من أرتيتا إلى توخيل وغوارديولا.. إعادة إحياء ثنائيات الوسط

في كتابه "تطور بيب" الصادر في مايو/أيار 2014 حول سيرة غوارديولا الذاتية، كتب مارتي بيرارناو عن كراهية الإسباني لثنائيات الوسط، مُشيرا إلى أن غوارديولا كان "يشعر بالاختناق والضياع" عندما يشترك في تلك المساحة مع لاعب آخر، ببساطة لأنه يقتطع من حريته ويُقلِّص خياراته للنصف، ويُجبره على التقدُّم واللعب في مسارات مُحدَّدة سلفا، سهلة التوقُّع، تمنح الخصم أفضلية في الضغط عليه وتعطيله. (1)

 

في مدونته الشخصية، التي سمَّاها "فراغ، فراغ، فراغ"، اقتباسا لعبارة تشافي الشهيرة، كتب جون مولر، أحد أبرز محللي العالم، بتاريخ 23 سبتمبر/أيلول 2020، عن "الانتصار الحزين لثنائية الوسط". على مَن انتصرت؟ على بيب غوارديولا طبعا، لهذا هو انتصار حزين. (2)

 

بالإضافة إلى ما سبق، فهناك سبب بديهي لهذه الكراهية، وهو أن ثنائية الوسط، التي عادة ما تكون جزءا من خطة 4-2-3-1 أو 4-4-2، تخلق زوايا تمرير عمودية بين ثنائي قلب الدفاع وثنائي الارتكاز؛ اثنان أمام اثنين في شكل مربع يصعب أن ينتج عنه تقدُّم مثمر بالكرة.

 

لماذا يصعب التقدُّم بالكرة بعد تكوين مربع تمرير؟ ببساطة لأنه شكل مغلق مكتمل؛ يضع اللاعبين في مواجهة بعضهم رأسيا وأفقيا وقُطريا، ولا يمنحهم أي حلول سوى التمرير لبعضهم بعضا دون فائدة حقيقية سوى الاحتفاظ بالكرة.

تخيَّل مثلا أنك تقف في أحد أركان المربع وقد وصلتك الكرة من زميلك، سيكون هناك لاعب على يمينك وآخر على يسارك وثالث أمامك مباشرة. هذه خيارات رائعة للتمرير ولكنها لا تمنحك أي مسار للانطلاق. لا يمكنك كسر هذا الشكل بتحرُّك أمامي واستلام الكرة في وضعية حركة، لأن كل مسار متاح يعترضه لاعب من زملائك. (3)

 

ونتيجة لذلك، فإن أي استحواذ جماعي ناجح يهدف إلى تهديد مرمى الخصم يجب أن يلتزم بأربع قواعد؛ انتشار عرضي جيد، وانتشار طولي جيد، ومسافات مدروسة بين هذا وذاك تسمح بتوفير المساندة لحامل الكرة أو فاقدها، وأخيرا، السعي لاختراق خطوط الخصم. (4)

 

هذا الترتيب لا يعني شيئا، لأن هذه العناصر متساوية تماما في الأهمية، ولا يمكن تحقيق أحدها دون الباقين، ورغم أنها 4 عناصر، فإنها، للمفارقة، لا تتحقَّق إلا في المثلث والأشكال الناتجة عنه. فقط المثلث هو ما يمنح عناصره خطة واضحة للتقدُّم بالكرة.

 

في المقابل، يمنحك المربع فقط الانتشار بنوعيه والقدرة على المساندة ولكن دون مسارات مفتوحة للاختراق وحمل الكرة للأمام، وهذا ما يجعله شكلا سلبيا للغاية من الاستحواذ، وربما يكون هذا هو السبب الذي يجعل بيب غوارديولا يكرهه.

 

هذا هو مكمن الخلاف التاريخي بين بيب وخوانما ليو، عرَّاب الـ 4-2-3-1 ومُبتكرها، ومساعد بيب الحالي خلفا لأرتيتا. ليو كان يهدف إلى الضغط على عناصر الخصم في مناطقها بأكبر عدد ممكن من اللاعبين، وكانت الـ 4-2-3-1 هي الشكل الوحيد الذي مَكَّنه من ذلك لأنها تمنحه 4 مهاجمين في الثلث الأخير، بينما ظلَّت مشكلتها قائمة أثناء بناء الهجمة من الخلف، وظلَّت معها اعتراضات غوارديولا الدائمة على خطة صديقه المقرب. (2)

 

في برشلونة، كان بيب يقول إن الخطط هُراء، وإن اللاعبين هم مَن يرسمون هذه الأشكال بقراراتهم في الملعب، وإن دوره هو منحهم الأُسس التي يستطيعون اتخاذ هذه القرارات على أساسها. في مباريات كان تشافي يهبط بجوار بوسكيتس عندما يتعرَّض الأخير لضغط رجل لرجل، وفي أخرى كان بوسكيتس نفسه يهبط بين قلبَيْ الدفاع ويترك مساحته لتشافي، وأحيانا كانت الكرة تخرج من الطرف عن طريق المسار بين أبيدال وإنييستا. الهيكل التكتيكي واحد، والهدف واحد، ولكن الشكل مُتغيِّر.

المدرب "بيب غوارديولا" مع فريق برشلونة

هذا هو ما كان يدفع ليو لتأكيد نجاح خطته، حيث كان يزعم أن كل مدربي العالم يلعبون بشكل ما من الـ 4-2-3-1، وأن أفضل ما يمكنهم فعله هو إخفاء الأمر بطريقة ما أو إضافة بعض التفاصيل، ولكن في النهاية يظل الشكل المربع قائما رغم عيوبه في الاستحواذ، ببساطة لأنه يمنح صلابة غير عادية بدون الكرة وفي التحولات السريعة.

 

ولكن بعد أن انضم الرجل لجهاز غوارديولا في سيتي، اتضح أنه كان مخطئا. لم تكن مشكلة بيب مع ثنائية المحور شكلية، وظلَّت أزمة زوايا التمرير العمودية قائمة. في تحليل مولر لمباراة وولفز ظهرت تلك المشكلة بوضوح في بعض اللقطات، ولكن بعدها مباشرة بدأت مرحلة من أبرز مراحل تطوُّر بيب مدربا. (5)

لقطة من تحليل جون مولر لمعضلة مربع التمرير أمام وولفز – المصدر مدونة Space

ببساطة، إن ما يخلق الأشكال المثلثة أثناء الاستحواذ هو أن يكون كل خط من اللاعبين أزيد أو أقل من الخط الذي يليه بمقدار لاعب واحد؛ فلو فرضنا أنك تلعب بأربعة وأمامهم اثنين، فسيتكوَّن مربع التمرير كما ذكرنا، أما لو كنت تلعب بخط دفاع ثلاثي وأمامه اثنين فالوضع يختلف، حينها تتكوَّن المثلثات في كل الاتجاهات مانحة غوارديولا أكثر من مسار للتقدُّم بالكرة.

 

لماذا أخبرناك أن تلك هي إحدى أهم مراحل تطوُّر بيب التكتيكي؟ ببساطة لأنه تَمكَّن من الجمع بين أفضل ما في فكرتين متناقضتين؛ حصل على زوايا تمريره المفضلة ولكنه أضاف صلابة دفاعية ملحوظة لفريقه على مستوى التمركز والانتشار. بالطبع كان هذا قبل أن ينفجر دياش بمجرد انتقاله ليُضيف إلى هذه الصلابة بُعدا فرديا كذلك.

 

كل ما سبق يدعونا للتوقُّع أن لأرتيتا يدا في ذلك. صحيح أنه لم يزامن ليو في سيتي أبدا، وقطعا لا يعرف الرجل مثلما يعرفه بيب، ولكن هذه الأفكار كانت هي ما استخدمه نفسه بمجرد وصوله لأرسنال. محور ثنائي، وخلفه خط دفاع ثلاثي، أو على الأقل، يتظاهر بأنه ثلاثي أثناء مرحلة بناء اللعب. (6) (7)

 

أغلب الظن أن أرتيتا كان له دور في زرع الفكرة في رأس غوارديولا، وفي الواقع، تلك لن تكون المرة الأولى التي يؤثر فيها الإسباني الشاب على مواطنه بهذه الطريقة، ولكن الظاهرة الحقيقية في عموم أوروبا هي أن تلك الفكرة انتشرت بشدة في السنوات الأخيرة، حتى ولو لم يكن لغوارديولا أو أرتيتا، أو حتى ليو، فضلٌ في ذلك.

