن اعتبار سيتي وواتفورد يلعبان اللعبة نفسها. عادت اللعبة إلى شكل بدائي للغاية من الترفيه أشبه بحفلات إلقاء المسيحيين للأُسود في عصور الرومان. لم تعد كرة القدم صراعا أو منافسة، بل صارت أقرب لعرض فارغ المعنى، بين أندية فاحشة الثراء جمعت فِرَقا أقرب إلى الكمال، وأخرى تصارع على الفتات بلا أمل حقيقي في المنافسة أو الترقي. في نهاية مقاله، خلص ويلسون إلى أنه ربما يكون الحل الأقل سوءا هو ترك أمثال سيتي وريال مدريد وبرشلونة ليقيموا السوبر ليغ الذي طالما أرادوه، ببساطة لأن الوضع لم يعد محتملا للباقين.

 

لا تُسئ فهمنا من فضلك، لا يعني هذا أن يويفا أو فيفا أو الاتحادات المحلية تقف على الجانب الصحيح من الأمر، بل العكس تماما، هي شريكة في الجريمة ذاتها بقدر الأندية ومسؤوليها، وربما أكثر، لأنها هي مَن سمح لهم بهذا التغوُّل في المقام الأول، هي مَن أنشأ البطولات من العدم وسعى لزيادة عدد المباريات ومنحهم كل المزايا التي طلبوها.

في الواقع، لا دليل على ذلك إلا أن تشيفيرين نفسه، رئيس الاتحاد الأوروبي الذي أعلن الحرب الكلامية على "الدستة القذرة" كما سمّاها، كان قد أقرَّ حزمة من التغييرات ستبدأ في عام 2024، كلها مُفصَّلة لإرضاء أندية النخبة نفسها. تغييرات تتضمَّن مقاعد إضافية لدوري الأبطال تجعل احتمالية انضمامهم للبطولة أكبر مهما تراجعوا في جدول الترتيب، و4 مباريات إضافية مضمونة تجلب لهم المزيد من الأموال، وباب خلفي قد يضمن مقعدين إضافيين في حال فشلوا رغم ذلك، وتحكُّم أكبر في طريقة تسويق البطولة وبثها. (4)

 

أضف إلى كل ما سبق ما ذكره تشيفيرين نفسه عن محادثة سابقة بينه وبين أندريا أنييلي، رئيس نادي يوفينتوس، أوضح فيها أنه نجح في إبرام صفقة مع مؤسسة "Centricus" اللندنية للحصول على أسهم قيمتها 5 مليارات باوند في الاندماج المتوقَّع بين رابطة الأندية الأوروبية واليويفا، وأن هذه الأموال ستكون أكثر من كافية لتعويض خسائر الكبار من الجائحة، وإعادة الوضع إلى سابقه قبلها وكأن شيئا لم يكن. (4)

 

نعم، حقيقة الوضع تختلف عما يوحي به ظاهره تماما؛ التظاهرات وانهيار المشروع والاستقالات أوحت لنا أن الجماهير قد انتصرت على حفنة الجشعين الأغبياء، ولكن في الحقيقة، فإن ما حدث هو أن الأندية ضحَّت ببضعة وجوه لتستمر الفكرة، وفي النهاية، تمكَّنت من الحصول على قطعة أكبر من الكعكة رغم خيانتها لكل ما تحمله هذه اللعبة من معنى أو قيمة.

 

 

هل تعلم ما الفارق الوحيد الذي أضافه مقترح السوبر ليغ؟ أن جمهور الكرة صار أكثر تقبُّلا للواقع الذي صنعته أندية السوبر ليغ قبل هذا المقترح، بل أصبحت مجرد العودة إليه وإبقاء الأمور على ما كانت عليه بمنزلة انتصار. الواقع المشروخ الذي يُنتج أرقاما قياسية لم تتحقَّق من قبل، ومواسم بلا هزيمة، و100 نقطة في الموسم، وثلاثيات ورباعيات وسداسيات، الواقع الذي حوَّل أندية مثل أياكس وبورتو وبنفيكا ودورتموند وليون وفالنسيا إلى مجرد خطوط تجميع للمواهب لأصحاب الثروات، الواقع الذي ركَّز المال والجودة والنجوم في حفنة فِرَق عبر طول القارة وعرضها أصبح استمراره انتصارا!

 

القصة كلها تشبه ما حدث عندما بدأ القذافي ضرب معارضيه بالطائرات، حينها أدرك الباقون كم كانت قنابل الغاز رائعة، وكم كان الرصاص العادي رحيما، وشكروا الله لأن رد فعل أنظمتهم لم يكن بهذه البشاعة، حتى لو كانت النتيجة النهائية هي الموت في الحالتين.

 

أندية السوبر ليغ، مثل القذافي، كانت تدافع عن وجودها، وبينما تضرب مشجعيها بالطائرات، أدرك الجميع أن نتائج مثل 8-0 ليست بهذا السوء، وأن 198 نقطة في موسمين هي أمر يمكن التعايش معه. النتيجة النهائية أن وضع كرة القدم الذي كان بحاجة إلى ثورة ضخمة وتعديلات تُعيد التوازن للعبة أصبح استمراره مفروغا منه، بل وحصلت أندية السوبر ليغ على ما يُرضيها من التعديلات كذلك. إن لم يكن هذا انتصارا فما هو؟

________________________________________________________

المصادر:

  1. كتاب التفكير بسرعة وببطء لدانيال كانيمان – Amazon
  2. كتاب البجعة السوداء لنسيم نيكولاس طالب – Amazon
  3. لا تنخدع.. أندية السوبر ليغ خاطرت بكل شيء وخسرت! – The Athletic
  4. يوم انهيار السوبر ليغ.. "كيف يمكننا العمل مع هؤلاء القوم مرة أخرى؟!" – The Athletic
  5. فيسبوك وأمازون برايم ينفيان أي خطط للحصول على حقوق بث السوبر ليغ – Reuters
  6. جماهير كرة القدم تشتاط غضبا بسبب إعلان أمازون أولى تجاربها لبث مباريات البريميرليغ – Football London
  7. مشروع الصورة الكبيرة.. ما هو وكيف يعمل؟ – BBC
  8. كيف انكسرت كرة القدم الحديثة بلا رجعة؟ – Independent
  9. ملخص لقاء فلورنتينو بيريز التلفزيوني مع برنامج الشيرينغيتو – Managing Madrid
  10. سحق مانشستر سيتي لواتفورد بثمانية في نهائي كأس الاتحاد يُثبت أن كرة القدم قد انكسرت – Guardian
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

قد تسمح الديمقراطية لبرشلونة بالعودة يوما ما، لأنها هي ما منحته الأدوات لعزل بارتوميو، ولكن ألم تكن الديمقراطية هي ما أتت ببارتوميو؟ وهي ما أتت برئيس منتخب راكم على النادي أكبر دين في تاريخ الرياضة؟

18/2/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة