كرة القدم في بوليوود.. عندما جسَّد عامر خان قصة هيونغ مين سون دون أن يدري

لقطة افتتاحية، يظهر فيها عامر خان أمام شاشة تلفاز صغيرة، يشاهد منافسات المصارعة بدورة الألعاب الأولمبية سيول 1988 مُتحسِّرا على أحوال بلاده التي لن تُنتج بطلا أولمبيا كونها لا تستثمر في رياضييها. المصارعة كانت شغفه، وكان حلمه هو منح بلاده ميدالية ذهبية، ورغم أن أعباء الحياة أجبرته على ترك شغفه والبحث عمّا يمنحه قوت يومه، ظلَّت المصارعة تسري في دمه، وبقي الحلم يطارده، حتى قرَّر أن يُحقِّقه من خلال ابنه الذي لم يأتِ إلى الدنيا بعد، وحول ذلك الحلم تبدأ الأحداث وتدور.

 

هُنا، يُجسِّد عامر خان شخصية المصارع الهندي "مهافير سينغ بهوغات" في فيلمه الشهير "دانجال" (Dangal) الذي أُنتج في عام 2016، وأصبح أعلى الأفلام تحقيقا للإيرادات في تاريخ الهند بأرباح وصلت إلى 10 أضعاف تكاليف إنتاجه، كونه عامر خان بكل تأكيد هو أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت الفيلم يتفوَّق على كل أفلام بوليوود ويُحقِّق ذلك النجاح الساحق. (1)

 

السبب الآخر هو أن القصة حقيقية، قصة ستتفاعل معها بشعور الخيال الذي لن يُفارقك إن لم تكن تعرف أبطالها الحقيقيين، حتى تُدرك في النهاية أنها قصة واقعية ومحاكاة لأحداث وقعت بالفعل. بالطبع سيقودك ذلك إلى الاعتقاد أن هناك شيئا من المبالغة السينمائية، خاصة أنك تتحدث عن السينما الهندية، ولكن عزيزي القارئ، لا حاجة إلى تلك الحيرة بين الحقيقة والخيال، نظرا لأن القصة بتفاصيلها حدثت في بقعة ثانية من بقاع الأرض، وفي السنوات نفسها تقريبا، وداخل عالم الرياضة أيضا؛ سون هيونغ مين، هل تعرفه؟ هيا بنا نبدأ.

 

الشغف كان قاسما مشتركا والحلم كذلك، حيث لم يكن يُفكِّر مهافير سينغ بهوغات إلا في الميدالية التي سيمنحها لبلاده، ولم يكن يسري في دمائه شيء سوى المصارعة، على الجانب الآخر لدينا شغوف آخر في كوريا الجنوبية، أو مجنون بتسمية العالم؛ هو السيد وونغ جونغ، الذي كان يحلم أن يكون لاعب كرة قدم شهيرا يحمل قميص بلاده، ولكن إصابة في الثامنة والعشرين من عمره أنهت ذلك الحلم، بعد أن لعب لعدة أندية متوسطة. (2)

 

كان وونغ جونغ لاعبا متوسطا باعترافه، ولكن عدم امتلاكه ما يكفي من المهارات جعله يبذل جهدا أكبر ويتعلَّم خبايا اللعبة بشكل يفوق اللاعبين الموهوبين لمجاراتهم، وهو الشيء الذي سيمنحه معرفة كبيرة حول تفاصيل اللعبة وكيفية صناعة لاعب مُحترف. على الجانب الآخر، كان مهافير دائم الحضور لبطولات المصارعة المحلية في الشوارع وتحليلها مع الرفاق، كان أكثر من مجرد مشاهد أو عاشق.

 

تجربة وونغ مع كرة القدم جعلته يُقرِّر تحقيق حلمه من خلال أبنائه، حيث رسم ملامح مستقبلهم بأن يصبحوا لاعبي كرة قدم، بينما مهافير قرَّر أن ابنه هو مَن سيرث منه شغفه بالمصارعة حتى قبل أن يُولد، وسيحمل الذهب إلى الهند في المستقبل. نحن الآن ما زلنا في بداية تسعينيات القرن الماضي، حيث وونغ ومهافير ما زالا حديثَيْ العهد بالأبوة.