"ميكل أرتيتا" مدرب فريق أرسنال

لسنوات طويلة كان الصراع محتدما بين الـ 4-3-3 النخبوية التي لم يلعب بها سوى صفوة الفِرَق في أوروبا، وبين الـ 4-2-3-1 التي لطالما ارتبطت باللعب العمودي المباشر، ولكن في السنوات الأخيرة، وتحديدا هذا الموسم، بدا وكأن الجميع قد اكتشف أن الصراع كان مُفتعلا أصلا، وأن هناك طريقة أخرى للحصول على أفضل ما في الخطتين.

 

توخيل في تشيلسي، وفليك في بايرن، وفونسيكا في روما، وحتى كومان في برشلونة، بالإضافة إلى أرتيتا وبيب في أرسنال وسيتي، كل هؤلاء صاروا يعتمدون على خط دفاع ثلاثي لخدمة ثنائية الوسط لا العكس.

 

لا شيء يُثبت ذلك سوى ظاهرة متكررة في كل هذه الفِرَق، وهي حقيقة أن كلًّا منهم يملك الأفراد والمهارات التي تُمكِّنه من اللعب بثلاثة في الوسط إنْ أراد؛ بايرن يملك كيميتش وغورتزكا بالإضافة إلى ألابا وخافيير مارتينيز ومارك روكا، تشيلسي يضطر لوضع واحد من جورجينيو أو كوفاسيتش أو كانتي على الدكة، فونسيكا داوم على المداورة بين دياوارا وفيار وبيلّيغريني، وأرتيتا كان يستطيع إشراك كلٍّ من سيبايوس وتشاكا وبارتي معا، مثلما كان يستطيع غوارديولا مع غوندوغان ورودري وبرناردو. هذا ما يجعل اللعب بثنائية الوسط خيارا واعيا لأسباب تكتيكية واضحة، لا لمجرد التدوير أو توفير الجهد. (8)

 

لماذا هو كذلك؟ السبب الأول الذي قد يطرأ في ذهن أي متابع هو الضغط؛ الظاهرة التكتيكية الأكثر انتشارا وازدهارا في العقد الأخير، التي تحوَّلت إلى واحدة من بديهيات اللعبة.

 

لم يعد الضغط حكرا على الفلاسفة من المدربين وأصحاب أساليب اللعب الواضحة، وفي الواقع، أصبح الضغط أقصر الطرق للمدربين الجدد لكي يحصلوا على النتائج ويُثبتوا أنفسهم. هناك مدارس كاملة أُقيمت على الضغط السريع الشرس خلال السنوات الماضية، أبرزها تلك التي أسَّسها رانغنيك في ألمانيا والنمسا، وأنتجت مدربين مثل جيسي مارش وماركو روزه، والاتجاه المتصاعد في إيطاليا بمواكبة التطور في هذه الناحية، الذي عبَّر عنه مدربون مثل دي فرانشسكو ودي زيربي وغاسبريني.

 

الضغط أصبح عنوانا لكثير من فِرَق الوسط الطموحة، وهذا أحدث تغيُّرا ملحوظا في نسبة المباريات التي كانت تُلعب من جانب واحد، المباريات التي كان يكتفي فيها خصوم سيتي وبرشلونة وريال مدريد وبايرن بالانتظار في مناطقهم على أمل استغلال خطأ قد لا يأتي أبدا.