 

وونغ سيلاحظ أن ابنيه مولعان بكرة القدم ويُحِبَّان ممارستها، فيُقرِّر أن يصبح مدربهما، بينما لم يترك مهافير الفرصة لنفسه لكي يلاحظ ولعا، حين يُولد ابنه سيبدأ معه في صناعة مصارع، ولكن القدر الذي عاند حلمه قرَّر أن يستكمل مسيرته، وفي 4 مرات أنجبت فيها زوجته رُزق في كل مرة بفتاة وليس ولدا، بعدما سعى بكل الطرق واستخدم كل الموروثات الشعبية المتعارف عليها هو وزوجته من أجل أن يأتي الولد، انتهى حلمه واقفا في ركن صغير بمنزله المتواضع، يضع فيه ميدالياته القديمة، ينظر لها بحسرة كون حمله المنتظر لن يأتي أبدا.

 

حاول مهافير التخلُّص من بقايا الماضي، رفض الذهاب لمشاهدة مباراة المصارعة مع رفاق عمله، يبدو أنه أراد إخراجها من جسده تماما، بعد سنوات كان يُخبر فيها الجميع كيف تسري اللعبة في دمه، ولكن مع عودته إلى المنزل، تُولد فكرة جديدة من رحم سيناريوهات القدر التي تُعَدُّ بعناية وتُسمى في دنيانا زورا بالمصادفات.

 

يدخل بيته فيجد زوجته توبخ ابنتيه "غيتا" و"بابيتا" لأنهما أبرحا ولدين ضربا، يقف ويسمع الحكاية ويعتذر لوالدَيْ الطفلين، وفي رأسه تتشكَّل فكرة مجنونة، في هذا الموقف لمس الأب تسلُّل جينات المصارعة إلى جسد ابنتيه، وفي حي شعبي ومجتمع يعتقد أن النساء خُلقن للإنجاب والطبخ فقط، يُقرِّر مهافير أن تتحوَّل ابنتاه إلى مصارعتين، تقريبا في الحقبة الزمنية نفسها التي لاحظ فيها وونغ جونغ شغف طفليه بكرة القدم، لتبدأ التدريبات الأبوية في كلتا القصتين.

 

"عشت طيلة حياتي أنتظر ظفر ولد ليُحقِّق حلمي، ولكنني نسيت تماما أن الفوز يبقى فوزا سواء حقَّقه ولد أو فتاة"، بهذه الكلمات أخبر مهافير زوجته أن غيتا وبابيتا لن تقوما بأي أعمال منزلية منذ اللحظة، حيث إنهما ستتحوَّلان للمصارعة، وبداية من الخامسة من فجر الغد، سيبدأ الأب رحلة الوصول إلى حلمه، وصناعة بطلتين لبلاده.

بالطبع ذهاب الطفلتين إلى حلبة المصارعة قوبل بالرفض من قِبَل القائمين على اللعبة بالقرية، كونه لا مصارعة للفتيات هناك، ولا في الهند كلها، وهنا سيكمل الأب رحلة الجنون، ويقتطع جزءا من حقله ليُحوِّله إلى حلبة مصارعة، ويتحوَّل إلى مدرب لابنتيه، على الجانب الآخر، السيد وونغ جونغ في كوريا ليس مُقتنعا بما تقوم به الأكاديميات في بلاده، ولذلك لن يذهب ولداه إلى أي أكاديمية أو نادٍ في صغرهما، وسيعمل هو مدربا لهما أيضا. (3)(4)

 

بعد أيام من التدريبات الشاقة من مهافير لابنتيه، يدخل الأب ليلا ليُدلِّك قدميهما المتعبتين، وتدخل زوجته فتشاهده بقلب الأب الحنون الذي غاب عنه تماما وهو يشق على الفتاتين بالتدريبات عكس رغبتهما، فما كان منه إلا أن لخَّص حاله بكلمات بسيطة؛ "لا يمكنني أن أكون والدهما ومدربهما في الوقت نفسه، عندما يتولَّى المدرب الأمر يشاهد الوالد من بعيد". (5)

 