 

الاتجاه الإيجابي المتصاعد الآن عبر أندية أوروبا أحدث تغييرا في إستراتيجية مدربين مثل غوارديولا وكلوب وتوخيل، فبدلا من محاولة فرض السيطرة المُطلقة في نصف ملعب الخصم، أصبحوا يُخطِّطون لاستغلال اندفاعه ضده، وسحبه في مناطقهم أثناء بناء اللعب، وإغرائه بإمكانية استخلاص الكرة وتسجيل هدف سهل، ثم ضربه في المساحات التي تكوَّنت خلف خط ضغطه الأول والثاني.

"توماس توخيل" مدرب فريق تشيلسي

لكي يحدث كل ذلك، يحتاج هؤلاء المدربون إلى لاعبين على قدر عالٍ من المهارة التقنية في التعامل مع الكرة، وعدد أكبر من اللاعبين عموما في مناطقهم أثناء بناء اللعب والخروج بالكرة، ليجتذب عددا أكبر من لاعبي الخصم، ويمنح المهاجمين أفضلية أكبر في المساحات المتخلفة عن كل ذلك.

 

لهذا عاد كريستنسن إلى تشكيل تشيلسي، ولهذا أصبح كانسيلو خليطا بين الظهير ولاعب المحور وصانع الألعاب، ولهذا أعاد دياوارا أحياء مسيرته في روما، ولهذا يُصمِّم أرتيتا على إشراك ديفيد لويز كلما كان جاهزا، ولهذا يلعب ألابا في دفاع بايرن كلما أمكن.

 

تخيَّل كأن عملية التحضير التي كانت تتم في وسط الملعب قد انتقلت للمساحة الواقعة أمام المرمى، هذا هو ما حدث باختصار مُخِل. مَن يُسيطر على تلك المساحة حاليا، ومَن يُجبِر الخصم على الخطأ فيها، هو الأقرب للفوز.

 

قديما قال أحدهم إن مدافعي الكرة الحديثة سيتحوَّلون إلى لاعبي وسط مكتملي المهارات، والفارق الوحيد وقتها سيكون موقعهم في الملعب، وهو ما حدث فعلا بفعل تطوُّر الضغط في العقد الأخير. لا نتذكَّر اسم قائل العبارة، ولكن نظرته كانت ثاقبة بشكل لا يُصدَّق.

——————————————————————————————–

المصادر

  1. بيب غوارديولا: التطور – أمازون
  2. الانتصار الحزين لثنائية المحور – Space Space Space
  3. الهندسة في كرة القدم؛ محاولة فهم المثلث – Outside of the boot
  4.  لماذا تُعَدُّ المثلثات أفضل من المربعات والدوائر في كرة القدم؟ – Better than this
  5. المشكلة في خطة 4-2-3-1 – The False Nine
  6. تحليل تكتيكي لأسلوب لعب أرسنال أثناء مراحل اللعب المختلفة – Breaking The Lines
  7. النظرية التكتيكية: دور ثنائي المحور في بناء اللعب من الخلف – Total Football Analysis
  8. لماذا تُعَدُّ ثنائية وسط توخيل الخيار الأفضل للاستفادة من نغولو كانتي – Four Four Two
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

شيء واحد أثبته لابورتا في هذه الانتخابات وكل ما صاحبها من جدل؛ أنه الأذكى على الإطلاق بين كل المرشحين، فعندما تجد منافسك يحفر قبره بنفسه فإن أفضل ما يمكنك أن تفعله هو أن تشاهده وتدعه وشأنه.

14/3/2021

رغم كل المآخذ عليه، من الصعب ألا تُعجَب بخوان لابورتا، ليس لأنه رئيس رائع، ولكنه لأنه يُظهِر درجة من الأصالة لا يُظهِرها المشاهير عادة في الإعلام، يُخطئ ويتحمس وينفعل، ولكنه نادرا ما يفقد هيبته.

15/3/2021

الخلط بين حقيقة أن برشلونة لم يكن ليفوز دون ميسي، ولا ريال مدريد دون رونالدو، ولا الأرجنتين دون مارادونا، وبين حقيقة أنهم فازوا وحدهم. الأولى حقيقة لا تقبل الجدل، والثانية كذبة لا علاقة لها بالواقع.

6/4/2021
المزيد من مقالة
الأكثر قراءة