مع وونغ كانت التدريبات شاقة أيضا، 6 ساعات من العمل الشاق يوميا من أجل تعلُّم المهارات الأساسية وبعض التدريبات البدنية، أحد التمرينات كان إبقاء الكرة في الهواء لمدة 4 ساعات متواصلة، ولو سقطت بعد 3 ساعات فإن العقاب أعمال بدنية مضاعفة، لدرجة أن سون هيونغ مين حين وصل إلى 12 عاما أتى والده ليُشرف على تدريبات فريق مدرسته، وقرَّر أن يقوم الطلاب الذين تراوح عددهم بين 15-20 بإبقاء الكرة في الهواء لـ 40 دقيقة، وإذا سقطت من أحدهم على الأرض فإن الجميع سيبدأ الوقت من جديد! (6)

 

الصرامة لم تتوقف مع وونغ ومهافير عند التدريب فقط، بل تحوَّلت إلى أسلوب حياة كامل يشمل نظاما غذائيا خاصا، والتقليل من الأوقات المُهدَرة في مشاهدة التلفاز، والنوم والاستيقاظ مبكرا، والتحكُّم الكامل في حياة الأبناء بصورة تجعلهم رياضيين مثاليين، ولكي يتحقَّق الهدف، لا بد من التخلُّص من أي معوقات، هكذا كان القانون بالنسبة للثنائي أيضا.

بالنسبة لوونغ، فقد فرض على سون عدم الزواج حتى نهاية مسيرته مع كرة القدم، وذلك لأنه مع وجود العائلة تصبح كرة القدم رقم 2 في حياة الفرد، وهذا ما لا يريده الأب لولده، حيث يريد أن يبقى تركيزه في الكرة بنسبة 100%، بينما مهافير امتلك حلا لكل المعوقات التي من الممكن أن تعاني منها الفتاتان المصارعتان، سراويل خاصة لأن ملابس الفتيات تمنعهما من الركض بحرية، ولا بأس من قص شعرهما حتى لا يعوق التدريبات في الحلبة الطينية. (7)

 

أيام شاقة، ومحاولات بائسة من الطفلتين للهرب من ذلك الجحيم الأبوي، حتى يأتي يوم عابر، كانت فيه نقطة التحوُّل للطفلتين من الرفض التام ومحاولات التخلُّص من المصارعة التي فرضها عليهما الوالد إلى الحماس والرغبة في مواصلة الرحلة، حيث حضرتا حفل زفاف واحدة من فتيات القرية، التي كانت جالسة بوجه عابس، وفي جلسة شكوى مع نجلتَيْ مهافير تمنَّت العروس والدا مثله، وحسدتهما على اهتمام والدهما لأمرهما، حيث كانت تبلغ من العمر 14 عاما فقط وزوَّجها والداها بالإكراه من شخص لا تعرفه، كون العُرف يقول إن الفتاة خُلقت للطبخ والزواج وإنجاب الأطفال. هنا عرفت غيتا وشقيقتها بابيتا الوجه الآخر للحياة، وبدأ الحماس يدب في نفسيهما لإكمال الرحلة.

 

في البداية ترمي الأساس، تُرسِّخ المبادئ والمهارات الأساسية، ثم ماذا؟ بالنسبة لمهافير كانت الخطوة المُقبلة هي الاشتراك بالبطولات المحلية والشعبية، وحيث إنه لا توجد مصارعة للفتيات، فإن ابنتيه ستُصارعان الأولاد بعدما كانت لهما تجربة بسيطة مع ابن عمهما، وبالطبع مع الولدين اللذين أبرحاهما ضربا، في تلك اللحظة التي حوَّلت حياتهما إلى هذا الشكل.

 

أما وونغ، فلم يتحمَّل أحد ابنيه التمارين الشاقة، ليتبقَّى له سون فقط، الذي بمجرد وصوله إلى 16 عاما أدرك أنه في حاجة إلى أخذ خطوة احترافية، وفي الوقت نفسه كان قد رأى إعلانا لاتفاقية وقَّعها الاتحاد الكوري لكرة القدم مع نادي هامبورغ الألماني، تمنح الفرصة لعدد من الناشئين الكوريين لقضاء فترة معايشة مع النادي الألماني، ولتتويج سنوات التدريبات الشاقة، لم يكن سون ليجد فرصة أفضل من تلك. (8)

بالنسبة لمهافير، خاضت غيتا وبابيتا المنافسات المحلية بحلبة الطين، وانتصرتا على الأولاد وحقَّقتا ميداليات وجوائز مادية بسيطة، أشياء عزَّزت الحماس الذي بدأ في ليلة الزفاف الحزينة. الآن حانت لحظة الاحتراف، وقرَّر أن ينتقل معهما إلى مرحلة ممارسة اللعبة بالقواعد الأولمبية، وبالطبع ذهب إلى المسؤولين ليطلب مساعدة مادية لشراء سجادة المصارعة، ليقابل طلبه بالخذلان، وبمناقشة مع أحد أصدقائه، تأتيه فكرة استخدام السجاد العادي، فيحضره إلى فوق سطح منزله، ويُقرِّر الاستقالة من وظيفته بعدما رُفض طلبه بأخذ إجازة لشهرين من أجل التفرُّغ لتدريب ابنتيه، ويُقرِّر أن يكسب ماله فقط من العمل في الأرض التي يمتلكها، ويُكرِّس باقي وقته للفتاتين، وبعد الاستعداد، تأتي البداية في البطولة الوطنية للمبتدئين. (9)

 

بالطبع كان اللعب أمام الفتيات في البطولة الوطنية أسهل بكثير من مصارعة الفتيان في الطين، لذا كان حصد الميداليات أسهل، وحتى في البطولة الدولية للمبتدئين، لم تواجه الفتاتان صعوبة في حصد الميداليات، وتحوَّلتا إلى فخر لقريتهما بعد أن كانا مثار سخرية لسنوات بسبب حياة الذكور التي فرضها عليهما الوالد.

 

بعد تحقيق البطولات الوطنية والمحلية، تذهب "غيتا" إلى والدها وتطلب الالتحاق بالأكاديمية الرياضية الوطنية بالبلاد، حيث يتوفر نظام تدريبي أفضل، وفرصة للتدرُّب مع مدربين دوليين ومحترفين وليس معه. في تلك الحقبة، ذهبت غيتا إلى الأكاديمية، وذهب سون إلى المعايشة مع هامبورغ، فهل انتهى دور الأب في كلتا القصتين؟ كلا، فصل جديد منه سيبدأ للتو.

 

لم تكن لحظة التعامل مع مدربين محترفين نهاية دور الأب المدرب في حياة سون وغيتا، مهافير توجَّه للمدرب في اللحظة الأولى لابنته داخل الأكاديمية ليتحدَّث معه عن موهبتها وقدرتها على جلب الميدالية للهند في حال تدرَّبت بطريقة سليمة، وبالطبع المدرب الدولي المحترف لم يأخذ حديث أحد الهواة بجدية، وسيشعر مهافير بالحزن كون المدرب الجديد لابنته لا يشبهه في شيء.

أما سون، فبعد انضمامه إلى هامبورغ، رافقه والده وونغ إلى هناك، كان يذهب معه إلى تدريباته مع الفريق، ويقف وراء حواجز الملعب ويتابع بتركيز شديد، ليكمل النواقص من خلال التدريبات المنزلية التي لم تتوقف، الأمر الذي جعل سون مميزا عن البقية بأشياء لاحظ مدربوه أنه يتدرَّب عليها باستمرار ومنذ سنوات طويلة حتى يتقنها بهذه الكفاءة، كالسرعة والتحكُّم في الكرة وإجادة التسليم والتسلم، تلك الأساسيات التي غرسها فيه والده منذ الصغر. (10)

 

عاد مهافير إلى الأكاديمية بعدما بدأت ابنته "غيتا" في تلقي الخسائر نتيجة للأسلوب الذي لا يناسبها الذي يفرضه عليها المدرب بحجة أنها يجب أن تنسى كل ما تعلَّمته من قبل لتُتقن الأساليب الاحترافية. الأب المدرب عاد من جديد ولكن متخفيا، أقام في منزل قريب من الأكاديمية وأشرف على تدريباتها في الخفاء لرفض مدربها ذلك، عكس سون الذي كان والده يقوم بتدريبه بعلم هامبورغ الذي رحَّب مسؤولوه بالأمر لأنهم لمسوا ثماره.

 

لم يكن دور الأب في كلتا القصتين مجرد عاطفة زائدة أو غرور شخص يظن أنه صنع بطلا من لا شيء ولا يريد ألا ينسب الفضل لغيره، بل استند الأمر إلى بُعد منطقي، وفكرة اقتنع بها مهافير ووونغ تتعلَّق بقصور الأكاديميات والتدريبات الاحترافية في بعض الأشياء، وعدم الرضا عن المنظومة الاحترافية بسبب القوالب الثابتة التي لا تراعي الاختلافات الفردية، وقتل المرونة من خلال الالتزام التام بالقوانين والشروط.

 

وونغ مثلا كان يرفض التدريب المُكثَّف على تسديد الكرة بالنسبة لمَن هم أقل من 12 عاما، حيث إن كاحل القدم لا يتحمَّل تلك الضربات المتكررة، ويرى أن ذلك كان أحد الأسباب وراء إصابة الكاحل التي أنهت مسيرته مبكرا. في ذلك السن، يُفضَّل التدرُّب على المهارات الأساسية، السرعة والتحكُّم في الكرة والاستلام والتسلم وما إلى ذلك، فلسفة مختلفة تماما عما يحدث داخل جدران الأكاديميات من قِبَل الأكاديميين الذين لا يعترفون بأي شيء يقوله هاوٍ أو شخص يعتقدون أنه كذلك، تماما كما يحدث في المدارس والجامعات والشركات، رفض تام للمعرفة التي يكون مصدرها الحياة وليست الكتب والدورات والمجلدات. (11)

والد هيونغ مين سون

أما مهافير، فلم يكن مؤمنا بشيء اسمه اللعب الثابت من أجل الفوز، ورأى أن ابنته خُلقت لتلعب بأسلوب هجومي إلا في بعض الأحيان التي يضطرها فيها الخصم لغير ذلك، أما مدرب الأكاديمية فأراد من الجميع اللعب بأسلوب الدفاع أولا، قولبة للبشر وتجاهل تام للفروق الفردية، مهافير سمَّى ذلك بتغليب الأسلوب على طبيعة المرء، وشبَّهه بأن تطالب نمرا لا يعرف إلا الهجوم بإتقان أسلوب الفيل في الدفاع. (12)

 

حين تضع هذا المزج بين الصرامة التدريبية والتخلُّص من قوالب الأكاديميات، ستخلص إلى الوصفة القادرة على إنتاج لاعبين أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع مختلف المواقف، هنا سون الذي لعب جناحا ومهاجما ومهاجما ثانيا في العديد من الخطط والرسوم التكتيكية، ونجح مع أكثر من مدرب وفي الدوري الألماني والإنجليزي، وهنا غيتا التي استطاعت التأقلم أمام مصارعات هجوميات وأخريات دفاعيات، وقبلها أمام الذكور في حلبة الطين بقريتها. (13)

 

الزمان عام 2010، والحدث دورة ألعاب الكومنولث، التي تأهلت إليها غيتا بعد العودة إلى تقاليد الوالد، حيث معادلة النمر الهجومي والفيل الدفاعي وما بينهما، المدرب يقول ما يقوله وهي تُسلِّم نفسها تماما لأبيها، الذي يشاهد الخصوم كيف يلعبون ويُسجِّل مبارياتهم بالفيديو ويمنحها نصائح عامة من جهة، وأشياء تخص كل خصم من جهة أخرى، تماما كما يفعل مُحلِّلو الأداء في كرة القدم، فتعود الانتصارات بعدما غابت في بداية الرحلة مع الأكاديمية.

على الجانب الآخر، وفي 2010 أيضا، يتعاقد هامبورغ نهائيا مع سون بعد فترة معايشة أكثر من ناجحة، ويقضي هناك 3 سنوات ثم عامين مع ليفركوزن، ثم الانتقال إلى توتنهام في 2015، ليعاني بداية صعبة في أجواء البريميرليغ، قبل أن تأتي الانطلاقة متأخرة ثم تتصاعد الأمور، ولا يعلم أحد أين ستتوقف مع لاعب بات يُصنَّف ضمن أفضل اللاعبين في الدوري الإنجليزي. (14)

 

إذا كنت وصلت إلى هنا، فربما تتوقَّع النهاية بالفعل. حيث توّجت غيتا رحلتها بميدالية ذهبية أولى للهند في دورة ألعاب الكومنولث، ومنحتها لوالدها الذي لامس حلمه بعد قصة فريدة في تاريخ البلاد الرياضي، كان ذلك قبل عامين من أن تصبح أول مصارعة هندية تتأهل لدورة الألعاب الأولمبية بمشاركتها في أولمبياد لندن 2012. ثم بعد ذلك تلاحقت الميداليات لها ولشقيقتها، بابيتا التي بدأت بفضية في 2010 أيضا، حتى وصل مجموع ما حصلتا عليه من ميداليات إلى 29 في عام 2016، حين عُرض الفيلم لأول مرة. (15)

 

أما سون، فقد أراد -عن غير قصد- أن تتشابه قصته مع ما جسَّده عامر خان، ولم يكتفِ بمسيرة ناجحة مع الأندية فقط، بل حمل ذهبية دورة الألعاب الآسيوية لبلاده في 2019، التي منحته الإعفاء النهائي من الخدمة العسكرية بموجب قانون البلاد، حيث كادت تنتهي مسيرته إكلينيكيا في حال فشل في حمل ميدالية لبلاده، وقتها كان سيضطر للانقطاع عن كرة القدم في الثامنة والعشرين من عمره والعودة إلى بلاده لكي يقضي عامين جنديا في الجيش الكوري، ليعود بعد عامين من الانقطاع في الثلاثين من عمره ليُجرِّب حظه على الأرجح مع أحد الأندية المحلية. تذكَّر أن قصة سون لا علاقة لها بالسينما حتى لا تختلط عليك الأمور وتظنها من مبالغات المخرجين. (16)

في النهاية، نود أن نسألك، هل سمعت يوما بأسطورة نصف البرتقالة؟ إن لم تسمع فدعنا نخبرك أنها أسطورة يونانية قديمة، تعتقد أن الإنسان كان يمتلك جسدا مزدوجا من ذكر وأنثى في جسد واحد، الأمر الذي جعله يصل إلى حالة من الغرور لم تُرضِ زيوس كبير الآلهة الذي قرَّر أن يقسمه إلى نصفين، ومنذ ذلك الحين يبحث كل إنسان عن نصفه الثاني في الحياة ليتشاركا الحب ويكتملا معا. (17)

 

ماذا؟ هذه الأسطورة تخص جانب الارتباط العاطفي للإنسان؟ نعلم ذلك، ولكن صراحة لم يتبادر إلى أذهاننا سواها لنضعها هنا في الختام، لأنه رغم تشابه قصص بعض البشر في مختلف الأزمنة والأمكنة، من الصعب أن يجد مهافير ووونغ ثالثهما، العالم لن يحتمل شخصا آخر بهذا الشغف والجنون، والأهم أن أبناءه لن يتحمَّلوا ذلك أيضا.

———————————————————–

المصادر

  1. قصة فيلم "Dangal" لـ عامر خان .. إنتاج 2016
  2. قصة وونغ جونغ والد النجم الكوري سون هيونغ مين
  3. حوار سون هيونغ مين عن والده وطفولته – الغارديان 
  4. قصة فيلم "Dangal" لـ عامر خان .. إنتاج 2016
  5. فيلم "Dangal" لـ عامر خان – مترجم
  6. تمارين والد سون القاسية لأبنائه
  7. كيف تعامل مهافير سينغ بهوغات مع ابنتيه في بداية رحلتهما مع المصارعة؟
  8. سون إلى هامبورغ .. وكواليس يحكيها رئيس النادي وقتها – ذا صن 
  9. المصدر رقم "1"
  10. مصدر سابق 
  11. مصدر سابق
  12. حكاية سون ووالده برواية الشقيق – دايلي ميل 
  13. مصدر سابق
  14. مصدر سابق 
  15. مصدر سابق
  16. تتويج منتخب كوريا الجنوبية بدورة الألعاب الأسيوية وإعفاء سون من الخدمة العسكرية – الغارديان 
  17. أسطورة زيوس 
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

الخلط بين حقيقة أن برشلونة لم يكن ليفوز دون ميسي، ولا ريال مدريد دون رونالدو، ولا الأرجنتين دون مارادونا، وبين حقيقة أنهم فازوا وحدهم. الأولى حقيقة لا تقبل الجدل، والثانية كذبة لا علاقة لها بالواقع.

6/4/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة